سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة

1625
عدد القراءات

2018-01-22

لطالما كان التحليق خارج السرب يمثل مغامرة تحفها مخاطر الإدانة والنفي وربما القتل، كان ضوء المعرفة وهو يتسلل عبر النوافذ الموصدة، يمثل هاجساً لأولئك الذين اعتادوا الظلام، وكأنّ المستسلمين طوعاً للموت، يرفضون بإصرار محاولات من يؤرقهم بإمكان وجود حياة خارج ظلمات القبور، بينما ذاكرة التاريخ المثخنة بالنكبات تزيح ستارها كل حين عن مشهد دموي، يقترفه القتلة بحجة نصرة الله ودينه.

صخب تاريخي معتاد

من قبل وقف والي الكوفة خالد بن عبد الله القسري يخطب على المنبر في ليلة عيد الأضحى قائلاً: "أيها الناس اذهبوا وضحوا بضحاياكم، تقبل الله منا ومنكم، أما أنا فإني مضحٍّ اليوم بالجعد بن درهم؛ فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليماً ولا اتخذ خليلاً، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً"، ثم نزل واستل سكيناً وذبحه أسفل المنبر بتهمة نفي الصفات عن الله!

وذات مساء، كان الصخب المدوي يهز أرجاء الحلبة، في طقس عبور حتمي يمارس فيه العقل الحر وجوده، ويواصل فيه العقل الماضوي تحجره وجموده، وقف غيلان الدمشقي رافعاً قلمه، في مواجهة سدنة الهيكل، يمثلهم الشيخ الفقيه الأوزاعي في حضرة الخليفة هشام بن عبد الملك، فيحمى وطيس المناظرة، ويكيل العقل ضرباته الموجعة لدعاة الصنمية ولصوص الله، وحين يفشل الفقيه في الرد بالحجة، فإنه يفتي بردة الفليسوف وكفره، ليُساق الدمشقي نحو مقصلة سوف تطيح بالكثيرين فيما بعد باسم السماء.

عندما حاصر فقهاء العصور الوسطى وحلفاؤهم فرج فودة كان يخوض مغامرته الأخيرة من أجل تحرير العقل

عندما يضل المنطق طريقه

لعلها القوانين التي تحكم عالمنا، وتحيله إلى مدارات متداخلة من الأفكار المتصارعة، هي ذاتها التي تدفع بالمبدعين نحو حافة الموت؛ حين ينتهى طريق الأفكار المخملية بهوة سحيقة من الجهل والتعصب، ففي الوقت الذي وقف فيه فقهاء العصور الوسطى وحلفاؤهم يحاصرون فرج فودة، كان الأخير يخوض مغامرته الأخيرة من أجل تحرير العقل من ربقة الجبر وسطوة رجال الدين، ومضى يحلق بأفكاره خارج حدود القطيع الذاهب طوعاً نحو هوة الانسحاق، كان التحريض على أشده، وقد ضاقت صدور الفقهاء بما يقوم به من تقويض لأصنامهم، فأصدرت جبهة علماء الأزهر تصريحاً بالقتل، حين اتهمته بالردة والخروج عن الدين.

من جديد أعدت الحلبة لمنافسة أخيرة، ومضلَّل مهووس ينتظر بشغف تصريحاً بالقتل، يعد سكينه، وآلاف المتفرجين ينتظرون بحماسة نتيجة النزال، لم يكن مدهشاً أن تكون مناظرة فرج فودة الأخيرة وسط هذا الحشد الهائل من الجماهير التي احتشدت خارج القاعة على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب العام 1992، من كل صوب حشد الإسلاميون أنصارهم، ولم تبخل جماعة الإخوان المسلمين بالجهد كعادتها في الحشد والتجييش، ثلاثون ألفاً اختلطت صيحاتهم الغاضبة بضجيج التكبيرات التي أخذت تستنزل اللعنات على المصارع وحده في حلبة الموت.

متسلحاً بالعقل والمنطق تحدى فودة مناظريه في مناظرته الأخيرة أن يأتوا ببرهان على حتمية الدولة الدينية

النزال الأخير على حلبة الموت

"مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، هو العنوان الذي حملته مناظرة فرج فودة الأخيرة، منذ نحو ربع قرن، وقف فقهاء الوسطية: الشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد عمارة، تحت لواء القيادى الإخواني محمد المأمون الهضيبي، المرشد السادس لجماعة الإخوان المسلمين، مؤيدين بصيحات الجماهير، في مواجهة فرج فودة الذي تصدى لضرباتهم بالعقل والمنطق، متحدياً أن يأتوا ببرهان على حتمية الدولة الدينية، حتى بُهت الكهنة، بينما فقدت الجماهير حماستها، فكانت الحيلة القديمة، حيلة الأوزاعي حين أفتى بكفر غيلان الدمشقي.

كانت مداخلة فرج فودة هي الأخيرة، حيث أظهر للغزالي في هدوء شديد مدى التناقض بين ما يقوله، وما سبق أن صرح به من قبل، موضحاً خطايا الدولة الدينية على مر العصور، ومؤيداً ما ذهب إليه زميله في المناظرة الدكتور محمد أحمد خلف الله، ثم انتقل إلى الهضيبي موجهاً سؤالاً مباشراً: قولوا لنا سيادة المستشار الهضيبي وأنت رجل قانون إذا كان التنظيم السري جزءاً من فصائلكم أم لا؟ تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشي ومقتل الخازندار.. هذه بدايات لحل إسلامي صحيح؟ ثم طرح تساؤله الصادم حول إمكانية أن يظل الإسلام في ظل هذه الأيديولجيا دين السلام والرحمة الذي يرفض أن يقتل مسلماً زوراً وبهتاناً لمجرد خلاف رأي.

عندما فشل المنطق بدأت وتيرة التكفير بالصعود فانبرى الإسلاميون بعد المناظرة في المزايدة على إيمان فودة بشتى الوسائل

ثم مضى يفند أقوال الدكتور محمد عمارة الذي قال: "إن بديل الدولة الدينية دولة لادينية"، مؤكداً تناقض هذا مع وجود الأقليات الدينية تحت مظلة الدولة المدنية الواحدة، وقال إنّ الأقباط قاوموا المستعمر تحت شعار المواطنة لا الدولة الدينية، ومضى فودة يرسخ منطلقات الحوار الهادئ كسمة للدولة الحضارية، وكيف أن الاختلاف يضمن حيوية الفكر وازدهار الثقافة، وهو في رأيه أمر لم يكن غريباً عن الدولة الإسلامية ذاتها، حيث "نقل لنا التاريخ – على حد تعبيره- كتابات الملحدين داخل الدولة الإسلامية عندما كانت في قمة حضارتها، ولم يرتفع السيف، كان الحديث بالحروف وليس بالكلاشنكوف".

رد الهضيبي محاولاً نفي تهمة الإرهاب عن جماعته، لكنه بدلاً من ذلك، وتحت ضغط الحوار اعترف به ضمنياً، فقال في عصبية: "نحن نفخر ونتقرب إلى الله بالجهاز السري"، فهتف الحاضرون من جماعته: الله أكبر. فاستدرك سريعاً في مزايدة دعائية، بأن مهمة التنظيم الإخواني المسلح كانت العمل على دحر المستعمر وتحرير فلسطين، ثم تنصل من قتل النقراشي بحجة أنه كان قراراً فردياً، لكنه أخذ يبرر عملية القتل قائلاً: "هل تستطيع أن تخبرني من الذي ولى النقراشي في مصر، وبأي حق ملك رقابنا في مصر يتصرف فيها، بأي حق حل جماعة الإخوان وقبض على المجاهدين العائدين من قتال اليهود وزج بهم في السجون وأذاقهم العذاب والهوان"!.

رصاصة التفويض الإلهي

نجح فرج فودة في استفزازهم بالعقل والمنطق، فجاء حديثهم عصبياً مرتبكاً ومتناقضاً، وعندما يفشل المنطق تبدأ وتيرة التكفير في الصعود، انبرى الإسلاميون بعد المناظرة في المزايدة على إيمان فودة، وتكفيره بشتى الأشكال، فخرجت جريدة النور السلفية بفتوى أباحت فيها دمه، وعلقت زينب الغزالي على المناظرة ببيان جاء فيه: "لا يجب أن نناظر هؤلاء الغلاة في محاربتهم للإسلام، إننا على الحق، والحق سينتصر إن شاء الله، وإن تجمعت عليه دروب الباطل"، وفي إقرار مباشر وتصريح علني بالتكفير قالت في ختام بيانها: "لو أن هؤلاء الغلاة حملت قلوبهم ذرة من إيمان أو ذرة من التصديق بالإسلام لكانوا تنازلوا عن معارضتهم لأئمة الدين الذين كانوا يتناظرون معهم، ولكن لأن الشيطان دائماً يغلب على ضعاف اليقين بالله فهم جميعاً متحرزون عن جادة الحق والصواب".

أعدت الحلبة لمنافسة أخيرة ومضلَّل مهووس ينتظر بشغف تصريحاً بالقتل وآلاف المتفرجين ينتظرون بحماسة نتيجة النزال

لم يتبق سوى تفاصيل بسيطة لينتهي كل شيء، أعد القاتل عدته بليل، وفي صباح الثامن من حزيران (يونيو) 1992 سقط فرج فودة شهيداً برصاصات الغدر، في التحقيقات اعترف القاتل بتنفيذ جريمته بناء على فتوى مفتى الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن، وأكد القاتل أنه أمي لا يقرأ، ولا يعرف عن الضحية سوى أنه مرتد عن الدين، مارق عن القطيع، فنفذ فيه إرادة السماء وفقاً لأوامر الفقهاء؛ هكذا تبدأ حلقات الموت المجاني حين يستلب العقل في دوائر التغييب.

كان مبدأ التفويض الإلهي حيلة الكهنة منذ القدم، في محاولة للمماهاة بين حاكمية الله وسلطة الكهنة، وربما كان العقل الجمعي يرى في الانصياع لهم ملجأً يوفر نوعاً من الحماية الداخلية والأمن المعنوي تجاه الهزيمة على الصعيد الاجتماعي والسياسي؛ تجاه خطاب ديني متعدد الدلالات والإيحاءات والمعاني، قد يجمع بين الحقيقة وجملة من الأكاذيب والأساطير والابتزاز العاطفي، ويسعى دوماً إلى تعبئة النفوس وشحن العقول حتى يحمل أصحابها السيف ذاته الذي أطاح بغيلان الدمشقي والجعد بن درهم ويستقر أخيراً في قلب فرج فودة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: