ريتشارد دوكنز يعيد إحياء الداروينية: هل للملحد ما يواسيه؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
20166
عدد القراءات

2018-10-11

"جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت". بتلك الكلمات افتتح الشاعر إيليا أبو ماضي طلاسمه، التي غنّاها فيما بعد موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، في دلالة أدبية صريحة على مخاطبة الشاعر للموت، وعدم يقينه من كينونة الحياة، وماهيتها. وعلى ذات النغمة استكمل "ريتشارد دوكنز" نغمته التي أعلن فيها "موت الإله" عملياً بعدما أعلنه فريدريك نيتشه فلسفياً، فاتخذ نظرية التطور سبيلاً إلى قضيته لتخليص البشرية من "أكذوبة الأديان" التي يرى فيها "هلاك الإنسانية"، على حد زعمه.

الطفولة الحائرة

كان ميلاده وسط عائلة تهتم بالعلوم، يبعث في عقل الطفل "ريتشارد"، التساؤل الوجودي الأهم في حياة كل إنسان: كيف بدأ الخلق. وهو تساؤل لا ينفك أي طفل قد تعلم الكلام أنّ يسأله لوالديه، وغالباً ما تأتيه الإجابة الكافية الشافية من الوالدين، ليحكيا له قصة الخلق طبقاً لكل دين ينتمون إليه، إلّا أنّ الإجابات المقولبة لم تشفِ فضوله، ولم تقنعه بما يكفي، وعلى الرغم من أسرته المسيحية، إلّا أن ذكاءه المبكر، دفعه للبحث الذاتي عن قناعاته دون أن يتوارثها عن العائلة كما يفعل الغالبية، ولعل ما ساعده على هذا التفكير المبكر، كان بيئة النشأة، حيث ولد عام 1941 في كينيا، وعاش طفولته متنقلاً بين كينيا وملوي في إفريقيا جنوب الصحراء.

الأديان بالنسبة لدوكنز، تقدم تأمينات ضد مخاطر الحياة، وتضع العقل الإنساني في حدود لا يمكنه تخطيها

هذه البيئة، بحسب ما قال في أحد لقاءاته التلفزيونية مع قناة "ديسكفري"، كانت الباعث الأول للتفكير في قصة الخلق، فقد عشق هذا التنوع البيئي الذي لم يقنعه أنّ كل تلك المخلوقات البديعة قد خلقت على حدة، وبعد التمعن اقتنع أنّ هناك أصلاً واحداً لكل تلك الكائنات، وأنّ العالم لا يحتاج إلى خالق، وكانت تلك الفكرة الرئيسية لكتابه "صانع الساعات الأعمى"، الذي حاول أن يعرض فيه فكرة أنّ التطور يعمل بميكانيزم تلقائي؛ بحيث أنّ كل المخلوقات التي نراها في كوننا، تمتلك أصلاً مشتركاً.

كتابه "صانع الساعات الأعمى"

اعتناق الداروينية

دراسة دوكنز في مدارس مسيحية، أتاحت له الفرصة للتمعن في الإنجيل، الذي يراه ليس إلّا كتاباً أدبياً، يمكن قراءته للإبحار في تاريخ الإنسانية، ولا يملك من الأدلة العلمية الكافية لما يمليه على أتباع المسيح من حقائق لا تقوم على سند حقيقي. الدلائل والبراهين هي كل ما يؤمن به، وبلا أدلة لا يمكنك الدفاع عن قضية مشكوك فيها من الأساس، ولا يمكننا القول إنّ دوكنز تحوّل من الإيمان إلى الإلحاد ولكن في سن التاسعة أدرك أن هناك العديد من الأديان، ولا يمكن أن تكون كلها صحيحة، لذا فقد آمن بالإله كمجرد بعيداً عن الآليات التي يضعها المؤمنون لممارسة العبادة لربهم، لكن جاءت الداروينية (والتي أعاد إحياءها من جديد) كفصل القول بينه وبين الاعتقاد بالربوبية.

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟

رأى دوكنز في الداروينية الدليل الأقوى لدحض قصة الخلق، وما يجيب عن تساؤلاته المبكرة، فاتخذ الداروينية مبدأ علمياً ينظر من خلاله للعالم، والتي بنى على أساسها هجومه على الدين كخريطة طريق للإنسانية، حيث يرى أصحاب كل معتقد أنّهم مُلاّك للحق فيتقاتلون مع أصحاب المعتقدات الأخرى، وهكذا الدين في نظره لا يُولد سوى مزيد من الكراهية، ولا يفهم الناس أنّ أصولهم واحدة، وأننا كما يري الفيزيائي"ستيفن هوكينج"، أبناء النجوم التي أمدت كوكبنا بالعناصر الأساسية في تكويننا وبذور كل محتويات الطبيعية، وحين يفهم البشر أنّهم أبناء الحياة سيتخذ التاريخ الإنساني منحى آخر غير ما هم عليه من القتال والكراهية التي كرستها الأديان، على حد تعبيره.

تشارلز داروين

العداء الإنساني للدين

المتدينون يرون في فكر دوكنز، الشر المطلق، فهو يحاول توظيف العلم لمحو ما تفعله الأديان في عقول الصغار، فقد نادى بإغلاق المدارس القائمة على أساس ديني، والتي ترغم الأطفال على اعتناق عقيدة معينة، وربما يلتقي هذا النداء مع ما تقوم به طائفة الآميش (المسيحية)، في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمتنع عن توريث ديانتها لصغارها، وتترك لهم حرية التنقل واختيار المعتقد الذي يناسبهم، وهو ما يتنافى مع عقيدة المتدينين، حيث يعتبرون أنّ أبناءهم امتداد لمعتقداتهم وخلفاء الرب لهم على الأرض.

المتدينون يرون في فكر دوكنز الشر المطلق، لأنه يحاول توظيف العلم لمحو ما تفعله الأديان في عقول الصغار

ويرى البعض أنّه لا يهاجم الدين أو المتدينين، بقدر ما يهاجم تأثير الإرث الديني للمجتمعات على سلوكها وتعاملاتها مع الحياة، ففي حلقاته الوثائقية التي تناول فيها الخير والشر وأصل الحياة، بدأ رحلته من مناطق النزاعات حول العالم، انطلاقاً من أرض القدس، مروراً بالعديد من بؤر الصراع الديني في الشرق الأوسط، حيثُ يرى أنّ الجرائم في هذه المناطق ترتكب باسم الإسلام، مثلما فعلت المسيحية في القرون الوسطى وارتكبت المجازر بحق العلماء، إلّا أنّ المسيحية في وجهة نظره الآن، قد تركت إرثها التاريخي في أوروبا، وبدأ كل مجتمع يتعامل مع الأمر بثقافة قائمة على العلاقات بين الأفراد، والقوانين التي تنظمهم، وهو برأيه أمر جيد.

اقرأ أيضاً: الإلحاد في العالم العربي: نقد التدين أم هدم الدين؟

"لقد نشأ الدين في مواجهة خوف البشر من الموت"، من هذا المبدأ انطلق دوكنز في نقد الأديان التي تقدم إجابات قاطعة اليقين لكل شيء حول الحياة والموت، ويرى أنّ البشر انطلقوا في البحث عن الإله كحائط صد للدفاع عن فكرة الفناء الذي يلحق بهم، في حين أنّه بعد تعرضه لجلطة قلبية قبل أعوام، بدا مصمماً على معتقداته، مؤكداً أنّه لا حياة بعد الموت، وأنّ الآخرة قد اخترعها المؤمنون، لتعزية أنفسهم بالفقد الذي يعانونه، بعد موت رفاقهم. ربما يضيف دوكنز في رؤيته المغايرة للعالم نظرية علمية للإلحاد، الذي يرى كثيرون أنّه ناتج عن اضطراب نفسي، يحاول هو تقديم براهين وأدلة علمية تعزز فرضية وهم الإله لدى البشر، إلّا أنّ الفكرة تمد جذورها بقوة في عمق التاريخ البشري، كأقوى إرث إنساني عرفه الناس يوماً.

الموت..الحياة

"حتى لو كنت ملحداً، فكرة الحياة والموت بالصدفة ليست مقبولة أبداً، وربما يعتقد الملحدون أنّهم تخلوا عن الإله، لكن يتمسك أي إنسان بأنّ كل شيء يحدث لسببٍ ما"، بتلك الكلمات يمكننا استنتاج فلسفة دوكنز، التي تبحث في أصل الموت والحياة، وهو النهج الذي اتخذته معظم العقول المستنيرة على امتداد التاريخ البشري، ومن مختلف الأديان. البحث عن أصل الحياة، ولغز الموت، أمر لا يزال البشر متعثري الخطى نحو إدراكه بشكل كلي، بتلك الرحابة استطاع دوكنز الإيمان بأنّه لا نمط محدداً نستطيع قياس الأمور من خلاله، وأنّ الكون لا يملك قوالب محددة، ولكن عقولنا وحدها هي التي توهمنا بأننا مسيطرون على كل شيء وأنّ الأديان ليست سوى محاولة لوضع أنماط توهمنا بالقدرة على التحكم والسيطرة.

نادى بإغلاق المدارس القائمة على أساس ديني، والتي ترغم الأطفال على اعتناق عقيدة معينة

وللخروج من هذا النمط على كل إنسان أن يجد المعنى لنفسه، محاولاً الخروج من بؤرة الدين التي ترغم الإنسان على الاستسلام لمصيره، مثل أسطورة"سيزيف" الذي حكمت عليه الآلهة اليونانية بحمل الصخرة والصعود بها إلى الجبل ومعاودة الكرّة إلى الأبد، دون أن يلقي سيزيف الصخرة متمرداً على حكم الآلهة، هكذا هي الأديان بالنسبة لدوكنز، تقدم تأمينات ضد مخاطر الحياة، وتضع العقل الإنساني في حدود لا يمكنه تخطيها، حتى يبقى الحال كما هو، ولكنه يرى أنّ الدين ليس إلّا الوجه المزيّف من النظام الطبقي القائم على السادة والعبيد، وأنه لم ينشأ إلّا كوجه تجميلي لهذا النظام غير الإنساني، حتى يستطيع السادة السيطرة والتحكم بعقول العامة، كما هو النظام القائم.

اقرأ أيضاً: وزير الأوقاف المصري: الإلحاد الوجه الآخر للتطرف

اقرأ المزيد...

الوسوم: