رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

بسبب ذلك الجسد الهزيل الذي لم يفارقه الاعتلال، ظل ذلك الطفل ابن الأسرة الكاثوليكية المتدينة، دائم التفكير والتأمل في الأسباب التي تقف وراء هذه الصحة الواهنة، وباحثاً عن إجابات لأسئلة أخرى أشد تعقيداً، لعلّها تبعث في نفسه القلقة تلك الطمأنينة التي طالما تاق لها، وكان لـ"رينيه جينو" أو الشيخ العارف بالله عبد الواحد يحيى، في النهاية ما أراد.

رينيه جينو شاباً

تيه المدارس الروحية

ولد رينيه جينو في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1886، في مدينة بلوا الفرنسية، أنهى دراسة البكالوريا عام 1903، ثم انتقل إلى باريس العام 1904، وسجّل اسمه لدراسة الرياضيات في كلية رولين، العام 1906، ورغم نبوغه اللافت في هذا التخصص؛ فإنّه ترك الكلية ولم يكمل الدراسة فيها، ثم حصل على الليسانس في كلية الآداب من جامعة السوربون، العام 1915، وبعد ثلاثة أعوام بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون (شهادة تؤهل للتدريس بالمدارس الثانوية الفرنسية) في الفلسفة.

انبهار جينو بالغنى الثقافي الباريسي دفعه للانصراف عن دراسة الرياضيات والاغتراف من المذاهب الصوفية المسيحية

لم يلبث أن انجذب جينو إلى مجتمع باريس الذي ضمّ عدداً لا يحصى من أتباع الأفكار والأديان والمذاهب والمعتقدات، هذا الانبهار بعالم مدينة النور دفعه للانصراف إلى المذاهب الصوفية المسيحية التي انشغلت بأسئلة سقوط الإنسان في المادية، بعيداً عن النبع الإلهي المقدس، وكيفية العودة إلى هذا النبع مجدداً.
في هذه الأجواء انجذب الشاب المتدين إلى الطريقة المارتينية؛ التي أشرف عليها الطبيب الفرنسي جيرار انكوز (Gérard Encausse)، تدرّج في تلك الطريقة، حتى وصل إلى أعلى رتبة فيها، ثم تركها لينضم إلى الكنيسة الغنوصية، كما شارك في تأسيس دوريتها الغنوص  (La Gnose)، والكتابة فيها حتى عام 1922.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل

وبسبب ظمئه الروحي، الذي لم تروِه تلك المعتقدات الغريبة، وملاحظته لعدد من المخالفات والتجاوزات التي سجلها على تلك الطرق؛ اتجه إلى عدة منظمات دينية مسيحية وماسونية، وكان كدأبه مع كلّ جماعة يصل إلى أعلى مكانة ورتبة، ثم يتركها بعد أن يعاوده الظمأ الروحي وشعور الاغتراب عن الحقيقة الروحية التي يصبو إليها، حتى انتهى به الحال بوصف ذلك النمط من الروحانيات بالزائف.

عاد جينو إلى الحياة العامة مجدداً، في أوائل عشرينيات القرن الماضي، تاركاً خلفه تلك المذاهب؛ لينغمس في دراسة المذهب الكاثوليكي، مدفوعاً بقلقه، وباحثاً عن إمكانية وجود صوفية كاثوليكية بتصحيح الانحراف الحادث بها عن طريق ما أسماه "الإدراك".

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى؛ درس جينو الأديان الشرقية القديمة، الهندوسية والبوذية والطاوية، عبر اتصاله بأشخاص ينتمون إلى ما يعرف بأدفيتا فيدانتا (طريقة فلسفية من الطرق الكلاسيكية الهندوسية، لتحقيق الإدراك الروحي، ترى إمكانية تحرر الإنسان في العالم)، كما درس الإسلام، ليصدر بعد هذه التجربة الغنية كتاب "مقدمة لدراسة العقائد الهندوسية" العام 1921، ثم تبعه بكتاب عن فلسفة أدفيتا فيدانتا، بعنوان "الإنسان ومصيره وفقاً للفيدانتا" العام 1925.

نشأ المتصوف الفرنسي في سياق غربي مضطرب

الرحلة إلى الله
نشأ المتصوف الفرنسي، إذن، في سياق غربي مضطرب؛ فشهد في شبابه أحداثاً عظيمة، بلغت ذروتها مع الحرب العالمية الأولى، كما تدهورت أمام عينيه مبادئ التنوير والحداثة تدهوراً حاداً، فكانت الأزمة الحضارية الغربية والحلول الهشة غير الناجزة سببين لبحثه عن مخرج آخر باحثاً عن الحقيقة الميتافزيقية الخالدة، كما أسماها.

أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى درس الأديان الشرقية القديمة: الهندوسية والبوذية والطاوية ثم الإسلام

تعرّف جينو أخيراً إلى فنان تشكيلي سويدي شهير، تحوّل إلى الإسلام، يدعى جون جوستاف أجيلي (John Gustaf Agelii) أصبح اسمه بعد إسلامه، الشيخ عبد الهادي عقيلي، وكان عقيلي هذا مهووساً بالشيخ محيي الدين بن عربي، وأسّس طريقة صوفية في باريس، العام 1911، تسمى الأكبرية، نسبة إلى طريقة الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد ضمّ معه رينيه جينو.

في العام 1912، أثمرت مصاحبة الشيخ عبد الهادي، بإعلان الفتى القلق إسلامه، وكان عمره يناهز السادسة والعشرين، واتخذ اسم "عبد الواحد يحيى" الذي سيرافقه حتى وفاته.

بعد وفاة زوجته الفرنسية سافر جينو إلى القاهرة بحثاً عن نصوص صوفية إسلامية، بمرور الوقت تخلى عن فكرة العودة إلى فرنسا، ليستقر به الحال بجوار مسجد الأزهر، تزوج من بنت الشيخ سلامة الراضي من الطريقة الشاذلية، العام 1934، ثم حصل على الجنسية المصرية العام 1948.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

أسس جينو ما يسمى بالمدرسة التقليدية (Traditionalist)، التي كانت ترى أنّ كلّ المذاهب التراثية التقليدية لها نفس المبادئ الخالدة، وترفض المادة كحدود نهائية أو كلية، للإنسان، وتؤمن بالعالم الغيبي غير المنظور إيماناً غير محدود؛ كان يقول إنّ المعرفة الغيبية والتحقق الذاتي الذي تتضمنه واحدة في كلّ مكان، ولكن هناك مناخ عام للحضارة، يؤدي إلى نوع من الاختلافات البينية، مؤكداً أنّ مناخ الحضارة الغربية غير مهيأ إلى تقبل وإنتاج المعرفة الغيبية هذه، على عكس الحضارة الشرقية، وكان يقصد حضارات الشرق عموماً، بما فيها الهندوسية والطاوية والكونفشيوسية والإسلام.
نقد الغرب روحياً
آمن جينو أنّ الغرب عانى من عدة انقطاعات عقلية وفكرية عن ذلك التراث الميتافزيقي المقدس، ما سبّب له الضياع والشتات الروحي، وأنّ الثورة الغربية العدمية على القيم أزاحت القيم والتقاليد الميتافزيقية، وأحلت محلها الفوضى والقلق الوجودي الدائم، وزاد من حجم الاهتمام بالمادة ومنجزاتها على حساب الروح وتدرّج القيم؛ ففقد القدرة على التمييز بين عتامة المادة ونور الروح، وظهور مشكلات خطيرة، مثل صراع الطبقات الاجتماعية، وتغذية تلك الخلافات، ما أوصل إلى اندلاع حربين عالميتين أودتا بملايين الأبرياء.

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
نقد جينو المذهب التجريبي الكمّي، الذي أسسه بيكون، رغم انبهار الغربيين بمنجزاته التي حققها، واعتبارها علامة فارقة في تاريخ حضارتهم؛ إذ رأى أنّ التجريبية ناجحة فقط في دراسة الجزئيات وإدراكها، لكنها عاجزة تماماً عن إدراك الصورة كاملة؛ فالغرب، كما يقول، مدفوع بالرغبة في التعمية على الفشل الروحي بإنهاك الغربيين عبر حصرهم في مجموعة هائلة من البيانات، بزعم استخدام المناهج العلمية الدقيقة "الوضعية" و"التجريبية".

 لم يشترط جينو الثقافة في المتصوف أو حتى القدرة على القراءة بل ما أسماه ملكات خُلقية

الصوفي والمتصوف
فرّق "الشيخ عبد الواحد يحيى" بين الصوفي والمتصوف؛ فالأخير، كما يرى، اتخذ الطريق بحثاً عن الحقيقة، أما الصوفي فهو من وصل للدرجات العليا، ويستحيل على متصوف حقيقي أن يطلقها على نفسه؛ لأنّ الصوفي الحقيقي هو من امتلك الحكمة الإلهية.
واعتبر جينو التصوف مكوناً رئيسياً في الإسلام، يعود إلى السنن النبوية، وأنّ للطرق الأصيلة سلسلة من الشيوخ يرجع نسبهم إلى الرسول، عليه السلام، والتوصل إلى مبادئ التصوف يتطلب قراءة وفهم القرآن الكريم، والتصوف الإسلامي، بنظره، مذهب ميتافزيقي يضمّ مجموعة من العلوم الموروثة المرتبطة بالمبادئ الميتافزيقية، وهو لا يشترط الثقافة في المتصوف، أو حتى القدرة على القراءة، ولكنّه يشترط نوعاً مما أسماه "ملكات خُلقية"، وأن يرتبط بسلسلة منتظمة في طريقة، وما إن يحصل المريد على الوصل، حتى يبدأ العمل الداخلي المنتظم وصولاً إلى درجة "الهوية العليا" أعلى مراتب التصوف.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

من القاهرة، ظلّ الشيخ عبد الواحد يحيى يراسل مجلة "دراسات نقلية" (Études Traditionnelles)  التي ساهم في تأسيسها حينما كان في باريس، وظلّ يراسل المفكرين ويناظرهم حول مدرسته التقليدية.

في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1950؛ أصيب بعدة قروح، ثم عاودته بعد عام، فانتابتْه تشنجاتٌ حادة، وفي مساء السابع من كانون الثاني (يناير) 1951، جلس في فراشه، محاطاً بأبنائه الثلاثة وزوجته الحامل، وقال بالعامية المصرية: "النَّفَس خِلِصْ!"، وأخذ يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد: "الله.. الله"، ليرحل عن عالمنا عن عمر يناهز الرابعة والستين ويدفن في مدافن الدراسة بالقاهرة، تاركاً 29 كتاباً، وما يزيد على خمسمئة مقال ومراجعات للكتب، دافع فيها عن الإسلام وفلسفته الروحية مثل: ملك العالم أو "القطب"، الشرق والغرب، و"أزمة العالم المعاصر" الذي أعيد طبعه عدة مرات.

الأقسام: