سيرة سلفي مستنير وعالم مجدّد

سيرة سلفي مستنير وعالم مجدّد

مشاهدة

09/03/2020

البحث في حياة شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، ومساره الفكري والدعوي والسياسي، واستعادة أفكاره السلفية المستنيرة ومواقفه الوطنية، مفتاح مهمّ لفهم العلاقة الجدلية التي جمعت السلفية التحديثية بالوطنية المغربية؛ نظراً إلى القيمة التاريخية والفكرية لهذه الشخصية المغربية، وإسهامها البارز في تحول الدعوة السلفية بالمغرب إلى حركة وطنية تدعو إلى التحديث والتحرر.

شكّل محمد بن العربي العلوي أنموذجاً متميزاً لعالم بصم عصره وأثّر فيه بأفكاره ومواقفه، وساهم في نشر سلفية مستنيرة

فمنذ زمن مبكر وعت الحركة الوطنية المغربية أنّ نضالها من أجل التحرير السياسي الوطني ضدّ الاستعمار الأجنبي ينبغي أن يكون بشكلٍ متوازٍ مع النضال من أجل التحرير الثقافي والاجتماعي، والتحرر من الجمود الفكري والديني؛ لذلك فإنّ تميّز تجربة الحركة الوطنية المغربية بالربط بين "الوطنية" من جهة و"السلفية" من جهة أخرى، وظهور ما سمّي فيما بعد "السلفية الوطنية الجديدة" لم يكن ليتم لولا وجود عالم سلفي وطني بقيمة شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، الذي عدّه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، في كتابه "المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية... الحداثة والتنمية"؛ الرجل الذي تحوّلت السلفية في المغرب على يديه من سلفية وهابية الطابع إلى سلفية وطنية مناضلة، كونت الجيل الأول من الحركة الوطنية المغربية، وقدّمت لهم الأساس الفكري لتطلعاتهم النهضوية التحديثية ومواقفهم السياسية النضالية؛ فمن هو محمد بن العربي العلوي إذاً؟ وما هي روافد تكوينه الديني السلفي؟ وما هي أهم المناصب والوظائف العلمية والمخزنية التي تقلدها؟ وما هي أبرز أفكاره المتنورة ومواقفه الإصلاحية؟
1. نشأته وروافد تكوينه الديني السلفي:
ولد شيخ الإسلام (لقِّب للمرة الأولى بهذا اللقب عام 1962) محمد بن العربي العلوي، عام 1880، بالقصر الجديد بمدغرة (الراشيدية)، وتوفَّى يوم 4 حزيران (يونيو) 1964، وهو من أسرة متدينة شريفة النسب وشغوفة بالعلم، وحريصة على تعليم أبنائها أسس التعليم الديني؛ فقد بدأ مساره العلمي بحفظ القرآن الكريم ثم تلقى المبادئ الأولية في العلوم الشرعية، من تجويد وتفسير وفقه وحديث، وبعد ذلك التحق بجامعة القرويين بفاس، عام 1898، ودرس بها على يد أبرز علمائها، خاصة أبي العباس أحمد بن الخياط الزكاري، وأحمد بن الجيلالي المغاري، وأبي شعيب الدكالي، وغيرهم، إلى أن حصل على الإجازة.

اقرأ أيضاً: هل عمل العقل السلفي على قمع الترجمة؟
تميّز التكوين الديني لمحمد بن العربي العلوي بانفتاحه على كلّ المشارب الفكرية، فقد نهل بداية من الفكر الصوفي التيجاني؛ حيث كان من أتباع الزاوية التيجانية، ثم انتقل إلى الفكر السلفي التقليدي والسلفي الجديد من خلال الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها شيخه أبي شعيب الدكالي في رحاب جامعة القرويين، والذي كان يعدّ آنذاك أبرز عالم سلفي وداعية وطني، وله الفضل الكبير في تكوين محمد بن العربي العلوي، وتوجيهه إلى قراءة الأدبيات السلفية لرواد الفكر السلفي القدامى والمحدّثين: ابن تيمية، وابن القيم الجوزية، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده (الذي تعرَّف إليه للمرة الأولى عند قراءته كتاب "النظرات"، للكاتب والأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي)، إضافة إلى اطّلاعه المتواصل على المجلات القادمة من المشرق العربي، وفي طليعتها مجلتَي "المنار" و"العروة الوثقى"، ومجلة "الشهاب" القادمة من الجزائر.   

اقرأ أيضاً: هل تراجع الحويني والسلفيون عن فساد المنهج؟
هذه الروافد المتعددة للتكوين الديني لمحمد بن العربي العلوي لعبت دوراً مهماً في الانتقالات الفكرية التي عرفها المسار الفكري لهذا الرجل طيلة حياته، والمراجعات النقدية التي مارسها ذاتياً على أفكاره ومعتقداته، وانخراطه في الدعوة إلى الفكر السلفي الإصلاحي التنويري القائم على استعادة نموذج السلف الصالح، ومحاربة مظاهر الانحراف الديني عند الزوايا والطرق الصوفية، ومواجهة مظاهر الاستلاب الفكري التي مارسها المستعمر الفرنسي بالمغرب، والانفتاح على مستجدات العصر والأخذ بكلّ الوسائل المتاحة للنهوض بالمجتمع المغربي، وإصلاحه من مظاهر التخلف الاجتماعي والفكري والتحرر من ربقة الاستعمار؛ لذلك ظلت الحركة الوطنية المغربية تعمل وباستمرار على تأكيد مكانة محمد بن العربي العلوي، كرمز سلفي وطني شكلت أفكاره السلفية المستنيرة الإطار المرجعي الفكري للرعيل الأول المؤسس للحركة الوطنية المغربية الذي تتلمذ على يديه، وحضر دروسه ونهل من علمه، وهو ما دفع العلامة المغربي، المختار السوسي، إلى نعته بـ "موقظ الهمم".

اقرأ أيضاً: هل جنت السلفية المدخلية والجهادية على السنّة؟
2. المناصب والوظائف العلمية والمخزنية التي تقلدها:
خلال مسيرة حياته العلمية والوظيفية تقلد شيخ الإسلام، محمد بن العربي العلوي، عدداً من المناصب والوظائف في سلك العدلية والقضاء الشرعي والتعليم والوزارة؛ فقد كانت أول وظيفة أسندت إليه؛ تعيينه عدلاً بأحباس فاس الجديد، ثم عُين، عام 1912، أستاذاً بجامعة القرويين قبل أن يصبح لاحقاً رئيساً لمجلسها الأعلى، ودرس في الوقت نفسه في الثانوية الإدريسية العصرية بفاس وبالمدرسة الناصرية، وبعد إبرام عقد الحماية الفرنسية، عام 1912، وتنازل السلطان مولاي حفيظ عن العرش واستقراره بطنجة، انتقل محمد بن العربي العلوي إلى طنجة ليعمل أستاذاً لأبناء السلطان، وما لبث أن عاد إلى فاس ليُعين قاضياً بفاس الجديد والأحواز عام 1915.

اقرأ أيضاً: السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ
وإثر وفاة السلطان مولاي يوسف؛ عُين بصفته قاضياً ومدرّساً في جامعة القرويين من بين أعضاء المجلس الذي جمعته الإقامة العامة الفرنسية لمبايعة الأمير محمد بن يوسف سلطاناً على المغرب (الملك محمد الخامس لاحقاً)، وبأمر من السلطان الجديد انتقل شيخ الإسلام إلى مدينة الرباط ليتولى إدارة مدرسة الأميرة لالة عائشة، وعام 1928 تولى رئاسة مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى، وبقي في هذا المنصب إلى أن اختير وزيراً للعدل، عام 1938، وهو المنصب الذي سيقدم استقالته منه عام 1944، احتجاجاً على ردود أفعال الإقامة العامة الفرنسية الرافضة للمطالب العادلة للمغاربة من أجل الحرية والاستقلال غداة تقديم الحركة الوطنية لوثيقة المطالبة بالاستقلال، في 11 تشرين الأول (يناير) 1944.

اقرأ أيضاً: "سلفيو كوستا" أين ذهبوا؟
وعام 1946، بعد عودته من منطقة مدغرة التي نُفي إليها عقاباً له على موقفه الوطني وتقديم استقالته، سيعود شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي إلى التدريس بجامعة القرويين، ليستمر في أداء دوره العلمي التوعوي الوطني من خلال المحاضرات والدروس إلى أن حصل المغرب على استقلاله، عام 1956، حيث سيوليه الملك محمد الخامس القضاء بدائرة الريش، ومنها انتقل إلى تازة، ثم الرباط، فالدار البيضاء، إلى أن عين وزيراً مستشاراً بمجلس التاج، وظلّ في منصبه إلى حدود عام 1960؛ حيث سيقدم استقالته احتجاجاً على الاعتقالات التي تعرض لها قادة المقاومة وجيش التحرير، في شباط (فبراير) 1960، فيما سمِّيت آنذاك "مؤامرة اغتيال ولي العهد".
3. أفكاره المتنورة ومواقفه الإصلاحية:
عند الاطلاع على سيرة حياة شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي؛ تظهر صعوبة الإحاطة بمساره الفكري، ورصد ملامح خطابه السلفي الإصلاحي ، وتوجهاته السلفية المستنيرة، نظراً إلى أنّه كان قليل الكتابة نادر التأليف إلا ما كان من بعض التعليقات والتقاريظ على كتابة من جايلوه من العلماء والكتّاب؛ فقد ترك شيخ الإسلام آثاره عن طريق المشافهة، والتأثير المباشر في تلامذته، ولا يمكن للباحث تتبع توجهاته الفكرية السلفية إلا من خلال الروايات الشفوية لمعاصريه؛ لأنّه كان أميل إلى العمل الحركي الدعوي والخطاب الشفوي، لذلك لم يترك لنا كتابات ومؤلفات تسهل من مهمة دراسة أفكاره التنويرية ومواقفه الوطنية، لكن رغم هذه الصعوبات يمكن تتبع الفكر الإصلاحي المتنور لشيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي عبر مستويَين محددَين:
أولاً: أفكاره المستنيرة، وثانياً: الممارسة والمواقف.
أ‌. الأفكار المستنيرة:
يمكن حصر أهم أفكار شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي في اجتهاداته الآتية:
• توضيح الإسلام الصحيح واستخلاصه من البدع والخرافات التي ألصقت به.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
• التنديد بالطرق الصوفية وفكرها الغيبي وممارساتها، ومواجهة الفكر الغيبي من سحر وشعوذة؛ حيث ربط بين الطرقية والاستعمار، ورأى أنّ الطرقية هي علة التخلف الديني، وهذا الأخير هو علة وجود الاستعمار، وبعملية الربط هذه أسس الإطار المرجعي لأغلبية الجيل الثاني للوطنية المغربية مع نهاية العشرينيات وخلال الثلاثينيات.
• تجاوز كتب الفروع إلى كتب الأصول في التدريس.
• التعريف بالثقافة العربية الإسلامية، وإبراز قدرتها على مواكبة العصر.
• الدعوة إلى الرجوع إلى المقومات الدينية مع التفتح على العصر، ومواكبته بالتعرّف والاحتكاك بثقافات أخرى.
• إصلاح مناهج التدريس بجامعة القرويين عن طريق تطوير العلوم التقليدية، وإدخال العلوم الحديثة وتعلم اللغات الأجنبية.

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟
• الموقف من المرأة: دعا إلى تعليم المرأة وإدخالها إلى المدارس الحرة، وخروجها من البيت للعمل في الخارج، وإشراكها في الحياة العامة، والسماح لها بحقّ اختيار من يناسبها من الأزواج، كما شجّع النساء على مسألة السفور والتخلي عن الحجاب التقليدي المغربي (اللثام)، وارتداء اللباس العصري.
ب‌. الممارسة والمواقف:
لم يكن إيمان محمد بن العربي العلوي بأفكاره السلفية المتنورة مقتصراً على مستوى الخطاب والدروس فقط؛ بل مارسها في حياته الأسرية، وجسّدها بشكل عملي في مواقفه خلال تحمل العديد من المسؤوليات العلمية والمخزنية، ويمكن الوقوف عند بعض النماذج التي تعكس إيمانه بأفكاره وتحويلها إلى ميدان الممارسة اليومية، ومن ذلك:
• تمرّده على عادة زواج الشريف إلا من الشريفة (الانتماء إلى آل البيت)، وهو تقليد كان متجذراً في منطقة تافيلالت وغيرها من مناطق الجنوب المغربي؛ حيث أقدم على تكسير هذه العادة بزواجه من امرأة تنتسب إلى بيت عامي، وكانت في الآن نفسه أماً لطفلة من زواج سابق.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
• سمح لابنته الصغرى بارتداء اللباس العصري، وهو اختيار كان يتناغم مع موقفه الداعي إلى تحرير المرأة المغربية من قيود المجتمع وتقاليده البالية.
• ساهم من موقعه في دار المخزن في إصدار مجموعة من التشريعات المانعة لبعض الممارسات الطرقية.
• أطّر دروسه الفقهية والأدبية بجامعة القرويين بالتوجه السلفي المستنير، وبالسخرية من الطرقية، خاصة منها التيجانية والعيساوية والدرقاوية، إضافة إلى التعريض بالحماية الفرنسية ونظامها واعتبار ذلك من مهام العلماء.
• كان يدرس المذهب المالكي إلى جانب مذاهب فقهية أخرى موازية، اعتماداً على مدونات وكتب أئمتها، دونما تعصّب أو انحياز، مستنداً في ذلك إلى منهجية علمية نقدية تعرّي مواطن الخلل والتحجر في المواد والكتب المقررة، وطرق تدريسها، وتؤسّس لبدائل واقتراحات جديدة.

كان العلوي يدرس المذهب المالكي إلى جانب مذاهب فقهية أخرى موازية، اعتماداً على مدونات وكتب أئمتها، دونما تعصّب

إنّ المتمعّن في سيرة حياة شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، باعتباره رائداً للسلفية الوطنية المستنيرة بالمغرب، وعالما مجدداً، يمكن أن يخرج بخلاصة أساسية، وهي أنّ هذه الشخصية متعددة بصيغة المفرد؛ فقد جمعت بين الداعية السلفي المتنور المجدد لدينه، والمستوعب لتحولات زمنه، والطامح إلى المساهمة في تحديث مجتمعه وتحريره من أغلال التخلف الفكري والجمود العقائدي من خلال مواقفه الجريئة المخلخلة للسائد في الذهنية المغربية التقليدية، وبين العالم المناضل الوطني الذي قاوم الاستعمار الفرنسي لبلده، مدافعاً عن حرية شعبه وكرامته، ومطالباً بالاستقلال، ومحصّناً للشخصية المغربية من الاستيلاب الفكري للمشروع الاستعماري الفرنسي، وبين العالم التقدمي التحرري الذي انحاز إلى التيار اليساري في الحركة الوطنية، مسانداً مواقفه ونضالاته من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة والاجتماعية في المغرب المستقل، وبذلك شكّل محمد بن العربي العلوي أنموذجاً متميزاً لعالم بصم عصره وأثّر فيه بأفكاره ومواقفه، وساهم من مواقع متباينة وظرفيات مختلفة في نشر سلفية مستنيرة قادرة على التفاعل مع التطورات، ومواكبة المستجدات التي عاشها وعاينها خلال حياته.

الصفحة الرئيسية