"زينب والعرش".. هل يمكن النجاة من إغواءات الصحافة؟

1876
عدد القراءات

2019-08-31

"الآن أنت رجل طيب، آت لتحويل تلك الغابة لمدينة فاضلة، تملؤك الحماسة، للصدع بكلمة الحق، لا تظن يوماً أنّك يمكن أن تتحول إلى كائن شرير، لكنك ستكون ذلك الكائن يوماً ما.. لكن رويداً رويداً.
نظر عبدالهادي النجار، رئيس التحرير، للشاب الخجول، حديث التخرج، الذي بدا من صفحة وجهه الخير والصلاح، ثم قال: يا يوسف، هنا أسرع مكان تتغير فيه الطبائع".

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
منذ العام 1972، أعمل فتحي غانم، أحد أشهر رؤساء التحرير في مصر، إزميل نقده، في وسطه الصحفي الذي ينتمي إليه، ليخرج بروايته المنحوتة "زينب والعرش" التي لا يدرك مدى عمقها، وإبحارها، إلا من عاش تجربة كاملة بين جدران السلطة الرابعة، ودخل مطابخها، وسرح في كواليسها.
نقد الذات المهنية
عندما يكون الصحفي روائياً، فإنه باستطاعته أن يجعل من كل شيء محلاً للكتابة، والاستهداف بالقلم، ويذهب للتفتيش في بيئته أولاً، فيمتلك الجرأة على ممارسة النقد الذاتي، هادماً أسوار القدسية، التي عمل على بنائها أرباب المهنة وشيوخها.

رواية "زينب والعرش" لفتحي غانم
لكن غانم فرض الاعتراف على الوسط الصحفي بوجود آفات وخطايا، استشرت فيه، بحيث إنّ كل صحفي يقرؤها، يجد فيها معايشته لتجربته المهنية بصورة أو بأخرى.
يقول عبدالهادي النجار، بطل الرواية، ليوسف المحرر الجديد: "سوف تتعود.. سوف تتخلص بسرعة من كل ارتباك.. فهنا أسرع مكان لتغيير طبائع البشر.."

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
يواصل النجار حديثه: "لن تكون كما أنت الآن، مثل العذراء..أنت مقبل على عالم غريب عنك.. وأنا الآن أشعر على نحو ما بمسؤولية نحوك.. ولست أدري لماذا أقول لك هذا.. ولكني أخشى عليك من الجو الذي نعيش فيه.. وأغلب الظن أنّك ستتغير كما قلت لك.. ولن تكون كما أنت الآن مثل العذراء.. أنا واثق أنّك لا تفهم ما أقول.. ولكنك ستدرك ما أعنيه بالضبط فيما بعد..".
رجل ضل الطريق
يتذكر الصحفي بداية الطريق، إن التقط الفرصة يوماً ما، ويتساءل، ما الذي جاء بي إلى هنا؟ ربما يتوقف عند كلمات قيلت له من مثل شخص كعبدالهادي النجار، أنّك سوف تتغير يوماً ما "أنت تريد أن تتظاهر بأنّك شرير، ولكن لا تستعجل الأحداث فأنت ما زلت مشروع شرير، وكل ما تفعله حتى الآن هو أنّك تقوم في هذه الحجرة بدور الاستثناء الذي يثبت صحة القاعدة، فأنت بالنسبة لمن يجلسون على هذه المقاعد نوع من الملائكة، ضل طريقه إلى غابة الشيطان ولكنها مرحلة مؤقتة، فلا تنزعج فأنا كفيل بتصحيح هذا الخطأ".

عندما يكون الصحفي روائياً فإنه باستطاعته أن يجعل من كل شيء محلاً للكتابة والاستهداف بالقلم

يعتز رجال المهنة بها وبأنفسهم، اعتزازاً يصل إلى درجة التعصب لها في مواجهة المهن الأخرى، هذا التعصب الذي يعمي البصر والبصيرة عن مثالب أهلها، وسلبيات وسطها وبيئتها.
ربما يزداد الأمر تعقيداً، إذا كانت هذه هي الصحافة؛ إذ إنّها أداة تشكيل الرأي العام، وتوجيهه، اعتاد أصحابها، ممارسة النقد وتوجيه الاتهام حتى في مواجهة السلطة، والمؤسسات الحكومية، والمجتمعات المدنية، لكنهم ربما لا يطيقون توجيه النقد إلى ذواتهم.
يقول حسن، أحد أبطال الرواية، ليوسف، الذي جاء للعمل بواسطة مدكور باشا، أحد ملاك الجريدة: "هذه مهنة لا تفيد فيها وساطة البشاوات.. ولسوف ترى".
العدل هو القوة
امتلك عبدالهادي النجار، فلسفة بالنسبة للحقيقة، فليست عنده حقيقة واحدة مطلقة، يتفق عليها الجميع، إنما هي حقائق متعددة، ومتعارضة، لأّنّ ما هو حقيقي عند أي إنسان، هو مصلحته فقط ولا شيء غير مصلحته.
من يصل إلى رئاسة التحرير، لا يكون في الغالب شخصاً منعماً يوماً، ولم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل هو شخص لم يكن له خيار سوى مهنته هذه، بدونها لا يساوي شيئاً، إنّه من ينتصر في النهاية، من يهزم خصومه في جميع معاركه.
لكن من أين جاءت فلسفة عبدالهادي هذه؟
ذات يوم أرشد الشيخ النجار ولده عبدالهادي، إلى كتاب الفخري في الآداب السلطانية، والدول الإسلامية، لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي، ووجد عبدالهادي القصة، وما يزيد عليها، وبينما هو يقرأ في فصل "الأمور السلطانية والسياسات الملكية" إذا به يقع على هذه الفقرة: "لما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، أمر أن يستفتي العلماء أيهما أفضل، السلطان الكافر العادل، وكان هولاكو كافراً، أو السلطان المسلم الجائر، ثم جمع العلماء المستنصرية لذلك، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب،... وكان رضي الدين علي بن طاوس، حاضراً هذا المجلس، وكان مقدماً محترماً، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا، ووضع خطة فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده.

كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي
كان لما قرأه وقع كالزلزال في نفسه، لقد أفتى كبار علماء المسلمين، بأنّ حاكماً عادلاً كافراً خير من حاكم مسلم ظالم، فهل هذا معقول، أم أنّهم خافوا بطش هولاكو، الذي ما كان يرضى بجواب آخر! على أية حال الفتوى قائمة.. وموقع عليها من جميع علماء بغداد منذ سبعة قرون، وهي تعترف الاعتراف المشين بأنّ هناك إسلاماً وجوراً، وهناك كفر وعدل.

"زينب والعرش" لا يدرك مدى عمقها إلا من عاش تجربة كاملة بين جدران السلطة الرابعة

ذهب عبدالهادي إلى أبيه يسأله رأيه في هذه الفتوى، قال الشيخ النجار: الأمر بسيط أرادوا إحراج الحاكم بأن يلزموه بالعدل، قال عبدالهادي: حتى لو فرّطوا في الدين قال الشيخ النجار: لم يفرطوا بل غلبوا على أمرهم، قال عبدالهادي: اشتروا حياتهم وكان الثمن دينهم، قال الشيخ النجار: اشتروا العدل والرحمة للناس، قال عبدالهادي: وهل جاء العدل على يد هولاكو؟ قال الشيخ النجار بصوت غلبه التردد: لا هولاكو ولا غير هولاكو العدل.. ضاع من بعد عمر بن الخطاب. قال عبدالهادي في مرارة: ما العدل وأين هو وكيف يتحقق؟ قال الشيخ النجار: اهدأ يا بني، واعلم أنّ العدل أصبح هو القوة، صاح عبدالهادي يائساً: إذن الانجليز على حق .. إنهم هولاكو الجديد الذي نرضى به لأنهم الأقوى فهم الأعدل.. ومنذ ذلك الوقت تهدمت قيم راسخة في نفس عبدالهادي، وتحولت إلى أنقاض وأشلاء قيم.
المجتمع ينتقم
بات للعدل مفهوم خاص بعبدالهادي النجار، الذي يتكرر نموذجه من الأربعينيات وحتى وقتنا الحاضر.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
ينفصل عبدالهادي عن محيطه القديم، فمنذ أن غادر بلدته الواقعة في إحدى قرى محافظات الدلتا في مصر، لم تطأ قدمه إياها مرة أخرى، فقطع رحمه، ولم يعد ينفعهم بشيء.
لكن المجتمع قادر أن يؤذيه، حتى وإن اختلق عليه أقاويل باطلة.
ليس المال وحده
ما الذي يدفع رجل أعمال إلى إنشاء صحيفة تسبب له الخسارة مادياً، وتسبب له مزيداً من المتاعب؟
ذات مرة فاجأ مدكور باشا الجميع: "سوف نصدر جريدة.. ارتفع أكثر من صوت يحتج (هذا يورّطنا أكثر مما يفيدنا).. قل يا باشا صراحة أنك تريد أن تصبح رئيساً للوزراء، هل نترك أعمالنا لنتحول إلى جرنالجية"؟

منذ العام 1972 أعمل فتحي غانم أحد أشهر رؤساء التحرير في مصر إزميل نقده في وسطه الصحفي

ابتسم مدكور باشا قائلاً: نفس الاعتراضات التي قلتها عندما حدثني جاك فيشر في هذا الموضوع.. ولكنني اقتنعت آخر الأمر.. قال لي يا عزيزي مدكور، أنا لا أضع أموالي في مكان قبل أن أوفر له كل وسائل الحماية.. ومن أهم هذه الوسائل أن تكون الصحافة معك.. وأما أن تدفع لها وإما أن تكون لك صحفك الخاصة، وهذا أوفر لك، وهو يضمن لك إمكانيات واسعة للتخطيط لمشروعات أخرى في المستقبل وصدقوني.. إن هذا الرجل يؤمن في شيء بسيط جداً وهو المعلومات، إنّ المال بغير المعلومات لا يساوي شيئاً، ولكن مالاً ومعلومات يساوي سلطة جبارة قادرة على إنجاح أي مشروع، والصحافة لا تنقل المعلومات إلى القارئ فحسب، إنّها تجمع أضعاف ما تنشره للقارئ من معلومات، كلها سوف تكون تحت أيدينا، ولسوف نستفيد منها ولن نكون جورنالجية، بل أقول إنّنا لن نظهر في الصورة على الإطلاق.. كل ما سوف نفعله هو أنّنا سوف نختار الأشخاص المناسبين ونمولهم ليصدروا الجريدة.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
وإذا كان هذا هو رأي مالك الصحيفة وممولها، فإن رئيس التحرير المحنك، لديه قدرة على السيطرة على الموقف، وإقناع الملاّك الممولين، بضرورة الاستمرار، بدعوى أنّ التأثير في الرأي العام أهم من بضعة ملايين تنفق كل عام فهو الدرع والسيف في مواجهة الخصوم والأعداء.

منذ أن غادر بلدته الواقعة في إحدى قرى محافظات الدلتا في مصر لم تطأ قدمه إياها مرة أخرى
يقول عبدالهادي: المشروع أهم بكثير من أن يتوقف على متوسط عدد النسخ المباعة في العامين الأولين من صدور الجريدة، أو يتوقف على خسائرها المالية التي هي مجرد مصاريف ضرورية لا غنى عنها، ولا يمكن موازنتها في عامين أو ثلاثة، وإنما هي تتوازن في المدى الطويل، الذي تؤكد كل الظروف أنه سيكون في صالح الجريدة.
مات الملك
لكن عندما يطاح بالنظام، وتتبدل الأحوال، فإن عبدالهادي، لا يشعر بخجل، من التحول في اتجاه النظام الجديد، بل ويشعر بنشوة مماثلة وربما أكبر عندما نشر خبر تأميم البنوك ومن بينها بنك النيل، وأراد أن ينشر صورة لمدكور باشا بهذه المناسبة، لولا أنّ الرقيب اعترض قائلاً إنّه لا داعي لتذكير الناس بوجود هؤلاء الباشوات.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
إنّ قوة أي صحفي هي في ما يملكه من معلومات: "لقد اكتشف عبدالهادي أن منبع قوته، فيما يتجمع لديه من أخبار ومعلومات يتمنى الآخرون الوصول إليها، لم يعد الحسب والنسب مصدراً للقوة، ولكن أجمع أكبر قدر من المعلومات.. واحصل على أكبر سيل من الأخبار، وافتح أذنك وعيونك، ووثق صلاتك بكل من يصلح مصدراً لخبر، وعندئذ تملك قوة جبارة يسعى إليها الجميع، البعض يتملقها والبعض يخشاها..".
هو يمتلك ثروة إذن؛ فلِم لا يكون الرجل الأول للاستخبارات في الجريدة: "هو على استعداد دائماً لأن يقدم ما لديه من أخبار، وهو يعرف في نفس الوقت أنّ السلطات تحيطه برجال الاستخبارات".
قال ذات مرة لحسن زيدان، وقد جاء يسأله رأيه في اتصال بعض رجال الاستخبارات به: إذا أرادوا أن يجنّدوك في خدمة فاقبل على الفور لأنّك ستكتشف أن كل الذين تعمل معهم هنا يتصلون بالمباحث ..". يردف بهدوء: على أية حال أنا لا أفزع منهم.
فتشجع حسن وقال: وأنت ما صلتك بهم؟ فقال على الفور: وهل هذا سؤال، يسأله شاب ذكي مثلك، أم أنك تتغابى، أنا رجل الاستخبارات الأول في هذه الجريدة، وإنّ كان هذا لا يمنع من مراقبتي، وتسجيل كل حركاتي وسكناتي، وإحاطتي ومحاصرتي بأجهزة الاستخبارات ورجالهم.
النصر للخبرة
ينتصر عبدالهادي في النهاية حتى على الرقيب، المبعوث من رجال الثورة، وهو ضابط من الضباط الأحرار، وأحد رجالات جهاز الاستخبارات.
في البداية ظن عبدالهادي أن أحمد عبدالسلام دياب "الرقيب" يأخذ تعليماته من الوزراء، لكنه اكتشف عندما رفض "دياب" نشر خبر لوزارة الخارجية، أنّ الوزارة تسمح بنشره، لكن هناك جهة لا يعلمها هي التي رفضت.. اكتشف بعد ذلك قوة أخرى هي الأهم، فانتبه لذلك وعالج خطأه حتى هزم "دياب".

يقول عبدالهادي بطل الرواية ليوسف المحرر الجديد: سوف تتعود فهنا أسرع مكان لتغيير طبائع البشر

"مع تكرار هذه المواقف تبين لعبدالهادي أّنه أمام حالة جديدة، تختلف تماماً عن كل ما كان يعرفه في الماضي، فهناك قوة أكبر من الوزراء، تكمن في الرئاسة.. وعليه أن يرتب أموره على هذا النحو، وأن يسعى إلى الاتصال بها".
كان عبدالهادي شخصاً ذكياً مخضرماً، أدرك مبكراً أنّ كل الرجال الذين حوله، قد ضمّهم التنظيم السري الجديد للثورة، حتى أنه بادر يوسف منصور "ابن الناس الطيبين" قائلاً: "ضموك للتنظيم ولا لسة؟".
لقد أدرك عبدالهادي، لعبة الإدارة بالصراع، وكان يعلم أن هناك قوة ما تريد أن تظل لعبة "القط والفأر" مشتعلة بينه وبين "دياب" لكنه استطاع في النهاية أن يكون رئيساً لمجلس الإدارة، معتبراً أنّ كل ما يجري هي جولة على رقعة شطرنج.
"هو فيه حد في شغلنا ده بيضحك ولا بيتهني بحاجة" نطق عبدالهادي بهذه الكلمات في النهاية، فقد كان يرى أن مرض القولون العصبي هو مرض الصحفيين الذي يؤرق حياتهم.
يقول عبدالهادي لحسن زيدان: "نحن لسنا في جورنال؛ نحن في غابة.. أنت كذاب ولست مكسوفاً من كذبك، طماع ولست مكسوفاً من طمعك... أنا مستعد أوصل بأي طريقة وأياً كانت، ولو أتت فرصة مش هفكر في أي حد.. أنت عايز تقعد هنا مكاني.. إنتي شبهي وعشان كده بحبك".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف قرأ فرانسوا بورجا الإسلام السياسي؟

2019-09-08

يعتبر المفكر الفرنسي، فرانسوا بورجا، واحداً من أهم ثلاثة مفكرين فرنسيين تصدوا لدراسة وتحليل ظاهرة الإسلام السياسي خلال العقود الأخيرة، وتعد أبحاث بورجا إلى جانب أبحاث؛ جيل كيبل وأوليفييه روا، اللذين تناول كل منهما ظاهرة الإسلام السياسي من منظور مختلف عن منظور الآخر، مراجع لا غنى عنها لفهم أبعاد تلك الظاهرة، سواء من حيث دقة التحليل وشمول التوثيق أو من حيث الموضوعية والتخفف من إسار الأيديولوجيا التي وسمت فكر الاستشراق بصفة عامة. 

 الموقف النقدي المتحفظ إزاء فكر الاستشراق وإرث الاستعمار الفرنسي جعل من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" إشكالياً

ولعل هذا الموقف النقدي المتحفظ إزاء فكر الاستشراق والموقف من إرث الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا والذي يظهر عند بورجا وكأنّه تطهر من إثم قديم، هو ما جعل من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" كتاباً إشكالياً قابلاً للتوظيف الأيديولوجي في الفكر السياسي العربي، من قبل العلمانيين أو الإسلاميين على السواء، وهي النقطة المهمة التي أشار إليها المفكر المصري الراحل، نصر حامد أبو زيد، في تقديمه للترجمة العربية للكتاب التي أنجزتها لورين فوزي زكري وصدرت عن دار العالم الثالث بالتعاون مع المركز الفرنسي للثقافة والتعاون العلمي في القاهرة 2001.

اقرأ أيضاً: محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر
فالكتاب الموجه أصلاً للقارئ الفرنسي والقائم على الاعتراف بالآخر وتقبل اختلافه الثقافي، والتعامل مع الحركات الإسلاموية كحقيقة واقعة وقوة مؤثرة في المعترك السياسي العربي، ونقد الموقف الغربي المنحاز للأنظمة السلطوية "العلمانية" في قمعها للحركات الاحتجاجية الإسلامية (التي ربما تكون وريثة هذه النظم في المستقبل غير البعيد) كما يرى بورجا، قد يثير حفيظة المثقف العربي إزاء تعاطف الكاتب مع تلك الحركات الذي قد ينزلق إلى تسويغ استخدام الدين في السياسة وشرعنة العنف من جهة، والمساهمة في تغييب  قوى التغيير الديمقراطي اليساري التي أُخرجت من ساحة الفعل السياسي والاجتماعي كحقيقة واقعة بعد أن تناوب على سحقها وتهميشها كل من الإسلامويين وأنظمة الحكم السلطوية القائمة بمساعدة السياسة الغربية، أو تواطؤها النفعي على أقل تقدير.

غلاف الكتاب
لا تقلل تلك الملاحظات من أهمية كتاب فرانسوا بورجا بقدر ما تثبت أهميته وتثير النقاش حوله بما يقدمه من رؤى مختلفة ورصد وتوثيق للظاهرة الإسلامية في دول شمال إفريقيا التي تناولها المؤلف بشكل تفصيلي منذ النشأة، رغم أنّها لا تخرج إلا جزئياً عن الصبغة العامة للإسلام السياسي؛ بسبب طول فترة الاستعمار الغربي لدول المغرب العربي وتأخر استقلالها، وبعدها النسبي عن التأثر باضطرابات المشرق العربي المتوتر منذ نهاية السلطنة العثمانية، واستمرار العلاقة الثقافية بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية حتى اليوم. ويكمن اختلاف قراءة بورجا للظاهرة الإسلاموية في كونها بحثاً في الفاعلية الحركية السياسية والاجتماعية يسعى الباحث من خلاله لاكتشاف القوانين العامة المؤسسة للظاهرة والمحركة لها أكثر من كونه بحثاً في الأيديولوجيا أو اشتباكاً مع مقولات ومفاهيم، كما يحرص على إبراز "تعددية" الظاهرة وتمايز تياراتها السياسية ومناقشة أسباب هذه "التعددية" التي تصل أحياناً إلى حد التناقض والتصارع على مستوى الفعالية والحركية السياسية، كما يشير نصر حامد أبو زيد في تقديمه لترجمة الكتاب.

اقرأ أيضاً: ماذا تفعل جماعات الإسلام السياسي بالأتباع والمريدين؟
وانطلاقاً من محاولة التخفف من الحمولة الأيديولوجية يعيد بورجا النظر في التسمية ودلالاتها التي باتت تتخذ لوصف تلك الظاهرة  في كتب المتخصصين أو في الكتابات الصحفية دون تدقيق بخصوصية كل حالة، أو تمييز بنوع الخطاب، مشيراً إلى أنّ "التضخم اللغوي فيما يتعلق بالمصطلحات التي يستخدمها المحللون "الإسلام السياسي"، "الأصولية"، "المتشددون"..." يؤشر ليس على الحيرة في وصف تلك الظاهرة فحسب، إنّما على القلق المتزايد منها، والاهتمام الذي تثيره، والصعوبة التي يواجهها المراقب الخارجي أمام جوهر هذه الاتجاهات وتعددها؛ "فدراسة العقيدة المجموعة في "سور القرآن وأحكامه" أسهل كثيراً من فهم ملايين الأفراد الذين يؤمنون بها".

نصر حامد أبو زيد
لذلك كثيراً ما يحدث الخلط في استخدام هذه المصطلحات بين التقليدية والأصولية والإسلام السياسي، وإن كانت جذور الإسلام السياسي موجودة في المرجعية الأصولية إلا أنّ الأصولية تتخذ موقف الارتياب من المعاصرة  ولا تملك مشروعاً سياسياً لحل مشكلات العصر، إنما ينحصر نشاطها في الإطار الأخلاقي.

الإسلاموية نشأت في الأساس في سياق الحداثة الغربية وكرد فعل عليها وتتقبل كل مظاهرها التكنولوجية الحديثة

أما الإسلاموية فقد نشأت في الأساس في سياق الحداثة الغربية وكرد فعل عليها وتتقبل كل مظاهرها التكنولوجية الحديثة، وهي مشروع سياسي يسعى لتجاوز (سبات العلماء) المندرجين في مؤسسات الدولة حسب وصف عبد السلام ياسين، وضد السلفية التي (قدمت تنازلات مؤسفة للغرب في سعيها لإضفاء طابع الحداثة على الإسلام بدلاً من إضفاء الطابع الإسلامي على الحداثة) كما عبر عن ذلك راشد الغنوشي.
ويهدف الإسلام السياسي إلى الاستيلاء على السلطة من فوق باعتبارها ضرورة لتحقيق يوتوبيا "الدولة الإسلامية" التي يشاركهم فيها إلى حد كبير التيار الأصولي؛ فميلاد الإسلام السياسي داخل المجتمعات العربية، كما يرى بورجا، مرتبط بالظاهرة الإمبريالية وصدمة الحداثة الغربية، ونضال هذه المجتمعات ضد الاستعمار بكل ما يمثله من قيم ورموز. أما تبلوره كمشروع سياسي متكامل ذي أطر تنظيمية حركية وانتشاره المتسارع فقد جاء كرد فعل على الدولة القومية "العلمانية" وفشل سياساتها التنموية وعدم قدرتها على إنجاز التحرر الفعلي من هيمنة الدول الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
ويذهب بورجا إلى القول إنّ الإسلام التاريخي ليس وحده المولد لظاهرة الإسلام السياسي، كما يدعي منظروه، "إنما الإسلام السياسي كظاهرة هي التي تصنع الإسلام الراهن على مقاسها وليس العكس". فاستخدام الإسلام السياسي لشفرة ومصطلحات الإسلام لا يتعدى الاستخدام اللغوي فحسب، وذلك في مواجهة شفرة غربية استعمارية أساساً أعادت الأنظمة الحاكمة إنتاجها في خطابها القومي "العلماني"، ويصبح الإسلام في هذه الحالة مجرد هوية يتسلح به الإسلام السياسي. وهذا الإسلام الذي يسعى لتكوين هويته الخاصة كما يرى بورجا ليس معادياً للغرب.
لماذا احتاج "الجنوب أن يتحدث بصوت آخر"؟
في إطار رصده لانتشار الظاهرة الإسلاموية "الصوت الجديد" في مجتمعات المغرب العربي وآليات نشاطها وتوجهاتها السياسية، بدءاً من تونس إلى الجزائر وبدرجة أقل في المغرب وليبيا، يذهب بورجا للوقوف على أسباب هذا الانتشار إلى تشريح البنية السوسيوثقافية والسياسية في المجتمعات العربية المغربية في ظل الاستعمار، ومرحلة ما بعد الاستقلال التي خضعت فيها تلك المجتمعات لعمليات التحديث القسري الذي تولت نشره الانتلجنسيا المحلية ودولة الاستقلال الناشئة بوتيرة أسرع وأكثر مبالغة وجذرية عما كانت عليه في ظل الاستعمار المباشر، معتمدة في ذلك على قوتها النابعة من الشرعية التي اكتسبتها من إنجازاتها في التحرير الوطني من دون الاهتمام بمعالجة التصدع في الذهنية الاجتماعية الذي أصاب هذه المجتمعات بعد اندثار شفراتها الثقافية أو احتلالها مواقع هامشية، "وبات من يبحثون عن ملجأ أخير لهويتهم في القيم الدينية ينظرون إلى العلمانية بأنّها أصبحت الإطار المرجعي الذي تفرضه السلطة".

يهدف الإسلام السياسي إلى الاستيلاء على السلطة من فوق باعتبارها ضرورة لتحقيق يوتوبيا "الدولة الإسلامية"

لكن فشل الدولة الناشئة في الإيفاء بمتطلبات التنمية في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية وتراجع أسعار النفط، والتفجر السكاني، وازدياد التفاوت في المستوى المعيشي والثقافي والتعليمي بين الريف والمدينة، وازدواجية الثقافة التي أنتجتها سياسة التعريب القومي، مع لفحة رياح الثقافة المشرقية التي حملها المدرسون الموفدون من دول المشرق أو الطلبة العائدون منها مثل؛ الغنوشي، والإسلاميين المتشبعين بأفكار الإخوان المسلمين وحسن البنا أو سيد قطب، والهاربين من بطش الملاحقات الأمنية في تلك الدول، مع أصداء انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قد ساعد في تعضيد الأصوات الإسلامية الناشئة وساهم في نقلها من مساجد الضواحي الهامشية البعيدة إلى الجامعة والقطاع الطلابي المديني وساحة المدينة، خاصة بعد توسع الجامعة وانتشار التعليم والهجرة الريفية نحو المدن حاملة معها ثقافتها الدينية ذات الطابع الريفي التي أحسن التيار الإسلامي تعبئتها واستثمار طاقاتها بالاستفادة من تجربة مناضلي الحركات اليسارية الماركسية وأساليب نشاطهم وبالتنافس معهم في آن.

كل ذلك فتح الطريق نحو المواجهة مع الدولة التي أدركت متأخرة خطورة الظاهرة الناشئة وخطورة حرية نشاطها، فأخذت بدورها تنافس معارضيها من قوى الإسلام السياسي على استخدام المجال الديني وتسابقها في إنتاج فائض من التدين والرموز الدينية. وقد ظهرت نتائج هذا السباق جلية عندما انخرط الإسلاميون في النشاط السياسي العلني ودخلوا في اللعبة الديمقراطية وصناديق الانتخابات في تونس أولاً ثم في الجزائر فيما بعد.

توقع بورجا أن يستطيع الإسلام السياسي تجاوز أفكاره وأيديولوجياته المدمرة ويخرج من قوقعته لم تتحقق حتى اليوم

ويشير بورجا في هذا الصدد إلى خطأ تقدير الحاكمين للظاهرة الإسلامية التي اعتبروها في البدء مجرد سحابة صيف عابرة، وحاولوا استمالة بعض رموزها بسياسة الاحتواء والضبط، أو توظيفها ضد التيارات اليسارية الماركسية المنافسة، لكن هذه السياسة لم تفعل غير تقوية التيارات الإسلامية وتبلور خطابها السياسي الصدامي والتكفيري، ما فتح الطريق أمام موجات متتالية من العنف والعنف المضاد الذي سرعان ما وجد تبريره وشرعنته بتأويل المرجعية الإسلامية من قبل هذه التنظيمات حسب مقتضى الظرف، وهو ما يترك سؤال الديمقراطية والعلمانية والحداثة في المجتمعات العربية والإسلامية سؤالاً معلقاً، كما يجعل رهانات بورجا على قدرة الإسلام السياسي على تخطي قوقعته والانفتاح على العصر وقبول قيم الحداثة الغربية التي تؤهله لوراثة الأنظمة القومية باعتباره القوة السياسية الأكثر تنظيماً وجماهيرية بعد أن أفرغت الأنظمة السلطوية الساحة السياسية من المنافسين الآخرين، وفيما لو قوبل بالاعتراف والإنصات لصوته من قبل الغرب، مجرد رغبات وأماني.  فالأنظمة القومية التي يصفها بروجا بالعلمانية تشترك مع الإسلام السياسي بالجذر الثقافي والمرجعية الفكرية وإن اختلفت شعاراتها السياسية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
ولعل الاختبار الحقيقي الذي تفشل حركات الإسلام السياسي فيه حتى اليوم هو الموقف من الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين؛ فقد انساق بورجا وراء نقده للفكر الغربي الذي ينتقد موقف الإسلام من المرأة وانبهاره بقدرة الإسلام السياسي على تعبئة النساء في نشاطه السياسي والاجتماعي و"الجهادي" الذي قاده لاستخلاص أن الإسلام السياسي لا يقف ضد حرية المرأة ومساواتها مع الرجل، لكن فاته أن ينظر في أفق القانون الذي يحدد تلك الحرية والموقع الاجتماعي الذي تحتله النساء وفقه والوظيفة الاجتماعية الموكولة لها، كما فاته أن يسأل أي امرأة تلك التي لا يعاديها الإسلام السياسي وما موقفه من المرأة التي لا تقبل بمفاهيمه وأيديولوجيته.
وفي النهاية لا بد من الاعتراف أنّ الأحداث اللاحقة قد أكدت أنّ استخلاصات بورجا المبنية على التحليل الموضوعي العميق للواقع الحي لم تكن وهمية ولا إيهامية؛ فقد وصل الإسلامويون إلى السلطة في أكثر من بلد عربي، لكن رغبة بورجا وأمانيه في أن يستطيع الإسلام السياسي تجاوز أفكاره وأيديولوجياته المدمرة ويخرج من قوقعته لم تتحقق حتى اليوم.

للمشاركة:

"النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز

2019-08-28

النسويّة مجموعة متنوعة ومختلفة من النظريات الاجتماعية والحركات السياسية والفلسفات الأخلاقية، التي تحركها دوافع متعلقة أساساً بقضايا المرأة، وهي حاضرة اليوم بزخم في مختلف النشاطات الإنسانية، من الفنون إلى العلوم، وإن بمستويات مختلفة من النشاط والاهتمام.

المساواة بين الجنسين المعنية بالسياسة العالمية لم تصبح عملاً شائعاً إلّا في أواسط ثمانينيات القرن العشرين

كان نضال الحركات النسوية لتحقيق المساواة مع الرجل في مجال الحقوق السياسية من أقدم وأهم المجالات التي اشتغلت عليها الحركات النسائية، لكنّ المساواة بين الجنسين، المعنية بالسياسة العالمية، لم تصبح عملاً شائعاً إلّا في أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وقد نشأ أصلاً من العمل في سياسة التنمية والأبحاث المتعلقة بالسلام، ولكن في نهاية الثمانينيات نشأت أول موجة من أعمال المساواة بين الجنسين، والتي يمكن حصرها في أربعة تنويعات أو فروع رئيسة، هي:
الفرع الأول: "النظرية الليبرالية للمساواة بين الجنسين"، وطرحت السؤال الآتي: أين كانت المرأة في السياسة الدولية؟
واشتغلت هذه النظرية على إظهار مدى انخراط النساء في السياسة العالمية، والأساليب التي استبعدت فيها النساء من السلطة، ومن لعب دور كامل في الحياة السياسية، والعمل في المقابل على أن تتمتع النساء بالحقوق والفرص نفسها التي يتمتع بها الرجال.

النسويّة مجموعة متنوعة ومختلفة من النظريات الاجتماعية والحركات السياسية والفلسفات الأخلاقية
والفرع الثاني من نظرية المساواة بين الجنسين؛ هو "المساواة الاشتراكية /الماركسية"؛ حيث يجري التأكيد في المساواة الاشتراكية على الاضطهاد التاريخي للنساء، والنظام الأبوي لسيطرة الذكور، بينما تركّز المساواة الماركسية على دور القوى المادية والاقتصادية بالدرجة الأولى في تقرير حياة النساء، وأنّ سبب عدم تحقيق المساواة للنساء يعود إلى النظام الرأسمالي، وإسقاط هذا النظام هو الطريق لتحقيق المساواة، بحجّة أنّه النظام الأكثر اضطهاداً للنساء.
أمّا الفرع الثالث؛ فهو "ما بعد الحداثة"، والقضية الرئيسة هنا هي الجنس (gender)، كبنية اجتماعية للفوارق بين النساء والرجال، وليس على المرأة بحدّ ذاتها، ثمّ نوع الدور الذي يناط بكل من الرجل والمرأة في بنية السياسة العالمية وعملياتها، وكيف ساهمت السياسة العالمية في إنتاج أنواع معينة من النساء والرجال.

النظرية الليبرالية للمساواة بين الجنسين اشتغلت على إظهار مدى انخراط النساء في السياسة العالمية وأساليب استبعادهن من السلطة

أما الفرع الرابع فيتمثل في "المساواة الاستشرافية بين الجنسين"، والهدف المركزي هنا هو إعادة وصف للحقيقة من وجهة نظر نسائية، وتطوير نسخة أو رؤية أنثوية عن الحقيقة والعالم.
وفي هذا المجال؛ جرى تدريس وتنظير العلاقات الدولية منذ مدة طويلة، وكأنّ النساء لا وجود لهنّ في السياسة العالمية التي يختص بها الرجال فقط، أو كأنّ الرجال والنساء يتأثرون ويؤثرون بالسياسة العالمية بالطرق نفسها، وفي تلك الحالة لن تكون هناك حاجة إلى تجنيس (gendering) التحليل للسياسة العالمية.

اقرأ أيضاً: نسويات مغربيات في مرمى تكفير المتشددين والتحريض على قتلهن
لكن بعيداً عن حقل السياسة والعلاقات الدولية، يسترعي الانتباه أن تقاليد الكتابة عن حالة النسوية كفكرة تتعلق بنضال النساء من أجل الحقوق، والمعاملة غير العادلة لهنّ والحطّ من قدرهنّ، سبقت بكثير الكتابة والاهتمام بالسياسة والحقوق السياسية والتعبير عنها كحركة سياسية بقرون، ولم تنتهِ حتى على اعتبار أنّها بدأت كفكرة منذ بداية القرن الخامس عشر؛ إذ تمّ التعبير عنها للمرة الأولى بواسطة الفرنسية العلمانية المثقفة، كرستين دي بيزان (Christine de Pizans) من خلال كتابها "كتاب مدينة السيدات"؛ الذي أكّدت فيه: أنّ "قيمة الفرد في الحياة ليست في الجسم كجنس؛ بل في كمال السلوك والفضائل"، وقد استمرت الكتابات المشابهة خلال الـــ400 عام اللاحقة من عدد من النساء اللواتي لم يكنّ يُعرّفن عن أنفسهن بأنهنّ "نسويات"؛ إذ لم تظهر كلمة أو مصطلح "النسوية" إلا في القرن التاسع عشر.

كرستين دي بيزان (Christine de Pizans)
ويتم اليوم التعبير عنها بالموجات: الأولى والثانية والثالثة والرابعة، بحسب تصنيف الأدبيات العالمية حول النسوية والحوارات النقاشات المختلفة حولها.

جرى تدريس وتنظير العلاقات الدولية منذ مدة طويلة وكأنّ النساء لا وجود لهنّ

المثير في دراسة النسوية؛ أنّها حركة فضفاضة من الأفكار والنشاطات الإنسانية، بصرف النظر عن مقاربتنا المعاصرة لها، سواءً نظرنا إليها من جهة أنّها "فكرة" جوهرية، تنطلق من فرضية رئيسة، تقول بحسب وصف الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية، ماري شير: "المرأة إنسان"، أو كما تقول الكاتبة البريطانية دورثي سايير: "المرأة مثلها مثل أيّ إنسان عادي ومثل الرجل بنفس الرغبات الفردية والحقوق كأي فرد"، أو نظرنا إليها كــ"إطار "فكري"، بحسب وصف الفيلسوفة النسوية الأمريكية، نانسي هارتسوك؛ "كأسلوب للتحليل وطريقة لطرح الأسئلة والإجابة عن الأسئلة"، أو حتى لو نظرنا إليها على أنّها، كما تقول البروفسورة والناشطة النسوية الأمريكية،  جلوريا جين واتكنس، المعروفة باسم (بيل هوكس): "مشروع سياسي جمعي"، معني بإنهاء كلّ أشكال الاستغلال والتمييز وعدم المساواة في المعاملة للنساء.

اقرأ أيضاً: شيرين عبادي: نعم أنا نسوية ومسلمة.. أين التعارض؟
إنّ جميع المقاربات السابقة في الحقيقة تعبّر في عمقها عن التحولات التي مرت بها الموجات الأربع للحركة النسوية المعاصرة.
ونحن هنا لا نتحدث عن النسوية كنوع من الترف الفكري تحت ذرائع مختلفة، أهمها عدم الأهمية، مقارنة بقضايا عالمية أخرى تشغل المجتمعات اليوم في السياسة والاقتصاد والأمن؛ بل لأنّ مسألة النسوية ما تزال ملحّة، والطريق أمام تحرر المرأة ما يزال متعرجاً، والمشكلات والعوائق أمام تقدم وتحرر المرأة زادت وتعقّدت أكثر من السابق.

كتاب "النسويّة"  لديبورا كاميرون

ومن بين الكتب الحديثة التي صدرت حول الحركات النسوية المعاصرة، وتناولت الموضوعات أعلاه، كتاب الأستاذة في اللغات والاتصال في كلية وركستر – أكسفورد/ ديبورا كاميرون (Deborah Cameron) ؛ الذي نشرت طبعته الأولى بالإنجليزية، العام 2018، تحت عنوان "النسويّة" (Feminism).

كتاب "النسويّة" لديبورا كاميرون من بين الكتب الحديثة التي صدرت حول الحركات النسوية المعاصرة

الكتاب؛ الذي يتألف من 142 صفحة، مع مراجع قليلة، ركز بالتحديد على التجربة الغربية خاصة الأنجلو-أمريكية؛ لذلك نلاحظ أنّه لم يتحدث عن التجارب النسوية خارج المنظومة المعرفية الغربية؛ حيث اشتغلت المؤلفة على قضايا المرأة الغربية ابتداءً من قضايا المساواة الاقتصادية والاجتماعية في ظروف العمل والأجور وقضايا الحق بالإجهاض والاستغلال الجنسي، وغيرها من القضايا المسكوت عنها خارج المنظومة الأنجلو-أمريكية، مع بعض الإشارات البسيطة إلى آراء بعض النسويات المسلمات في الغرب، خاصة فيما يتعلق بالجدال حول لباس المرأة البرقع والنقاب، والتأثير المعاصر لحركات اليمين المتطرف (اليمين البديل)، والشعبوية في الغرب وروسيا والهند وتركيا وبولندا في التضييق على الحركات النسوية.

اقرأ أيضاً: عاملات لا يصرخن عبر "هاشتاغات" .. نسويات بلا نسوية
يتألف الكتاب من مقدمة و7 فصول، تناولت في المقدمة باختصار تاريخ الحركة النسوية في الغرب، بالحديث عن نشاطها من أجل المطالبة بالحقّ في التصويت في الانتخابات التي بدأت في القرن التاسع عشر، ووصلت قمتها في بدايات القرن العشرين وخلال هذه الفترة كان النقاش يدور حول محورين مختلفين هما: وجهات النظر حول طبيعة المرأة، والتركيز على أنّها مشابهة للرجل، وذلك بهدف التأكيد على أنّها تستحق نفس الحقوق السياسية للرجل.

كتاب "أصل العائلة" لفريدريك إنجلز
والثانية الأدوار الاجتماعية للمرأة؛ حيث يتم التركيز على أنّ المرأة مختلفة عن الرجل، وبالتالي لا يمكن تمثيلها سياسياً كما الرجل، وزاد من صعوبة ذلك؛ أنّ الحركات النسائية كانت مختلفة الأهداف؛ فالنساء ذوات البشرة السوداء في أمريكا كنّ يناضلن من أجل مطالب وأهداف تختلف عن النساء ذوات البشرة البيضاء، وفي بريطانيا أدّى هذا الفصل بين المحورين، العام ١٩٣٠، إلى ظهور مقاربتين هما: النسوية القديمة، والنسوية الحديثة؛ حيث تطالب الأولى بالمساواة مع الرجل في التوظيف والعمل والأجور، بينما تطالب الثانية بتحسين ظروف النساء كأمهات وزوجات، من خلال إعالة وتعويض الأرامل والمساعدات المالية الشهرية للعائلات.

اقرأ أيضاً: بخصوص النسوية العربية العابسة
وتؤكد المؤلفة أنّ مثل هذه المحاور ظلت تتفاعل لدى الحركات النسائية مع الزمن والتطور الاجتماعي من خلال الموجات المختلفة للحركات النسوية.
في الفصل الأول؛ تناولت مفهوم السيطرة (Domination)، أو الهيمنة على النساء، وحقيقة هذه الهيمنة عبر التاريخ الإنساني والتحولات التي أدّت إلى سيطرة الرجل على المجالين الخاص والعام للمرأة، بعد أن كانت المرأة هي المسيطر لكن دون العبور بالمناظرات الميثولوجية المعروفة في هذا المجال؛ بل ركزت مثلاً على مقاربات معروفة، مثل عمل فردريك إنجلز في كتابه الشهير "أصل العائلة" (1884)، وتحليل النظام الأبوي "البطريركية"، والتحولات التي طرأت على نظام السيطرة الأبوي مع الزمن حتى العصر الحالي.

اقرأ أيضاً: هكذا تقف الحركة النسوية في إيران بوجه نظام الملالي
وهنا تشير المؤلفة إلى مسألة في غاية الخطورة؛ هي أنّ هذا النظام الأبوي قد جدّد نفسه في القرن الواحد والعشرين من خلال ممارسات إجبار النساء على رعاية الأطفال وبروز جماعات أبوية مسلحة شاملة جماعات دينية متشددة؛ وجماعات علمانية لحقوق الرجال ترتبط عادة بجماعات ومنظمات عنصرية وقومية، مثل: "تفوق البيض" وتفوق النساء، وكراهية المسلمين واليهود، والتي يجمعها عادة مصطلح "اليمين البديل"، وهذه الجماعات حققت الآن الكثير من القوة والتأثير السياسي.
ولعلّ أهم مثال على ذلك الإدارة الأمريكية الحالية، في ظلّ رئاسة دونالد ترامب، ونائبه المسيحي المحافظ المتشدّد، مايك بنس، الذي يعارض حقوق الإجهاض.
ولم يتوقف الأمر على ذلك؛ بل تبنّت بعض الجماعات الدينية "المتشددة" (fundamentalist groups )  في الشرق الأوسط وإفريقيا، مثل داعش وبوكوحرام، التقاليد القديمة للنظام الأبوي من خلال أسر واغتصاب النساء واستعبادهن.
في الفصل الثاني: تناولت مسألة حقوق النساء (rights) مؤكدة نقطة مهمة في نضال النساء من أجل حقوقهن في الغرب؛ حيث كان الحديث عن الحقوق لدى الساسة والزعماء يقتصر على "حقوق الرجل الأبيض" فقط، وليس الحقوق الطبيعية للإنسان، ومثال على ذلك؛ إعلان الاستقلال الأمريكي الذي كتبه الرئيس الأمريكي، توماس جيفرسون، العام 1776، ثمّ تناولت بالتفصيل الخلافات بين الحركات النسوية حول مسألة التأثيرات الثقافية والحضارات في الحقوق والمساواة بين الرجل والمرأة داخل المناظرات الليبرالية في الغرب، والنسويات من جنوب آسيا، والمسلمات المقيمات في بريطانيا، مث؛ل ياسمين رحمان، وعالمة الاجتماع والناشطة الجزائرية ماري – إيمي هيلي – لوكاس، التي أيدت قرار فرنسا بحظر النقاب في المدارس في فرنسا بحجة أنّ الدولة مطالبة بحماية الأطفال من الممارسات المدمرة التي تفرض عليهم من عائلاتهم  حول الرموز الدينية وقضايا الحجاب والنقاب والسفر.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: ما الجديد؟
ثم تناولت مسألة العمل في الفصل الثالث، مشيرة إلى الحواجز والظروف التي ما تزال تحول دون تقدم المرأة في العمل، عبر ما اصطلح عليه "السقف الزجاجي" (glass ceiling) الذي يعني الحواجز التي تحول دون عمل المرأة وتقدمها في بعض الأعمال والوظائف، وتخلص المؤلفة إلى أنّ المعضلة التي تواجه النساء ليست "هل أذهب إلى العمل أم أبقى في البيت (مع أنّ البيت هو مكان عمل لكثير من النساء)؟ بل كيف تفاوض مطالب العمل سواء مدفوع الأجر أم لا في عالم يتمحور حول مطالب الرجل لا مطالبهن".
أما في الفصلَين الرابع والخامس؛ فتُناقش مسألة الأنوثة (femininity)، وتأثيرها على قضايا المرأة، وتشير إلى ريادة الفيلسوفة الفرنسية الوجودية، سيمون دي بوفار، من خلال كتابها المعروف "الجنس الآخر" (1940)، حيث ركّزت على مسألة البنية الاجتماعية للمرأة، وأنّها ليست فقط مُعطى أو قضية بيولوجية، ومن هنا ظهر التمّيز بين مفهوم الجنس والنوع الاجتماعي، في الدراسات النسوية، والجنس وممارسته وتأثيره على قضايا المرأة وحرية الممارسة الجنسية للمرأة، أو ما يسمى "نسويّة النشوة"، وتأثير الثورة التكنولوجية والإنترنت على ثورة الجنس منذ الثمانينيات.

كتاب "الجنس الآخر" لسيمون دي بوفار
في الفصلَين السادس والسابع: تناولت المؤلفة تأثير الثقافة، ومستقبل الحركات النسوية، مشيرة إلى العقبات التي تواجه المرأة في الغرب في المجال السياسي-الثقافي من قبل اليمين البديل (اليمين المتطرف) المعادي للنسويّة (meninists)؛ الذي ما يزال ينظر إلى المرأة باحتقار وعدائية، معتقداً أنّ الرجال هم ضحايا للحركات النسوية، وأنّ النضال يجب أن يكون موجهاً نحو تثبيت حقوق الرجال في القرن الواحد والعشرين؛ لذلك هم يركزون على السياسات الثقافية (الأفكار، والصور، والقصص، والنظريات) على اعتبار أنّها تلعب دوراً مهماً في استمرارية أو فقدان حالة عدم المساواة؛ حيث يؤمنون بأهمية التغيير الثقافي كشرط للتغيير السياسي، لا العكس.
لقد استطاع اليمين البديل المعادي للمرأة أن يسخّر الشعور لدى الكثير من الرجال في الديمقراطيات الغربية؛ بأنّ "الامتيازات الثقافية" هي المتبقية لهم، على اعتبار أنّ الرجل هو "خالق الثقافة"، وأنّ المرأة أدنى منزلة في الثقافة والتميز والنبوغ العلمي؛ لذلك يتم التقليل من إسهامات ونبوغ النساء في مختلف المجالات الأدبية والعلمية، وتقلّ نسبتهن في جوائز نوبل على سبيل المثال، تحت تأثير ما يطلق عليه بمفهوم "تأثير ماتيلدا" (the matilda effect)  (نسبة إلى ماتيلدا جوسلين كيج/ الناشطة الأمريكية في مجال الحقّ بالمشاركة في التصويت  في الانتخابات التي كتبت عن هذه الظاهرة في القرن التاسع عشر)؛ حيث يتم تجيير إنجازات وجهود النساء لمصلحة الرجال الذين يعملون معهن غالباً كمساعدات بحث واستشارات.
وتؤكّد أنّ هذه النظرة قديمة وتعود جذورها إلى كتابات تشارلز داروين، في كتابه "أصل الإنسان" (1871)، وكتاب الطبيب وعالم الجريمة الإيطالي الذي تأثر بداروين؛ سيزار لومبروزو "الإنسان المجرم" (1876).
في النهاية؛ تؤكّد المؤلفة أنّه رغم كلّ التحديات التي واجهت الحركات النسوية في موجاتها الأربع، إلا أنّ النظرة الجوهرية القائمة على أنّ المرأة هي إنسان أولاً وأخيراً لن تنتهي.

للمشاركة:

كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟

2019-08-21

تتعدد الخطابات والمقاربات حول علاقة الإسلام السياسي بالحداثة وقيمها بتعدد مقاصد أصحابها وتنوع اهتماماتهم الفكرية والمنهجية والسياسية والأيديولوجية من جهة، وبتعدد تشكيلات الحركات الإسلامية نفسها وملابسات نشأتها وكثرة انعطافاتها التاريخية من جهة ثانية، والتباس خطابها وزيغ مواقفها من قيم الحداثة وقضاياها الحيوية، كقضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وحقوق المرأة وحقوق الآخر المختلف وغيرها من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟

فإذا كان ثمة من يقول بوجود اختلاف جوهري بين المعتدلين والجهاديين من الإسلاميين حول تلك القضايا ولكل منهما سلوكه وخطابه، فثمة من يرى أنّ الاختلاف بينهما هامشي وليس أساسياً. كما أنّ الفرق في خطابهما هو فرق بالدرجة لا بالنوع، وهو خلاف حول مجال تطبيق المبدأ وليس في المبدأ ذاته. فما هو واضح معلن في خطاب المتطرفين منهم كامن خفيّ في خطاب المعتدلين.

يبين الكاتب أن هناك قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية

في سياق المشاركة في هذا السجال حول مدى التماثل أو التمايز في فكر ومواقف الإسلاميين من قيم الحداثة، يقدم الباحث المغربي، إبراهيم أعراب، إسهاماً مهماً في هذا السجال؛ من خلال كتابه "الإسلام السياسي والحداثة" الصادر عن دار إفريقيا الشرق عام 2000، والذي يقدم مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها بشكل عام، وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية في المغرب بشكل خاص، كجماعة "العدل والإحسان" و"الإصلاح والتوحيد" و"البديل الحضاري" تُبيّن مدى اختلافها عن مثيلاتها في المشرق ومدى تعارضها أو توافقها مع الحداثة والديمقراطية وقيمها، وتحاول استجلاء مواقفها من مسألة المشاركة السياسية أو رفضها على ضوء التحولات السياسية التي شهدها المغرب في عامي 1996-1997 بما فيها الاستفتاء على الدستور المعدل والانتخابات البرلمانية.

غلاف الكتاب

وانطلاقاً من تعريفه لمفهوم الثقافة السياسية باعتباره "مجموعة المعتقدات والمواقف والقيم والمثل والعواطف والتقييمات المهيمنة عند جماعة ما، والتي تقوم بدور توجيهي لسلوك أعضائها على المستوى المعرفي أو العاطفي أو التقييمي" والتي غالباً ما تكون صعبة التغيير، يَرجِع الباحث في تحليل مضامين الثقافة السياسية للحركات الإسلامية إلى تاريخ هذه الحركات وملابسات نشأتها واستقصاء علاقتها الفكرية بما سبقها من حركات مؤثرة في تاريخ الإسلام الحديث كالحركة الفكرية السلفية، ليبين أنه ثمة قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية.

يقدم الكتاب مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها عامة وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية بالمغرب خاصة

فالسلفية كانت منبهرة بالنموذج الحداثي الغربي ومنفتحة نسبياً على الحوار الحضاري بين الغرب والشرق، وإن كانت مسيرتها تقهقرية من فكر الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا الذي استلهم حسن البنا ثقافته من أفكاره الارتدادية نحو ابن تيمية، وأصبحت حركته أقرب إلى التنظيم السياسي المحكم ذي المركزية الصارمة، وإن كانت ترفض الحزبية من منطق عدم الإخلال بوحدة الأمة. وقطيعة ثانية بين التيار الجهادي الذي يتمثل فكر سيد قطب الذي يشكل فكر المودودي وخطابه الجهادي مرجعيته الأساسية، وبين الفكر التأسيسي لحركة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها جملة الحركات الإسلامية المعاصرة وخرجت من تحت عباءتها بظروف سياسية مختلفة.

اقرأ أيضاً: هل تلاحق الفضائح الأخلاقية أعضاء في الجماعات الإسلامية بالمغرب؟
وبالرغم من انتماء حسن البنا وسيد قطب إلى جيل واحد وظرفية تاريخية واحدة ومنبت اجتماعي فلاحي ريفي وثقافة تقليدية واحدة وأهداف مشتركة وتحركهما بإستراتيجية واحدة مع اختلافهما في المنهج والتكتيك، وبالرغم من اشتراك المرجعية النصية لهذه الحركات مع سلفها الإخواني في مسألة الإحيائية الأصولية والعودة للسلف الصالح، ورؤيتها للإسلام في كليته وشموليته باعتباره "ديناً ودنيا" وصالحاً لكل زمان ومكان، والدعوة إلى التغيير وأسلمة المجتمع والدولة بكل الطرق الجهادية التي تمكنها من الوصول إلى السلطة وفرض الحل الإسلامي، وهو ما يتفق مع المرجعية الإخوانية التي ظل خطابها وثقافتها السياسية نموذجاً جاذباً لهذه الحركات على كل حال.

 ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية

إلا أنّه ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية، وتوجهها الجديد مع سيد قطب، ذهب بها بعيداً نحو التطرف والراديكالية والعنف الجهادي والعمل السري والمواجهة مع السلطة ومقاطعة الدولة والمجتمع بتأثير الخطاب القطبي وقوله بالتكفير وجاهلية المجتمع ومبدأ الحاكمية تحت ضغط المرحلة الشعبوية الناصرية والاصطدام بالفكر القومي الناصري بداية، ثم بتأثير التجربة الإسلامية الخمينية فيما بعد، بينما كان الخطاب الإخواني التقليدي يميل إلى الاعتدال والحذر من اللجوء إلى التكفير والميل إلى قبول المشاركة السياسية والعمل العلني المتدرج والاهتمام بالجانب الدعوي التربوي.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟
ويشير الباحث إلى (وضوح هذا التمايز في ما كتبه حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" وكتاب الهضيبي" دعاة لا قضاة" وبين ما كتبه سيد قطب في "معالم في الطريق" وما كتبه شكري مصطفى في "التوسمات" ومحمد عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة"...). كما يشير إلى أنّ هذا الانعطاف لم يلغ وجود التيار المعتدل تماماً من ساحة الفعل السياسي الوطني المحلي أو العربي بل نشهد تعايش التيارين؛ الدعوي والجهادي، معاً رغم الاختلاف والمنازعات بين فصائلهما المتعددة.

الحركة الإسلامية بالمغرب وسؤال المشاركة السياسية وحقوق الآخر المختلف

لا يختلف حال الحركات الإسلامية في المغرب عن مثيلاتها في المشرق اختلافاً جدياً في الموقف من الديمقراطية والمشاركة السياسية في مؤسسات الدولة وتدبير شؤون الحكم، أو في موقفها من المواطنة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات؛ إذ يرى الباحث أنّها كمثيلاتها في المشرق "يتوزعها تياران أساسيان يميل أحدهما إلى الاندماج والمشاركة السياسية وفق أسلوب وإستراتيجية تقوم على التوافق والتراضي... ويميل الآخر أكثر إلى إستراتيجية المواجهة والصراع في سلوكه السياسي".

إن قبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر

وقد صار تمايز هذين التيارين أكثر وضوحاً بعد التحولات السياسية والدستورية التي جرت في المغرب خلال عام 1996 و1997. التي أفصحت عن تكوّن بوادر وعي قابلة للتطوير بأهمية الديمقراطية وضرورتها كآلية إجرائية تقوم على حق الانتخاب والترشيح وتداول السلطة والتعددية والتسوية عند التيار المعتدل الذي باتت تمثله حركة الإصلاح والتجديد بعد انضمامها إلى حركة الجبهة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي غيرت اسمها لاحقاً إلى حزب "العدالة والتنمية"، ودخولها العمل السياسي الحزبي الشرعي ثم توحدها مع رابطة المستقبل الإسلامي، ليصبح اسم المكون الجديد حركة الإصلاح والتوحيد.

جماعة "العدل والإحسان"

أما التيار الثاني والمتمثل في جماعة "العدل والإحسان" وفكر زعيمها ومرشدها عبد السلام ياسين و"منهاجه النبوي" الذي يمكن اعتباره نسخة مغربية عن كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" مع التشابه النسبي في كاريزما ونفسية الرجلين اللذين خضعا طوال مسيرتيهما الحزبية إلى الحصار والاضطهاد أو الاعتقال، فما تزال مواقفه تتسم بالتشوّش إزاء الديمقراطية وآلياتها كصيغة ومفهوم وقيم، وما يزال ينظر إلى الدولة القائمة باعتبارها "دولة الطاغوت" وإلى قيم الديمقراطية والحداثة باعتبارها قيماً غربية وافدة ومرفوضة باسم الأصالة والخصوصية والهوية.

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟

ويلفت الكاتب في هذا الصدد إلى أنّ البنية التنظيمية للجماعة التي تكرس الشخصية الريادية لمرشدها وتتشكل أساساً حوله؛ والدور التعبوي المفرط للأيديولوجيا في أدبياتها تركت انعكاساتها على مواقف الجماعة وأدائها، مما غيب الآلية البراغماتية التي تُعتبر شرطاً في الممارسة السياسية وتعمل على تكييف المواقف وإعطائها نوعاً من المرونة. وهو ما يمكن قراءته في كتاب ياسين "الشورى والديمقراطية" الذي يفرق بين "سياق الشورى" و"مساق الديمقراطية" لما يحمله التعبير الأول من قيمة إيجابية وما يحمله التعبير الثاني من قيمة سلبية؛ لأنه حسب تعبيره، من "صفات الأشقياء أهل النار"، كما يرفض الديمقراطية صراحة باعتبار "مساقها" وبيئتها التي ظهرت فيها هي الحضارة الأوروبية، وهذه الحضارة دنيوية دهرية أو دنيا بلا آخرة، وهي مرتبطة بالفلسفة "الداروينية الدوابية" الاستهلاكية والإباحية. وإذا كانت هذه هي رؤية ياسين للديمقراطية فماذا يبقى من غاية دعوته لمن يصفهم بالديمقراطيين الفضلاء للحوار؟

اقرأ أيضاً: هل ينجح المغرب في محاربة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؟

وفي اتصال مع موضوع الديمقراطية والمواطنة ومنظومة الحقوق يتعرض الكاتب إلى موقف الإسلاميين من قضية المرأة من خلال كتابات ياسين التي تظهر أنّ الحركة الإسلامية عموماً في تعاملها مع قضايا المرأة وحقوقها اتخذت (موقفاً يرفض مفاهيم الحداثة وحقوق الإنسان من منطق أن هذه المفاهيم ما هي إلا تغريب وغزو من ثقافة الغرب للثقافة الإسلامية وقيمها، وإشاعة الانحلال والإباحية في المجتمعات الإسلامية).

وقد عبر عبد السلام ياسين عن موقفه وموقف جماعته في كتابه "تنوير المؤمنات" بعنف لفظي واضح ولم يتحرج من رفض مساواة المرأة مع الرجل واعتبارها مواطن من الدرجة الثانية ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة أيضاً، واتهم المدافعين عن حقوقها وحريتها بالمروق والانحلال الأخلاقي ونشر الإباحية تحت شعار المساواة بالأجور والحقوق ومنع تعدد الزوجات... وأنهم "النوافذ التي دخل منها الغرب لتخريب المجتمعات الإسلامية".

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟

ولما كان الموقف من المواطنة وحقوق الإنسان ينسحب على حقوق النساء وحقوق الآخر المختلف إثنياً أو دينياً، فإن موقف الحركات الإسلامية من الحركة الأمازيغية وحقوق الأمازيغ الثقافية والسياسية والمساواة بين اللغة العربية والأمازيغية لم يكن بأحسن من وضع النساء، ولا يختلف الموقف جذرياً بين المعتدلين والمتشددين إلا في لهجة الخطاب. فقبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر المختلف التي تهدد وحدة الأمة بالانقسام والتشرذم حسب تعبيرهم وتعرضها للحروب الأهلية.

فيما لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم، وأنها ليست سوى نداء الجاهلية... و"شعاراتها صنم يعبد دون الله"، وأن أية دعوة للدفاع عن اللغة الأمازيغية أو مساواتها باللغة العربية هي بمثابة "غزو" يستهدف إقصاء العربية أو اللسان العربي المبين و"اللغة التي شرفها الله واصطفاها وجعلها وعاء لكلامه المقدس". وهو ما يشير إلى موقف تمايزي ينم عن نزعة الاستعلاء على الآخر تارة والخوف منه تارة أخرى بهاجس المؤامرة الذي لا يرى في الآخر المختلف غير عدوّ مفترض.

لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم

ويخلص الكاتب إلى القول "إنّ المنهج المعتمد في التعامل مع الأمازيغية ومطالبها هو المنهج الفقهي البياني" وهذا المنهج أو العقل البياني الذي كرسته الثقافة الإسلامية في الفقه والبلاغة والكلام يرفض العقل البرهاني "المعاشي" أي عقل الغرب الذي هو عند ياسين عقل طاغوتي متأله، ويرفض بالتالي كل نتائج هذا العقل بما فيها الديمقراطية. "وأمام هذا الرفض للعقل التعددي ولحق الاختلاف كيف يمكن إذن تحقيق حوار يعترف بالآخر وبالتعددية والاختلاف؟" وأي حوار ممكن ما دام الشرط الأول لكل حوار منتج وهو تكافؤ أطراف الحوار شرطاً مفقوداً؟

يختم إبراهيم أعراب كتابه بالدعوة إلى التسامح وإقرار شرعية الاختلاف كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ويستعرض تاريخ المفهوم وإشكالياته في الثقافة الإسلامية من خلال عرض آراء مجموعة من المفكرين المتنورين مثل؛ حسن حنفي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وعلى أومليل على اختلافاتهم الفكرية والمنهجية في التفكير في المفهوم والنتائج التي توصلت مقارباتهم الفكرية إليها حول مدى اندراج مفهوم التسامح في الثقافة العربية الإسلامية أو غيابه عن ساحة التفكير في الفكر الإسلامي وهو السؤال الذي يبقى مفتوحاً حتى الآن.

للمشاركة:



قمة روسية تركية إيرانية.. هذه المواضيع التي ستبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

يعقد زعماء روسيا وإيران وتركيا لقاء قمة في أنقرة اليوم؛ لبحث أهم ملفات الأزمة السورية وسبل تسويتها، بما فيها الوضع في إدلب وشرق الفرات.

وسيكون هذا الاجتماع الثلاثي هو الخامس لرؤساء الدول الضامنة لعملية أستانا، بعد أن استضاف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ،نظيريه؛ التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني للمرة الأولى بسوتشي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وفق ما ذكرت "روسيا اليوم".

أوشاكوف: القمة ستبحث تشكيل اللجنة الدستورية والوضع الإنساني وقضايا اللاجئين وإعادة إعمار سوريا

وتعقيباً على قمة اليوم، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إنّ الزعماء الثلاثة سيبحثون في أنقرة القضايا المتعلقة بدفع العملية السياسية التي يديرها السوريون بمساعدة الأمم المتحدة"، مضيفاً أنّ الانتهاء من "عملية تشكيل اللجنة الدستورية وإطلاق أعمالها سيكون خطوة هامة" في طريق تسوية الأزمة السورية.

وذكر أوشاكوف أنّ القمة ستبحث أيضاً الوضع الإنساني، وقضايا مساعدة اللاجئين، وإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في سوريا، إضافة إلى استمرار إزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

ومن المتوقع أن يصدر عن القمة بيان مشترك، وأن يتحدث بوتين وروحاني وأردوغان لممثلي وسائل الإعلام في ختام لقائهم.

وقبل انطلاق القمة الثلاثية، سيعقد الرئيس الروسي لقاء منفصلاً مع نظيريه التركي الإيراني، يتناول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، إضافة إلى جوانب من الملف السوري، حسب أوشاكوف.

وعبرت موسكو عن أملها في أن تمهد قمة اليوم لعقد اجتماع قمة بـ "صيغة اسطنبول" التي تضم روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا.

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات قادرة على مواجهة الاضطراب المحتمل لإمدادات النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

طمأن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، أسواق الطاقة على إمدادات النفط، وذلك بعد تراجع إنتاج السعودية بنحو النصف جراء هجمات استهدفت منشآتها النفطية أول من أمس.

المزروعي: لدينا طاقة إنتاج نفط فائضة لتعويض الأسواق ومن المبكر الدعوة لاجتماع طارئ لأوبك

وقال المزروعي، في تصريح نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، اليوم إنّ بلاده تملك طاقة إنتاجية فائضة للنفط لمواجهة اضطراب محتمل للإمدادات بعد الهجمات، لكنه أكد أنّ من المبكر للغاية الدعوة لاجتماع طارئ لمنظمة "أوبك".

وأضاف وزير الطاقة الإماراتي، أنّه إذا دعت السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لاجتماع طارئ للمنظمة "سنتعامل مع الأمر".

وكان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة مع السعودية، معبراً عن استنكاره لمثل هذه الأعمال الإرهابية، ومؤكداً أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية (واس).

محمد آل نهيان: الإمارات تقف مع السعودية والمملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية قد صرح، أول من أمس، بأنّه "عند الساعة الرابعة صباحاً، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة أرامكو حريقين في معملين تابعين للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون"؛ حيث تمت السيطرة على الحريقين والحد من انتشارهما".

 

 

 

للمشاركة:

عائلات فرنسية تقدم شكاوى ضد وزير الخارجية.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

قدّمت العشرات من عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا، شكاوى ضد وزير الخارجية الفرنسي، جان-إيف لودريان، بدعوى "إغفال تقديم الإغاثة" لهم عبر رفضه إعادتهم إلى فرنسا.

وقدّم المحامون؛ ماري دوزيه وهنري لوكلير وجيرار تشولاكيان، الشكاوى في تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) من العام الجاري، إلى محكمة عدل الجمهورية، الهيئة القضائية الوحيدة المخولة بمحاكمة الوزراء أثناء ممارسة مهامهم، حسب ما نقلت وكالة "فرانس برس".

عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين تتدعي ان لودريان رفض إعادتهم من سوريا إلى فرنسا

وتتّهم العائلات وزير الخارجية الفرنسي بأنّه رفض "طوعاً وعمداً" إعادة نساء وأطفال جهاديين فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا و"معرضين للخطر" .إلى فرنسا

وتقول العائلات في الشكاوى، التي كشفت عنها أيضاً صحيفة "لوموند"، إنّه "منذ أشهر عدة، لم يكفّ الأكراد عن حضّ الدول على تحمّل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها".

لكن حتى الآن، لم توافق الحكومة الفرنسية على إعادة أطفال هذه المخيمات إلا بعد درس "كل حالة على حدة". وبعد أشهر من المماطلة وسط غضب الرأي العام، أعادت باريس في العاشر من حزيران (يونيو) الماضي 12 طفلاً معظمهم أيتام بعد إعادة خمسة أطفال في آذار (مارس) من العام ذاته.

ويشير أطراف الشكوى إلى أنّ "هذه السياسة التي أُطلقت عليها تسمية "كل حالة على حدة" تهدف، قبل كل شيء، إلى ترك أكثر من مئتي طفل وأمهاتهم معرضين إلى معاملة غير إنسانية ومهينة وإلى خطر الموت الوشيك".

وتصف العائلات الشاكية الظروف التي يعيش فيها الأطفال والأمهات والتي لا تكفّ عن التفاقم في المخيمات؛ حيث تسود "أجواء من انعدام الأمن" المتزايد مثل؛ درجات حرارة قصوى في الصيف والشتاء، نقص في المياه والمواد الغذائية، تفشّي وباء السلّ أو حتى الكوليرا، غياب الرعاية الصحية.

وحالياً ينبغي أن تعلن لجنة تلقي الشكاوى في المحكمة موقفها بشأن قبولها.

 

 

للمشاركة:



استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

غسان شربل

استهداف السعودية بندٌ ثابتٌ وقديمٌ على طاولة صاحب القرار في النظام الإيراني الحالي. إنها حقيقة أكدتها الأحداث على مدار عقود. استهداف السعودية ليس قراراً مؤقتاً أو عابراً. إنه خيار يتعلق بطبيعة النظام القائم في طهران ونظرته إلى الآخرين لا سيَّما الدول المجاورة.
حاولت السعودية على مدار عقود استكشاف أي إمكانية لتغيير هذا المسار. التقطت أي إشارة يمكن أن تعدَ بسياسة إيرانية عقلانية أو واقعية. اعتمدت سياسة اليد الممدودة حين تحدث البعض عن واقعية رفسنجاني. وحدث الأمر نفسه لدى شيوع الكلام عن مرونة محمد خاتمي. لم تتردد الرياض في اعتماد سياسة اليد الممدودة حيال أحمدي نجاد. وكانت التطورات تُظهر مرة بعد أخرى أن جوهر السياسة الخارجية موجود في مكتب المرشد لا في مكتب الرئيس. وثمة من وصل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الواقعية العابرة التي يبديها الرؤساء أحياناً هي مجرد مساحيق لإخفاء حقيقة النظرة الإيرانية إلى السعودية، وهي نظرة المرشد الذي يأتمن «الحرس الثوري» على تنفيذ السياسات الراسخة في كتابه.
تعاملت السعودية بمسؤولية عالية مع اعتداءات أمنية حصلت على أراضيها أو استهدفت دبلوماسييها ومصالحها في الخارج. سعت إلى منع التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهات علنية تضاعف المخاطر في إقليم متوتر أصلاً. وكانت الرياض تراهن على أن يستنتج أصحاب القرار في طهران أن أوهام القوة مؤذية للجميع وليس فقط للآخرين. وأن لغة العداوة تصبُّ الزيت على النار وتضاعف التوتر المذهبي والسياسي والأمني.
حاولت طهران مراراً إخفاء حقيقة سياستها المعادية للسعودية عبر التحدث عن حسن الجوار والدور المشترك في تأمين الخليج وأمن الطاقة. لكن التحركات على الأرض كانت تدلل سريعاً على أن هذه الدعوات الإيرانية إلى أفضل العلاقات بين دول المنطقة كانت جزءاً من الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي لا بدَّ من أن تواكب الحملة المفتوحة على الأرض.
ثمة مشكلة عميقة في العلاقات بين إيران والسعودية. مشكلة حاضرة أيضاً بين إيران وغالبية دول المنطقة والعالم. في عالمنا الحالي تبنى العلاقات بين الدول استناداً إلى مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة. لإرساء ذلك لا بدَّ من أن يكون مفهوم الدولة هو الغالب. المشكلة أن إيران تتوكأ على منطق الدولة حين تجد مصلحتها في ذلك لكن جوهر سياستها يبقى كامناً في منطق الثورة التي ترفض العيش ضمن خريطتها وترفض الاعتراف بالحصانة التي يعطيها القانون الدولي لخرائط الآخرين. وما كان الأمر ليشكل معضلة لو أن إيران بنت على أرضها نموذجاً سياسيا أو اقتصاديا جاذباً يمكن استلهامه طوعاً ولا تروِّج له خارج لغة الدبلوماسية والإعلام. لكن الذي حدث هو أن طهران حاولت وبذرائع مختلفة التسلل إلى أراضي الآخرين لفرض قدر من نموذجها، وبما يكفي لجعل الدول المستهدفة تدور في فلكها. هذه الاختراقات القسرية وبوسائل من خارج أصول التخاطب بين الدول المستقلة والسيدة حولت التدخلات الإيرانية نهجاً لزعزعة الاستقرار. لا نحتاج هنا إلى سوق الأمثلة. تزايد النفوذ الإيراني في هذه العاصمة أو تلك لم يؤدِ إلى إشاعة استقرار أو التمهيد لازدهار، بل أدَّى إلى إشاعة التوتر وتجويف الدول من مقوماتها الأساسية وزرع أسباب التوتر في علاقاتها بالعالم.
دول كثيرة، وبينها السعودية، حاولت فعلاً بناء علاقة طبيعية مع إيران. لكن هذه الدول اصطدمت باكتشاف أن الدولة الإيرانية ومؤسساتها ما هي إلا عباءة تتحرك تحتها سياسة الثورة التي تجيز لنفسها اختراق خرائط الآخرين والسعي إلى تبديل التوازنات على أرضهم وفي عواصمهم. والواضح هو أن إيران تتصرف كأنها ثورة تخشى التحول إلى دولة، لأن مثل هذا التحول ينسفُ مشروع الانقلاب الكبير المبني على تصدير الثورة.
في إطار سعيها لتنفيذ برنامج الانقلاب الكبير في المنطقة، اعتبرت إيران السعودية عائقاً كبيراً أمام برنامجها وطموحاتها، عائقاً خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، عائقاً لما تتصف به السعودية من ثقل إسلامي وعربي ودولي. ثقل اقتصادي وسياسي تواكبه شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية مبنية على خيار الاعتدال والتعاون والحضِّ على الحوار والتفاهمات، وهو ما تجلَّى في أدوار الوساطة التي قامت بها في دول عدة. ولهذا السبب بالذات كان تطويق السعودية بنداً ثابتاً على طاولة الصانع الحقيقي للقرار في إيران. اعتبرت طهران الحالية أن إضعاف الحلقة السعودية يشكل مدخلاً ضرورياً للإمساك بقرار المزيد من العواصم أو على الأقل امتلاك القدرة على تعطيل قدرتها على القرار. وكانت الحلقة الأبرز التي كشفت على نحو لا لبس فيه برنامج تطويق السعودية بالميليشيات والجيوش الصغيرة العابرة للحدود بأفرادها أو صواريخها وطائراتها المسيرة، حلقة الانقلاب الحوثي. وأدركت السعودية منذ اللحظة الأولى أن إيران تحاول تحويل الحوثيين وكيلاً دائماً في زعزعة الاستقرار واختراق الخرائط، ولهذا تجاوبت مع نداء الشرعية اليمنية.
واضح أن السعودية مستهدفة بسبب حاضرها واعتراضها على سياسة تحويل خرائط عربية منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة على أهداف عربية. والسعودية مستهدفة أيضاً بسبب ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها في ظل التحول الكبير الذي تعيشه.
في هذا السياق، يمكن فهم العدوان على منشأتي النفط السعوديتين التابعتين لشركة «أرامكو». إنه تصعيد واسع وخطر والبصمات على الرسالة واضحة مهما نفت طهران. يدلُّ هذا التصعيد على مدى التوتر الذي يعيشه النظام الإيراني بفعل سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية. إنه صبٌّ لمزيد من الزيت على نار المنطقة بهدف امتحان الإدارة الأميركية وتذكير واشنطن بقدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة، وجعلها رهينة إضافية في الأزمة المفتوحة. ردود الفعل العربية والدولية الداعمة للسعودية رداً على هذا العدوان تؤكد مرة أخرى حجم الهوة بين قاموس النظام الإيراني وقاموس القانون الدولي. بمضاعفة هذا النوع من الرسائل لا تترك إيران للسعودية إلا خيار توظيف ثقلها العربي والإسلامي والدولي لوضع المزيد من العوائق أمام الانقلاب الإيراني الكبير. وفي هذا السياق تملك السعودية الإرادة والقدرة، علاوة على ترسانة علاقات دولية مبنية على قاعدة دورها في إبقاء أمل الاستقرار والازدهار حياً في المنطقة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

إلى أين يأخذ الإخوان ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

أعادت تركيا الزخم لتحرك ميليشيا الاخوان المسلمين في الساحة الليبية تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج بدعم سخي ماليا وتسليحيا خاصة بالطائرات المسيرة التي تراهن عليها لقلب موازين القوى في المواجهة مع قوات الجيش الوطني الليبي التي تشن منذ أبريل/نيسان حملة عسكرية لتطهير العاصمة طرابلس من الإرهاب.

وتؤكد القوات الليبية التي كان لها الفضل في تحرير شرق ليبيا من الجماعات المتطرفة وإعادة الاستقرار لجزء مهم من الأراضي الليبية، أن عملية طرابلس تستهدف بالأساس تطهيرها من الجماعات المتشددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان وأذرعها العسكرية التي ترتهن حكومة الوفاق.

ويعتبر متابعون لتطورات الأزمة الليبية أن الحكومة المعترف بها دوليا والتي عجزت منذ توليها السلطة في غرب ليبيا في مارس/اذار 2016 والمنبثقة عن  اتفاق سياسي جرى التوصل إليه في منتجع الصخيرات  بالمغرب في ديسمبر/كانون الأول 2015، عن إعادة الاستقرار ولجم انفلات سلاح الميليشيات وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، تحولت في نهاية المطاف إلى أداة بيد جماعة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الساحة الليبية ساحة مواجهة مفتوحة لتمرير مشروعها بغض النظر عن حمام الدم الذي تسببت فيه.

وحال اخوان ليبيا دون التوصل لأي اتفاق سياسي في السابق ينهي الأزمة القائمة بين السلطة في طرابلس بقيادة السراج والسلطة في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والحكومة المؤقتة التي رفضت الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق ما لم تحصل على ثقة البرلمان.

وكان واضحا منذ البداية أن الإخوان يدفعون باتجاه التصعيد بإيعاز من الحاضنة التركية للتنظيم ليصل الوضع الراهن لما هو عليه اليوم حيث يدفع الشعب الليبي من دمه وماله وأمنه ثمن أجندة التمدد الاخوانية.

وكان لافتا في الفترة الأخيرة مع تحول الدعم التركي للميليشيات الاخوانية من السرّ إلى العلن ومع وصول شحنات من مركبات عسكرية وطائرات مسيرة لميليشيات الجماعة المهيمنة على حكومة الوفاق، توجه إخوان ليبيا إلى التصعيد العسكري باعتبار أن وجود الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أصبح تهديدا كبيرا لمشروعهم.

وحصل إسلاميو ليبيا من تركيا على نوعين من الطائرات المسيرة بما يمكنهم من شن هجمات على أهداف بشكل مباشر بمتفجرات خفيفة قادرة على قتل أشخاص.

وبالفعل قتل ثلاثة بينهم قياديان من قوات الجيش الوطني الليبي الجمعة في ضربة جوية بطائرة مسيرة يعتقد أنها تركية على مدينة ترهونة. كما نفذت طائرة تركية أخرى هجوما على القاعدة الجوية بالجفرة.

وأحبط الجيش الوطني الليبي اعتداءات متزامنة على قاعدة الجفرة من ثلاث محاور وأسقط ثلاث طائرات مسيرة تركية، في تطور سلط الضوء على مدى استعداد الإخوان للمضي قدما في ضرب الجيش الليبي دفاعا عن مشروعهم الذي يتجاوز الساحة الليبية.

والهجمات على قاعدة الجفرة التي قالت القيادة العامة للقوات الليبية العربية المسلحة إنه تم التخطيط لها في تركيا ومولتها قطر، ليست إلا فصلا من فصول معركة تبدو طويلة على ضوء استعداد الميليشيات الاخوانية لتحويل الساحة الليبية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة يؤكد قراءات سابقة كانت أشارت إلى أن اخوان ليبيا غير حريصين على الساحة الليبية وعلى دم الشعب الليبي بل هم أحرص على تمرير مشروعهم أيا كان الثمن الذي سيدفعه الليبيون.

والعودة القوية للاخوان للساحة الليبية بعد هزائم وانكسارات سياسية لا يمكن النظر لها بمعزل عمّا تمثله ليبيا من شريان مالي حيوي سواء ذلك الذي تحت إدارة حكومة الوفاق أو المنفلت منه والبعيد عن كل رقابة والمقترن  أساسا بنشاط الميليشيات المسلحة والمهربين وهي معادلة أخرى في الصراع الليبي.

ويجني إخوان ليبيا إيرادات طائلة من هذه الأنشطة إضافة إلى ما تحصل عليه من تمويلات سخية من قطر وتركيا.

وتطرح كل هذه التطورات مجتمعة أسئلة ملحة هو الدور التركي في تأجيج العنف في ليبيا وأيضا مصير ليبيا ومؤسساتها وشعبها في ظل تنامي نشاط الإخوان في غرب البلاد.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية