زوايا صوفية في الأردن محاطة بأسوار عالية وكاميرات

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
22106
عدد القراءات

2017-11-08

"يا سائلي عن صفات الله إني بها لعارف مقتفي آثار من ذكرَ. فالله واحد موجود بلا شبه لذاته ثم كنه الذات ليس يرى. كنت الجمال الذي قام الوجود به. وعلمك الكل لا نقلاً ولا خبراً".

تتعالى أصوات التسابيح والابتهالات في الزاوية الخلوتية الجامعة الرحمانية، في منطقة الجندويل بعمّان، بين صلاتيّ المغرب والعشاء.
تجلس النسوة في صف منتظم ليردّدن الأذكار، فيما الإضاءة متوسطة وتبعث على مزيد من الروحانية.
تتوسّط رولا الصبّاغ مجموعة نسوة، يجلسن في غرفة منفصلة عن باقي المصلّيات. يخال الناظر أنّ أياً منهن لا ترمش، فيما هي تردّد التسابيح.
بعباءتها السوداء المنسدلة وحجابها السكري وحميمية سلامها، تومئ مرحّبة بسائلها، ومستبقية إياه إلى حين الفراغ من أوراد ما بين الفرض والنوافل.
نشأت الصباغ في سوريا "حيث طبائع أهل الشام قريبة من الطقوس الصوفية"، مكملة أنّ حياتها لم تختلف بعد التصوّف؛ ذلك أنها نشأت "في بيئة محافظة ومتصوّفة بالفطرة".
في عمّان، وتحديداً في مطلع التسعينيات، اختار زوج الصبّاغ وشقيقه، وبالتالي هي، الزاوية الخلوتية "ذلك أنّها جامعة لباقي الطرق"، بعد أن كانا من مريدي الطريقة الشاذلية في الشام.
تردف "لم يأتِ الاختيار اعتباطياً أو لأن الأمر جميل فحسب؛ بل لأننا وجدنا الشيخ حسني يمشي على النهج القويم. صوفي حقيقي بلا ادّعاء".
واجهة الزاوية الخلوتية الجامعة الرحمانية في منطقة الجندويل- (تصوير حفريات)

النأي عن السياسة
تمتثل الصبّاغ لتوجيهات شيخ الزاوية الذي يحثّهم على النأي بأنفسهم عن السياسة؛ "ذلك أنّ الإصلاح يأتي من اللبنات الأولى: الفرد والعائلة والمجتمع"، وليس من الأعلى، كما يرى البعض. لذا، هي واحدة من السوريّات اللاتي لا يعلّقن على الوضع القائم في بلادهن، مكتفية بالدعاء للمكلومين والضحايا.
يظهر لشيخ الطريقة، حسني الشريف، أثر كبير على حياة الصباغ؛ إذ تعدّه مثلاً يُحتذى في التصوّف؛ بل هي ترى أنّ الوصول لمرتبة الإحسان "أي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" لا يتحقق من دون مساعدة الشيخ.
توضح "هو من يدلّك على الطريق؛ لتصل الإيمان والإحسان. أما الإيمان فلا يمكن لك الجزم إن كنت وصلته، فيما الإحسان ملموس".
بمضيّ الوقت، تقلّدت الصباغ مكانة معنوية في الزاوية، فباتت بمثابة إحدى القائمات عليها، في الجانب النسائي. تبتسم بثقة، حين تقول "سلعتنا غالية وليست للعرض. لذا لا نجنّد أحداً. من يأتي إلينا يحبنا ويقترب منا".
في غرفة أخرى، تختلي النسوة اللاتي يصطحبن أطفالهن. تجلس منى الطاهر بجلبابها التركوازي وحجابها الأبيض وقامتها الشاهقة، لتقول إنها اهتدت للصوفية، وللزاوية الخلوتية تحديداً، "عن طريق الحب".
توضح، فيما هي تمسك بيد طفلتها، التي تتفلّت محاولةً الذهاب لغرفة مجاورة، "جئت برفقة والديّ قبل أعوام، وتعلّق قلبي بالأوراد المقروءة. ومازلت منتظمة حتى الآن".
تبتسم الطاهر بحرج، عند سؤالها عن فلسفة الصوفية ونشأتها. تقول "لا أعرف شيئاً عنها في الحقيقة. لم يحدث أن قرأت عن الصوفية. كل ما أعرفه أن هذا المسجد للصوفيين. هذه حدود معرفتي".
تجلس كل من هبة (9 أعوام) وشقيقتها سلوى (11 عاماً)، في الممرّ المفضي للغرف الخلوتية في الزاوية. يرتدين بناطيل الجينز، ويضعن الحجاب، ويتنقّلن هنا وهناك بسعادة ظاهرة. تقول هبة إنها تعرف أن هذه زاوية صوفية، معرّفة الصوفيين بـ "المسلمين"، لتعاجلها سلوى بقول "زي ماما يعني. إنه بتقرأ أذكار من صلاة المغرب لصلاة العشاء بصوت عالٍ".
تُنزِل أم محمود (61 عاماً) نقابها ليكشف عن وجهها، عند الدخول للزاوية. تستند لمقعد بلاستيكي عند المدخل؛ لتستريح، بعد أن حضرت من منزلها مشياً، بحسبها.
تلتقط أنفاسها، قبل أن تقول إنها ترتاد الزاوية كمصلية عادية، وليس صوفية، وإن كانت تعلم أنّ المسجد تابع للطريقة الخلوتية الرحمانية الجامعة.
لم تكن أم محمود على اطّلاع بهذا الشأن، حتى أتت ورأت الصوفيين عن كثب. تقول إنّ كل ما في الأمر "زيادة في التعبّد والصلاة على النبي. لديهم كثير من الروحانيات المفتقَدة في مساجد أخرى".
ترتاح أم محمود لهذه الأجواء ولا تكترث بما تسمّيه "الإشاعات"، التي تتحدّث عن كون الصوفية محض بدع، مردفة "أحضر إلى هنا منذ ما يزيد على عامين، ولم أجد غير النوافل والأذكار والتسابيح".
زاوية الشيخ أحمد الخضري
طارق تكريتي، الذي يبلغ من العمر سبعة عشر ربيعاً، والذي يرافق والده إلى صلاة العصر، في المسجد الحسيني، حيث زاوية الشيخ أحمد الخضري، التابع للطريقة الشاذلية العلوية الهاشمية، يقول إنه لم يعرف أن هذه زاوية صوفية إلا حين سمع هذا مصادفة من أحد زملائه في المدرسة.
يبحث عن حذائه بين كومة كبيرة من أحذية المصلّين، فيما هو يقول "الدرس الديني هنا لا يختلف عمّا يقدّمه محمد راتب النابلسي أو الشعراوي في التلفاز"، مستشهداً بالموعظة التي لم يلبث أن سمعها للتوّ عن فضل الصلاة على النبي.

قائمة الدروس الأسبوعية المثبتة، باللغتين العربية والإنجليزية، على باب زاوية أبي الحسن الشاذلي في المدينة الرياضية (حفريات)

على باب طريقة أبي الحسن الشاذلي، في المدينة الرياضية، يمضي رجل يوحي لون بشرته وعينيه بأنه غير عربي.
بالحديث إليه، قال، بالإنجليزية، إنه ينتمي لهذه الزاوية منذ أعوام، "عن اقتناع وإيمان تام بمبادئها، وإعجاباً بأورادها".
عند سؤاله عن اسمه، اختار التحفّظ، ليجيب عن بلاده بما يشبه الـ "كلاشيه" الكلاسيكي لدى الصوفيين، وبعربية غير مُتقَنة: "من بلاد الله الواسعة".
لم تفلح محاولات استبقائه للحديث، لا سيما عند سؤاله "هل أنت في الأردن لتتصوّف فقط؟"، حينها تعذّر بقرب صلاة المغرب ورغبته بالذهاب للمسجد.
ليس التحفظ، في هذه الزاوية تحديداً، حكراً على الصوفي المارّ من الطريق، بل على صاحب الطريقة في الأردن، الأمريكي نوح حاميم كيلر؛ إذ اكتفى بالإيماء بيده؛ للذهاب لجهة النساء، عند طرق باب بيته المحاذي للزاوية.
حين فتحت زوجته، التي ترتدي النقاب، الباب، لم تُبدِ ترحاباً. تقول إنّ على الراغبة بالدخول ارتداء "اللباس الشرعي"، وعند الإجابة إن "هذا أيضاً لباس شرعي"، قالت إن على مرتادة زاوية أبي الحسن الشاذلي"أن تتحلّى بالتواضع والأدب وأن تمتثل لقواعد مضيفيها"، مكملة "زوجي رجل ملتزم جداً، ويعقد مجلساً للنساء، لكنهن يرتدين النقاب في تلك الجلسة".
ختمت الزوجة حديثها، بنبرة حادة، قائلة "سأبعث برسالة إلكترونية لمرتادي الزاوية؛ لأطلب منهم عدم الإدلاء بالتصريحات لك، وليتكِ تكتبين ذلك؛ لأننا ببساطة لا نريد أن نكون فرجة"!
أسوار عالية وكاميرات وحراسة
الزاوية الشاذلية اليشرطية، في منطقة الجندويل، واحدة من الزوايا ذات الخصوصية اللافتة؛ إذ تحيطها أسوار عالية، وحراسات على الأبواب، كما تنتشر الكاميرات حولها، ما يجعل القائمين عليها يخرجون لسؤالك عمّا تريد بمجرد الوقوف لدقائق.
لم تفلح محاولات دخول الزاوية، حتى عند أخذ الإذن مبدئياً من إحدى القائمات عليها وصال عليّان، وأحد المسؤولين فيها الدكتور وفا صوافطة؛ تارة لعدم تواجد شيخ الزاوية الغائب بسبب السفر، وتارة لعدم أخذ إذن آخرين من القائمين على الزاوية.
لعل أكثر ما يلفت النظر هيئة النساء الصوفيات اللاتي يدخلن الزاوية الشاذلية اليشرطية، على خلاف الصوفيات في زوايا أخرى؛ إذ لا يرتدين العباءة ولا حتى الحجاب بصورته التقليدية، بل بطريقة وشاح أبيض مُسدل بشكل عفوي يكشف نصف الرأس.
ثمة زاوية للطريقة الرفاعية، في جبل النصر، أُغِلقت تقريباً؛ بعد رحيل القائم عليها الشيخ عمر الصرفندي، وهي الزاوية التي اشتهر مريدوها بغرزهم الـ "شيش" في أجسادهم، ليثبتوا خروجه منهم من غير أن يمسسهم سوء؛ كنوع من الكرامة الإلهية.
بقية الزوايا الصوفية التي تحدث عنها الصوفيون والتي صير لزيارتها، لم تكن فيها تلك المظاهر الوارد ذكرها لدى أتباع الطريقة الرفاعية، ولعل المشهد الأكثر تطرفاً فيها القفز عند التجلي، كما لدى أتباع الشيخ حازم أبو غزالة، الذي اعتذر عن المقابلة لكسر ألمّ بعظامه عقب سقوطه.
لذا، بالوسع قول إنّ المظهر الروحاني الزاهد هو المهيمن على جلّ مريدي الزوايا الصوفية في الأردن، وكذلك البُعد عن مناقشة السياسة والتعاطي بها، ما يُعيد جدلية احتماء الصوفيين بعباءة النظام؛ بذريعة أنّ ترك السياسة سياسة، وهي العبارة الشهيرة للشيخ الألباني، الذي يعدّ من رواد السلفية، التي هي، للطرافة، العدو اللدود للصوفية، تاريخياً.
يقتسم كثر، ممّن باتوا مريدين للطرق الصوفية، مشاركة مفادها أنهم حين رأوا الصوفيين على أرض الواقع، باتوا من عشّاق هذا النهج، بعد أن كانت تنطلي عليهم بعض "التشويهات" التي يصنعها الإعلام.
الدكتور محمد خليل، الذي يحمل شهادة الدكتوراة في الشريعة الإسلامية والمُحاضِر سابقاً في عدد من الجامعات الخليجية، والذي خبر كثيراً من الزوايا الصوفية والتكايا التابعة لها في القدس وعمّان والقاهرة، يقول إنه كان يجد بوناً شاسعاً بين حقيقة الصوفيين وبين الصورة "النمطية" عنهم عبر شاشات التلفزة.
يوضح "إنهم لا يختلفون عن المصلّين العاديين إلا بالجبّة، في مرات وليس دائماً، وبالأوراد التي يردّدون بانتظام، أما إعلامياً، فهم دراويش سُذّج يهذون ويمارسون الشعوذة ويقفزون في حضرة شيخ الزاوية".
الصورة الآنفة، سيطرت على خليل مدة طويلة، ما جعله يتردّد في ارتداء العمامة والجبّة، طوال سنيّ شبابه. يتابع: "بعد أن مضيت في العُمر، وجدت أن هذه المغالطة تطال صورة المتديّن بالمجمل، والتي دأبت السينما المصرية، تحديداً، على التلاعب بها".
يوضح: هذه الصورة باتت "مكشوفة، وما عادت تنطلي على معظم الناس، إلا من يريدون تصديق الأمر عن طيب خاطر".
الناقد والأكاديمي المصري محمود سعيد، يقول إنه واحد ممن نفروا من الصوفية حتى أمد قريب؛ لما يحفل به الإعلام العربي، والسينما على وجه التحديد، من صورة سلبية "تظهِرهم يحترفون الخرافة والطرق الملتوية؛ للوصول للناس".
في لحظة تأمّل، قبل أعوام، وجد سعيد أنّ الصوفية ليست بعيدة عن تديّن مرتادي المساجد الذين يراهم في "السيدة زينب وسيدنا الحسين والست نفيسة". يقول "بمجرد إمعان النظر، ما وجدت شيئاً شاذاً عن سياق التدين الشعبي الذي دَرَجنا عليه جميعاً".
الطرق الصوفية والسينما
ويُقرّ الناقد السينمائي ناجح حسن بما سبق، قائلاً "قلّة من المخرجين هم من أحسنوا التعامل مع شخصية الصوفي الرائجة شعبياً في مصر، وعادة ما كانوا من الرعيل الأول مثل؛ يوسف شاهين وداوود عبد السيد"، مستدركاً إنّ عدداً من المخرجين الشباب حاولوا ذلك أيضاً؛ "لتسخير الأمر من ناحية جمالية فحسب، وليس فكرية بالضرورة".
يُعدّد حسن بعض الصور النمطية التي رُسِم بها الصوفي مثل "مشعوذ، يطلق صيحات تحذيرية لأهالي القرية، مَضحكة، يداوي حالات مزمنة لا شفاء منها كالعقم مثلاً"، مكملاً إنّ "الزار" كثيراً ما سُخّر لإثارة الغرائز بطرق رمزية.
على الرغم من الصورة السلبية الآنفة، إلا أنّ توجهاً سينمائياً، وهو بشكل أو بآخر، انعكاس للواقع، بات يُكرّس من حضور الصوفية كعابرة للأديان. وهو ما يقول عنه أحد القائمين على الزاوية الخلوتية الجامعة الرحمانية وائل دهشان إنه فكر مقبول؛ "إذ لا ترفض الصوفية أحداً، وإن كانت ذات طابع إسلامي بالمجمل".
لكن يبدو الحديث عن هذا الجانب قاصراً في الأردن تحديداً؛ إذ ترتبط الصوفية بمريدي الزوايا التي هي في غالبيتها مساجد للمسلمين، فيما بوسع زائر قِبلة الصوفيين الأولى قونيا في تركيا، أن يلحظ وجود طيف واسع من الديانات هناك، وهو ما يقول عنه الكاتب المصري، المتخصص في الشأن الإسلامي، فريد إبراهيم "لربما يعتري المسلمين بعض التحفظ، لكن ليس بالوسع رفض الصوفية لأي معجب بتيارها، سواءً كان مسلماً أو غير ذلك؛ إذ من مبادئها الرئيسة أنها لا ترفض شخصاً لا لون ولا عِرق ولا جنس ولا ديانة ولا حتى استقامة أو انحراف، بل هي تسع الكل".
ما سبق "يجعل الموقف محرِجاً"، كما يقول إبراهيم، متسائلاً "كيف لك أن ترفض وقوف أتباع ديانات أخرى إلى جانبك في قونيا مثلاً، فيما أنت تؤمن بالصوفية التي تنصّ على قبول الآخر ما دام صوفياً، بغضّ النظر عن الاختلافات بينكما؟".

من الطرق الصوفية في الأردن

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: