شيوخ السلفية.. سلطة الماضي على الحاضر

شيوخ السلفية.. سلطة الماضي على الحاضر

مشاهدة

05/09/2018

كانت الوسطية؛ هي طابع التدين في مصر عبر تاريخها، ولم تسمح يوماً للتشدّد بأن يتسرّب إلى سمتها الأصيلة في الاعتدال، لكن مع سفر العمالة المصرية إلى الخارج في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، بدأ التيار السلفي الوهابي ينتشر في مصر، ومع مطلع الثمانينيات، أصبح لهذا التيار أعلام ورموز، وغدت له دوائر ومدارس في المساجد، تعلّم قواعد ومنهج هذا التيار.

مع سفر العمالة المصرية إلى الخارج مطلع السبعينيات بدأ التيار السلفي الوهابي ينتشر في مصر

وبدأت دائرة هذا التيار تتسع تدريجياً في المجال العام الاجتماعي، وما إن أُسّست مدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة، في تسعينيات القرن الماضي، حتى شقّت القنوات الفضائية السلفية طريقها إلى مصر والعالم العربي، وأصبح لشيوخ وأعلام الاتجاه السلفي قنوات فضائية تنشر أفكارهم، وتروّج لاتجاههم الديني، الذي يبدو متشدداً، على عكس المزاج المصري؛ وذلك في الأخذ بظاهر النصوص وظواهر الأحكام، مع قفل باب الاجتهاد أمام العقل البشري.

جدل التراث والحداثة

يحرص شيوخ السلفية حتى في خطابهم "المظهري" على التميز باسم الاقتداء بالسلف الصالح، من خلال سمت خاص في الملبس؛ هو الجلباب الأبيض، والشال الأبيض؛ باعتبار الأبيض هو رداء المسلمين المفضَّل في تاريخهم، فهو رداء أهل الجنة، والأبيض هو سمت الملائكة والشفافية، ويلتزمون باللّحى الكثيفة غير المشذَّبة، وإذا نظرنا إلى طريقة حياتهم؛ فهم يخرجون علينا بطلّتهم "الملائكية" عبر شاشات التلفزيون، التي أنتجها العصر، كي تصل إلينا رسالتهم، ويمكنهم التواصل مع الناس عبر الهاتف (العصري)، ويركبون السيارات الفارهة، بسائق خاص وسكرتيرة، ومنهم من يتجه للعلاج والاستشفاء في مستشفيات أوروبا "الكافرة"، وإذا ذهبوا إلى الأماكن والمنتديات فهم كنجوم السينما في تنقلاتهم، وفي أجور أحاديثهم في القنوات التلفزيونية، فهم ينعمون بكلّ ما أنتجته حضارة الغرب التي طالما يهاجمونها، كما أنهم يرتدون الجلباب الصينيّ، ويمسكون "المسبحة" الصينيّة، ويصلّون على السجادة الصينية، وهي البلد "الشيوعي الكافر"، من وجهة نظرهم، وكان عليهم أن يترفعوا عن استخدام منجزات الكفرة.

اقرأ أيضاً: شاب يروي قصة ضياعه مع السلفية

وبعد أن يمنحوا أنفسهم حقّ التمتع بمنجزات العصر، يتجهون إلى الترويج لهم ولأتباعهم؛ الرجال والنساء، بأنّ الأصل في الزواج التعدّد لا الإفراد؛ متذرعين بأن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وصحابته، رضي الله عنهم، كانوا يفعلون، ولا ضير لنا أن نسير على نهجهم..

وهنا نتساءل: هل هؤلاء الشيوخ الذين يعيشون في العصر من حيث استخدام وسائل العيش، ووسائل الرفاهية والعلاج يعيشون العصر برسالتهم ودعوتهم؟

اقرأ أيضاً: السلفية الجهادية الأردنية، صراع الأستاذ والتلميذ

الواقع؛ أنّ شيوخ السلفية، الذين يعيشون على كلّ مكتسبات العصر، تقوم دعواتهم على تكريس الماضي، بثقافته وفقهه، فهم يتمتعون بمعرفة واسعة بعلوم الحديث وروايته، وبالثقافة التقليدية القديمة إجمالاً، خاصّة المرويّات منها؛ فيجيدون حفظ الروايات وتلاوتها، ويقدّسون السلف الصالح، وكأنّ العلم الديني قد توقّف لديهم، وأنّ ليس على الخلف سوى الاتّباع والإذعان؛ لأنّ "الابتداع ضلالة، وكلّ ضلالة في النار"، وهم يتهربون من الاجتهاد فيما يخصّ وقائع عصرهم ومستجداته.

احتقار الحياة وتقديس الماضي

يميل شيوخ السلفية، في خطابهم الدعويّ، إلى ترغيب الناس في الآخرة والجنة، بديلاً عن الدنيا الفانية، وترهيبهم من النار، وضرورة الصبر على الظلم والمحن، وأنّ "لنا في رسول الله أسوة حسنة"، ويروّجون لأحكام الفقه القديم على أنّها أحكام ينبغي أن تسود عصرنا، بعد أن سادت عصرها، فما يزالون يرون صلاحية لفتوى ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، وأنّها تصلح كي تحكمنا اليوم، فهم يعتقدون أنّ الرقّ مباح، وأنّ المسلمين إذا جاهدوا وانتصروا في الحروب، يمكنهم أن يتخذوا من النساء سبايا، وأنّه يمكن إرضاع الكبير، وفقاً لحديث منسوب لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ويردّدون أحكاماً قديمة من المدوّنة الفقهية التاريخية، التي لم تعد صالحة لزماننا الذي تطوّرت فيها البشرية عن ذي قبل، وأحدث البشر تقدماً في مجالاتها كافة، وهذا ما جعل الشباب ينفر منهم، وينفر من صورة الدين لديهم؛ بل اتخذهم بعض الشباب موضعاً للسخرية، وأدّى أداؤهم السيّئ إلى مروق الآلاف من الشباب من الدين.

اقرأ أيضاً: السلفية الجهادية الأردنية، صراع الأستاذ والتلميذ

إنّ محنة خطاب شيوخ السلفية، أنّه يعيش في الماضي، ويمنحه سلطة على الحاضر؛ لذا فالتاريخ العربي الإسلامي، برأيهم، لا يتقدم إلا بالعودة إلى الوراء، إلى السلف وما كانوا عليهم، وهذا أمر مخالف للسنن الكونية، ومخالف للتقدم وحركة البشر في التاريخ؛ لأنّهم أرادوا سجن الحاضر في عباءة الماضي، وسجن العقل البشري في إطار النصوص، ويأبى الحاضر أن يخضع لسجن الماضي، ويأبى الخلف أن يعيشوا في سجن السلف، ولهذا يتم حصار رموز هذا التيار كل يوم في المجال العام، بسبب جمودهم وتخلف دعوتهم عن احتياجات الحاضر ومتطلباته.

اختلال قيم المواطنة

كما أنّ شيوخ السلف يصدّرون لنا العديد من المشكلات؛ أهمها أنهم ما يزالون ينظرون إلى المغايرين لهم في الدين في الدولة المدنية على أنّهم أهل ذمّة، ويروّجون دوماً في خطاباتهم أنّ المسيحيين، وغيرهم من أصحاب الملل الأخرى، كفرة لا تنبغي موالاتهم، وهذا الخطاب يؤسس لعلاقة متوترة مع الآخر، ما يسهم في إحداث مشكلات بين متّبعي هذا الاتجاه، وأصحاب الملل الأخرى في مسألة التعايش.

التاريخ العربي الإسلامي برأيهم لا يتقدم إلا بالعودة إلى الوراء إلى السلف وما كانوا عليهم

ورغم جمود وماضوية دعوة شيوخ السلف، فإنّهم دائمو التعاون مع السلطة السياسية، أو على الأقل عدم الاصطدام معها؛ لأنّ من مبادئهم طاعة ولي الأمر، "ولو جلد ظهرك" فطاعته واجبة وإن كان ظالماً؛ وفي هذا السياق يعزفون في خطابهم الديني عن تناول مشكلات الناس الواقعية؛ من انتشار الظلم والفقر والعوز، وكلّ مشكلات الناس الاجتماعية، وترتكز دعوتهم على حراسة العقيدة وحراسة الأخلاق، ويروّجون للصبر على البلاء، حتى يخدّروا الناس ويصرفوهم عن مشكلات واقعهم.

يوماً بعد يوم أخذت تتراجع سطوتهم وتأثيرهم في الشباب والحياة الاجتماعية في الفترة الأخيرة، فسئم المجال العام من خطابهم، وأصبحت دعواتهم التقليدية؛ عن الرقّ، وسبي النساء، وإرضاع الكبير، مجالاً للسخرية في العالم الافتراضي؛ لأنّها كشفت للناس أنّهم يعيشون بأجسادهم في العصر بكلّ مكتسباته، لكنّهم يروّجون في دعوتهم للماضي بكل تاريخيته.

الصفحة الرئيسية