شفيق الغبرا صاحب "حياة غير آمنة": لا رجعة عن صناعة الأمل

شفيق الغبرا صاحب "حياة غير آمنة": لا رجعة عن صناعة الأمل

مشاهدة

26/03/2020

يحدث ألا يحظى المحارب باستراحة، ولو خلسة، ولعلّ شفيق الغبرا أحد المحاربين الذين لم يستريحوا يوماً؛ منذ خوضه معارك مدرسيّة خلال المرحلة الابتدائية في لندن، حين كان يناكف الطلبة البريطانيين قائلاً إنّ بلادهم حرمته بلاده، ومنذ سجالاته في المدرسة الداخلية في برمانا اللبنانية مع الطلبة المنتقدين للثورة الفلسطينية، مروراً بانخراطه في صفوف الفدائيين الفلسطينيين، بعد تخرّجه من جامعة "جورج تاون" الأمريكية، ومن ثم انخراطه في المقاومة الفكرية والإعلامية خلال الغزو العراقي للكويت، وصولاً لخوضه غمار معركة السرطان، حالياً.

صناعة الأمل، هي حرفة الغبرا الحقيقية، لمن يعرفه عن قرب

الفلسطيني- الكويتي
بين تلك المفاصل الرئيسية في معارك الغبرا، الفلسطيني- الكويتي، كانت ثمة معارك صغيرة، ليست صغيرة على أية حال، تطلّ برأسها كلّ حين، مثل معاركه ضدّ المنتقدين الذين يوجّهون سهامهم بإصرار لنتاجه الفكري الذي يرونه جدلياً، ولعلّ أحدث تلك النزالات ما شهدتها ساحات القضاء الكويتي، إثر نشر كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"، في أواخر عام 2018، وحتى حين كسب الجولة الأولى، ثمة من حاول منازلته مجدداً، غير أنّ القضاء انتصر له للمرة الثانية.

مطلاً من واجهة زجاجية ومستغرقاً في رحلته العلاجية في واشنطن يرتب شفيق الغبرا الخطوط العريضة لكتابه الجديد

يُنازِل الغبرا، المولود في الكويت لأب حيفاوي حصل على الجنسية لإسهاماته الطبية في الكويت ومع الأسرة الحاكمة، الحياة بأشكال عدة، يصرّ عليها حتى اللحظة رغم ما يعتريه من آلام في رحلة العلاج؛ إذ يكتب مقال التحليل السياسي أسبوعياً، ويُسجّل الحلقات المرئية والمسموعة تباعاً، وينقّحها ويُحرّرها، ويتابع الشؤون السياسية عن كثب، كذلك الأكاديمية، بحكم موقعه كأستاذ للعلوم السياسية في جامعة الكويت منذ إحرازه درجة الدكتوراة في جامعة تكساس في أوستن، عام ١٩٨٧، كما يعكف بتجلّ، على صناعة الأمل.

اقرأ أيضاً: شفيق الغبرا: القيادة الفلسطينية مارست السلطة قبل اكتمال التحرّر الوطني

وصناعة الأمل، هي حرفة الغبرا الحقيقية، لمن يعرفه عن قرب؛ إذ يحدوه ليلاً نهاراً، على الصعد كافة: السياسية والصحية وتلك المرتبطة بشؤون من يحبهم. ينتقي في هذه الحرفة كلماته بعناية، بالعربية والإنجليزية، وينتقي حتى نبرة الصوت التي يبشّر خلالها بالأمل، ويعرف جيداً كيف يخرج بمزيج يجمع فيه أمرين: صناعة الأمل والإبقاء على قدميّ من أمامه على أرض الواقع، بالوسع قول إنّ هذا المزيج هو من صناعة شفيق الغبرا، بامتياز.
نقاط الفرادة
كثيرة هي نقاط الفرادة التي يلمسها من يصغي إلى حديث شفيق الغبرا؛ إذ في وقت كان فيه رئيساً مؤسساً للجامعة الأمريكية في الكويت، بين 2003 و2006، ومديراً للمكتب الإعلامي الكويتي في العاصمة الأمريكية، واشنطن، بين عامَي 1998 و2002؛ فإنّه ثوريّ مناكِف حتى الثمالة حين يتعلق الأمر بالحقوق المسلوبة، أية حقوق، قد تتبادر لذهن من يتحدث إليه، بدءاً من حقوق المرأة، مروراً بحقوق الشعوب العربية المنتفضة في وجه الأنظمة الطاغية في ٢٠١١، وليس انتهاءً بالثورة الفلسطينية، التي وإن انتقد الغبرا أشياء كثيرة فيها، فإنّه أبداً لا يلوّث بئرها الذي شرب منه، حين خاض معارك ضارية خلالها كمارون الراس والشقيف.

اقرأ أيضاً: محمود محمد طه.. رؤية حيّة للسودان بعد 35 عاماً
يصرّ الغبرا، في الشأن الفلسطيني تحديداً، على المكاشفة بأخطاء حدثت سابقاً وما تزال تحدث، لكنّه لا ينزلق البتة نحو التحامل وشيطنة الآخر، مهما كانت درجة انتقاده واستيائه من القيادة الفلسطينية.

يصرّ الغبرا في الشأن الفلسطيني على المكاشفة بأخطاء حدثت سابقاً لكنّه لا ينزلق نحو التحامل وشيطنة الآخر

وحين يسرد الغبرا، المؤلف لكتب عدة من بينها: "الكويت: دراسة في آليات الدولة والسلطة والمجتمع"، و"الثورات العربية وأعداؤها"، تفاصيل أكثر عمقاً وخصوصية حول الوسط الفلسطيني في الكويت، يحار من يستمع إليه في حجم المقدرة التي امتلكها ولا يزال في إمساكه خيوط الحكاية بالكامل، ويحار أكثر في مقدرته الذهنية والعصبية، وقتذاك وحتى اللحظة، على الجمع بين كلّ هذه الأطراف: الجالية الفلسطينية، بطبقاتها الشعبية والوسطى والنخبوية والمتنفذة، والقيادة الفلسطينية، بدءاً بصفّها الأول، وليس انتهاءً بأكثر العناصر المغمورة فيها، والمقاومة الكويتية للغزو العراقي، على اختلاف سبل مقاومتها من كلمة ومنشور وأغنية وقتال وعمل منظم.

كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"

كما يفعل مريدو الزوايا الصوفية
يُطوّق طلبة شفيق الغبرا أستاذهم، تماماً كما يفعل مريدو الزوايا الصوفية بشيخ الطريقة، ينهلون منه خلال المحاضرات، ويلحقون به عقب انتهاء المساق الجامعي؛ ليسجّل محاضراته ويؤرشفها مرئياً، لا سيما تلك التي تؤرخ للقضية الفلسطينية، وللصراع العربي الإسرائيلي، وبقدر ما أمسك شفيق الغبرا بالتحليل السياسي بمهارة لافتة، والعمل الحربي ومن ثم الدبلوماسي بكفاءة مشهود لها، فإنّه برعَ في الشقّ الأكاديمي على مدار عقود.
وستستضيف، لاحقاً، كبريات الجامعات العالمية الفدائي الفلسطيني - الكويتي الذي بات أستاذاً جامعياً، والذي تحدّث عن تجربته النضالية بالتفصيل في كتابه "حياة غير آمنة"، بخلاف رفاق كثر أبقوا سيرتهم القتالية طيّ الكتمان؛ مخافة أن تؤثر على المراكز التي يشغلون حالياً.

اقرأ أيضاً: صلاح حافظ.. انتفاضة بقلم "بقايا إنسان"
شفيق الغبرا حالة مختلفة عن أولئك؛ إذ يضع مراحل حياته كاملة على الطاولة، يعرضها بتصالح تام، حتى وإن اعترتها تناقضات أو جدليات، يقدمها بثقة لافتة، ويجيب عن أيّ تساؤل حولها، ويمسك بمهارة بتلابيب السرد وفنونه، حين ينتقل بك من الطفولة المرفهة، للعمل الفدائي الكادح، للأكاديميا ونخبويتها، لعالم الرياضة واللياقة، وحبه للموسيقى العالمية، ويحملك بنبرة صوته الحازمة للسياسة والثورة الفلسطينية ورصانة الأجواء الجامعية، فيمضي معك بنبرة مختلفة مترعة بالشجن حين يتحدث عن صوت المغني ليونارد كوهين وشِعره.

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

يتكئ شفيق الغبرا على أريكته الرمادية في واشنطن، مستغرقاً في رحلته العلاجية، ومطلاً من واجهة زجاجية، ليس على المشهد الأمريكي فحسب، بل العالمي أيضاً، والشخصي، الحالي والسابق؛ ليرتب في ذهنه الخطوط العريضة لكتابه الجديد، تاركاً للتفاصيل حرية الانثيال، التفاصيل التي لطالما برعَ الغبرا في نقشها، كأيّ نحّات محترف.

الصفحة الرئيسية