روحاني وموجة الغضب الشعبية

روحاني وموجة الغضب الشعبية

مشاهدة

20/02/2018

أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني في آخر خطاباته، ضمن حفل الذكرى السنوية للثورة الإسلامية، على ضرورة الإصغاء للشعب وسماع نصائحه للحكومة، وعلى حق المواطنين بالنقد والاحتجاج.

ومن أبرز النقاط المهمة التي قالها في خطابه:

"لن يستطيع أحد أن يمنع الأمة الإيرانية المجيدة من إبداء الرأي والنقد وحتى الإحتجاج. على كل المسؤولين في الدولة أن يستوعبوا احتياجات المواطنين وأن يسمعوا مطالبهم".

"توهم نظام الشاه البائد أن إيران مملكته طيلة العمر وهو حاكمها الأبدي، ثم خسر كل شيء؛ لأنه لم ينصت لرأي الشعب ولم يستوعب نقده. لم يتقبل آراء الناصحين والمصلحين والعلماء الأجلاء والمثقفين، تجاهل صوت الشعب وسمع صوتاً واحداً هو صوت الثورة. على الحكومة أن لا تكتفي بسماع صوت الناس عن بعد؛ بل عليها أن تسمع نصيحة ومطالب ونقد واعتراض الشعب بإصاخة تامة".

"محالٌ أن نسمح بعودة الطغيان إلى هذه الأرض. سنكون مع الشعب لتحقيق مطالبه بشكل استثنائي حتى تتقدم بلادنا العزيزة نحو الأمام برؤى الشعب التي يقدمها".

هل يأخذ روحاني هذا الكلام على محمل الجد وينقله من صيغة القول إلى ميدان الفعل؟

أولاً: الاحتجاجات التي سُمِعَ دويها؟

أبدى روحاني –الرجل الثاني في النظام بعد المرشد الأعلى- تعاطفه مع المسيرات الاحتجاجية الأخيرة. بغض النظر عن فحوى تفاعله مع الاحتجاجات بهذه الاستماتة، إلّا أنه لم يبدِ أيّ رد فعل سلبي إزاء هذا؛ بل اعتبر ما حدث حقاً مصاناً للشعب الإيراني.

بدايةً، لم تأتِ هذه الطريقة بشكل عبثي للتعامل مع المناخ السياسي الإيراني، فهي طريقة تخاطب المزاج الشعبي؛ لأنها تصدر عن رئيس الجمهورية بأقل تقدير، كذلك تخاطب اصطلاحات رنانة مثل؛ الحرية وحرية التعبير والتظاهر.

ثانياً، ما مدى انسجام القول مع الفعل؟

ليست المرة الأولى التي يقول فيها روحاني كلاماً كبيراً يغوي نشطاء المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والمواطنين. لكن، هل يأخذ روحاني هذا الكلام على محمل الجد وينقله من صيغة القول إلى ميدان الفعل؟

في الشهور التي تلت تولّي روحاني رئاسة الجمهورية ردّد الرئيس الجديد شعارات ووعوداً انتخابية متحمسة وواضحة. انتقد بما فيه الكفاية حالة الفريق الوزاري واختيار بعض محافظي المدن وشؤون المرأة والشباب والطائفية السنية في البلاد.

تسخيف الاحتجاجات ووصف السخط الشعبي بأنه من صناعة الأعداء أسلوب سلطة المرشد الاستبدادية وأجهزته الأمنية وأذرعه الإعلامية

وفي الآونة الأخيرة وبينما يؤكد على حق المواطنين بالنقد والاحتجاج، منعت الصحف الإيرانية رسالة المعارض مهدي كروبي من النشر، منعتها إدارة المطبوعات والنشر الداخلية في وزارة الإرشاد وفق قانون سنة 2010 الذي أقره المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، رغم أن روحاني يترأس هذا المجلس منذ أربع سنوات إلّا أنه يمنع النشر لقياديي الحركة الخضراء ولا يسمح لهم بنشر آرائهم في إيران.

ورغم وجود بعض المنصات التي تمرر أخبار وآراء قياديي الحركة الخضراء مير حسين موسوي ومهدي كروبي وزهرا رهنورد، إلا أنهم محاصرون بالمنع بأمر من وزارة الإرشاد التي تراقب أخبارهم بتربص.

بين هذا كله يوجه مهدي كروبي رسالة تاريخية إلى المرشد الأعلى علي خامنئي ويقول فيها: "منذ انتخابات 2009 حتى الآن تواصل وسائل الإعلام الوطنية والحكومية مثل؛ صحيفة كيهان إهانتي وإهانة حسين موسوي وكل المواطنين المعارضين. إهانات وتهم وتلفيق بكل الطرق ويتوهمون بهذا أنّ الرأي الإيراني العام سيتبرأ منا ومن المعارضة باهتزاز صورتنا".

لا حدود لتناقضات القول والفعل في حكومة روحاني، فالأجهزة الأمنية الإيرانية لا تتوانى عن تهديد النشطاء السياسيين والطلاب والعمال وهذا ليس إلّا قمعاً للرأي الآخر وعائقاً كبيراً للانفتاح السياسي.

كروبي: نتائج العمل منذ ثلاثة عقود تحت راية المرشد الأعلى لا بد أن تعرضها وسائل الإعلام الرسمية التي ترعى ولاية الفقيه

ثالثاً: الهوة سحيقة بين التقييم والعمل

أكد روحاني في خطابه الأخير "لن نسمح بعودة الاستبداد إلى هذه الأرض"، لكنه لم يوضح هدفه من هذا الكلام، هل يقصد تجاوز الماضي الاستبدادي في عهد الشاه؟ وهل يشمل هذا الكلام الاستبداد الديني؟

رغم أنّ روحاني -رأس النظام– لا يفعل شيئاً أمام تغول الاستبداد والقمع، إلّا أنَّ تقديره للوضع القائم لا يختلف عن تقدير المعارضة السياسية.

والمعارض أبو الفضل قدياني أحد قادة الحركة الخضراء يعطي مثالاً على هذا من خلال رسالته التي انتشرت مؤخراً وتحدث فيها عن الاستبداد الديني المتفشي في الدولة وطغيان المرشد الأعلى، فهو يقول: "الفساد وفشل الإدارة الاقتصادية لحكومة ولاية الفقيه ومصادرة الحريات يجهض المشروع المدني والسياسي الذي يريده الشعب".

تعبر خطابات روحاني عن جوهر سلطة الدولة التي لا تعطي الأولوية للتنمية السياسية والقضايا الراهنة

جاء مثل هذا الكلام في رسالة مهدي كروبي الأخيرة التي أكد فيها على "تكمن جذور مشاكل الدولة في النهج العام الذي لا يحتكم للشرعية السياسية القادمة من خيارات وإرادة الشعب". وانتقد الاستبداد وسلب حقوق الإيرانيين، مخاطباً رأس هرم النظام علي خامنئي: "لماذا لا تواجه الشعب صاحب البلاد الحقيقي بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين".

ووفق كروبي، فإن نتائج العمل منذ ثلاثة عقود تحت راية المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية "لا بد أن تعرضها وسائل الإعلام الرسمية التي ترعى ولاية الفقيه، وإذا لم تفعل هذا إنها تواصل الترويج لتعطيل العقل الجمعي في إيران وتخليد نظام أحادي مستبد". من الواضح أنّ الفرق خيالي بين تقييم روحاني والمعارضة للوضع الراهن، وهذا الفرق سيشكل نهجًا لمواجهة الوضع الحالي والخروج منه.

يتحدث قدياني أيضاً عن أهمية السجال بين المعارضة وولاية الفقيه الغاشمة، أما كروبي فيريد إصلاح أساسات النظام الذي وصفه بالمتهالك وانتقد رسالة آية الله جنتي ومجلس صياغة الدستور وإدارة الانتخابات. من جهة أخرى يتحدث روحاني عن إجراء الانتخابات في الدولة وفق أسس ديمقراطية.

يتحدث قدياني عن أهمية السجال بين المعارضة وولاية الفقيه الغاشمة أما كروبي فيريد إصلاح النظام الذي وصفه بالمتهالك

وفق كلام روحاني وكروبي، إنَّ الضغط الشعبي والسعي إلى تكوين قوى اجتماعية تدافع عن الديمقراطية وتتصدى للاستبداد والطغيان، أما خطابات روحاني فهي تعبر عن جوهر سلطة الدولة التي لا تعطي الأولوية للتنمية السياسية والقضايا الراهنة. والأبعدُ من هذا، أن حسن روحاني يريد (وبوسعه إذا أراد) أن يوجه مسامع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية إلى أصوات الاحتجاجات وأن يفتح عيون مراكز القوى على مطالب المجتمع. المصيبة أنّ الرجل الأول في النظام وقوى الأمن والنظام بذاته وحاشيته يتجاهلون صرخات الاحتجاج ومطالب المتظاهرين بشكل متعمد.

تسخيف الاحتجاجات بوصفها  "مطالب اقتصادية"، ووصف السخط الشعبي بأنه من صناعة "الأعداء" أسلوب سلطة المرشد الاستبدادية وأجهزته الأمنية وأذرعه الإعلامية، وهذا نهج لا يغيره روحاني بالخطابات. إذا أراد روحاني أن يفعل شيئاً فليس عليه إلّا أن يقدم منصّة آمنة يقدم فيها المواطنون مطالبهم؛ لأن تغيير سياسيات الدولة المنتظر مرهون بتكثيف ضغط المجتمع ورفع صوته عالياً بالاحتجاج والرفض.

مقال للكاتب والباحث الإيراني مرتضى كاظميان - موقع "راديو فردا"

الصفحة الرئيسية