سياسيون جزائريون لـ"حفريات": هذه أسباب حلّ البرلمان وتعديل الحكومة

سياسيون جزائريون لـ"حفريات": هذه أسباب حلّ البرلمان وتعديل الحكومة

مشاهدة

21/02/2021

أقدم الرئيس الجزائريّ، عبد المجيد تبون، على حلّ الجمعية الوطنية (البرلمان)، والإعلان عن تعديل جزئي في حكومة رئيس الوزراء، عبد العزيز جراد، في خطوة يقرأها ساسة وخبراء على أنّها "استباقية" لدعوات متصاعدة لإحياء الحراك الشعبي في ذكراه الثانية هذا الأسبوع.

اقرأ أيضاً: إخوان الجزائر واعتذار فرنسا.. تجارة لا تغفر الغدر

يؤيّد لخضر بن خلاف، النائب في الجمعية الوطنية (البرلمان)، قرار حلّ الغرفة التشريعية السفلى، بعد أن ظلّت الأخيرة مسرحاً لأحداث مثيرة منذ (انتخابها) زمن الرئيس المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة، مطلع أيار (مايو) 2017، وحرص بن خلّاف على التأكيد: "انتهت الفترة التشريعية الثامنة بهذا الشكل، بعد استهلاك 3.9 سنوات من عمرها، بعد أن طالبنا مراراً، ومنذ 2017، بذهاب هذا المجلس الذي جاء بالشكل الذي يعرفه الجميع".

لخضر بن خلاف

وشهد خريف عام 2018 "مهزلة سياسية" كان أبطالها ناشطو جبهة التحرير الوطني (حزب بوتفليقة)؛ حيث قاموا بخلع السعيد بوحجة، الرئيس السابق للبرلمان، بطريقة مهينة، بعد أن منعوه من ولوج مكتبه، وتمّ إرغامه على مغادرة الهيئة من الباب الضيّق لصالح معاذ بوشارب، أشدّ المتزلفين لبوتفليقة حينذاك.

وفي إفادة حصلت عليها "حفرياتأقرّ بن خلاّف أنّ سيرورة البرلمان اقتصرت على عامَيه الأول والأخير، مشيراً إلى "تجميد عمل الهيئة التشريعية عند انطلاق الحراك الشعبيّ، في 22 شباط (فبراير) 2019، امتثالاً لمطلب الشعب الجزائري في ثورته السلمية ومطالبته بذهاب الباءات والحروف الأبجدية الأخرى"، في إحالة على النافذين في منظومة بوتفليقة.

القرارات التي تضمّنها خطاب الرئيس الجزائري ليست ناضجة، ما يفرض أسئلة حقيقية حول الأسباب التي جعلت تبون يبادر بالتوجه بخطاب إلى الأمة

وينتهي بن خلّاف إلى أنّ "إنهاء البرلمان بهذا الشكل دليل على أنّه فاقدٌ للشرعية والمشروعية"، أشهراً بعد كشف النائب بهاء الدين طليبة، المدان بالسجن 7 أعوام سجناً نافذاً، عن حقائق مثيرة تخصّ فساد البرلمان؛ حيث أكّد لقاضي محكمة الجزائر العاصمة أنّ ثمن مقعد الجمعية الوطنية في اقتراع الرابع من أيار (مايو) 2017، كان لا ينزل تحت الـــ ـ500 ألف دولار، بناءً على توجيهات سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وجمال ولد عباس، الأمين العام الأسبق لحزب الغالبية "جبهة التحرير".

اقرأ أيضاً: لجنة للذكريات والحقيقة لمراجعة تاريخ فرنسا الاستعماري في الجزائر

من جانبه، رأى السيناتور عبد الوهاب بن زعيم؛ أنّ قرارات تبون بحلّ الجمعية الوطنية، وتعديل الحكومة، والعفو عن معتقلي الحراك، وتنصيب كلّ من المجلس الأعلى للشباب والمرصد الوطني للمجتمع المدني "تندرج ضمن البرنامج الانتخابي للرئيس"، ويتوقّع العضو في مجلس الشيوخ (الهيئة التشريعية العليا) أن تعطي الإجراءات "حركية سياسية كبيرة"، وتسهم في "التنافس لانتخاب هيئة تشريعية جديدة".

عبد الوهاب بن زعيم

وفي تصريح لـ "حفريات"؛ يتصوّر بن زعيم أنّ "خطاب الرئيس تبون، الأول منذ عودته من رحلته العلاجية الثانية إلى ألمانيا، بمثابة "إعلان عن الإقلاع الاقتصادي المنتظر بسبب تعطله بالوباء"، ويتوقّع بن زعيم أنّه "بعد التعديل الحكومي، يُرتقب من الحكومة الجديدة أن تتوخى السرعة القصوى في سبيل تحقيق النهضة الاقتصادية المأمولة".

عربون تهدئة استباقاً لــ "إحياء" الحراك

في منظور المحلل السياسيّ، الدكتور زكرياء بورزق، أتى خطاب الرئيس تبون ليؤكّد التزامه، منذ انتخابه بانتخابات تشريعية مسبقة، ويؤكّد التوقعات المتداولة منذ فترة بوجود تعديل حكومي قادم عزّزتها المشاورات التي أجراها مع بعض رؤساء أحزاب المعارضة.

ظاهرياً، يسجّل د. بورزق لــ "حفريات"؛ أنّ "مضمون خطاب تبون الذي تطرّق فيه إلى هذه النقاط، إضافة إلى إطلاق سراح موقوفي الحراك، يأتي في إطار خطاب السلطة التي تؤكد، كلّ مرة، أنّها تجسّد تطلعات التغيير التي طالب بها حراك 22 فبراير".

ويركّز الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة الجزائر على أنّ "تعهّد تبون، منذ البداية، بحلّ البرلمان هو عربون تهدئة قدّمه منذ البداية على اعتبار أنّ البرلمان الحالي ينتمي للحقبة البوتفليقية، وهو نتاج المال الفاسد".

زكرياء بورزق

لكنّ د. بورزق يقترح تعميقاً في مقاربة المشهد والمؤشرات الموجودة منذ انتخاب تبون رئيساً، في كانون الأول (ديسمبر) 2019، فهو يؤكّد أنّ "مضامين الخطاب والقرارات المتخذة والسياق الذي أتت فيه، إنما هي خطوة استباقية هدفها تهدئة الشارع المتململ، تفادياً لتصاعد دعوات إحياء حراك 22 فبراير، فالسلطة تحاول شراء الوقت بحثاً عن ظروف تسهم في تهدئة الشارع لأطول فترة ممكنة وتجاوز كابوس الحراك، وهو ما دعاه للإعلان عن قرارات أعمق، فقد كان بإمكانه الدعوة إلى انتخابات تشريعية من دون حلّ البرلمان الحالي، خاصّة أنّ التوقّعات تشير إلى أنّ الانتخابات ستكون مطلع شهر حزيران (يونيو) القادم، أي بعد أقل من 4 أشهر، وهو البرلمان الذي استمرّ في النشاط لمدة أكثر من 14 شهراً، منذ انتخاب الرئيس، واستعمله لتمرير مسودة الدستور وتمرير قانون المالية".

المحلل السياسي زكريا بورزق لـ"حفريات": "تعهّد تبون، بحلّ البرلمان هو عربون تهدئة على اعتبار أنّ البرلمان ينتمي للحقبة البوتفليقية، وهو نتاج المال الفاسد

وبشأن التعديل الحكومي الذي أعلِن إجراؤه، يذهب د. بورزق إلى أنّه "سيكون أعمق من ذاك الذي كان في أوائل صيف 2020، وهو تعديل يحمل رسالات تهدئة ووجود نية تغيير ظاهرية، فقد يتضمن حضوراً أكبر لشخصيات محسوبة على الأحزاب المتحاور معها، وهي التي ستتكفل بتبييض صورة السلطة، وتبني خطاب التغيير إلى غاية إجراء الانتخابات التشريعية القادمة".

تعديل عقابي لحكومة طوارئ

يقرأ د. بورزق الحركة الجديدة في حكومة جراد على أنّها "تعديلاً عقابياً" يحاول من خلاله الرئيس "تحميل الفشل في معالجة ملفات قطاعية وتنفيذ سياسات تنعكس إيجاباً على حياة المواطن، وتلبّي تطلعاته للوزراء، مع أنّه هو من يتحمّل مسؤولية تعيينهم".

ويضيف: "الحكومة الجديدة المرتقبة هي حكومة طوارئ هدفها ربح الوقت، وستذهب بعد إجراء الانتخابات التشريعية لتحلّ محلّها حكومة جديدة تعكس نتائج الانتخابات والتشكيلة البرلمانية القادمة".

وينتقد د. بورزق "عدم قيام السلطة القائمة بأيّة خطوات فعلية فيما يخص إحياء الحياة الحزبية، فهي لم تطرح للنقاش قانون أحزاب جديد يفتح المجال أمام ظهور كيانات حزبية جديدة، كما أنها تصرّ على عدم منح اعتمادات لأحزاب جديدة ظهرت بعد الحراك، وذلك مؤشّر صريح على أنّ الانتخابات البرلمانية القادمة لن تشهد وجود أحزاب جديدة في تركيبة البرلمان، بل ستشهد وجود الأحزاب التقليدية المنتمية للحقبة الماضية، بموالاتها ومعارضتها وكيانات وشخصيات أخرى، ستكون في خدمة السلطة وتدين لها بالولاء، وهو المقصود من حديث الرئيس عن دعم الشباب في حملاته الانتخابية".

ويتابع المحلل السياسي: "السلطة القائمة تصرّ، منذ الانتخابات الرئاسية، على تدوير الحياة السياسية بالتركيبة الحزبية نفسها، والزاد البشري المنتمي للفترة الماضية، ولا يبدو أنّ لديها نيّة حقيقية لفتح المجال أمام تجديدها، والرئيس تبون أكّد على ذلك من خلال تكراره الحديث عن دور المجتمع المدني في الحياة السياسية والتغيير، وتفادى في كلّ مرّة التطرق لقانون الانتخابات ومنح اعتمادات لأحزاب جديدة تنتظر التصريح بعقد مؤتمراتها التأسيسية، وهي الممارسة نفسها التي كانت موجودة زمن حكم بوتفليقة؛ أي أنّ هناك إصراراً من السلطة على إغلاق الباب في وجه أيّة كيانات سياسية جديدة، وهي بذلك تغلق الباب أمام كلّ محاولات التغيير، من خلال احتكار الساحة السياسية والحيلولة دون تجدّدها".

اقرأ أيضاً: إخوان الجزائر ورقة تركية في معركة مستمرة ضد ماكرون

من جهته، ثمّن د. عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم (إخوان) قرارات تبون، ورآها مقدّمة لــــ "صناعة بيئة سياسية تصالحية، منصفة ومنفتحة تفرز مؤسسات جديدة تتمتع بالشرعية والمصداقية"، ونبّه مقري إلى أنّ "ضمان المستقبل الواعد للجزائر يبدأ بتجسيد الإرادة الشعبية الحقّة، دون وصاية بأيّ شكل من الأشكال، والثقة التامة في اختيارات الشعب الجزائري، وعدم تكرار التجارب التي أفضت إلى كلّ الأزمات التي نعيشها".

صورة نظام أصيب في القلب

ذهب الكاتب نجيب بلحيمر إلى أنّ تبون أخبر مواطنيه بقرارات قال إنّه "اتخذها بمناسبة الذكرى الثانية لما يسمّيه "الحراك المبارك والأصيل" (ثمّ حوّله في أحد مقاطع خطابه إلى حراك أصليّ)، ولخّص هذه القرارات في الإعلان عن حلّ البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية لم يحدّد تاريخها، كما أعلن إجراء تعديل حكومي خلال أربع وعشرين، أو ثمان وأربعين، ساعة، وأعلن قراراً بالإفراج عن معتقلين تحت مسمى "العفو"، لا يعرَف عددهم بالضبط فهم يتراوحون بين حوالي ثلاثين وخمسين، وقد يصل عددهم إلى خمسة وستين".

ويلاحظ بلحيمر أنّ "القرارات التي تضمّنها الخطاب ليست ناضجة، وهذا يفرض أسئلة حقيقية حول الأسباب التي جعلت تبون يبادر بالتوجه بخطاب إلى الأمة، رغم أنه لم يحسم تاريخ إجراء الانتخابات بعد، وهو أمر، من الناحية السياسية، أهم من الإعلان عن حلّ البرلمان، فالمنطقيّ أنّ حلّ البرلمان يصبح ساري المفعول في اللحظة التي نطق فيها تبون بجملة "قررت حلّ البرلمان"، وليست هناك أية قراءة سياسية عقلانية لهذه الخطوة، التي تأتي خارج السياق السياسيّ، ومقطوعة بشكل كامل عن المشهد الذي يرتسم في الجزائر اليوم".

ويتابع بلحيمر: "كان بوسع تبون أن يعلن تنظيم انتخابات تشريعية مسبقة خلال فترة محّددة بإعطاء تاريخ دقيق لإجرائها، أو حتى بتحديد فترة تقريبية؛ كالقول بإجرائها في أجَل ستة أشهر، أو قبل نهاية السنة مثلاً، أما حلّ البرلمان قبل تحديد تاريخ الانتخابات فيشير بوضوح إلى أنّ السلطة تبحث عن الأثر السياسيّ المباشر للقرار على الشارع، ويعزّز هذه القراءة التوقيت الذي جاء فيه الإعلان (عشية الذكرى الثانية لانطلاق السلمية التي تحوّل منع التظاهر فيها إلى أولوية بالنسبة إلى السلطة)، ثم إنّ القرارات المعلنة تمّ تسريبها بالتفصيل إلى الصحافة قبل خمسة أيام، وهو ما يعني أنّها كانت جاهزة غير أنّه لم يتم إنضاجها بشكل كافٍ".

ويستدلّ بلحيمر بـــ "الحكومة التي أوحى تبون بعزمه على تعديلها، منذ العاشر من كانون الثاني (يناير) الماضي، على الأقل، عندما كان مغادراً إلى ألمانيا في رحلته العلاجية الثانية، استطاع أن يفصل في أمرها، وتاريخ إجراء الانتخابات التي بقي يتحدّث عنها منذ حدد تاريخها، ولا حتى قوائم المعتقلين المعنيين بقرار العفو تمّ ضبطها".

ويخلص بلحيمر إلى رسم "صورة واضحة لعملية صناعة القرار في "الجزائر الجديدة"، عملية تخضع لردّ الفعل ومحاولة استباق الشارع الذي يبدي مزيداً من التململ وتتصاعد احتمالات تحركه مجدداً"، مستطرداً: "تكشف الطريقة التي قدم بها تبون "قراراته" أولوية إسكات الشارع على صياغة حلول حقيقية لأزمة سياسية عميقة ومعقّدة يمرّ بها النظام".

الصفحة الرئيسية