سد النهضة: هل تقف تركيا وراء محاولات حصار مصر مائياً؟

سد النهضة: هل تقف تركيا وراء محاولات حصار مصر مائياً؟

مشاهدة

08/07/2020

يمكن القول إنّ المشروع السياسي التركي، الرامي إلى مدّ النفوذ إلى خارج دوائر المحيط الجغرافي، استهدف منطقة شرق أفريقيا منذ زمن بعيد، في محاولة لمدّ حزام سياسي يمكن من خلاله تطويق مناطق النزاع المحتملة، لتسهيل عمليات الضغط والإمداد والتعبئة، وخلق بؤر نفوذ على تخوم مناطق الصراع السياسي.

 

توظيف القوى الناعمة بحمولتها الإيديولوجية أحد أبرز آليات تركيا بالتمدد والهيمنة

كان توظيف القوى الناعمة لتركيا، بحمولتها الأيديولوجية، أحد أبرز آليات التمدد والهيمنة، وهو ما يمكن اكتشافه من خلال تحليل الطريقة التي وصل بها النفوذ التركي جنوباً إلى إثيوبيا، عبر حزمة من المساعدات الإنسانية.

وبحسابات الجغرافيا السياسية، فإنّ إثيوبيا، رغم بعدها الجغرافي عن تركيا، إلا أنّها تقع في دائرة المجال الحيوي لمشروعها السياسي، في منطقة شديدة الحساسية، يمكن من خلال السيطرة عليها تأمين مناطق النفوذ في الصومال، وإزعاج خصمها في مصر، إضافة إلى قربها من مناطق النزاع في اليمن، كما يمكن أن تُشكّل رأس حربة نحو لييبا والساحل الأفريقي.

منظمة تيكا.. تدخّل سياسي بغطاء إنساني

مع إدراك الأهمية الاستراتيجية لمنطقة شرق أفريقيا، افتتحت أنقرة مكتباً لوكالة التعاون والتنسيق التركية المعروفة باسم، تيكا، في إثيوبيا، في العام 2005، واستخدمت، تيكا، كلّ أشكال مدّ النفوذ من خلال مجموعة من المنح الدراسية، حيث نشطت في مجال إرسال البعثات، وإنشاء مدارس الأطفال ودور الحضانة، ما أسهم في تحقيق نوع من الانتشار الثقافي لنمط التعليم التركي.

 

بحسابات الجغرافيا السياسية إثيوبيا رغم بعدها عن تركيا إلا أنّها تقع في دائرة المجال الحيوي لمشروعها السياسي

ومع احتدام الصراع السياسي بين القاهرة وأنقرة، وفي ظل حالة عدم الحسم، التي يواجهها ملف سد النهضة، صعّدت تركيا من وتيرة المساعدات الاقتصادية لإثيوبيا، باعتبارها منطقة نفوذ، حان وقت استخدامها في إزعاج الآخرين، ففي نيسان (أبريل) الماضي، قامت وكالة تيكا بتوزيع طرود غذائية على النازحين في مخيم، غيلان، بإقليم أروما، بمناسبة حلول شهر رمضان، واللافت أنّ عملية التوزيع جاءت تحت الإشراف المباشر من السفير التركي لدى أديس أبابا، يابراق ألب، الذي ظهر برفقة محمد علي يتيش، منسق وكالة تيكا، أثناء عملية توزيع الطرود الغذائية، والتي تواصلت على مدار شهر رمضان، وبلغت أكثر من 50 طناً من المواد الغذائية.

كما قامت الوكالة التركية بتوزيع 17 طناً من المساعدات الغذائية، على الأحياء الفقيرة في مدينتي "سولوتا"، و"ليغتافو" التابعتين لإقليم أوروميا، فضلاً عن العاصمة أديس أبابا، بمناسبة عيد الفطر، ومرّة أخرى ظهر السفير التركي الذي ألقى كلمة بهذه المناسبة، أكّد فيها أنّ "الأتراك والإثيوبيين أصدقاء، وعلى الأصدقاء أن يدعموا بعضهم بعضاً في الأوقات الصعبة، التي يمرّون بها".

 

تركيا تُعدّ أبرز المستثمرين في مشروع سد النهضة والمشروعات المرتبطة به

كما بدأت وكالة تيكا في تطوير منظومة المساعدات؛ حيث اقتحمت القطاع الصحي المتهالك، فقامت بحملات للتطعيم والوقاية من الأوبئة، مع تقديم الخدمات الصحية المتنوعة للمناطق الأكثر فقراً في إثيوبيا، ودعم مستشفيات الأطفال، وشرعت تيكا في تصعيد خدماتها بهذا القطاع مؤخراً،  ففي أواخر شهر آذار (مارس) الماضي، أعلنت وكالة الأنباء التركية أنّ تيكا نجحت خلال شهر شباط (فبراير) الماضي، في تقديم الخدمات الصحية والتدريبية للمستشفى الإثيوبي لجراحة العظام، وأضافت أنّه "في إطار المشروع تمّ التركيز على العمليات التي لا يمكن إجراؤها في مجال جراحة العظام، بالإضافة إلى الدورات التدريبية وتقديم المعدات والآلات الصحية إلى المستشفى".

 

افتتحت أنقرة مكتباً لوكالة التعاون والتنسيق التركية المعروفة باسم تيكا في إثيوبيا العام 2005

هذا، ويُساهم العديد من الشركات التركية، العاملة في قطاع الصناعة، منذ أعوام، في تأمين فرص العمل لعشرات الآلاف من الأشخاص في إثيوبيا، من خلال استثمارات هائلة في قطاعات متنوعة، وتُعدّ شركة، أيكا، من بين أكبر الشركات التركية التي تستأثر بقطاع النسيج في إثيوبيا، ويعمل بها نحو 7 آلاف مواطن، وذلك ضمن قرابة الأربعمئة شركة استثمار تركية، تعمل في هذا البلد الأفريقي، ويبلغ حجم الاستثمارات الصناعية التركية في إثيوبيا قرابة 3 مليارات دولار.

وبالطبع كان يمكن تثمين مثل هذه المساعي والجهود الإنسانية، لو لم ترافقها أجندة سياسية، تعمل على تطويع المواقف الإثيوبية لصالح التوجهات التركية، حيث جاءت حزمة المساعدات الإنسانية كغطاء لاتفاقية عسكرية تم توقيعها بين الطرفين، وأصبح بموجبها الجيش الإثيوبي تحت إدارة الجانب التركي، الذي اضطلع بمهمة تحديث الأول، ودعمه فنياً وتطوير منظومته الدفاعية، واحتكار بيع وتطوير الأسلحة إليه، بل واستخدامه لتأمين مناطق النفوذ، وإزعاج القاهرة، من خلال الضغط بورقة المياه بالإيعاز إلى الحليف الإثيوبي لممارسة عدة مناورات للحيلولة دون الالتزام بعدم الإضرار بحصة مصر في مياه النيل، ومن هنا يمكن فهم لهجة التحدي التي جاءت على لسان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد علي، والذي أكد أنّه لا قوة ستمنع بلاده من ملء سد النهضة.

كواليس التصعيد الإثيوبي في ملف سد النهضة

في كانون الثاني (يناير) من العام 2014، وصل وزير خارجية تركيا، أحمد داود أوغلو، إلى أديس أبابا، في زيارة وصفها المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، بالمهمّة والإيجابية، مؤكداً أنّ تركيا دولة صديقة، وما يجري بين الطرفين هو تحقيق لرغبة الأخيرة في الدعم والمشاركة في التنمية الجارية بالبلاد، كما أضاف أنّ بلاده تتطلع إلى الاستفادة من الخبرات التركية في مجال الري والسدود، باعتبارها إحدى الدول الشريكة لإثيوبيا في التنمية.

جدير بالذكر أنّ تركيا تُعدّ أبرز المستثمرين في مشروع سد النهضة، وتستهدف وحدها زراعة أكثر من مليون فدان، إضافة إلى قيامها بتوقيع عقود برامج طموحة، لتوليد الطاقة الكهرمائية من السد.

 

بموجب الاتفاقية العسكرية بين أنقرة وأديس أبابا أصبح الجيش الإثيوبي تحت إدارة الجانب التركي

وفي حزيران (يونيو) من العام 2017، وصل نائب وزير الخارجية التركي، أحمد يلدز، إلى العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، في زيارة رسمية استغرقت يومين، وهناك جرت عدة لقاءات اتخذت طابعاً سرّياً، مع مسؤولين من الجانب الإثيوبي، وذلك بمكتب وكالة الأناضول، الذي افتتح بالعاصمة الإثيوبية، في العام 2014، ويقع على بعد أمتار قليلة من مبنى المخابرات الإثيوبية، تحت إشراف الإعلامي الأرتيري، محمد طه توكل، الوثيق الصلة بالدوائر الأمنية في الدوحة وأنقرة، والذي يدير حالياً مكتب شبكة الجزيرة في العاصمة الإثيوبية.

 

مؤخراً رُصد نشاط ملحوظ في استقبال دبلوماسيين ومسؤولين أمنيين أتراك بالعاصمة الإثيوبية

مؤخراً، رصدت تقارير متعددة نشاطاً ملحوظاً في استقبال دبلوماسيين ومسؤولين أتراك ينتمون إلى الأجهزة الأمنية، إلى العاصمة الإثيوبية، في وقت تزامن مع تصلب الموقف الإثيوبي في مفاوضات سد النهضة، والذي بلغ ذروته بالانسحاب المفاجئ من اجتماعات واشنطن، قبل أن يوجّه رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد علي، في منتصف نيسان (أبريل) الماضي، الشكر إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لدعم بلاده في مكافحة فيروس كورونا، وذلك في أعقاب مكالمة تليفونية، وصفتها الرئاسة التركية بالمطوّلة، في رسالة واضحة للقاهرة.

وعليه يمكن رصد الدور التركي خلف كواليس التصعيد الإثيوبي في ملف سد النهضة، وفي ظل وجود قاعدة عسكرية تركية في الصومال، مع التواجد في ليبيا المتاخمة لجارتها السودان، توهم الجانب الإثيوبي بقدرة تركيا على حسم الموقف عسكرياً، وقلب معادلة القوة في الإقليم، في ظل تعهد تركيا بحماية منشآت السد من أيّ هجوم مصري محتمل، ومد الجيش الإثيوبي بأجهزة إنذار تركية متطورة، وبالإيعاز من تركيا، وصل الموقف في مفاوضات السد حدّاً غير مسبوق من التشنّج والمماطلة، والسعي إلى الانفراد بقرار مصيري لدول الجوار.


الصفحة الرئيسية