سيمون بوليفار.. الحرية لمن يخلص لحلمه حتى النهاية

3926
عدد القراءات

2019-01-30

قلّة من الرجال، عبر التاريخ، زهدوا بالترف والغنى والمناصب التي منحت لهم، من أجل فكرة جذابة وعظيمة مثل الحرية، وقلة هم أولئك الذين تمكنوا من رؤية ولو شيء بسيط من فتنة هذه الفكرة، مثلما فعل سيمون بوليفار؛ الذي تجرّأ وخاض معركة تحرير أمريكا الجنوبية، ضدّ مجده الشخصي أولاً، ثم ضدّ من منحوه هذا المجد على هيئة وسام معدني، ليحصل على شيء آخر لا يصدأ؛ وهو الحبّ النابع من التحرر.

لبوليفار، حتى اليوم، صروح متعددة في أمريكا الجنوبية وأنحاء مختلفة من العالم، كما له صروح أهمّ في عقول كتّاب ومفكّرين ومؤرّخين عديدين، رأوا فيه مثالاً للبطل الإنساني الذي لا يفنى، وكان أبسط ما قيل عنه، إنّه لم يحرّر دولاً فقط، بل حرّر العقليات من جحيم مستعمريها ومستعبديها، فمن هو سيمون بوليفار؟

لم يحرّر دولاً فقط، بل حرّر العقليات من جحيم مستعمريها

الجنرال في متاهته
"يبدو أنّ الشيطان يحاول التحكم في شؤون حياتي"؛ بهذه الجملة يبدأ ساحر أمريكا الجنوبية، غابرييل ماركيز، روايته عن بوليفار، وهي جملة منتزعة من إحدى رسائل الجنرال في أيامه الأخيرة، بعدما قلّ عدد أصدقائه، وأخذ حلمه في تشكيل دولةٍ موحدة وواحدة في أمريكا الجنوبية يتضاءل، حتى دخل في متاهات متعددة جعلته يشعر بالذنب؛ لأنّ حلمه لم يتحقق، مما حدا بماركيز إلى تسمية روايته باسم "الجنرال في متاهته".

ولد بوليفار لأسرةٍ من النبلاء المترفين وتخلّى عن كلّ شيء من أجل حلمه بتحرير وتوحيد أمريكا الجنوبية

يبدو محزناً أنْ يشيخ الحلم، رغم الحياة الأبدية في ذاكرة البشرية، التي حصل عليها بوليفار بعد إنجازاته العظيمة قبل وفاته، غير أنّ حلم الوحدة شاخ معه كما يبدو، وأصابه المرض والعمى، حتى ضلّ طريقه خارج أراضي أمريكا الجنوبية، وقبل ذاك كان بوليفار، المولود في كاراكاس بفنزويلا، عام 1783،لأسرةٍ من النبلاء المترفين، قد تخلى عن كل شيء، من أجل حلمه.
ومنذ طفولته؛ تلقى تعليماً ممتازاً، رغم وفاة والديه وهو لم يبلغ العاشرة من العمر بعد؛ حيث بقي في رعاية جدّه الذي وظّف له أستاذاً خاصاً (سيمون رودريغيز)؛ والذي علّمه القراءة ومحبة الكتب، فاطلع منذ طفولته على أفكار "روسو ومونتيسيكيو، ما ولّد لديه مبكراً الحسّ بفكرة الحرية والثورة". وفق خوسيه رودو، في كتابه "بوليفار"، الصادر عن المركز القومي للترجمة في 2007.

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
ورغم الرتبة العسكرية الشرفية التي نالها بوليفار مبكراً من ملك إسبانيا، وتقليده فيما بعد برتبة جنرال كبير، بدأتْ رحلة الشكّ لديه، بحسب رودو، حين "زار المكسيك تحت الاحتلال، ثم زار البلد التي تحتل أمريكا الجنوبية (إسبانيا) ومن ثم زار فرنسا، وتعرّف إلى نابليون بونابرت، وأعجب به، ثم غيّر رأيه بعد ذلك في كلّ شيء، وآثر أنْ تحكم بلاده وأراضي قارته نفسها بنفسها".

ترك بوليفار حياة الترف والمناصب والنبلاء ليخوض فكرة الحرية

لم يتأقلم بوليفار مع البية الأرستقراطية في إسبانيا، رغم استقباله في البلاط الملكي استقبالاً حافلاً، ولم يتقبل الطبيعة الاستعمارية لفرنسا في عهد نابليون بونابرت، وبدأت أحلام الحرية التي نبتت فيه منذ طفولته تكبر أكثر فأكثر.

تولدت رحلة الشكّ لدى بوليفار حين زار المكسيك المحتلة وبلاط إسبانيا الأرستقراطي ثم نابليون المستعمر فلجأ لفكرة الحرية

كادت هذه الأحلام تثمر للمرّة الأولى؛ حين اشترك بوليفار مع قائد وطني فنزويلي، هو دي ميراندا، في ثورةٍ عزلت الحاكم الإسباني لفنزويلا، وأعلنت، عام 1810، قيام جمعيةٍ وطنيةٍ استقلالية في فنزويلا، ولم يكد يمرّ عامان، حتى ضرب البلادَ زلزالٌ عنيف، قتل آلاف الضحايا، كما استعدّت إسبانيا لسحق (الاستقلاليين الثوريين)؛ إذْ قام بوليفار حينذاك بإطلاق مقولته المشهورة: "إذا كانت الطبيعة أيضاً تعترض كفاحنا، فإننا سوف نواجهها ونجبرها على الانصياع لنا".
لكنّ الطبيعة لا تنصاع لشيء، أما الثورة ففشلت وتمّ سحقها، وقامت إسبانيا بمصادرة جميع أملاك بوليفار، ومطاردته، ما قاده إلى الهروب نحو كولومبيا، مكرراً القصة التاريخية لهانيبال الفينيقي، وهناك، في كولومبيا، سوف يبدأ بنثر بذار أحلامه على الناس، ليصبح حوله خمسمائة رجلٍ فقط، يحملون معه حلم تحرير القارة المحتلة، وتوحيدها.
نحو مقبرةِ الأحلام
يتفق كلٌّ من المفكر والكاتب الأورغوياني إدواردو غاليانو، وماركيز، في أنّ بوليفار هو أول موضوع للواقعية السحرية في أمريكا الجنوبية، فغاليانو يصفه في "ذاكرة النار"، بأنه "طائرٌ لا يحترق ولا يموت"، بينما يصفه ماركيز بعمقٍ، في "مائة عامٍ من العزلة"، قائلاً: "أثار الجنرال بوينديا اثنتين وثلاثين انتفاضة، خسرها جميعاً، ونجا من أربع عشرة محاولة اغتيالٍ وثلاثين كميناً، كما أنه نجا من أمام كتيبةٍ إعدام كانت توجه بنادقها إلى جسده".

فكّر بوليفار بتوحيد أمريكا الجنوبية بعد تحريرها لكنّ نزعة الاستقلال لدى دولها حوّلته من بطل للحرية إلى مطارَد

وليس بوينديا سوى الصورة الفنية العالية لبوليفار؛ الذي لا تموت روحه، لأنّها آمنت بالحرية، وبالعودة إلى رودو، وكذلك المؤرخ والكاتب الأمريكي، جون لينش، صاحب كتاب "حياة سيمون بوليفار"؛ فإنّ الجنرال دخل في مآزق حقيقية كانت تكفي لقتله، لكنّها لم تكن تكفي لتحقيق أحلامه بالحرية، فإسبانيا "تسببت في حربٍ أهلية داخل فنزويلا، كان جيش بوليفار الصغير والحالم جزءاً منها، وربّما لم يتوقع الجنرال أنْ تسيل كلّ هذه الدماء من أجل التحرر" بحسب لينش.
ويخسر الجنرال حربه من جديد، فيهرب هذه المرة إلى جامايكا، ويكتب من هناك "رسالة مشهورة، يحلّل فيها وضع أمريكا الجنوبية، اقتصادياً وسياسياً، وأسباب تراجعها بسبب الاستعمار"، ثم يدعو الهاربين الفنزويليين في جامايكا من مواطنين وضباط للاجتماع، وتشكيل جيشٍ جديد من أجل التحرير، لكن محاولاته تبوء بالفشل من جديد!

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟
يترك بوليفار جامايكا، ثم ينزل في مكانٍ ناءٍ من فنزويلا، ويبدأ بتشكيل جيشٍ كبير، فينجح بناء على سمعته كمنادٍ بالحرية وصل صيته إلى أوروبا، ويتوافد السكان المحليون والأجانب خلال أشهرٍ إليه، فيكوّن جيشاً عجيباً (خليط من أوروبيين وفنزويليين وكولومبيين وأناس من دولٍ مختلفة، جمعتهم فكرة الحرية والثقة ببوليفار) بحسب لينش.

خسر معارك كثيرة وهُزم مرات من أجل مرة واحدة تنتصر فيها الحرية

ومن جديد، وبعد معارك عديدة، يفشل بوليفار على أرض الواقع، لكنه يبقى مصرّاً على أفكاره بشكلٍ عظيم، فيجمع جيشه من جديد، خلال شتاء عام 1819، ثم يهاجم بوغوتا عاصمة كولومبيا، فينتصر أخيراً، وتعلن كولومبيا جمهوريةً مستقلة وطنية. وبعدها، يتجه إلى مسقط رأسه ووطنه، وبعد معركةٍ واحدةٍ حاسمة "يدخل العاصمة كاراكاس وسط هتاف الجماهير له"، وكان ذلك في عام 1822، بحسب رودو، وعلى هذا المنوال، وبعد نهوض الطائر من رماده؛ تتحرر بلاد عديدة، الواحدة تلو الأخرى، كلّ من الإكوادور والبيرو والأرجنتين. ثم تمتدّ عدوى الحرية لمن كانوا مصابين بداء الاستعمار، ويبدو حلم (أمريكا موحدة) أقرب للتحقق من أيّ وقت مضى.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
لكنّ المدن التي تحرّرت، أرادت أن تصبح دولاً مستقلة، حتى أنّ بطلها الكبير، صار محطّ خلافٍ ضمن النزاعات الأهلية والحروب التي دبّتْ بين أنصار الوحدة القارية أو الاستقلال الخاص، وكان بوليفار مبعثاً طبيعياً لهذه النزاعات، بعد أنْ كان رمزاً للتحرر؛ ما جعل حياته معرضةً للخطر بعد عام 1826، حتى أنه تعرّض لمحاولات اغتيالٍ نجا منها.
إلا أنّه، وبتفتت حلمه بالوحدة بين دول أمريكا الجنوبية، بدأ جسده يرهق، وأخذت صحته تخونه، كما خانه بعض أصدقائه المقربين، إلى أنْ لفظ أنفاسه الأخيرة، عام 1830، حزيناً على تنكر الرجال، الذين أسهم بحريتهم، له.

اقرأ أيضاً: خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
وكان موقع "بي بي سي"، قد نشر تقريراً، عام 2011، تحدث فيه عن طلب الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو شافيز، نبش قبر بوليفار، من أجل تحديد أسباب وفاته، لوجود "احتمالٍ أنه قضى مقتولاً" وهو ما لم يستطع الأطباء تحديده أو نفيه، بعد استخراج رفات بوليفار، بحسب التقرير.
ولعلّ موت بوليفار، والنهاية الحزينة له على الصعيد الشخصي، لم تمنع من صعوده كأيقونةٍ من أيقونات الحرية عبر التاريخ، الحرية التي لم تتحول إلى وِحدة قارية، والتي لا يمكن لها أن تكون مثالية، غير أنّ رجالاً قليلين كبوليفار، حظوا بالمسير معها، جنباً إلى جنب، ذات يوم، وهي التي لا يمكن لها، أن تكون رهن رجلٍ واحد أو بطل واحد، لكنّها تمنح الحالمَ بها حياة أبدية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: