سيناريوهات تعطيل "الثلث المعطل" في العراق

سيناريوهات تعطيل "الثلث المعطل" في العراق

مشاهدة

24/05/2022

تتصاعد التوترات والاستقطاب السياسي في العراق، لاسيما بعد السجال الحادّ بين زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وتكتل "الإطار التنسيقي" الذي يضمّ الأحزاب الولائية التي خسرت الانتخابات، وقد وصفهم الصدر بـ "الثلث المعطل"، المتسبّب في حالة الانسداد السياسي، منذ إعلان نتيجة الانتخابات البرلمانية المبكرة، والتي كشفت هزيمة فادحة للقوى السياسية المدعومة من طهران.

أبعد من أزمة قانون

ووصف زعيم التيار الصدري المنتمين لـ "الإطار التنسيقي" بأنّ "السلطة أعمت أعينهم"، كما اتهم القضاء بـ "مسايرتهم على هذه الأفعال"، في إشارة لأزمة إلغاء قانون الأمن الغذائي، مؤخراً، وقال في خطاب مقتضب لم يتجاوز الثلاث دقائق، إنّهم "لا شيء من دون وجود السلطة"، وتابع متسائلاً: "هل وصلت الوقاحة إلى تعطيل القوانين التي تنفع الشعب؟".

وقال الصدر إنّ "الشعب يعاني من الفقر، فلا حكومة أغلبية جديدة قد تنفعه ولا حكومة حالية تستطيع خدمته ونفعه". وأردف: "إنّهم يستهدفون الشعب ويريدون تركيعه والأعجب من ذلك مسايرة القضاء لأفعال الثلث المعطل المشينة من حيث يعلم أو لا يعلم. والسلطة أعمت أعينهم عمّا يعانيه الشعب من ثقل وخوف ونقص في الأموال والأنفس وتسلّط الميليشيات والتبعية ومخاوف التطبيع والأوبئة".

وإلى ذلك، هدّد "الإطار التنسيقي" باللجوء إلى التصعيد والاحتجاجات، وقال: "للمظلوم زأرة.. لن تكونوا في مأمن منها". كما عرج، في بيان، على خطاب الصدر الأخير، وذكر أنّ "الخطابات الانفعالية المتشنجة" لا تصلح لحلّ المأزق السياسي الراهن. وأردف: "قوى "الإطار" ومن خلال الكتلة النيابية وحلفائها كان موقفها مع تخصيص مبالغ مالية كافية لتأمين الخزين الغذائي ومفردات البطاقة التموينية ودعم الفلاحين والحماية الاجتماعية وزيادة رواتب المتقاعدين وقروض الشباب".

وتابع: "سجلنا اعتراضنا على استخدام ظروف أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وعدم وجود خزين غذائي من القمح، إضافة إلى مخصصات وأبواب صرف لا تمثّل ضرورة ملحّة، إن لم تكن باباً من أبواب الفساد وسوء استخدام للوفرة المالية وتبديد ثروة الشعب".

الصدر في مواجهة الولائيين

إذاً، تمرّ العملية السياسية في العراق بأزمة معقدة أعقبت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ونتج عنها تغيّر ملحوظ في خارطة القوى والأحزاب السياسية الفائزة فيها، فضلاً عن تغيرات أخرى شهدتها خارطة التحالفات السياسية التي تسعى لتشكيل الحكومة الجديدة، ولكلّ من هذه التحالفات رؤيته التي تخدم مصالحه الحزبية، حسبما يوضح الباحث العراقي، الدكتور مثنى العبيدي.

مشروع الصدر لتشكيل حكومة "الأغلبية الوطنية" بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، وتحالف السيادة بقيادة رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، أضحى "مسألة حياة أو موت" بالنسبة للولائيين

وقال العبيدي، لـ "حفريات"؛ إنّ هذه المجموعات والكتل السياسية والحزبية قد تباينت فيما بينها، وذلك بين من يريد الذهاب إلى تشكيل "حكومة أغلبية وطنية"، ومن يصرّ على الاستمرار في خطّ "الحكومة التوافقية"، كما هو الحال في السابق.

ويردف: "هذا الإصرار والتباين في المواقف، وعدم التوصل إلى توافق لتشكيل الحكومة الجديدة، خلال الشهور الماضية، أدخل البلاد في حالة من الجمود السياسي، والتي ترقى إلى الانسداد".

صراع البيت الشيعي والمكوّن الكردي

وبالرغم من ذلك؛ فإنّ "واقع البلاد، وما تمرّ به من وضع أمني قلق، ومشاكل اقتصادية، وتزايد نسب الفقر، وانفلات السلاح خارج سيطرة الدولة، والرفض الشعبي المتزايد لمخرجات العملية السياسية، يعني أنّ الأمر لا يحتمل تأخيراً في تشكيل الحكومة لوقت أطول"؛ يقول العبيدي.

ويرجّح الأكاديمي العراقي مجموعة من السيناريوهات المستقبلية لتشكّل الحكومة الجديدة، وفق معطيات الواقع، ومنها: "سيناريو تشكيل حكومة أغلبية وطنية؛ وهذا السيناريو قد ينجح في حال "التحالف الثلاثي" الذي شكله كلّ من التيار الصدري، الفائز بأكثرية مقاعد المكوّن الشيعي، وتحالف السيادة الذي يضمّ أغلب القوى السياسية السنّية، والحزب الديمقراطي الكردستاني، الفائز بأكثر مقاعد المكون الكردي، والأخير استطاع أن يحقّق الحضور والتصويت المطلوبين بأغلبية الثلثين في جلسة البرلمان المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، والذي، بدوره، يكلّف رئيس الحكومة بتشكيل مجلس الوزراء، وهو الأمر الذي لم يستطع التحالف الثلاثي تحقيقه، رغم عقد عدة جلسات للبرلمان لم يكتمل فيها النصاب المطلوب للحضور دستورياً".

والسيناريو الآخر هو "تشكيل حكومة توافقية"، وهذا الأمر يتحقق في حالتين؛ الأولى أن يتفق التيار الصدري مع قوى "الإطار التنسيقي" لجهة تشكيل الحكومة الجديدة، وذلك مع بعض قوى وشخصيات هذا الإطار، والأقرب لذلك هم "تحالف الفتح"، الذراع السياسية للحشد الشعبي. أما الحالة الثانية فهي أن تتمكن قوى "الإطار التنسيقي" من الاتّفاق مع القوى السياسية السنية والكردية، وتحقيق النصاب المطلوب للتصويت في جلسة مجلس النواب، ومن ثم، تشكيل الحكومة دون التيار الصدري، الذي أعلن، في أوقات سابقة/ إمكانية انسحابه من عملية تشكيل الحكومة في حال إصرار "الإطار التنسيقي" على تشكيل حكومة توافقية.

أما السيناريو الثالث، بحسب المصدر ذاته؛ فإنّه يتمثل في احتمالية الذهاب صوب حلّ البرلمان، ثم إجراء انتخابات جديدة، في حال استمرار الانسداد السياسي، وتمسّك مختلف القوى السياسية بمواقفها الراهنة، وهو السيناريو الأضعف بين كلّ ما سبق.

كسر الهيمنة الإيرانية

ومن جانبها، طالبت مبعوثة الأمم المتحدة إلى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، الطبقة السياسية العراقية بضرورة الخروج من المأزق السياسي الذي تمرّ به مؤسسات الدولة، منذ أكثر من سبعة أشهر، وقد حذّرت من مخاطر تصاعد احتجاجات شعبية، مشيرة إلى أنّه قد "حان الوقت لإحداث تغيير ولارتقاء القادة السياسيين العراقيين إلى مستوى أعلى".

وقالت المبعوثة الأممية: "لا يمكن أن نسمح بالعودة إلى الأوضاع التي شهدناها، في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2018"، لافتة إلى "التداعيات المستمرة للجائحة والتوترات الجيوسياسية العالمية". كما شدّدت على ضرورة أن "تسود نيّة صادقة وجماعية وعاجلة لحلّ الخلافات السياسية، كي تتمكن البلاد من المضي قدماً والاستجابة إلى احتياجات أبنائها".

الانسداد السياسي وتعثّر ولادة الحكومة الجديدة، بعد الانتخابات البرلمانية ليس بالشيء الجديد أو الغريب على العراق؛ بل إنّ حدوث العكس كان سيكون الاستثناء والخروج عن القاعدة

وفي حديثه لـ "حفريات"، يقول الباحث العراقي، منتظر القيسي؛ إنّ الانسداد السياسي وتعثّر ولادة الحكومة الجديدة، بعد الانتخابات البرلمانية، "ليس بالشيء الجديد أو الغريب على العراق؛ بل إنّ حدوث العكس كان سيكون الاستثناء والخروج عن القاعدة"، على حدّ تعبيره، موضحاً أنّ المختلف هذه المرة، والذي ينذر بانتقال الصراع من فضاء السياسة إلى ميدان السلاح، هو "امتلاك طرفي النزاع الشيعي، التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، صاحب أكبر كتلة برلمانية، و"الإطار التنسيقي" الذي يجمع الأحزاب والفصائل الشيعية الموالية لإيران، لميليشيات وأجنحة مسلحة خارج المنظومة العسكرية والأمنية الرسمية وداخلها".

وبالتالي، فإنّ مشروع الصدر لتشكيل حكومة "الأغلبية الوطنية" بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، وتحالف السيادة بقيادة رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، أضحى "مسألة حياة أو موت" بالنسبة للولائيين؛ حيث إنّ محاولة إقصائهم من عضوية الحكومة ليست سوى بداية لاجتثاث سلطتهم الموازية التي تشكّلت أثناء وبعد  الحرب ضدّ تنظيم داعش الإرهابي.

كما أعلن أطراف "الإطار التنسيقي" الفاعلين، بأنّ هدفهم من عرقلة خطط زعيم التيار الصدري هو "إجباره (أي مقتدى الصدر) على العودة إلى حضن البيت الشيعي، للاتّفاق على تسمية رئيس الحكومة باعتبار المنصب من حصّة المكوّن الشيعي، بالتالي، يجب أن يحظى بدعم الجزء الأكبر من ممثليه السياسيين"؛ يقول القيسي.

ووفق الباحث العراقي؛ فمن الوهلة الأولى يبدو الصراع الشيعي الشيعي هو العقدة التي تعطّل عملية تشكيل الحكومة، لكنّ الحقيقة أنّ الصراع الكردي الكردي بين الديمقراطي الكردستاني، صاحب أكبر كتلة كردية (35 مقعداً)، وبين الاتحاد الوطني الكردستاني (17 مقعداً)، يمثل الوجه الآخر للمأزق السياسي العراقي، خاصة أنّ الديمقراطي الكردستاني يصرّ على إنهاء حقبة التحالف الإستراتيجي مع الأخير، والذي عُقد عام 2005، بينما قضى بتقاسم المناصب على قاعدة رئاسة الجمهورية بينهما.

واللافت في هذه الأزمة هو الغياب التام لصوت المرجعية الدينية، في النجف، المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، ويفسّر القيسي ذلك بأنّه يعدّ بمثابة "قبول ودعم ضمني لمساعي مقتدى الصدر بغية كسر طوق الهيمنة الإيرانية عن عنق العراق، عاصمة سلطتها الروحية، وذلك من خلال تصفية نفوذ وكلائها المحليين، لا سيما الولائيين".

مواضيع ذات صلة:

ما الدلالات الإستراتيجية لعمليات تركيا وإيران في العراق؟

مخالب تركيا تنهش سيادة العراق... فهل من رادع لأنقرة؟

فراغ دستوري في العراق بعد عجز الفرقاء عن اختيار الرئيس

الصفحة الرئيسية