سبتة ومليلية بوابة سهلة إلى أوروبا: لا بحر.. فقط الأسوار

سبتة ومليلية بوابة سهلة إلى أوروبا: لا بحر.. فقط الأسوار

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
07/06/2021

ترجمة: مدني قصري

تَصدّر تدفّقُ 8000 مهاجر إلى سبتة، في 17 أيار (مايو)، عناوين الصحف، ما تزال هذه المدينة الإسبانية، التي بقيت عبارة عن نثار (قصاصات ملونة من بقايا الإمبراطوريات الاستعمارية جزءاً لا يتجزّأ من الأراضي المغربية، تمثّلُ رهاناً كبيراً في العلاقات بين مدريد والرباط).

اقرأ أيضاً: كيف سافر زعيم البوليساريو إلى إسبانيا بهوية جزائرية مزورة؟

سبتة، التي تصدّرت عناوينَ الصحف في الآونة الأخيرة، هي، مثل جارتها مليلية، مدينةٌ منفصلة تماماً في إسبانيا، وهي من بقايا الإمبراطورية الاستعمارية، تقع كلاهما في قلب مدن شمال المغرب، حيث يقلّ دخلُ الفرد فيها بِسِتِّ مرّات عن مثيله في المدن الإسبانية، لقد شهدتا بِحكم جاذبيتهما الاقتصادية، تطوّرَ التجارة الحدودية التي زوّدت بالأوكسجين هذه المنطقة، الأقلّ ثراءً من بقية مدن المغرب.

اقرأ أيضاً: إسبانيا تحاول تحسين علاقتها مع المغرب بهذه الطريقة

هاتان المدينتان، اللتان تطالب بهما المغرب منذ 1961، ما تزالان جزءاً من الأراضي الإسبانية، كما يشهد بذلك الدستور الإسباني لعام 1978، فهما تشكّلان نقطة الدخول البرية الوحيدة إلى الاتحاد الأوروبي انطلاقاً من أفريقيا.

مواقع متقدمة قديمة

يعود ماضيهما، كأراضٍ إسبانية، إلى القرن الخامس عشر، حين حاولت إسبانيا والبرتغال آنذاك استكمال إعادة احتلال شبه الجزيرة الأيبيرية، التي غزاها المسلمون منذ القرن الثامن.

هاتان المدينتان، اللتان تطالب بهما المغرب منذ 1961، ما تزالان جزءاً من الأراضي الإسبانية

 عام 1492 وضع مَلِكا إسبانيا الكاثوليك، فرديناند الثاني ملك أراغون، وإيزابيلا قشتالة، نهايةً لمملكة الأندلس الإسلامية بالاستيلاء على غرناطة، لقد أرادا حماية مدن الساحل من توغلات القراصنة البربر، من خلال إقامة نقاط عسكرية على الساحل الشمالي لأفريقيا، وتمكّنا من احتلال مليلية عام 1497، وفي عام 1580 جاء دور سبتة لتصبح تحت الحكم الإسباني.

 

حتى أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، كان يُنظر إلى سبتة ومليلية، اللتين تمّ دمجُهما في منطقة شنغن، على أنهما بوابة سهلة إلى أوروبا

 

أصبحت سبتة ومليلة، ما كان يُطلق عليه آنذاك "ولايات بريسيدي" "présides"، أي الممتلكات الإسبانية على الساحل المغربي، هناك أقامت مدريد السجون، وعام 1906، تحت رعاية الولايات المتحدة، جمعَ مؤتمرُ الجزيرة الخضراء (إسبانيا) القوى الأوروبية لتقرير مصير المغرب، أحد البلدان القليلة في القارة الأفريقية التي لم يتم استعمارها؛ ففي حين كان الأمر يتعلق بمساعدة هذا البلد على التحديث، فقد تمّ في النهاية وضعُ وصاية حقيقية عليه، مع إنشاء المحمية الفرنسية الإسبانية، عام 1912، ثم أصبحت سبتة ومليلية بمثابة جسر لاستيطان الإسبان في القارة الأفريقية، فمن خلال مَوانئهم بدأت تصل المعدات، لكن أيضاً الرجال والنساء والفلاحون والعمال، خاصة من الأندلس، الذين تعايشوا في البداية مع الجنود الذين كانوا هناك بالفعل. وقد تبِعهم يهودٌ من تطوان وطنجة، ومسلمون من عدة مدن في المغرب، وجميعهم قد انجذبوا إلى المزايا التي أتاحها الوضعُ الجديد لهاتين المدينتين الإسبانيتين.

اقرأ أيضاً: هل تنصاع إسبانيا للضغط المغربي؟.. ما علاقة إبراهيم غالي؟

عام 1956، أيام الاستقلال، تحرّر المغرب من الانتداب الفرنسي، لكنّ الجَيْبَيْن (سبتة ومليلة) ظلّا أسبانِيَّيْن بحكم عضويتهما السابقة في إسبانيا، أعربت الرباط عن رغبتها في استعادة كلّ الأراضي الواقعة ضمن مساحتها الجغرافية، تمّت استعادة طرفاية عام 1958، وإفْنِي في عام 1969. عام 1961 طالب المغرب، دون جدوى، باستعادة سبتة ومليلية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فبينما ليست وسبتة ومليلية بالنسبة للرباط، سوى بقاءٍ عفا عليه الزمن من الاستعمار في أفريقيا، تواصل مدريد الادعاء بإسبانية هاتين المدينتين، وفي عام 2007 زار الملك خوان كارلوس المدينتين، وأكّد من جديد رغبةَ إسبانيا الراسخة في الحفاظ على سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية، حتى لو تطلب الأمر تدخلاً عسكرياً.

نظام خاص داخل الاتحاد الأوروبي

مع انضمام إسبانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC)، عام 1986، تمّ دمج "أراضي السيادة الإسبانية" بشكل طبيعي ضمن المجموعة بأكملها، حتى إن كان من الضروري تعديل النظام الخاص للموانئ الحرة مع اللوائح الأوروبية، ونتيجة لذلك، لم تتأثر سبتة ومليلية بالاتحاد الجمركي، والسياسة الزراعية المشتركة (CAP)، وقد تم إعفاؤهما من تطبيق ضريبة القيمة المضافة، ومع ذلك، فإنّهما تستفيدان من الأموال الأوروبية التي كانت ضرورية لتنميتهما، وقد مَنح انضمامُ إسبانيا إلى اتفاقيات شنغن، عام 1991، لهاتين المدينتين طابعاً أكثر تميّزاً. في الواقع، فمن أجل تحقيق علاقة منسجمة بينهما وبين جيرانِهما المغاربة، مُنح إعفاءٌ للمواطنين المغاربة من سكان مدينتي الناظور وتطوان، للذهاب إلى هناك بدون تأشيرة. ومن نتائج هذه الإجراءات الخاصة هناك نتيجتان رئيستان: من ناحية، هناك تجارة التهريب عبر الحدود بين هاتين المدينتين الإسبانيتين ومدن شمال المغرب. ومن ناحية أخرى؛ أنّه منذ نهاية التسعينيات، هناك الهجرة من المغرب، التي سرعان ما أعقبتها هجرة سكان جنوب الصحراء.

مدينة حدودية

حتى أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، كان يُنظر إلى سبتة ومليلية، اللتين تمّ دمجُهما في منطقة شنغن، على أنهما بوابة سهلة إلى أوروبا: لا يوجد بحر للعبور، ولكن فقط الأسوار التي يتم تسلّقها للعبور من أفريقيا إلى أوروبا، لكن في مواجهة حجم الوافدين، شدّدت الحكومة الإسبانية بشكل كبير نظامَ الأمن، منذ عام 2001 أقامت إسبانيا حاجزاً كلّفها 30 مليون يورو، بتمويل جزئي من الاتحاد الأوروبي، وعلى امتداد 8 كيلومترات التي تفصل سبتة عن المغرب، تمّ تركيب أسوار موازية تُوِّجت بأسلاك شائكة، وتسمح أعمدة المراقبة أو أبراج المراقبة برؤية مثالية تقريباً، ليلاً ونهاراً، وتُسَهِّل الإضاءةُ القوية وكاميرات الفيديو رؤيةَ المهاجرين الذين يحاولون تسلّق الحاجز، وما بين الأسوار، تسمح الطرقُ الضيّقة بمرور مركبات الحرس المدني الإسباني، بالإضافة إلى هذا الجهاز، تمّ توصيلُ الكابلات الأرضية بأجهزة استشعار إلكترونية لاكتشاف الضوضاء والحركات.

تسمح أبراج المراقبة برؤية مثالية ليلاً ونهاراً وتُسَهِّل الإضاءةُ وكاميرات الفيديو رؤيةَ المهاجرين الذين يحاولون تسلّق الحاجز

وعلى الرغم من ذلك، حاول عدة مئات من المهاجرين، في أيلول (سبتمبر) 2005، عبورَ هذا الحاجز، مسلّحين بِسلالم مرتجَلة. فلم يترّدد الحرسُ المدني الإسباني في إطلاق النار على من تشبّثوا بالسياج، فقتل أحد عشر شخصاً، وفي تموز (يوليو) 2028؛ دخل أكثر من 600 مهاجر من جنوب الصحراء إلى سبتة، اِنطلاقاً من المغرب، وقد ألقوا الجِيرَ الحيّ على وجوه عملاء الأمن الإسبان.

اقرأ أيضاً: إسبانيا في الماضي والمغرب في المستقبل

في مواجهة هذه التوترات المتكرّرة بين السلطات الإسبانية والمهاجرين من أجل الوصول إلى سبتة، يجد المغرب نفسه على خلاف. في الواقع؛ ففي إطار نقل ضوابط الهجرة إلى دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، يتلقى المغرب دعماً من الاتحاد الأوروبي لمنع المهاجرين من مغادرة أراضيه ودخول أوروبا، لكنّه لا يستطيع قبولَ بناء هذه الحواجز والأسوار التي من شأنها قطع أوروبا عن المغرب، بينما يعدّ سبتة جزءاً من أراضيه التي تحتلها إسبانيا.

 

ساهمت الأشهر الخمسة عشر الأخيرة التي أغلقِت خلالها الحدودُ، في إفقار مواطني مدن هذه المنطقة الذين كانت تعيش في تبادلات اقتصادية رسمية وغير رسمية بشكل خاص

 

فكما هو موضح في تقريرCimade* الصادر في كانون الأول (ديسمبر) 2015، يطالب المغرب بهاتين المدينتين، مع الاستفادة من الوضع الحالي، وهذا ما يفسّر سبب تعاونه عن طيب خاطر مع إسبانيا في محاربة الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، لكنّه يطالب بهاتين المدينتين أيضاً، في حين أنّ شمال المغرب يتأثر بشكل متزايد بالفقر، لقد ساهمت الأشهر الخمسة عشر الأخيرة التي أغلقِت خلالها الحدودُ، في إفقار مواطني مدن هذه المنطقة الذين كانت تعيش في تبادلات اقتصادية رسمية وغير رسمية بشكل خاص، لقد تسبّب إغلاقُ المركز الحدودي في حدوث انخفاضٍ حادّ في التجارة بين الفنيدق (كاستيليجوس) "Castillejos بالإسبانية"، وسبتة، لسنواتٍ عديدة، كانت النساء ينتقلن إلى هناك كلّ يوم، مُحَمَّلاتٍ بالسلع الإسبانية المعفاة من الرسوم الجمركية، وقد خلقت ممارساتُ التهريب المسموح بها نشاطاً تجارياً ما انفكّ يغذّي النشاط في شمال المغرب.

اقرأ أيضاً: جنود إسبان يلقون مهاجرين في البحر... ما القصة؟

ناهيك عن أنّه، بغضّ النظر عن الترتيبات الأمنية السارية، فإنّ الفجوة الاقتصادية المتزايدة بين إسبانيا والمغرب ستشجّع بشكل متزايد المغاربة على الاستقرار في سبتة، مع فكرة الانضمام إلى شبه الجزيرة الأيبيرية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إضفاء الطابع الخارجي على ضوابط الهجرة في البحر الأبيض المتوسط يَمنح المغربَ الوسائلَ لتفعيل ظاهرة الهجرة. واليوم، تُلقِي الرباط باللّوم على إسبانيا لِمنحِها الاستشفاءَ لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، لكن، بخلاف هذا الترحيب، تضغط الرباط على إسبانيا لتحذوَ حذو الولايات المتحدة، التي اعترفت، في كانون الأول (ديسمبر) 2020، بأنّ الصحراء الغربية أرض مغربية أصلاً.

اقرأ أيضاً: المغرب وإسبانيا: أزمة دبلوماسية تلوح بالأفق... والبوليسارو يستغلون الحدث

والحال أنّ إسبانيا هي القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء الغربية، غادرت هذه المنطقة عام 1975 دون تنظيم استفتاء على تقرير المصير، هناك ذنبُ إسبانيا لكونها أفسدت عملية إنهاء الاستعمار، بالتالي، مهّدت الطريق لتنصيب المغرب على "إقليم غير متمتّع بالحكم الذاتي"، بحسب مصطلحات الأمم المتحدة، يُفسِّر هذا الإنهاءُ غير المكتمِل للاستعمار وجودَ رأيِ عام في إسبانيا حسّاس للغاية لتسوية النزاع الصحراوي، الذي لا يمكن القيام به، وفقاً له، إلا في إطار القانون الدولي، ومن خلال الاستفتاء والتشاور مع السكان المعنيّين، بصفتها الشريك الاقتصادي الرئيس للمغرب، لا يمكن لإسبانيا أن تتجاهل رأيَه ولا أن تتجاوز عملية تسوية أرادتْها ووقّعتها، إضافة إلى الجانب الإنساني المطروح لشرح الرعاية الطبية المقدّمة لزعيم جبهة البوليساريو، فإنّ إسبانيا، وهي دولة ديمقراطية، ملزمةٌ أيضاً باحترام القانون الدولي.


هامش:

* Cimade الاسم المختصر في الأصل للجنة المشتركة بين حركات الإجلاء هو جمعية قانون عام 1901 للتضامن النشط والدعم السياسي للمهاجرين واللاجئين والمشردين وطالبي اللجوء والأجانب الموجودين في وضع غير نظامي.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://orientxxi.info/magazine

الصفحة الرئيسية