شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد

ظهر تعبيرُ "علم الكلام الجديد" للمرّة الأولى عنواناً لكتاب ألفه شبلي النعماني (1857 – 1914) وقد نقله إلى الفارسية: محمد تقي فخر داعي كيلاني، وطبعه في طهران سنة 1329ش/1950م بالعنوان نفسه. ونقله إلى العربية: جلال السعيد الحفناوي، ونشر في القاهرة سنة 2012. وكان النعماني من مؤسّسي ندوة العلماء بلكنو سنة 1893، وهي مؤسّسةٌ دينيةٌ تهتمّ بالتعليم الديني التقليدي، وتعارضُ دراسةَ العلوم الحديثة، خلافاً لجامعة عليكرة التي أسَّسها أحمد خان سنة 1875. وكان شبلي النعماني يتحدّث العربيةَ والفارسيةَ والأرديةَ والتركيةَ والهندية.

لا شيء يشبه علمَ الكلام الجديد في تفكير النعماني. كلُّ شيء يشبه الكلامَ القديم. النعماني يستأنف القديمَ بلغة أكثر وضوحاً

ولا يمكن الجزمُ بأنّ النعماني أولُ من نحت مصطلح "علم الكلام الجديد" الذي أضحى عنواناً للاتجاه الحديث في إعادة بناء علم الكلام، لكنه كان أولَ مؤلِّفٍ يؤلّف كتاباً تحت هذا العنوان. فقد ألّف شبلي النعماني كتاباً في علم الكلام أملاه على أحد تلامذته وهو على سرير المرض، فرغ منه في 18 آذار (مارس) 1902، ونُشر في الهند في آذار (مارس) 1903. وكان هذا الكتابُ الجزءَ الأول، ثم تلاه تأليفُه للجزء الثاني الذي خصّصه لـ "علم الكلام الجديد"، وفرغ منه سنة 1903، ونشره في الهند أيضاً سنة 1904، كما يرد في مقدمة الحفناوي لكتاب النعماني، الذي ترجمه ونشره بجزئيه في القاهرة سنة 2012، ص 8-10.
في الجزء الثاني من كتابه هذا يتحدّث النعماني عن مجال علم الكلام الجديد فيقول: "لقد كان علم الكلام القديم منصباً فقط على بحث العقائد الإسلامية؛ لأنّ المخالفين للإسلام في ذلك العهد كانت اعتراضاتُهم تتعلق بالعقائد، ولكنه في الوقت الحاضر يبحث في الجوانب التاريخية والحضارية والأخلاقية للدين. إنّ عقائد أيّ دين عند الأوروبيين لا تكون جديرة بالاعتراض إلى هذا الحد، ما لم تكن هذه المسائل قانونية وأخلاقية.  وفي رأيهم أنّ إباحة تعدد الزوجات والطلاق، والرق، والجهاد، في أي دين لهو أكبر دليل على بطلان هذا الدين، بناء على هذا سيتم بحث هذا النوع من المسائل في علم الكلام، وهذا الجزء بالكامل من علم الكلام الجديد. أهمّ الأشياء الضرورية في هذا الصدد أن تقدّم مثل هذه الدلائل والبراهين بأسلوب بسيط وواضح، تستوعبه الأفهام بسرعة، ويستقر في القلب، فقد كان يستخدم في المنهج القديم مقدمات معقدة ومتشابكة، ومصطلحات منطقية، وأفكاراً دقيقة وحساسة جداً، فكان المخالف يصمت بعد أن يصاب بالرهبة، ولكن لا يوقر في قلبه حالة من الوجدان والإيمان. المهم أنه يجب مراعاة تلك الأمور المذكورة عند تأليف علم الكلام الجديد" (المصدر السابق، ص 181-182). أدرج النعماني في هذا الكتاب مسائلَ جديدة مثل: الدين والعلوم الحديثة، حقوق الإنسان، مسألة الانتحار، حقوق المرأة، الإرث، والحقوق العامة للشعب، بموازاة مباحث: وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات، كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا. لكننا لم نعثر له على رأي في الوحي خارج سياق الكلام القديم، ولم نجده في مسائل الاعتقاد الأخرى يفكر في فضاء العقلانية الحديثة، ولم يعالجها من منظور مختلف عن المنظور التقليدي، ولم يطل على أفق جديد في تدوينها. وهذا يعني أن علمَ الكلام الجديد في مفهوم النعماني يعني استيعابَ مسائل جديدة تضاف إلى مسائله القديمة، والتحدّثَ بلغة أكثر وضوحاً وأقل التباساً، والبحثَ عن أدلّة جديدة في مناقشة ما يُثار من إشكالات واستفهامات.

اقرأ أيضاً: السؤال الميتافيزيقيّ الجديد يفرض علينا بناء علم كلام جديد
تظل وظيفةُ الكلام الجديد في مفهوم النعماني دفاعية، إذ يمكث علمُ الكلام في مقولات متكلّمي الفرق القديمة، يشرحها ويعزّز أدلتَها بأدلة جديدة، من دون أن يعيد النظرَ في مضمونها، ويتعرّف قدرتَها على الاستجابةِ والوفاءِ ببناءِ رؤية توحيدية تواكب إيقاعَ حياة المسلم، ومتطلباتِ العقل والروح والقلب في عالم نسيجيّ متشابك مركّب، وتحريرِ صورة الله مما تراكم عليها من غبار التاريخ، ولوّثها من دماء الحروب، وشوّهها من أزمنة الاستبداد.

اقرأ أيضاً: إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي
لم نعثر في كتاب النعماني على نقضٍ أو إعادةِ تفسير لـ "مقولات الإسلاميين واختلاف المصلين" (عنوان لأشهر كتاب للعقيدة الأشعرية المنسوبة إلى مؤلفه أبي الحسن الأشعري المتوفى 324 هـ)، أو غيرِه من كتب المتكلّمين المعروفين، ولم يتعامل معها بوصفها اجتهاداتٍ قالها بشر، ترتسم فيها ملامحُ ثقافتهم، ودرجةُ تطوّر العلوم والمعارف في عصرهم، ولم يناقشها كاجتهاداتٍ بشريةً قابلةً للصواب والخطأ. أما ما اقترحه النعماني من أمثلة جديدة يضيفها إلى علم الكلام فإنها تنتمي للمدونة الحقوقية والقانونية، وتتصل بالشريعة أكثر من اتصالها بالعقيدة. وكأنه يحسب علم الكلام الجديد مجرد إستيعاب مسائل مُستحدَثة، وإن كانت لا تعود لعلم الكلام.

اقرأ أيضاً: الخوفُ ليس مصدراً للأخلاق
ولا نقرأ في آثار شبلي النعماني أو نجد في محطات حياته ما يشي بخروجه على مسلمات الكلام القديم في تفكيره، ولا نرى محاولةً لبناء رؤية جديدة لله والعالم في كتابه "علم الكلام الجديد"، أو فهماً جديداً للوحي والنبوة، أو مسعىً لتوظيف المكاسب الحديثة للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم الدين وتفسير نصوصه.

لا نقرأ في آثار شبلي النعماني أو نجد في محطات حياته ما يشي بخروجه على مسلمات الكلام القديم في تفكيره

لا شيء يشبه علمَ الكلام الجديد في تفكير النعماني وآرائه، كلُّ شيء يشبه الكلامَ القديم. شبلي النعماني يستأنف القديمَ بلغة أكثر وضوحاً واختزالاً للاستطرادات والتفاصيل المملة، وحتى العناوين الجديدة التي أدرجها في كتابه هذا لا نرى في حديثه عنها ما يشير إلى معالجة تخرج من جلباب الآباء، وتنزع لبناء نهجٍ جديد في التفكير الديني، كما نجده في آثار سلفه أحمد خان، أو خلفه محمد إقبال. ونخلص من ذلك إلى أنّ شبلي النعماني شارحٌ جديدٌ لعلم الكلام القديم. وذلك ما يدعونا للظنّ بأن النعماني اصطاد مصطلحَ "علم الكلام الجديد" من أحمد خان، غير أنه لم يشأ أن يخبرنا عن مصدر تلقيه. آثارُ أحمد خان هي الوحيدةُ التي خرجت على التراث الكلامي قبل النعماني، وبعضُ ما جاء فيها يشبه علمَ الكلام الجديد، إذ بحثت قضايا محورية في علم الكلام بطريقة تخرج على تقليد المتكلمين، وقدّمتْ فهماً مختلفاً عن فهم المتكلمين. ونعترف بأنّ المراجعَ تنقصنا للوثوق بأول من ابتكر تسميةَ علم الكلام الجديد. وإن كنا نعدّ المفهومَ الجديدَ للوحي الذي يقول به أحمد خان وغيرُه من أهمّ القضايا التي يمكننا على وفقها أن نصنّف آثارَ مفكرٍ بأنها كلامٌ جديد. شبلي النعماني متكلم تقليدي وضع عنواناً جديداً لمضمونٍ قديم.

وفي سنة 1922 أصدر اسماعيل حقي الإزميرلي "1869 – 1946" كتاباً بعنوان "علم الكلام الجديد" باللغة العثمانية، وجاء عنوان الكتاب بالعثمانية: "يني علم كلام"، ويني بمعنى جديد. وطُبِع هذا الكتاب في الآستانة "اسطنبول" (راجع ترجمة إسماعيل حقي الإزميرلي في: انسكلوبيديا الإسلام التركية، المنشورة على الرابط التالي: https://islamansiklopedisi.org.tr/izmirli-ismail-hakki

لكن هذا الكتاب لم يُترجَم إلى العربية أو غيرها من اللغات حتى اليوم، ولم يُعرَف عن مؤلفه أنّه من رواد التجديد، لذا يمكننا القول إنّ مفهوم الكلام الجديد لديه لا يتجاوز الدعوة للانفتاح على الأسئلة التي فرضها الواقعُ الجديد على عقيدة المسلم وشريعته في العصر الحديث، وهو ما كان يدعو له شبلي النعماني قبله في كتابه. ولو كان كتابُ اسماعيل حقي يتضمنُ رؤيةً للتوحيد واجتهاداً في فهم الوحي خارج آفاق مقولات المتكلمين الموروثة، لذاعت رؤاه واشتهرت بين المهتمين بدراسة الاتجاهات الفكرية الجديدة في عالَم الإسلام غرباً وشرقاً، كما اشتهرت رؤى روّاد التجديد غيره.

الأقسام: