زيارة البابا للعراق: إيران تخسر زعامة العالم الشيعي

زيارة البابا للعراق: إيران تخسر زعامة العالم الشيعي

مشاهدة

07/03/2021

زيارة فرنسيس الأول، بابا الفاتيكان الكاثوليكيّ، إلى العراق، أول من أمس الجمعة، الخامس من آذار (مارس) الجاري، والتي حظيت باستقبال، رسميّ وشعبيّ، عراقي، على جميع المستويات، لم ترق لمحور ولاية الفقيه الإيراني، حيث أكد مراقبون لـ"حفريات" أنّ إيران بهذه الزيارة خسرت زعامة العالم الشيعي.
 "التحسس" الولائي الإيراني من هذه الزيارة التاريخية والأولى من نوعها لـ "الحبر الأعظم" للبلاد، يأتي من ناحية لقائهِ بالمرجع الشيعيّ الأعلى، علي السيستاني، مما يعطي اعترافاً دولياً بأنّ "عاصمة التشيّع الدّيني" تمثّلها مدينة النجف العراقية، لا مدينتَا قم أو طهران الإيرانيتان، فضلاً عن تعزيز الحضور الدولي للعراق في ظلّ حكومة يناكفها الإيرانيون، وهي حكومة مصطفى الكاظمي. 

البابا فرنسيس لدى وصوله محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (RT)
وكان الكاظمي أول المستقبلين لبابا الفاتيكان لدى هبوط طائرتهِ في مطار بغداد الدولي، صباح الجمعة الماضي، تبعها استقبال رسميّ في القاعة الكبرى بالقصر الرئاسيّ، بحضور الرئيس برهم صالح، وسائر قادة المنظومات السياسية والدينية والاجتماعية في البلاد، مع غياب واضح لقادة تحالف الفتح وزعيمهِ هادي العامري (المقرَّب من إيران). 

اقرأ أيضاً: البابا في العراق.. التطبيق العملي لوثيقة الأخوة الإنسانية
وتستمرّ الزيارة البابوية للعراق ثلاثة أيام، بدأت يومها الأول بزيارة العاصمة بغداد، وزيارة مدينتَي النجف والناصرية في اليوم التالي، أعقبتها زيارة مدينتَي الموصل وأربيل في اليوم الأخير.  

محور ولاية الفقيه الإيراني يتفاعل سلبياً مع الزيارة البابوية للعراق.. وقادته يقاطعون الاستقبال الرئاسي للحبر الأعظم.. والبابا والسيستاني يؤكّدان على قدسية الحياة البشرية

ووصل البابا فرنسيس صباح اليوم الأحد إلى محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق؛ حيث اُستقبل البابا بشكل رسمي في مطار أربيل من قبل رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، في حين تواجد العشرات من المسيحيين تواجدوا في مطار أربيل لاستقبال البابا.

اللّقاء التاريخيّ 
وعلى الرّغم من أنّ زيارة بابا الفاتيكان للعراق زيارة تاريخية في حدّ ذاتها، إلا أنّ لقاءه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، عدّهُ باحثون عراقيون "لقاءً تاريخياً" أيضاً. 
ويقول الباحث العراقي علي المدن: "الشيء المميز في لقاء هاتَين الشخصيتَين الإصلاحيتَين المنتميتين إلى أكبر ديانتين في العالم هو تقارب رؤيتهما في التركيز على الجانب الروحاني والقيمي للدين، وفصلهما بين الحقوق المدنية والسياسية للمجتمعات، والتي تستحق الدعم والمساندة، من جهة، والانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية والدولية للأنظمة وأجندتها المحكومة بالمصالح القومية الخاصة بتلك الدول، من جهة أخرى". 

البابا فرنسيس في النجف (رويترز)
 ويضيف، لـ "حفريات": "إنّها المرة الأولى التي تتاح فيها الفرصة للمرجعية الدينية في النجف أن تصنع بداية تاريخية جديدة للعلاقات الدينية بين الإسلام والمسيحية، قائمة على خلق مفهوم مختلف للتدين، تديّن حقوقيّ يعنَى بتنمية فهم القيم والحقوق المدنية، يكون بديلاً عن أنماط التدين الأخرى المنغمسة في شؤون السياسة أو جدالات العقائد"، مضيفاً: "إنّها فرصة، وقد حان الوقت لأن تجرّب النجف، بوصفها عاصمة التشيّع في العالم وأحد أهم مراكز الفكر الديني في العراق، موقفاً آخر في التعاطي مع المسيحية".

التأكيد على "قدسيّة الحياة البشريّة"
وكان البابا فرنسيس الأول قد توجه، صباح أمس السبت، إلى مدينة النجف (مرقد الإمام علي بن أبي طالب والمدارس الدينية الشيعية) للقاء آية الله علي السيستاني، واستُقبلَ الضيف الزائر لدى وقوفهِ أمام بيت السيستاني بحمائم بيضاء، للدلالة على السلام. 

اقرأ أيضاً: البابا يحمل رسالة تضامن لمسيحيي العراق.. تعرّف إلى جدول زيارته

وأصدر الفاتيكان بياناً رسمياً أوضح مجريات اللقاء النجفي، ورد فيه: "التقى قداسة البابا آية الله العظمى، السيد علي الحسيني السيستاني، صباح اليوم، خلال الزيارة المجاملة التي استغرقت حوالي خمسة وأربعين دقيقة"، مبيناً أنّ "الأب الأقدس شدّد على أهمية التعاون والصداقة بين الطوائف الدينية، حتى نتمكن، من خلال تنمية الاحترام المتبادل والحوار، والمساهمة في خير العراق والمنطقة، وللبشرية جمعاء". 

حضر البابا فرنسيس قداساً في كاتدرائية كلدانية في بغداد يوم السبت

وأضاف البيان: "اللقاء كان فرصةً للبابا لتقديم الشكر إلى آية الله العظمى، السيستاني، لأنّهُ رفع صوتهُ مع الطائفة الشيعية في مواجهة العنف والصعوبات الكبيرة في السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الأضعف والأكثر اضطهاداً" ، لافتاً إلى أنّ "الجانبَين أكّدا على قدسية الحياة البشرية وأهمية وحدة الشعب العراقي". 
أما مكتب السيستاني، فقد أصدر بياناً أوضح فيه أنّ المرجع تحدّث لضيفه "عما يعانيه كثيرون في مختلف البلدان من الظلم والقهر والفقر والاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات الأساسية وغياب العدالة الاجتماعية، وخصوصاً ما يعاني منه العديد من شعوب منطقتنا من حروب وأعمال عنف وحصار اقتصادي وعمليات تهجير وغيرها، لا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة".

الخسارة الإيرانيّة من الزّيارة البابويّة 
وحسمَ اللقاء بين رئيس الكنيسة الكاثوليكية، فرنسيس الأول، والمرجع علي السيستاني، جدلاً كبيراً حول هوية الزعامة الشيعيّة في العالم؛ إذ تخوض مدينتا، النجف العراقية وقم الإيرانية، صراعاً على التمثيل المذهبي للطائفة الإمامية في العالم، علماً بأنّ الجامعة الدينية النجفية يعود تأسيسها إلى القرن الخامس الهجري، في حين يعود تأريخ الجامعة الدينية لمدينة قم، إلى العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، وقد تفاقم الصراع على الزعامة الشيعية، بعد انتصار الثورة الخمينية في إيران، عام 1979. 

د. محمد الناصري لـ "حفريات": إيران خسرت زعامة العالم الشيعي؛ وأثبت آية الله علي السيستاني أنّهُ الأجدر بقيادة الشيعة، لأنه يجمع الأصالة والاعتدال

وعن ذلك تحدّث الدكتور محمد الناصري، لـ "حفريات"، قائلاً:  "إيران خسرت زعامة العالم الشيعي؛ إذ أثبت آية الله علي السيستاني أنّهُ الأجدر بقيادة الشيعة"، ويعزو ذلك إلى جمع الأخير "للأصالة والاعتدال، وأنهُ بعيد تماماً عن استغلال مكانته الروحية وموقعه الشرعي لتحقيق مصالح طائفية أو منافع شخصية". 

البابا فرنسيس وآية الله السيستاني

ويتابع الأكاديمي العراقي: "في الوقت الذي راهنت إيران فيه على تأثير زيارة البابا فرنسيس الأول على مواقف السيستاني المتعلقة بالعالم الإسلامي، كالقضية الفلسطينية، جاء موقف الأخير أصيلاً معبراً عن ضرورة احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها"، وأضاف: "بل أكثر من ذلك، أرسل السيستاني رسالة واضحة للعالم تمنع محاصرة الشعوب اقتصادياً، وهذا يعني دعوة من مرجع النجف من موقع أعلى لإعادة النظر بالصراع الإيراني الأمريكي، والجنوح للسلميّة والحوار لحلّ المشكلات السياسية والأزمات الإستراتيجية". 

اقرأ أيضاً: العراق في مواجهة الميليشيات

وأكّد أنّ "النجف ربحت زخماً جديداً، أستطيع أن أسمّيه "تأكيد المؤكد وتوضيح الواضح وترسيخ الراسخ في نفوس كثيرين"؛ إذ كان معروفاً وواضحاً اعتدال النجف ومرجعيتها وقيادتها الدينية، المتمثلة في المرجع السيستاني، لكنّ زيارة البابا أكّدت ووضّحت ورسّخت البعد الإنسانيّ والاعتداليّ لها". 

إعلام الولاية وفشل التسويق
وحاول إعلام محور ولاية الفقيه في العراق أن يلعب دوراً سلبياً لقضم الزخم الإعلامي الإيجابي على زيارة بابا الفاتيكان للبلاد؛ حيث بدؤوا بانتقاد أحد مظاهر الاحتفال الرئاسي على الطريقة الخليجية (استخدام السيوف والتهليل)، فضلاً عن تسويق صور لنائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الراحل "أبو مهدي المهندس" (قتل مع الجنرال قاسم سليماني بداية العام الماضي) باعتباره محرّر الكنائس من تنظيم داعش الإرهابي أيام عمليات التحرير في العراق، مع استفهام داخل الصور "أين كان البابا من ذلك ومن ممارسات أمريكا؟".

اقرأ أيضاً: حج بابا الفاتيكان إلى العراق.. يتحدى الإرهاب ويختبر الأمن ويفتح آفاق السياسة
ويعلّق الكاتب، حامد عبد الرحيم، على ذلك: "التفسيرات التآمرية للزيارة، أو عدم الترحيب بها، تنطلق من سوء فهم مزمن للحياة كلّها، وهو سوء فهم حكم على أصحابه بالعزلة عن الواقع"، مبيناً أنّ "فكرة الزيارة ليست وليدة اليوم، وكان يفترض أن يقوم بها بابا سابق أيام النظام السابق، لكنّه رفض رغبة ذلك النظام في استخدامها سياسياً لمصلحته". 

حاول إعلام محور ولاية الفقيه بالعراق أن يلعب دوراً سلبياً لقضم الزخم الإعلامي الإيجابي على زيارة بابا الفاتيكان للبلاد

ورأى أنّ "ربط الزيارة بالسياسات الغربية الاستعمارية وبأدوار البابوات في أزمان سابقة موقف خاطئ، فالذي لا يرى التغيرات التي تحدث بالعالم، متمسكاً بمبدئية حنبلية، سيعزل نفسه عن التأثير في الحياة".  

القدّاس الإبراهيميّ لأديان العراق 
وفور انتهاء زيارته للنجف، اتّجه البابا فرنسيس الأول إلى محافظة ذي قار (360 كم جنوب بغداد)، قاصداً مدينة أور الأثرية؛ موطن أبو الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، وكان في استقبالهِ جمهور واسع ضمّ ممثلي الأديان والحكومة المحلية والعشائر وناشطي الحراك الاحتجاجي، الذين أجلوا احتجاجاتهم "احتراماً وتقديراً" للزيارة التاريخية.

اقرأ أيضاً: الكاظمي: العراق ليس ملعباً... ما علاقة أمريكا وإيران؟

وقال البابا في كلمة القدّاس: "رسالة السماء هي الوحدة والعمل المشترك والأخوة لنصلَ إلى أسمى أنواع الإنسانية"، مبيناً أنّه "عندما هاجم الإرهاب العراق فقد جزءاً من تاريخه"، معتبراً أنّه "يجب احترام حرية الضمير والحرية الدينية".
وأشار إلى أنّه "لن يكون هناك سلام من دون تعاون بين البشر"، مضيفاً: "نحن، المؤمنين، لا يمكن أن نصمت عندما يسيء الإرهاب للدين؛ بل تجب علينا إزالة سوء الفهم".
وتابع بابا الفاتيكان، قائلاً: "لا يصدر العداء والتطرف والعنف من نفس متدينة، بل هذه كلّها خيانة للدين"، مضيفاً: "يجب أن نعطي الإنسانية قيمة أكبر وأن ننظر إلى معاناة الفقراء والمهاجرين".

بابا الفاتيكان: "لا يصدر العداء والتطرف والعنف من نفس متدينة، بل هذه كلّها خيانة للدين"
وبعد انتهاء القدّاس الإبراهيمي، طالب ناشطون عراقيون بتخصيص يوم 6 آذار (مارس) الجاري، يوماً للحجّ السنوي إلى المدينة. 

وكتب الناشط علي الذبحاوي تغريدة قال فيها: "بعد زيارة بابا الفاتيكان التاريخية لمدينة أور الأثرية في محافظة ذي قار، بتاريخ 6 آذار، نتمنى أن يدرج هذا اليوم للحج السنوي لكافة الأديان"، مطالباً بـ "تخصيص الإمكانيات المناسبة لإحياء الزيارة الدينية بما يليق بمكانتها". 

6 مارس يوماً وطنياً للتسامح 

من جهتهِ، أعلن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أمس السبت، تسمية السادس من آذار (مارس)، يوماً وطنياً للتسامح والتعايش في العراق. 
وقال الكاظمي، على "تويتر": بـ"مناسبة اللقاء التاريخي بين قطبي السلام والتسامح، المرجع الشيعي علي السيستاني، والبابا فرنسيس، ولقاء الأديان في مدينة أور التاريخية، نعلن تسمية يوم السادس من مارس من كلّ عام "يوماً وطنياً للتسامح والتعايش في العراق"".

وكان البابا قد أحيا صلاتين في كنيستين بغداديتين؛ الأولى لدى وصوله في اليوم الأول، بكنيسة "سيدة النجاة"، التي تعرضت لهجوم إرهابي من قبل تنظيم القاعدة، في 31 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2010، راح ضحيته نحو 52 شخصاً، والثانية في كنيسة "ماريوسف للكلدان"، في اليوم الثاني لدى عودتهِ من محافظة ذي قار. 

خصوصية الموصل في زيارة البابا
تعدّ مدينة الموصل، المحرَّرة من تنظيم داعش في عام 2017، من المدن العراقية التي يقطنها أبناء المكوّن المسيحيّ في البلاد، وقد تعرّض مسيحيو هذه المدينة إلى القتل والترويع والتهجير من قبل التنظيم الإرهابي، إلى جانب الطوائف الدينية الأخرى. 

وبعد أن وصلها بطائرة مروحية، وجه بابا الفاتيكان من الموصل اليوم الأحد نداء عاطفياً إلى مسيحييها المهاجرين بالعودة إليها لبناء المستقبل وإعادة التعايش. وأشار إلى أنّ التهجير القسري سبّب تناقصاً مأساوياً في أعداد المسيحيين في الموصل والشرق الأوسط، مما تسبب في ضرر كبير لا يمكن تعويضه وأضعف النسيج الديني والمجتمعي.
وشدد البابا على أنّ الأمل ما زال ممكناً في المصالحة والحياة الجديدة.

الصفحة الرئيسية