زواج قاصرات اللجوء السوري: طفلات في مرتبة أمهات

تحقيقات

طفلات بأجساد نحيلة يحملن صغاراً رضّعاً، جمعتهم الأقدار في أماكن يعدّ أفضلها فاقداً لشروط العيش الإنسانية؛ حيث لا عناية صحية ولا عمل ولا مصدر رزق ثابتاً، ولا هواء تتنسّمنه هؤلاء "الأمهات" وأبناؤهن الذين يبدون غرباء عن والدات لم يعرفن للطفولة طعماً ولا معنى.
يتقصّى هذا التحقيق الذي تنشره "حفريات" إشكالية زواج القاصرات في مجتمع اللجوء السوري في الأردن، من مختلف زواياها النفسية والاجتماعية والشرعية، كما يسائل القوانين التي تجيز هذا الزواج، ويقارنها بالقوانين التي توافقت عليها المنظمات الدولية المعنية بالطفولة وحقوق الإنسان. كما يلجأ إلى سؤال الطب النفسي حول مدى أهلية طفلة لتربية طفل، وما هي العواقب المنتظرة من وراء هذا الأمر.

حوالي مليون و300 نسمة من الجنسية السورية، يقيمون في الأردن منهم حوالي 600 ألف سورية، أي النصف تقريباً، بحسب دائرة الإحصاءات العامة الأردنية – (حفريات)

التحقيق يعتمد بالدرجة الأساسية على روايات أربع فتيات قاصرات من الجنسية السورية ممن لجأن وأهاليهن إلى الأردن بعد الأحداث والاحتجاجات الشعبية التي اندلعت ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد في 15 آذار (مارس) العام 2011، وجرى اعتماد مصطلح "قاصرات" عليهن استناداً إلى أنّ أعمارهنّ لا تتجاوز الثامنة عشرة، وهي تمثل الحد الأدنى لسن الزواج للجنسين في أغلب دول العالم.
الزوجات القاصرات الأربع يسكنّ في مخيمات البقعة، والحسين والمحطّة، وهي في الأصل مخيمات للاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا من بلادهم عامي 1948 و1967. وقد جرى اللقاء بهنّ مباشرة، في المدة ما بين 4 – 9 من آذار (مارس) 2017.
وتصطدم هذه القضية بتناقضات قانونية واضحة؛ فالمحاكم الشرعية ترى أنّ "الشريعة تبيح الزواج عند البلوغ، وللدولة تقييد المباح"، بينما يشدّد المركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان على أهمية "تحديد الزواج بسن الـ18 دون استثناءات"، وهو مؤسسة تدار من خلال مجلس أمناء يُعيّن رئيسه وأعضاؤه بإرادة ملكية سامية، وهو ما يمنح عمله الصفة الرسمية.
غدير: لا وقت للأحلام
في بيت أرضي في مخيم البقعة، الذي أنشىء العام 1968، تسكن غدير ذات الـ 16عاماً برفقة زوجها وطفلهما ووالدة الزوج، وتنتظر غدير طفلها الثاني بعيون تائهة هي ما تبقى لها من براءة الطفولة.
ما زالت غدير تذكر يوم نزوحهم إلى الأردن من مدينة درعا السورية في 12-12-2012، وتعتبره "تاريخاً مميزاً"؛ كانت آنذاك في الحادية عشرة، وتذكر أيضاً أنّها تزوجت بعد النزوح بعامين في 2014، وهي لم تبلغ بعد الثالثة عشرة: "لما حكولي حتوقفي مدرسة ما زعلت..نحنا متعودين، بس خفت لأني بعدني صغيرة وحكيت: إلي بشوفه أبوي. وأمي حكتلي خلص نصيبك".

حلمت غدير أن تصبح طبيبة ولكن طموحها أضحى بعيداً: "هون التعليم غير..بسورية كنت دائماً الأولى وصوري بالمدارس"

غدير، التي لا تظهر عليها بوضوح علامات الحمل بسبب جسدها الصغير، رغم أنّها في أواخر شهرها التاسع، تحدثت ببراءتها الطفولية عن زواجها الذي تمّ عند شيخ بصورة غير قانونية، واستمر لما يقارب السنة بدون توثيق، إلا أنّ أهلها استطاعوا توثيقه بعقد قِران بعد رفع دعوى قضائية وتوكيل محامٍ، وذلك بحجّة أنّها "صغيرة وحامل" بطفلها الأول حينها، وتبرّر غدير ذلك: "بدي أثبت حقي إذا صار شي لا سمح الله!".
غدير تصف وضع عائلتها المعيشي بأنّه "سيئ للغاية"، لأنّ زوجها عاطل عن العمل، فهو لا يجهل القراءة والكتابة فحسب؛ بل يعاني أيضاً من إصابة في يده إثر شظية تعرّض لها، أثناء الأحداث في سورية، منعته من العمل سوى في أشغال بسيطة كالتنظيف.
  حلمت غدير أن تصبح طبيبة، ولكن هذا الطموح أضحى بعيداً: "هون التعليم غير.. بسورية كنت دائماً الأولى وصوري بالمدارس". ولا تفكر "نهائياً" في استكمال تعليمها: "الوحدة بس تتزوج بصير عندها مسؤوليات، وابني وين بدي أروح فيه؟".
رغم القلق التي تدّعيه غدير على ابنها، وهو ما يمنعها، حسب قولها، من إكمال تعليمها، إلا أنّها كشفت لاحقاً أنّها لا تشعر بالمسؤولية تجاهه أبداً، وأنّها تعتمد على والدة زوجها في تربية الطفل بشكل كبير.
والدة زوج غدير، التي تبدو عليها البساطة، أقرّت بأنّ غدير ما زالت صغيرة، إلا أنّها ليست المسؤولة عن تزويجها بهذا السن: "هي صغيرة، بس ذنبها مش برقبتي، برقبة أهلها". وقالت أيضاً إنّها ترفض بشدة تزويج ابنتها وهي صغيرة السن، وإنّها لا تقبل أي خاطب لابنتها قبل أن تكمل تعليمها: "بصده من الباب".

ندى: إحساس مفقود بالأمومة

غدير تحمل طفلها في مخيم البقعة – (حفريات)

من مخيم البقعة الواقع على مشارف مدينة جرش الشمالية، انتقلنا إلى مخيم المحطة في العاصمة عمّان الذي أنشىء العام 1948. وهناك قابلنا ندى ذات الـ 16 عاماً.
في مخيم المحطة، الذي حمل هذا الاسم بسبب محطات الخط الحديدي الحجازي التاريخي الذي كان يصل بين بلاد الشام ومكة انطلاقاً من دمشق، كانت ندى قنطرة بين زمانين بينهما عقود بعيدة، كأنّ القدر يرسم لهذه الطفلة درب ارتحال جديد على خطى لجوء تأمل الطفلة/ الزوجة أن يكون مؤقتاً وتعود بعده إلى بلادها.

تبدو على ندى ملامح طفولية تتجلى في حديثها عن طفلتها: "لما بتحضني بس بحس إنها بنتي"

عند سؤال ندى عن عمرها أجابت: "16.. هيك أهلي بقولولي". وتتابع: "أهلي قالولي إني مولودة سنة 2000، بس بالأوراق 2002". ندى التي لا تستطيع أن تجزم  بمعرفة عمرها الحقيقي، زوجة وأم لطفلة، ومتزوجة منذ سنة ونصف السنة.
وكحال غدير تماماً، تبدو على ندى ملامح طفولية تتجلى في حديثها، ولكنها ليست كسائر الأطفال؛ فهي تحمل طفلة أخرى على كتفها، وبين ذراعيها الواهنتين.

غرفة ندى في مخيم البقعة: الجدران متشققة كما الأرواح – (حفريات)

تحدثت عن ابنتها التي كانت تشكو آلاماً في البطن منذ أيام، إلا أنها لم تعرف أنّ ابنتها تعاني من شيء، فنامت. ولكنّ صوت بكاء الرضيعة دفعها للاتصال بخالتها (والدة زوجها) لتفقد صحتها، وهذا ما كان مثالاً لما يربط ندى بصغيرتها أمل ذات الـ 8 أشهر؛ "لحد الآن ما حسيت حالي أمها.. ما بحس بمسؤوليتها (ابنتها كانت تتشبث بشالها) لما بتحضني هيك بس بحس إنها بنتي".
أما والد ندى فكان ينتظر انتهاء المقابلة على عتبة المنزل دون صبر، فهو يعتبر ابنته التي زوّجها بنفسه ما زالت صغيرة، لا تعرف ما يجب أن يقال، وما إن انتهت المقابلة حتى دخل مندفعاً بادئاً حديثه بـ"هَمّ البنات للممات"، شاكياً سوء معيشة ابنته وما يتحمله من أعباء ليساعدها وزوجها على العيش ودفع إيجار المنزل، خصوصاً وأنّ زوج ابنته، كما أخبرنا "مصاب بالصرع" بسبب الإصابة في الرأس، وعند سؤاله إذا ما كان يرى أنّ ابنته صغيرة لتتزوج في هذه السن أجاب: "شاورتها، وما كان ممكن أوافق لو ما كانت راضية وموافقة"!

آيات: محاولات لإكمال التعليم دون جدوى

بيت آيات في بناية آيلة للسقوط بمخيم الحسين – (حفريات)

وصعوداً إلى مخيم الحسين الذي أنشىء العام 1952، مضينا إلى منزل في طابق أول من بناية تبدو وكأنها تنتظر السقوط على رؤوس ساكنيها؛ حيث لا يشبه أي حائط فيها الآخر، إما بسبب تآكل الطلاء أو من قضبان الحديد التي تخرج منها.

غرفة للغسيل والسكن لعائلة آيات في مخيم الحسين – (حفريات)

في داخل المنزل كان ثمة رجل عجوز بدا من خلف الستارة أشبه بتمثال محنّط يجلس دون حراك، وفي الممر الضيق تقف آيات ذات الـ 15 سنة، محاولةً إبعاد الغسيل الرطب المعلّق على الحبال من أمام وجهها. ما إن اقتربت منها حتى قبضت ذراعي بقوة، هامسةً "لازم نقعد لحالنا".. لسبب ما نظرَت لباب البيت من خلفي وخطوتي تلحق بها.

غرفة نوم آيات: مجرد فرشَة! – (حفريات)

دخلت مع آيات غرفة فارغة مسنوداً على أحد حوائطها المهترئة تماماً فراش رقيق، فرشت على الأرض واحداً لنجلس عليه، وعلى الجانب الآخر تلفاز مظلم معطل وخزانة ملابس خشبية، تحجب الشمس ستارة ترابية اللون، تجعل الغرفة بلون أوراق الخريف، ذابلة كأرواح ساكنيها، لفت نظري على الأرض قلبان محشوّان بالقطن متصلين ببعضهما، استنتجت حينها فقط أنّ هذه غرفة النوم.
ما إن سألتها عن حالها حتى أجابت بانفعال: "زفت" وأكملت قائلة إنّها لم تعد تحتمل العيش مع عائلة زوجها، وأنّه لا يوجد تفاهم بينهم، وأنّها لا تريد سوى أن تحصل على "بصمة العين" لتستقل في بيتها الخاص "وزوجي إذا ما بده يصطفل".
آيات، التي نزحت من مدينة حمص إلى الأردن في العام 2012، متزوجة منذ 7 أشهر من ابن خالها (23 عاماً)، ولذلك أوقفت تعليمها المدرسي حتى الصف التاسع، وتعزو سبب قبولها الزواج بهذه السن إلى أنّ والدها متوفى، ومن الصعب أن يتكفل بها أخوها المصاب بسبب الأحداث في سورية؛ لأنّه عاطل عن العمل. وتضيف: "لما شفت ابن خالي ما حبيته، بس تزوجته برضاي على أساس إنّه بيشتغل.. هلأ بيشتغل نهار وبيقعد عشرة، هو دارس للبكالوريا".

تعزو آيات سبب قبولها الزواج بهذه السن إلى أنّ والدها متوفى ومن الصعب أن يتكفل بها أخوها المصاب

بالرغم من الغضب الذي بدأت به آيات حديثها، إلا أنّها عادت إلى هدوئها وتقبّل الأمر الواقع.. تحدثت عن محاولاتها إقناع زوجها بأن تكمل تعليمها، أو أن تعود لمركز تعلم القرآن الذي كانت تلتحق به، ولكن دون جدوى، كما تحدثت عن أمنية والدها الوحيدة قبل وفاته بأن يرى ابنته طبيبة، واستدركت بأنّها لن تترك زوجها إن لم يوافق على الانتقال إلى بيت آخر؛ لأنّ الطلاق لديهم غير واردٍ أبداً و"عيب".
تطرّقت آيات إلى عرسها الذي أقيم في مدينة المفرق الأردنية؛ حيث تسكن عائلتها، وكان مخيّباً لآمالها بعد ستة أشهر من الخطوبة. وبسؤالها عن ليلتها الأولى مع زوجها ارتسم الأسى على وجهها، ولم تُجب. وطوال فترة الخطوبة لم تحدثها والدتها عن أي شيء متعلق بالزواج "لأني بستحي" ومن قامت بهذه المهمة كانت زوجة أخيها بحكم صداقتهما، إلا أنّ الموضوع شكّل صدمة لها في البداية، خصوصاً أنّها تدرك أنّها ما زالت صغيرة. تقول: "بعمري 15 سنة إجباري بدي خاف"، موضحةً أيضاً أنّها تواجه مشكلة صحية في عدم استقرار حملها، وهو ما عرفته بعد أن فقدت جنينها؛ حيث لم تكن تعلم أنّها حامل به بسبب أعمال المنزل الملقاة على عاتقها.

تدفقت إلى الأردن أعداد كبيرة من السوريين لذلك بقي تعاملهم مع موضوع الزواج قائماً بحسب عاداتهم دون توثيق

وبسؤالها إن كانت تنوي تزويج ابنتها صغيرة كما حصل معها، أجابت آيات وهي تضحك: "لا ما بزوجها.. تُبت". وأضافت: "الناس بفكروا زواج البنات وهن صغار شغلة عادية، إذا البنت أهلها مو قادرين يعيشوها بزوجوها ع أساس زوجها شغلة كبيرة".
بعد انتهاء حديثنا وخروجي من الغرفة صادفت والدة زوجها، فسألتها إذا كانت تشعر أنّ آيات صغيرة على الزواج، فأجابت "هي بنت عمته مو حدا غريب" وأنّها تريد من يعينها في أعباء المنزل وهذا هدفها من تزويج ابنها. إلا أنّها لا تعارض الزواج بهذه السن: "إلي عنده بنت يزوجها ويستر عليها أحسن".

فاطمة: قصة حب بين الخراب
في الطابق السفلي من المبنى نفسه تسكن فاطمة وهي متزوجة من الابن الآخر للسيدة ذاتها، تعيش فاطمة في شقة تحت الأرض، ولا يُلمح في المنزل أي منفذ للشمس أو الهواء؛ حيث إنّ رطوبة البيت تسبّبت بضغط شعرتُ به في عظام صدري، مصحوباً بالبرد الشديد وكأنني تلقيت ضربة قوية.
البيت عبارة عن ساحة باردة تضيئها أنوار النيون المزعجة، وتفصل ما بينها ستائر بالية لتشكل غرفة نوم ومطبخاً وغرفة معيشة.. جلست فاطمة، التي يبدو عليها الخجل والهدوء بعكس آيات، تشكو حال بيتها الذي تسببت أجواؤه بأمراض تنفسية لطفليها؛ ابنتها التي لا تتجاوز الـ 3 أشهر الملقاة على الفراش الأرضي، وابنها الذي يبلغ سنة ونصف السنة، إلا أنّ المرض في نظر زوجها "بيد رب العالمين" ولا علاقة له بالرطوبة التي تسكن جدران البيت المشققة!

ابنة فاطمة ذات الأشهر الثلاثة في غرفة مأهولة بالرطوبة – (حفريات)

قبل زواجها عاشت فاطمة قصة حب مع زوجها منذ أن كانا في حمص، وتحدثت عن حبهما باستحياء شديد: "كنا جيران وبنفس الحارة.. هو حبني من لما كنت بالصف السادس وأنا حبيته من وقت ما طلعنا من سورية"، وتكللت هذه القصة بالزواج بعد انتقالهما للعيش في الأردن. تزوجت فاطمة التي تبلغ الآن الـ17 منذ سنتين بعد خطوبة استمرت 6 أشهر، تقول إنّها لم تحب التعليم أبداً، لذلك تسرّبت من الدراسة بعد الصف التاسع، ولا تفكر في الرجوع حتى لو سنحت لها الفرصة.

مطبخ فاطمة في غرفة تحت الأرض – (حفريات)

تشريعات ملزمة وتناقضات التفسير
ينص قانون الأحوال الشخصية الأردني، في المادة العاشرة من الباب الأول: "يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقليْن، وأن يتم كل منهما ثمانية عشرة سنة شمسية"، بينما يؤكد الباب الثاني من المادة نفسها على جواز "زواج من أكمل الخامسة عشرة سنة شمسية من عمره" وَفقاً لتعليمات يصدرها القاضي بإذن من قاضي القضاة.
ويعّلل هذا الاختلافَ والتعارضَ في تحديد سن الزواج، مفتشُ المحاكم الشرعية في الأردن د.أشرف العمري بأنّ "مفهوم الزواج في الأردن يختلف بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية عن غيرها من الدول، والحد الأدنى للزواج هو 15 سنة شمسية، وأي زواج قبل ذلك يعد مخالفة قانونية"، ويلفت إلى أنه "يجوز إجراء عقد زواج في الفترة ما بين 15 – 18 سنة ضمن شروط ومواصفات معينة مضبوطة بموجب القانون، أما الزواج ضمن سن الزواج الأساسي وهو 18سنة، فلا يحتاج فيه الطرفان إلى موافقة خاصة في أغلب الحالات".

لا يعتبر القانون اللجوء مبرراً للاستثناء والسماح بالزواج في سن الـ 15 ولكن للقاضي حق تقدير يحقق مصلحة الفتاة

ويعتبر العمري أنّ "قوانين الأحوال الشخصية مستندة إلى الشريعة الإسلامية؛ فهي بالتالي متوافقة معها. وعند الرجوع للشريعة الإسلامية لا نجد سنّاً محدداً للزواج، إنما يسمح بزفاف الزوجين عند سن البلوغ، وهو سِن حكميّ، ويختلف من شخص لآخر". لذلك فإنّ الزواج في هذه السن "يعد من المباحات في الفقه الإسلامي"، مبيناً أنّ "هناك قاعدة شرعية تقول "لولي الأمر (الدولة) تقييد المباح" وتم استخدام هذه القاعدة في قانون الأحوال الشخصية في شأن الزواج وفي شؤون أخرى، بتقييد إباحة الزواج عند سن البلوغ برفعه إلى 15 سنة وهو منتهى سن البلوغ"؛ فبالتالي، لا يوجد تعارض في نظر العمري "وإنما إعمال لمجموعة من القواعد الفقهية والشرعية بما يحقق المصلحة، فالدولة تقيّد المباح بناءً على مصلحة المجتمع".
وبسؤاله عن الحالات والشروط التي يباح فيها الزواج ممن تبلغ 15 عاماً فما فوق، يوضح القاضي العمري أنّ الحالات المتقدمة للزواج تتم دراستها في المحاكم لمعرفة توافقها مع التعليمات والضوابط الموضوعة، وفي بعض الأحيان تُحوّل للجنة مختصة للنظر فيها؛ إذ "يجب أن يتحقق القاضي من موافقة ولي الأمر، وأن يكون للفتاة مصلحة من هذا الزواج".
وتتحقق مصلحة الفتاة من الزواج المبكر من خلال عدة عوامل، وفق العمري: أولاً قدرة الزوج على الإنفاق عليها ودفع المهر وفتح بيت الزوجية، وكذلك ألّا يؤثر الزواج على تعليمها وألاّ يكون هناك فارق سن بين الطرفين، وألا يكون هناك زواج مكرّر، بمعنى أن يكون زوجها متزوجاً، بالإضافة إلى دراسة الحالة بشكل تفصيلي، وبناءً على ذلك يصدر القاضي الإذن بموجب وثيقة يصدرها.

زواج المراهقة سينمّي في الغالب رغبتها بالتمرد وقد ينعكس بأن تحاول استعادة طفولتها المفقودة

وبحسب د.العمري، فإنّ "قانون الأحوال الشخصية يطبق (في الغالب) على جميع الجنسيات، على الأردنيين وغيرهم، لا توجد استثناءات للسوريين من القانون، فمن يكون على الأراضي الأردنية يطبق عليه القانون الأردني".
ويلفت العمري إلى قضية أخرى، فإذا كان الطرفان سورييْن وأجري عقد زواجهما في سورية، وكان سن الزواج تحت الـ 15 سنة، وَفقاً للقانون السوري "فلا يطبق عليهم القانون السوري أو يفسخ  عقد زواجهما".
ولا يبدو موقف دائرة قاضي القضاة، منسجماً مع توجهّات المركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان؛ إذ يؤكد مدير قسم التوعية والتدريب في المركز عيسى المرازيق أنّ القانون الأردني لا يشتمل على أي استثناءات للسوريين بنصوص خاصة؛ بل يتم معاملتهم بموجب القانون كأي جنسية أخرى.
وأوضح: "القانون الأردني صارم فيما يتعلق بالزواج لمن هم أقل من 15 سنة، حتى إنه يعاقب من يقوم بذلك بغرامات مالية تبلغ ألف دينار أردني لكل من الشيخ والزوج والزوجة والشهود، ما ساهم في الحد من هذه الظاهرة".
وبحسب المادة 36 من قانون الأحوال الشخصية "يعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وتغرم المحكمة كل واحد منهم بغرامة مقدارها مائتا دينار".
ولا يعتبر القانون حالة اللجوء مبرراً للاستثناء والسماح بالزواج في سن الـ 15، وفق المرازيق، ولكن يتم التقدير من قبل القاضي بما يحقق مصلحة الفتاة؛ فمثلاً قد تتمثل المصلحة إذا كان عدد أفراد العائلة كبيراً مما يصعب على رب الأسرة تحمل نفقاتهم، فزواج إحدى بناته يحقق مصلحة للعائلة، ولكن ليس هناك اعتبار لجنسيتها سواء كانت أردنية أم سورية.

القوانين في الأردن لا تدعم هذه الممارسات وهذا ما ساهم في التقليل من نسب زواج القاصرات

واعتبر المرازيق أنّ "الظرف المادي والمعيشي الذي يتسبّب به اللجوء لا يعد مبرراً للتساهل في شأن الزواج المبكر"، خصوصاً أنّ الزواج "مسألة معقدة تحتاج قاعدة من الأسس الواضحة، فانتقال رعاية الفتاة من والدها لزوجها لا يخفف من وقع المشكلة أو المعاناة".
مشروعا "نجود" و"سند"
وعن جهود مكافحة الزواج المبكر والتقليل من تداعياته، التقينا مع مجموعة من المحاميات من جمعية معهد تضامن النساء الأردني (تضامن)؛ حيث تحدثت كل من منسقة مشروع نجود لمكافحة الزواج المبكر، ومشروع سند لدعم النساء السوريات في مواجهة المخاطر، المحامية سوسن أبو عجمية ، ومديرة البرامج في جمعية تضامن المحامية رنا أبو السندس، ومنسقة مشروع نجود المحامية والناشطة الحقوقية ميس الصوص.
وفيما يتعلق بالتزويج المبكر للقاصرات، يعمل (تضامن) الذي تأسس العام 1998 كما قالت أبو السندس، على استهداف السوريين، بسبب ازدياد عدد حالات "الزواج البراني" من خلال مستويين؛ أولهما التوعية القانونية، والآخر من خلال التوعية بالآثار المترتبة عن زواج الصغيرات "في ضوء ثقافة مجتمعية سورية تتقبل الزواج خارج دائرة المحاكم الشرعية".
ولفتت المحامية ميس الصوص إلى أنّ "القوانين في الأردن لا تدعم هذه الممارسات، وهذا ما ساهم في التقليل من نسب زواج القاصرات، مستدركةً أنّ "دائرة الاستثناء التي تجيز الزواج في سن الـ 15 تسمح للكثيرين باستغلالها، فلو تحدد الزواج بسن الـ 18 لدفع ذلك بالجميع إلى الالتزام بهذا السن".
منسقة مشروع سند لدعم النساء السوريات في مواجهة المخاطر، سوسن أبو عجمية ذكرت أنّ المشروع يقدّم "مساعدات قانونية كالترافع بالمجان عن قضايا النساء السوريات، وتوفير المبالغ المادية لهنّ لتسهيل الإجراءات الحكومية وتغطية تكلفتها، فضلاً عن مساعدات صحية وتأمين ما يلزم لذلك كعمليات جراحية وأدوية، وهناك برنامج أيضاً يتيح التمكين المهني للنساء والاعتماد على أنفسهن".
وتعتبر الصحفية في جريدة "الغد" نادين النمري أنّ "المشكلة الحقيقية في ملف زواج القاصرات السوريات تكمن في الزواج (البراني) لفتيات لم يبلغن سن الـ 15 سنة، حيث تلفت إلى أنّه في بداية الأزمة السورية كانت نسبة زواج القاصرات 20% ثم باتت تتزايد حتى وصلت الآن إلى 35%".

ارتفاع نسب الزواج المسجلة لدى المحاكم الشرعية لمن هن أقل من 18 سنة، على مدى سنوات الأزمة بحسب دائرة قاضي القضاة

تشتيت الهوية: طفلة تربّي طفلاً
أبناء الفتيات السوريات القاصرات الأربع اللواتي جرى اللقاء بهنّ عكسوا واقعاً مريراً؛ حيث يخيّل للناظر إلى الأمهات الصغيرات أنّهن يحملن دمية صغيرة ويلعبن بها، لكنّ المفارقة أنّ هذه "الدمى" تكبر في ظل عجز يكبر هو أيضاً عن القدرة على الوفاء بالتزاماتها الإنسانية ورعايتها والاهتمام بها، وهذا صعب أن تتحمله فتاة مراهقة، كما تؤكد مستشارة الصحة النفسية للأطفال والمراهقين كارولين يافي، التي ترى أنّ الأضرار النفسية في زواج القاصرات يعود سلباً على كلٍّ من الأم وطفلها، "فهو يتسبب بالإهمال وحرمان الطفل الصغير من العاطفة، مما يمنعه من النمو بشكل طبيعي" لافتة إلى أنّه "في كثير من الحالات ينتهي المطاف بهؤلاء الأطفال الصغار تحت رعاية الجد والجدة اللذين لم يعودا مؤهليْن لتربية طفل صغير في هذه السن".
وتضيف يافي: "تواجه الأم القاصرة بالفعل تحديات تفوقها، وهي غير قادرة على تحمل مسؤولية زواج وعائلة وأطفال لأنها غير مكتملة نفسياً أو عاطفياً ولا حتى جسدياً، فبحسب مراحل النمو النفسي الاجتماعي التي وضعها عالم النفس إريك إريكسون، فالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و19 عاماً هم في المرحلة الخامسة من مراحل النمو، والتي تنص على أنّهم في رحلة بحث واكتشاف لأنفسهم؛ فهم لا يعرفون بعد من يكونون أو ماذا يريدون في الحياة، حيث أنهم ينمّون هُوايتهم في هذه السن من خلال التجربة، ومن لا يتاح له ذلك فإنه يدخل في نطاق اضطراب الهُوية".

إذا كانت الأم لا تملك المهارة العاطفية لمعرفة نفسها فكيف لها أن تشكل شعوراً عاطفياً لعائلتها؟

وتتساءل يافي: إذا كانت الأم لا تملك المهارة العاطفية لمعرفة نفسها، فكيف لها أن تشكل شعوراً عاطفياً لعائلتها، أضف إلى ذلك تشتت الهوية لدى المراهقين، ما يدفعهم لاتخاذ سلوك متمرد، فهم يواجهون تناقضاً كبيراً بين ما يحصل في عقولهم من تشتت للهوية وتمرد، وبين مسؤوليات الزواج الواقعة على عاتقهم، فضلاً عن أنّ جسد المراهقة غير مؤهل فيزيائياً لتكوين طفل، أو ممارسة علاقة حميمية".
المراهقون، كما تؤكد مستشارة الصحة النفسية، ينمون عاطفياً في هذه الفترة من حياتهم، وما يمرون به سيؤثر حتماً على مسار حياتهم في المستقبل، وهنالك أيضاً سبب لمنع إقامة علاقة مع طفلة مراهقة لما في ذلك من انتهاك صحي وعاطفي وأخلاقي، وبعد مرور وقت على هذا الزواج وتقدم الفتاة المراهقة في العمر ستشعر أنّها فقدت طفولتها، وأنّها لم تتمكن من أن تنمو بشكل متوازن كسائر أقرانها، بالرغم من أنّ هذا قد يكون أمراً فردياً ومتفاوتاً، ولكنه سينمّي في الغالب رغبة المراهقة بالتمرد، وقد ينعكس ذلك بأن تحاول استعادة طفولتها المفقودة من جديد، وهذا يجعلها ترغب في العيش بشخصية طفلة مهما تقدم بها السن".
"الأطفال الذين يتم تربيتهم من قبل أم طفلة، يكونون عرضة للإهمال العاطفي، وبطء النمو العقلي والاجتماعي"،  وفق يافي التي تقول إنّ "عقل الأم الصغيرة يكون أمام خيارين؛ فإما أن يغذي جسد الأم المراهقة التي مازالت في طور النمو على حساب الجنين الذي في رحمها، أو أن يغذي الجنين على حساب أمه، وفي كلا الحالتين تكون العواقب الصحية على أحدهما أو كليهما سلبية جداً".

 

الأقسام: