سيد قطب بين الماسونية والمايوه وقمع المخالفين

سيد قطب بين الماسونية والمايوه وقمع المخالفين
50566
عدد القراءات

2018-07-23

لسيد قطب ثلاث مقالات، تكشف الكثير عن حياته الخاصة، ونزعاته الدفينة، ولا يطيق كثير من الإخوان المسلمين والسلفيين، أن تتمّ الإشارة إليها عند دراسة فكر هذا الرجل شديد التقلب، وذي الانعطافات الفكرية الحادة.

هذه المقالات الثلاثة، تميط اللثام عن انتماء سيد قطب للماسونية، ولمحفلها الأكبر في زمن الملكية المصرية؛ بل كان قطب من كتّاب افتتاحيات مجلة "التاج المصري"، لسان حال الماسونيين في مصر حينذاك.

وثاني تلك المقالات: مقال عن شواطئ مصر "الميتة"، التي يريد لها سيد قطب أن تضجّ بالحياة، وبالفتيات المصريات اللواتي يجمّلن الشطآن بملابس السباحة "المايوه"، وينتقد فيها العقليات "المتخلفة" التي ترى في المايوه عرياً وقلة أدب.

يظهر اعتناقه لعقيدة الماسون في قوله: الماسونية هي الوحدة التي تجمع بين مختلف الأديان ولا تعرف للتحزب معنى

أما المقال الثالث فكتبه قطب عندما كان العضو المدني الوحيد في مجلس قيادة ثورة يوليو المصرية عام 1952، حثّ فيه زملاءه من القادة العسكريين، على أن لا يتورعوا عن إبادة العمال المتظاهرين في مدينة كفر الدوار، وأنّ الثورات يجب أن تحرِق خصومها، وتصفّي كلّ من يقف في طريقها.

وإذا شرعنا بمقال قطب "لماذا صرت ماسونياً"؛ الذي نشره كافتتاحية في مجلة "التاج المصري"، عام 1943، يتبدّى لنا جزء مهمّ من انتماءات قطب السرية، قبل أن يسافر في المنحة التعليمية إلى أمريكا، عام 1948، التي تحوّل بعدها من ناقد أدبي إلى سياسي طامح، وكذلك قبل أن ينتظم في صفوف الإخوان المسلمين، عام 1953.

اقرأ أيضاً: صفحات مجهولة من حياة سيد قطب

يقول قطب في مقاله هذا، معتزاً بانتمائه للمحفل الماسوني المصري: "صرت ماسونياً لأنني أحسست أنّ الماسونية بلسماً لجراح الإنسانية، طرقت أبواب الماسونية لأغذّي الروح الظمآى بالمزيد من الفلسفة والحكمة، لأقتبس من النور شعلة؛ بل شعلات تضيء لي طريق الحياة المظلم، ولأستمد قوة أحطم بها ما في الطريق من عراقيل وأشواك، لقد صرت ماسونياً؛ لأنني كنت ماسونيا، لكن في حاجة إلى صقل وتهذيب، فاخترت الطريق السوي، لأترك البناية الحرة مهمة التهذيب والصقل، فنعمت اليد ونعم البناؤون الأحرار".

وأتبع سيد قطب كلامه هذا بمدح كبير للحركة الماسونية، حيث يقول: "عرفت أن الماسونية هي المثل الأعلى لكل من ينشد كمالاً، أو يبغي رفعة ومجداً، هي الفضيلة التي تنطوي على أسمى المعاني، وأشرف المقاصد وأنبلها، هي مبدأ الكمال ومنتهاه".

ويظهر اعتناق سيد قطب لعقيدة الماسون، في قوله: "الماسونية هي الوحدة التي تجمع بين مختلف الأديان ولا تعرف للتحزب معنى، ولن تجد لكلمة التعصب مكاناً في شرعها، هي التعويذة السحرية التي تؤلف بين القلوب جميعها في أقصى الشرق أو أدنى الغرب، هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الجميع، الصغير منهم والكبير أن يتصافحوا مصافحة الأخ لأخيه، ويجلسوا جنباً إلى جنب، دون نظر إلى فارق اجتماعي أو مركز أدبي، ولا غرو في ذلك؛ إذ إنّ دعائمها وأسسها مشيدة على الحرية والإخاء والمساواة، فما أعظمها من دعائم، وما أقواها من أسس، وما أبذلها من مبادئ".

اقرأ أيضاً: سيد قطب: معالم في طريق مضطرب

ونعرج على مقالة قطب الثانية "الشواطئ الميتة"، التي نشرها في "الأهرام"، عام 1938، وهنا يستغرب قطب ويستهجن من كلّ المعارضين لارتداء نساء مصر ملابس السباحة، التي تسمى "المايوه"، وأن تلك العقول ضيقة الأفق، تسبّبت بجعل شواطئ مصر ميتة، وبلا حياة؛ لأنّ المرأة تحضر للسباحة بملابس تغطي كامل جسمها بشكل فجّ، وإنّ نظرة هؤلاء للمايوه حيوانية جنسية لا أكثر.

ويقول هنا: إنّ المرأة التي تحضر بالفستان للسباحة تثير الشهوات والغرائز، بخلاف المرأة التي تحضر بلباس "المايوه"، فتزيد الشواطئ جمالاً.

وقال قطب مقولة مشهورة هنا للمصلحين في مصر، بضرورة لبس النساء لـ"المايوه" عند الحضور للسباحة: "أطلقوا الشواطئ عارية لاعبة، أيها المصلحون الغيورون على الأخلاق، فذلك خير ضمان لتهدئة الشهوات الجامحة، وخير ضمان للأخلاق".

مقال سيد قطب عن لبس المايوه والشواطئ:

"الشواطئ الميتة".. مقال لسيد قطب يدعو فيه إلى"التعري على الشواطئ"

وفي المقال الثالث؛ يفتضح أمر الطاغية المختبئ في نفسية وعقلية قطب، وهو الجانب الذي حجبته "البروباغاندا" السلفية والإخوانية عن بصيرة قرّائه، ويشي المقال بطبيعة فكر وتوجهات الرجل الحقيقية.

وكان سيد قطب، عام 1952، من أقوى الشخصيات السياسية في مصر؛ حيث كان العضو المدني الوحيد في مجلس قيادة ثورة يوليو، التي قضت على الملكية في ذلك العام، وكان يحظى بدعم العسكريين من أمثال؛ محمد نجيب وعبد الناصر ورفاقهم، وكذلك من جماعة الإخوان المسلمين المتحالفة مع الجيش في ثورته على الملك فاروق.

اقرأ أيضاً: سيد قطب.. بشّر بنجيب محفوظ ثم أمر بقتله!

لكنّ دكتاتورية سيد قطب ظهرت جلية عندما قامت مظاهرات وإضرابات عمّال المصانع، خاصة في مدينة "كفر الدوّار" بعد قيام الثورة، وهنا كتب مقالاً موجّهاً إلى زملائه العسكريين، بعنوان "حركات لا تخيفنا"، في العدد 15، من جريدة "الأخبار"، آب (أغسطس) 1952؛ قال مقرعاً المتظاهرين، وطالباً من زملائه العسكر ضربهم بيد من حديد: إنّ "عهداً عفناً بأكمله يلفظ أنفاسه الأخيرة في قبضة طاهرة، لكنّها قويّة مكينة، فلا بأس أن يرفس برجليه، لكنه عهد انتهى، عهد قد مات، لكنّ المهمّ هو أن نشرع في الإجهاز عليه، وأن تكون المدية حامية فلا يطول الصراع، ولا تطول السكرات. لقد أطلع الشيطان قرنيه في كفر الدوّار، فلنضرب بقوّة، ولنضرب بسرعة، وليس على الشعب سوى أن يرقبنا ونحن نحفر القبر ونهيل التراب على الرجعيّة والغوغائيّة، بعد أن نجعلها تشهد مصرعها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة".

بعد تحريض سيد قطب على العمال المتظاهرين قامت قيادة الثورة بإطلاق النار على العمال وقتل أحدهم

وبعد تحريض سيد قطب على العمال المتظاهرين، قامت قيادة الثورة بإطلاق النار على العمال، وقتل أحدهم، وتمت اعتقالات طالت أعداداً كبيرة منهم، وأجريت بعض الإعدامات الصورية، ومنها: إعدام العاملَين الشابَّين (محمد مصطفى خميس 19 عاماً، ومحمد عبد الرحمن البقري 17 عاماً)، بعد إقامة محكمة هزلية للمتظاهرين. ويعدّ إعدام القياديَّين العماليَّين "خميس والبقري"، وصمة عار على جبين أعضاء مجلس قيادة الثورة عام 1952، ومن ضمنهم سيد قطب؛ وذلك لصغر سنّ المتهمَين ولأنه فعل يناقض مبادئ الثورة المعلنة، وقد ترك خبر إعدامهما هلعاً، وحدّ من نشاطات الحركة العمالية لعدة أعوام تلت.

اقرأ أيضاً: كيف نظر سيد قطب إلى المرأة؟

تكشف هذه المقالات الثلاثة جوانب كثيرة من شخصية سيد قطب المتناقضة، وتفشي أسراراً كثيرة من أسراره، وأهم تلك الاكتشافات: أنّ الرجل كان يتخبط في آرائه بين الدعوة للبس "المايوه"، ومن ثم الدعوة لقيام مجتمع الحاكمية. وكذلك التحاقه بالحركة الماسونية المصرية والدفاع عن عقيدتها، ومن ثم الانخراط في صفوف تنظيم الإخوان المسلمين السري والتنظير للتطرف الديني. وكذلك يظهر مقاله الخاص بقمع المخالفين كيف كانت كلمات قطب تحريضية، وهو يطالب بقمع المتظاهرين، ونعرف كلماته التكفيرية بعد ذاك لأصدقاء الأمس من العسكريين، عندما كان يئنّ وجعاً من سياطهم، ومن ثم ذاق طعم الإعدام عام 1966، كما ذاقه العاملَين الشابَّين "البقري وخميس"، بعد أنّ حرّض على سحق العمال عام 1952.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



4 أسباب تجعل أفق الحوار مع الإسلاميين مسدوداً

2020-02-17

ليس كلّ الإسلاميين، لكنهم حتماً الإسلاميون التقليديون، الذين نشأوا على أفكار منغلقة وسرديات خاصة، لا تقبل التعادل الموضوعي مع الأفكار الأخرى، عدا عن كونها لا تقبل أن تكون مغلوبة أو خاسرة، وعلى مدار تاريخ الجماعات الإسلامية بقيت تنحو منحى المغالبة لا المشاركة في السياقات الوطنية أو القومية أو العالمية، بمعنى أنّها كانت دائماً تعتمد هذه الإستراتيجية التي تلغي الخيارات وترتهن لخيارٍ واحد لا يقبل النقض أو النقد.

اقرأ أيضاً: الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي
هل أدرك الإسلاميون مثلاً، أنّ عصر الأحزاب والجماعات الدينية الأيديولوجية يذهب باتجاه الانحسار؟ وأنّ المغالبة لم تعد قادرة على الصمود أمام موجات الحرية ودعوات المشاركة والتشاركية داخل الدولة الواحدة أو بين دول متعددة؟
وقد يذهب البعض إلى أبعد من هذا التفكير، إلى حيث سيادة فكر المغالبة داخل الجماعة الدينية نفسها؛ حيث يبدو صوت الحوار خافتاً جداً، والمغالبة بين محور "القيادات العليا" و"القواعد الدنيا" من الأفراد على أشدها، تحت ذرائع شتى، ولافتات وشعارات نمطية؛ مثل الطاعة، والتجرد، الذي يعني في أحد معانيه داخل الجماعة؛ التخفف من عناء الطموح الزائد، غير المرغوب فيه، والذي لا أفق له بالنظر إلى ازدحام الطريق بطموحات قيادات الجماعة.

إفشال تجربة الإخوان في مصر لا يعطيهم الحق في التمترس خلف ترسانة فكر المغالبة ضاربين فكر المشاركة بعرض الحائط

ما هي إذن الأسباب الأربعة التي تجعل أفق الحوار مع الإسلاميين مسدوداً، والتي يمكن أن تضاف لها أسباب أخرى بحسب رؤية باحث ما أو كاتب آخر؟
أولاً: الأفكار المنغلقة؛ تلك التي أخضعت عقول المنتسبين للجماعة إلى منطق واحد، وهو "أنّنا أصحاب الأفكار العليا والسامية، التي تعتبر الجسر الوحيد بين الله تعالى والناس، وبين السماء والأرض، وأنّ الأفكار التي مصدرها السماء لا يمكن السماح بتلويثها بأفكار أخرى تحت ذريعة الحوار"، وكأنّ أحد منظري هذا الفكر يقول؛ "نحن لا نتحاور، نحن فقد نستمع لكم لا أكثر"، هذا تماماً ما يحدث؛ قد يدعون للحوار، لكنهم لا يتقمصونه أو يؤمنون به، بل يستمعون فقط حتّى يدفعوا عن أنفسهم تهمة الرفض والتطرف والانغلاق.

اقرأ أيضاً: آخر حيل "الإسلامويين"!
وأمام كتلة الأفكار المنغلقة، لم يكن هناك مجال للانفتاح على الأفكار الأخرى، فلدى الإسلاميين أوراقهم الخاصة ومؤلفاتهم الخاصة وكتبهم الخاصة، ولا يُعدّ الخروج من دائرة الكتب التي يؤلفها منظرو الجماعة لقواعدهم مقبولاً أو جائزاً أو مسموحاً، وتُعزّز المناهج هذا الأمر؛ حيث إنّ تثبت الأفكار الخاصة القادمة من السرديات التاريخية الخاصة، وفق قراءات وتفسيرات خاصة تنفي أو ترفض دخول أية مؤلفات أخرى للمناهج.
ثانياً: المغالبة؛ لقد كان على الإسلاميين دوماً إثبات أنّهم مع الحرية والتعددية، وفي الطريق إلى ذلك؛ اصطدموا كثيراً بالحواف الحادة للطموحات الخاصة، فلم يملكوا القدرة على تدوير الزوايا الحادة، بل انحصرت قدرتهم دائماً في توظيف رأس زواياهم الحادة في مواجهة الآخر والحوار معه، ولكي تتضح الصورة أكثر، دعونا نسأل؛ كيف يمكن للزاوية الحادة أن تحاور خطاً مستديراً قابلاً للاختراق لسبب متعلق بالقابلية للتفاعل والمشاركة؟

اقرأ أيضاً: من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني
ولا يُمكن لتجارب الحكم الخاصة بالإسلاميين، على ندرتها، - وهذا اعتراف بعدم امتلاكهم تاريخاً في الحكم والسلطة - أن تكون سبباً مقنعاً لاستمرار فكر المغالبة، وإفشال تجربتهم في مصر لا يعطيهم الحق في التمترس خلف ترسانة فكر المغالبة، ضاربين فكر المشاركة بعرض الحائط، وقد يذهب التفكير إلى أبعد من ذلك؛ حيث إنّ قبول الإسلاميين بالمشاركة تعني خيانة فكرهم وسردياتهم الدينية التاريخية، على الأقل، لدى شريحة منهم، قبل أن تكون قناعة لدى خصومهم.
ثالثاً: المثالية ضد الواقعية السياسية؛ وهذا نظير تمسكهم بسيادة أفكارهم وعلوّها، وتصنيفها على أنّها أفكار علوية، فهم مثاليون إلى درجة يمكن لكلمة حوار أن تجرح مثالية وعلوية أفكارهم؛ إذ لا يؤمنون بالواقعية السياسية إلا بقدر ما يمكن أن يخرجهم من دائرة العنف والتطرف، ودائماً ما كانت نظرتهم للمجتمعات على أنّها متخلفة وفيها جاهلية، وطالما استندوا في ذلك إلى مصنفات ومؤلفات تضع المجتمع موضعاً أقل منهم إيماناً وأضعف منهم حجة، وأنّهم وُجِدوا لممارسة دور الهداية على هذا المجتمع، والوسيط بينه وبين الدين، وفي أحسن الأحوال كانت النظرة للمجتمع على أنّ أفراده مساكين يحتاجون دوماً لمن يأخذ بيدهم إلى الطريق الصحيح والأفكار الصحيحة، وقد يكون ذلك حقيقياً، ولكن ما ليس حقيقياً؛ أنّ المجتمع لا يحتاج إلّا لأفكارهم وجهودهم ودعوتهم، ولهذا نشأت الخلافات، ليس مع الخصوم التاريخيين للإسلاميين؛ من العلمانيين والقوميين فقط، بل نشأت خصومات مع تيارات إسلامية دعوية أخرى، ضاقت ذرعاً بمثالية الإخوان المسلمين الزائدة عن الحاجة.

لا يؤمن الإخوان بالواقعية السياسية إلا بالقدر الذي يمكن أن يخرجهم من دائرة العنف والتطرف

رابعاً: الوطنية؛ وذلك مفهوم غريب بالنسبة لهم، فهي ليست سوى مصطلح ضيق، لا ينسجم مع طموحاتهم العابرة للوطنيات والقوميات والأعراق والأجناس، وبما أنّهم يُصدّرون أفكارهم من الإسلام العالمي، فهم عالميون بالضرورة، وليكن ذلك؛ فالطموح إلى هذا الحد ليس عيباً ولا حراماً، لكن المشكلة تكمن في نظرتهم للوطنيات على اعتبار أنّها حالة عابرة، لا يمكن الاتكاء عليها كمنطلقات أو أسس لتأطير مشروعهم العالمي، وعليه فإنّ كل حوار يصدر عن هذا المصطلح أو من أجله أو اقتضاءً لمصلحته، لا يعول عليه إلا بقدر ما يمنحهم الصيغة الرسمية للعمل والنشاط.
وما يبرهن على انسداد أفق الحوار مع الإسلاميين دائماً، هو هذا التناول الكثيف للحوار بين الإسلاميين والعلمانيين على مدار عقود طويلة، على سبيل المثال، دون الوصول إلى صيغة مشتركة وأرض صلبة يقف عليها الجميع لبناء حوار حقيقي وناجز، فقد كتب الإسلاميون وكتب العلمانيون وكتب كذلك وسطاء بين التيارين حول ذلك، دون رصد أية بوادر إيجابية أو حالة حوار ناضجة يمكن الاتكاء عليها لتقرير أنّ حالة الحوار صحية وليست حرجة.
وأخيراً؛ لا يعني كل ما سبق أنّ انغلاق أفق الحوار مع الإسلاميين يعود لأسباب متعلقة بهم وحدهم، فثمة أيضاً قراءة في أسباب مشتركة وأسباب خارج دائرة الإسلاميين، لكنّ الرؤية الغالبة، هي تلك التي تقترب أكثر من الأسباب المتعلقة بوعي وأفكار وطموحات الإسلاميين القائمة على نفي الآخر أو إلغائه أو عزله أو تحييده.

للمشاركة:

هل سيعزز فوز المتشددين في الانتخابات الإيرانية احتمالات الصفقة مع أمريكا؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-17

من المقرر أن تفتح صناديق الاقتراع في المحافظات والمدن الإيرانية صباح يوم الجمعة المقبل أبوابها أمام حوالي 58 مليون إيراني ممن يحق لهم التصويت لاختيار ممثيلهم في البرلمان الإيراني الجديد "مجلس الشورى الإسلامي" الذي يضم في عضويته 290 نائباً يمثلون المحافظات الإيرانية، وبالتزامن ستجري انتخابات "مجلس خبراء القيادة" الذي يتولى الإشراف على تعيين القائد وعزله.

تبدو نتائج هذه الانتخابات غير مهمة في ظل قدرة البرلمان المحدودة أصلاً على التغيير

من المعروف أنّ النظام الإيراني قائم على ازدواجية مؤسسات الدولة بين الجمهورية ومؤسساتها والمرشد والمؤسسات الموازية التابعة له، التي تجعل من رئاسة الجمهورية، وحتى البرلمان، مجرد مؤسسات شكلية لا قيمة حقيقية لها ولا دور في صناعة القرار وإدارة الدولة، إلا بحدود اقترابها وابتعادها عن الخط العام للمرشد الأعلى ومؤسساته، وهو ما ثبت في محطات عديدة أبرزها مؤسسة الحرس الثوري الإيراني المعزولة تماماً عن رئاسة الجمهورية بحكم ارتباطها مع المرشد الأعلى، بالإضافة إلى العديد من المؤسسات الموازية التابعة للمرشد والمعزولة تماماً عن رئاسة الجمهورية، إلا في حدود المصادقة على ميزانياتها، وتقديم الدعم لها، دون أدنى اطلاع على مشاريعها ومخططاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن الصلح مع قطر وإيران؟
من هنا، تبدو نتائج هذه الانتخابات غير مهمة، في ظل قدرة البرلمان المحدودة أصلاً على التغيير، واقتصار مهمامه على المصادقة على القوانين الحكومية وعزل رئيس الجمهورية، فيما لا تطال تشريعات البرلمان صلاحيات المرشد الأعلى.
تشير المعطيات إلى أنّ انتخابات يوم الجمعة المقبل قد تم حسمها قبل إجرائها، من قبل تيار المرشد الأعلى، برفض قبول ترشيح أكثر من سبعة آلاف مرشح يتبعون التيار الإصلاحي، بحجة عدم انطباق شروط الترشح عليهم، وهو ما أثار احتجاجات من قبل رئيس الجمهورية، الذي يبدو أنّ فرص مرشّحيه من الإصلاحيين بالفوز تضيق أكثر لصالح المتشددين وأنّه بطريق فقدانه لأغلبيّته في البرلمان، من خلال سيطرة المتشددين عليه، واحتمالات تولّي محمد باقر قاليباف، أحد أبرز المقربين للحرس الثوري والذي اعتاد توجيه انتقادات حادة للرئيس حسن روحاني، رئاسة البرلمان.

اقرأ أيضاً: إيران و"تصدير الثورة"... أي مفهوم "ثوري"؟
وفيما يبدو أنّه يعكس مخاوف التيارين؛ الإصلاحي والمتشدد، من احتمال انخفاض نسب التصويت من قبل الكتلة الناخبة، وجّه كلٌّ من: المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية دعوات منفصلة للناخبين للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وكان لافتاً أن يقول المرشد الأعلى "حتى إن لم أعجبكم أنا، فشاركوا في الانتخابات من منطلق الحرص على إيران على الأقل"، فيما قال الرئيس روحاني "انتقدوا، لكن لا ينتابكم الانفعال، ولا يكون خصام بينكم وبين صنادق الاقتراع".
ويبدو أنّ تلك الدعوات تعكس إدراكاً لمزاج ومواقف الناخب الإيراني، الذي رفع شعارات؛ "الموت للشيطان، الموت لروحاني" منذ الانتفاضة التي شهدتها إيران في أواخر عام 2017، على خلفية الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، ويبدو أنّ ما أعقب تلك الانتفاضة من انتفاضات لاحقة تجددت في العامين التاليين، وما تخللها من عنف مفرط من قبل الأجهزة الحكومية والأجهزة التابعة للمرشد، وعلى رأسها الحرس الثوري، ستسهم في خفض نسب المقترعين، وهو ما سيصب في صالح التيار المتشدد.

اقرأ أيضاً: موقع "الخلافة الإسلامية" بين مشاريع إيران وتركيا وداعش
الانتخابات الإيرانية الجديدة تجري في سياقات محددين وهما: العقوبات الأمريكية المتصاعدة ضد القيادة الإيرانية، وانعكاساتها على المواطنين الإيرانيين، في ظل عدم قدرة التيارين؛ المتشدد والاصلاحي، على تقديم حلول مقبولة للشارع، ومواجهة تداعيات تلك العقوبات، باستثناء إجراءات بزيادات على الضرائب والأسعار ونمو وتوسع السوق السوداء، بالتزامن مع ضيق مساحات الأمل باحتمالات حدوث انفراجات قريبة، رغم خسارات القيادة الإيرانية لكثير من أوراقها الإقليمية، بعد الاحتجاجات على دورها في العراق وفي لبنان، وتراجع حضورها العسكري في سوريا، واحتمالات إنهاء هذا الدور.

تشير المعطيات إلى أنّ انتخابات يوم الجمعة المقبل تم حسمها قبل إجرائها من قبل تيار المرشد الأعلى

المتغير الأبرز بعد هذه الانتخابات سيكون في سياقات إيران تغيب في عناوينها الكبرى ثنائية أنّ هناك تيارين؛ إصلاحي ومتشدد، وأنّه يمكن أن تكون هناك تفاهمات مع تيار في إيران "الإصلاحي"، حيث سيقود التيار المتشدد إيران الجديدة، مما سيجعله بمواجهة مباشرة مع مجاميع الشارع الإيراني من جهة ومع العالم الخارجي، وتحديداً مستقبل التصعيد مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، هذا التصعيد الذي يتوقع أن يزداد مع احتمالات أن يستمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في فترة رئاسية ثانية، وهو ما يعني فشل الرهانات الإيرانية التي بنيت على أساس اللعب على عامل الوقت وامتصاص اندفاعات ترامب لحين إجراء الانتخابات الأمريكية الجديدة.
ورغم ذلك، فإنّه واستناداً لمقولات إنّ السلام والصفقات لم تكن إلا بين التيارات الأقوى في الدول، فإنّه لا يمكن تغييب احتمالات صفقة ايرانية- أمريكية في المدى المنظور، قد ترى النور مع بداية تسلّم ترامب لولايته الثانية في حال فوزه بالانتخابات التي ستجري نهاية العام الجاري، وستعزز مؤشرات تلك الصفقة التي بدأت، بعد تغييب قاسم سليماني عن المشهد الإيراني، مع ازدياد احتمالات فوز ترامب، وهو ما يدعو خصوم إيران وحلفاءها على السواء في الإقليم إلى الاستعداد لمفاجآت إيرانية بعد انتخاباتها المقبلة.

للمشاركة:

هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2020-02-16

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ السياسة تختطف الدين، وضرب مثلاً بالحروب الصليبية من ناحية، وبالتوظيف الصهيوني للتوراة في قيام "دولة اسرائيل"، ولكن الإمام لم يتطرق إلى هذا الأمر عبر تاريخ الإسلام بمباركة الفقهاء ومؤازرتهم، والسؤال: ألم يمارس الإمام -وهو صاحب سلطة روحية- السياسة؟ ألم يمارس أصحاب السلطة الروحية بالأزهر السياسة عبر تاريخهم؟ وكيف اختطفت السياسة الدين عبر التاريخ الحضاري للإسلام؟

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
في البدء نقول إنّ فضيلة الإمام منذ أن جاء إلى مشيخة الأزهر في العام 2010 لم يقف دوره على حدود سلطته الروحية، بل وقبل ذلك وأثناء تولّيه رئاسة جامعة الأزهر في العام 2006 وقف بحزم ضد طلاب الإخوان حين قاموا بعمل عرض عسكري في المدينة الجامعية رافضاً اختطاف الجماعة للجامعة، وتصدى لتوغل السلفيين داخل الأزهر، وكان الشيخ الطيب عضواً في لجنة السياسات في الحزب الوطني -وهو رئيس جامعة الأزهر- بما يعني مباركته للسلطة الزمنية في تلك الفترة، واستقال منها فور تولّيه مشيخة الأزهر.

قال فضيلة الإمام إنّ السياسة تختطف الدين، فماذا فعل الأزهر تجاه بعض رموزه حين نادوا بفصلهما؟

وبعد مرور عقد كامل على تولّيه مشيخة الأزهر، كان للإمام فيه دور مركزي في الأحداث التي عصفت بمصر منذ كانون الثاني (يناير) 2011، تعرض الشيخ لضغوط جعلته يقدم استقالته للمشير طنطاوي في شباط (فبراير) 2011 الذي رفضها بدوره مؤكداً له أنّ البلاد تمرّ بمرحلة صعبة.
ويقول الأستاذ حلمي النمنم في كتابه (الأزهر: الشيخ والمشيخة) إنّ التيارات العلمانية والليبرالية قد رَجَته التدخل في الجدل الدائر ليوقف جموح السلفيين، واتجه الجميع إلى الأزهر ابتداء من محمد بديع مرشد الإخوان حتى نجيب ساويرس رئيس حزب المصريين الأحرار، واجتمعت التيارات السياسية بالأزهر، والتي انتهت بإعلان شيخ الأزهر (وثيقة الأزهر) في حزيران (يونيو) 2011، وقد تخوّف بعض المثقفين من الدور السياسي الذي يلعبه الأزهر، وأنّ المؤسسات الدينية لا شأن لها بالسياسة، وأنّ الدور السياسي للأزهر يفتح الباب أمام قيام دولة دينية.
وخلال تولّي الإخوان حكم مصر كان الشيخ هو الشوكة التي تقف في حلق الإخوان ضد رغبتهم في اختطاف الأزهر والسيطرة عليه، وحين ثار الشعب على حكم الإخوان في 30 حزيران (يونيو) 2013، خرج الإمام ليطلب من سلطة الإخوان ضرورة إجراء انتخابات مبكرة درءاً للضرر، وحقناً للصراع الدائر.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
ولما لبي وزير الدفاع، آنذاك، عبد الفتاح السيسي رغبة الجماهير في بيان 3 تموز (يوليو) 2013، كان الإمام والبابا تواضرس في خلفية إلقاء وزير الدفاع للبيان، بما يعني مؤازرة السلطة الروحية لدى المسلمين والمسيحيين لقرار وزير الدفاع، نزولاً على رغبة حشود الشعب المصري التي نزلت تطالب بخلع الإخوان من السلطة، وقد أحبّه المصريون، وقدّروا دوره التاريخي الذي زاده مهابة في عيونهم في فترة عصيبة من تاريخ مصر المعاصر.

لعب الأزهر دور سياسياً مهماً خاصة في تاريخ مصر الحديث وهو تاريخ معادل للدور الروحي والديني له

لم يكن موقف الإمام منفصلاً عن الدور السياسي للأزهر عبر تاريخه الحديث، وخاصة في لحظات الخطر التي مرت بها مصر؛ فسيظل التاريخ يذكر للأزهر الدور التاريخي الذي قام به شيخه عبد الله الشرقاوي وعلماء الأزهر وطلابه في مواجهة الحملة الفرنسية علي مصر، حيث قتل ثلاثة عشر عالماً من علماء الأزهر والمئات من طلابه في مواجهة الفرنسيين، ويوثق عبدالعزيز الشناوي في كتابه (تاريخ الجامع الأزهر) هذا الدور الوطني، وبعد ذلك دورهم التاريخي في تنصيب محمد علي حكم مصر العام 1805.
ووقف علماء الأزهر بجانب ثورة عرابي على الخديوي توفيق، وساندوه ضد الإنجليز وكان من نتائج ذلك نفي الإمام محمد عبده إلى بيروت العام 1882، كما خرج علماء الأزهر وطلابه مشاركين جموع المصريين في ثورة 1919، فيحق لنا أن نكتب عن أهمية الدور السياسي الذي لعبه الأزهر خاصة في تاريخ مصر الحديث، وهو تاريخ معادل للدور الروحي والديني له.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ورداً على حديث الإمام عن اختطاف السياسة للدين، نقول له لقد تعلمنا أنّ الإسلام عقيدة وسياسة، وأنّ الإسلام دين لتدبير الجماعة، وليس مجرد دين للحياة الروحية الفردية، ولذا حق لنا أن نتحدث عن اختطاف السياسة للدين عبر تاريخه، فمنذ الصراع السياسي بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، في (الفتنة الكبرى) على السلطة، وُظّف الدين بين المتصارعين، واختطف كل فريق من المتنازعين الإسلام كدين كل برؤيته الخاصة فتفرق المسلمون فرقاً ومذاهب سياسية، ولكنها اصطبغت بالصبغة الدينية لتكسي وجودها قداسة خاصة.

كان لتوحد السلطة الدينية والزمنية آثار وخيمة من العنف والدماء عبر تاريخ الدولة الإسلامية

وحين تولي الأمويون مقاليد الحكم، وظّفوا الديني لاستمرار الحكم في نسل بني أمية، فكان معاوية يقول "لقد جئنا بقضاء الله وقدره، ولو رأى الله أننا لسنا أهلاً له ما ولّانا إياه"، وحين تحدث عن خلافة يزيد ابنه له كان يقول للمسلمين "إن أمر يزيد من قدر من الله"، فوظفت السياسة عقائد المسلمين في الإيمان بالقدر لتبرير مشروعية وجودها، وتبرير استمرار الخلافة في نسل بني أمية.
وأما عن استخدام الأمويين للسيف والعنف فهو تاريخ أسود في قتل حفيد الرسول الحسين بن علي، رضي الله عنهما، وفصل رأسه عن جسده، وقتل معظم نسل علي بن أبى طالب، رضي الله عنه، وقتل عبدالله بن الزبير، رضي الله عنه، وهُدمت الكعبة على يد الحجاج بن يوسف، وأخطر ما فعلته الدولة الأموية هو قتل المعارضين السياسيين لها من أتباع القدرية والجهمية الأوائل، من أمثال سعيد بن جبير، وغيلان الدمشقي، وعمر المقصوص، وجعد بن درهم، ولم تقل السلطة السياسية أنهم كانوا معارضين سياسيين لها، بل أفتى لهم فقهاء العصر بأنّ هؤلاء كَفَرة لأنهم يقولون بخلق القرآن الكريم، فحين خرج خالد بن عبد الله القسري على المنبر يوم عيد الأضحى قال للناس ضحّوا فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم الذي زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً وقتله، فكانت السياسة تقتل المعارضين بفتوى الفقهاء ورجال الدين، وكانت السياسة تحتمي بهم.

اقرأ أيضاً: هل أفرغ الفقهاء الشعائر الدينية من بعدها الروحي والاجتماعي؟
وحين سقطت الدولة الأموية على يد العباسيين كانوا يقتلون الأمويين ويُمثلون بجثثهم، وينبشون قبورهم، ومتى استقر الأمر للعباسيين تم اعتماد نمط خلافة جديد، وهو أنّ الخليفة ظلّ الله في الأرض، ودونت كتب الفقه السياسي في الإسلام أنّ "الإمامة هي خلافة رسول الله في سياسة الدنيا وحراسة الدين"، ليصبح لدينا خليفة للمسلمين في يده السلطتان؛ السياسية والروحية، فهو الواسطة بين السماء والأرض، وأضفى الفقهاء على السلطان خصائص السمات الإلهية، ليسود الحكم الثيوقراطي المستبد الذي لا يقبل المعارضة، واعتمد الفقهاء على الموروث الثقافي الفارسي في صياغته، ونَظروا لنمط الحكم الاستبدادي، وصوّروا الخليفة على أنّه من طينة غير طينة البشر، فحين كانت السياسة تختطف الدين لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وبشرائح من علماء الدين، فلم يكن ثمة انفصال بين إرادة السلطة الزمنية ومساندة السلطة الروحية في ترسيخ الاستبداد والعنف في تاريخ الإسلام.
واضطهدت السياسة العلماء والفلاسفة والمتصوفة وبعض المتكلمين وقتلت ابن المقفع والحلاج والسهروردي، وغيرهم وأحرقت كتب ابن رشد لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وفتاواهم ضد هؤلاء الذين رأى الفقهاء أنّهم يهددون سلطتهم في المجتمع.

حين كانت السياسة تختطف الدين لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وبشرائح من علماء الدين

ومن أبرز الوقائع شديدة الدلالة على اتحاد السلطة الزمنية بالسلطة الروحية في الإسلام ما يرويه عبد العزيز الشناوي في كتابه الذي ذكرناه، إذ يقول: في عام 1788 تمرد بعض المماليك بقيادة إبراهيم باشا ومراد باشا، فدعا عابدي باشا الوالي العثماني شيخ الأزهر الشيخ العروسي أن يصدر فتوى من علماء الأزهر تجيز قتل هؤلاء المماليك، فعُقد مجلس علماء الأزهر برئاسة الشيخ العروسي، وأصدروا الفتوى بأنه يجوز قتلهم ويجب على كل مسلم المساعدة"!
وختاماً نقول لفضيلة الإمام وأنت تقول إنّ السياسة تختطف الدين، فماذا فعل الأزهر في بعض رموزه حين نادوا بفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية؟ ألم تجتمع هيئة كبار العلماء برئاسة شيخ الأزهر لكي تخرج الشيخ علي عبدالرازق من زمرة العلماء، وماذا فعلتم مع خالد محمد خالد حين كتب (من هنا نبدأ) فتصدى بالرد عليه الشيخ محمد الغزالي الذي أفتى بِردّة فرج فودة عن الإسلام مما أحل دمه وقتله على يد أحد المتطرفين.
ومن ثم فحين يقول فضيلة الإمام إنّ السياسة اختطفت الدين نقول له علينا أن نرجع لتاريخ الإسلام حتى نرى كيف ساعد الفقهاء ورجال الدين على هذا الفعل، وكيف كان في توحد السلطة الدينية والزمنية آثار وخيمة من العنف والدماء عبر تاريخ الدولة الإسلامية.

للمشاركة:



سعيّد يلوّح بحلّ مجلس النواب.. ما هو موقف حركة النهضة الإسلامية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

لوّح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بحلّ البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة إذا انتهت مهلة الحكومة، بعد محاولة حركة النهضة الإسلامية عرقلة تشكيلها مرات عديدة.

ونقلت وكالة الأنباء التونسية الرسمية عن سعيّد قوله، لدى استقباله في قصر قرطاج، رئيس البرلمان (رئيس حركة النهضة)، راشد الغنوشي، ويوسف الشاهد، رئيس حكومة تصريف الأعمال: إنّه "لا سبيل للخروج من أزمة تشكيل الحكومة إلا بالاحتكام إلى الدستور وحده، وليس للتأويلات التي ترد علينا ممن فتحوا دور إفتاء".

وخلال اللقاء؛ أكّد سعيّد أنّ "الفصل 89 من الدستور ينصّ على أنّه إذا مرّت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحقّ في حلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه 45 يوماً، وأقصاه 90 يوماً"، ورأى أنّه "يجب تطبيق نصّ الدستور في هذا الشأن".

سعيد: لا سبيل للخروج من أزمة تشكيل الحكومة إلا بالاحتكام إلى الدستور وحده وحلّ البرلمان

وقال الرئيس التونسي: "الفتاوى الدستورية بشأن الخروج من مأزق تشكيل الحكومة ليست بريئة، وليست مؤسسة على أسس علمية".

وشدّد على أنّه "إذا لم تحصل الحكومة التي سيتم تقديمها إلى البرلمان على الثقة، فسيتمّ اللجوء إلى الشعب، فهو صاحب السيادة يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء، وله الكلمة الفصل"، مؤكداً ضرورة أن يتحمّل الجميع مسؤوليته التاريخية.

ومنذ تكليف سعيد لإلياس الفخفاخ بمهمة تأليف الحكومة، قبل نحو 3 أسابيع، فإنّ الأخير يواجه صعوبات، تزامناً مع حجج واهية يطرحها حزب النهضة الإسلامي الذي يسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من المكتسبات، التي تحصّنه من المسائلة القانونية بما يتعلق بانتهاكاته، هو وتنظيمه السرّي، وجرائمهم في تونس.

 

 

للمشاركة:

هل يوقف التدخّل الأوروبي تدفق الأسلحة التركية والمرتزقة إلى ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

اتفقت دول الاتحاد الأوروبي، أمس، على بدء مهمة بحرية وجوية جديدة في شرق البحر المتوسط، لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا، وذلك بعد تخلي النمسا عن اعتراضاتها.

وقال وزير الشؤون الخارجية الإيطالي، لويغي دي مايو، للصحفيين عقب اجتماع في بروكسل: "اتفقنا جميعاً على بدء مهمة تمنع تدفق السلاح إلى ليبيا"، مشيراً إلى حظر فرضته الأمم المتحدة، عام 2011، على إرسال أسلحة لليبيا، لكنّه الآن يواجه عدم التزام بشكل كبير، وفق "فرانس برس".

وقال دبلوماسيون: إنّ سفن الاتحاد الأوروبي ستفتش السفن المريبة في شرق البحر المتوسط، حيث تحدث معظم حالات تهريب السلاح، بعيداً عن طرق الهجرة وذلك كحلّ وسط لتهدئة مخاوف النمسا من أن تؤدي أيّة مهمة بحرية إلى وصول المزيد من المهاجرين إلى أوروبا.

الاتحاد الأوروبي يوافق على إرسال دوريات بحرية وجوية لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا

وعبّر بوريل عن أمله في إمكانية بدء عملية الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية آذار (مارس) المقبل، وفي البداية ستجري هذه العملية في المياه الدولية، لا المياه الليبية، موضحاً أنّه لا يمكن توقع قيام الاتحاد الأوروبي بدوريات على الحدود البرية بين مصر وليبيا.

وقال متحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك، الذي يتزعمه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان: إنّ الأمم المتحدة، وليس الاتحاد الأوروبي، هي التي يجب أن تشرف على حظر إرسال أسلحة إلى ليبيا.

وقال جليك، خلال مؤتمر صحفي: "نعتقد أنّ إشراف الاتحاد الأوروبي على حظر السلاح لليبيا لن يحقق نتائج واقعية؛ لأنّ بعض الدول في الاتحاد الأوروبي تدعم حفتر بشكل مباشر وترسل أسلحة إليه".

وأضاف: "تركيا ترى أنّ آلية الأمم المتحدة هي أفضل آلية هنا، بالطبع يجب إعطاء أولوية لتنفيذ وقف إطلاق النار".

وكان من بين الحلول الوسط؛ استخدام الطائرات بدلاً من السفن لمراقبة مهربي السلاح، لكنّ وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، حثّ الاتحاد الأوروبي على الموافقة على القيام بمهمة بحرية، لأنّ "الطلعات الجوية لن تكون كافية".

هذا وقد حذّر مسؤول كبير بالأمم المتحدة، الأحد، من أنّ حظر السلاح ليس له معنى لأنّ لا أحد يلتزم به.

من جهته، قال وزير الخارجية النمساوي؛ إنّ بلاده تخلت عن رفضها لأنّ المهمة الجديدة عسكرية تماماً، وليست إنسانية، ولكن بموجب القانون الدولي سيتعين على سفن الاتحاد الأوروبي إنقاذ من يواجهون صعوبات في أعالي البحار.

وانتقلت تركيا من التسليح السرّي لحكومة الوفاق، التي تعدّها قيادة الجيش الوطني الليبي واجهة لحكم الإخوان، إلى التسليح العلني بطائرات مسيرة وبأسلحة ثقيلة وبالذخيرة وبعربات عسكرية مصفحة وبمرتزقة سوريين، ومع ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الانتهاكات واكتفى ببيانات تجاهلها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

 

 

للمشاركة:

البعث الأممية تطالب بحماية المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

دانت بعثة الأمم المتحدة في العراق، اليوم، عمليات استهداف المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، خلال الأيام الثلاثة الماضية، داعية إلى وقف العنف وحماية المتظاهرين.

وقالت ممثلة الأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، في بيان: "البعثة تتلقى معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني، في بغداد، مساء 14 و15 و16 شباط (فبراير)"، وفق ما أوردت وكالات أنباء عالمية وعربية.

وأضافت: استهداف المتظاهرين أدّى إلى إصابة 50 شخصاً، على الأقل، كما أصيب عدد من أفراد الأمن، مشيرة إلى أنّ معلومات وردت من كربلاء حول إصابة أكثر من 150 محتجاً، في كانون الثاني (يناير) الماضي.

البعثة تلقت معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني

وطالبت السلطات العراقية بـ "منع استخدام القوة ومحاسبة المسؤولين عن إساءة استخدام القوة"، معتبرة أنّ ذلك مصدر قلق أمني خطير يجب التعامل معه بشكل عاجل وحاسم.

وأتت هذه التصريحات تزامناً مع مهاجمة عناصر "القبعات الزرقاء"، وهم أنصار للتيار الصدري، بداية الشهر الجاري، المعتصمين داخل خيامهم قرب ساحة التحرير وسط بغداد، ما أدّى إلى إصابة عدد من الجرحى.

فيما ما يزال المتظاهرون العراقيون، حتى اليوم، مصممين على مطالبهم، رغم مرور أكثر من 4 أشهر على "انتفاضتهم"، وعلى رأسها تكليف شخصية مستقلة من أجل تشكيل الحكومة، وإنهاء النفوذ الإيراني، وبالتالي رفضهم مساعي رئيس الوزراء المكلَّف، محمد علاوي.

يشار إلى أنّه منذ بداية التظاهرات قتل نحو 550 شخصاً، غالبيتهم العظمى من المتظاهرين الشبان، بينما أصيب حوالي 3 آلاف بجروح.

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية