صحيفة تركية تتهم "سي آي إيه" بمساندة داعش.. هل التنظيم صناعة أمريكية؟

11782
عدد القراءات

2019-04-09

لا تفتأ الأصوات التي تزعم أنّ تنظيم داعش صناعة أمريكية تهدأ، حتى تعلو من جديد، وهذه المرة تأتي من تركيا؛ حيث نشرت جريدة "يني شفق"، منتصف الشهر الماضي، صورة قالت إنّها لأبي بكر البغدادي، وهو يستقل مدرعة أمريكية، متهمة الولايات المتحدة بالإعداد لـ"مؤامرة جديدة" مع التنظيم المتطرف.

اقرأ أيضاً: "داعش" ما بعد السقوط.. حول "الموجة الرابعة" من الإرهاب‎
ونقلت الصحيفة معلومات تفيد بأنّ مسلحين من "داعش"، فارين من الباغوز، أكدوا صحة الصورة، لكنّ الصحيفة لم تحصل على معلومات حول مكان وتوقيت التقاط الصورة.

وقالت الصحيفة: إنّ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" استجوبت نحو ألفين من مسلحي داعش، من معسكرات خاضعة لحزب العمال الكردستاني، مضيفة أنّ 140 منهم حصلوا على جوازات سفر مزيفة.

اتُّهمت الدولة التركية كثيراً، بأنّها ساهمت في بزوغ نجم تنظيم داعش

صنيعة واحدة وصانع متعدد

اتُّهمت الدولة التركية كثيراً، بأنّها ساهمت في بزوغ نجم تنظيم داعش، عبر تسهيلات عبور المقاتلين عبر حدودها مع الدولة السورية، فضلاً عن تبادل النفط مقابل المال.

إلّا أنّ الصحيفة التركية تتهم "سي آي إيه" بأنّها أعلنت عدة مناطق من دير الزور مناطق عسكرية، وأغلقتها لدخول السكان المدنيين وخروجهم منها، ويقوم البنتاغون، وفق الصحيفة، في المناطق التابعة له باستجواب أفراد مختارين، ويتم بعد ذلك نقل المقاتلين إلى نقاط تجمع داعش في معسكرات، وبعضهم الآخر إلى معسكرات سريّة يتم تحديدها من قبل وكالة المخابرات المركزية.

اقرأ أيضاً: بالوثائق.. بحث استقصائي يكشف الدور التركي في دعم داعش
وزعمت الصحيفة أنّ ممثلين عن الاستخبارات الإسرائيلية والفرنسية والبريطانية يزورون تلك المعسكرات السرية، ويتم فيها إعداد وتوزيع البطاقات الشخصية وجوازات السفر من أجل توفير خروج الإرهابيين عبر العراق.

لم يتوقف الترويج بأنّ الاستخبارات الأمريكية وراء ظهور داعش وتمددها على الصحافة التركية؛ بل امتدّ للصحافة العراقية الموالية للدولة، التي تخوض تحالفاً مع الولايات المتحدة نفسها ضد داعش، ما نتج عنه تحرير الأراضي العراقية التي كانت قد سيطرت عليها داعش منذ عام 2014.

وبينما يرى النظام السوري أنّ داعش والفصائل الإسلامية الأخرى المقاتلة لها على الأراضي السورية؛ هم صنائع الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ فصائل المعارضة السورية، وعلى رأسها الجيش السوري الحر، يرى في داعش صنيعة نظام بشار الأسد والنظام الإيراني في طهران.

البغدادي الإسرائيلي!

ولم يقف الأمر عند اتهام داعش بأنّه صنيعية أمريكية؛ بل نشرت مواقع وصفحات على السوشيال ميديا، بعد سيطرة داعش على الموصل، وإعلان داعش للخلافة، صوراً لشخص إسرائيلي الجنسية، على أنّه أبو بكر البغدادي، زعيم داعش، وأنّه ما هو إلا ضابط في الموساد الإسرائيلي.

مع أنّ الحكومة العراقية نفسها، أعلنت أن أبو بكر البغدادي، هو إبراهيم عواد السامرائي البوبدري، وهو شخص سليل أسرة عراقية تسكن المنطقة منذ قديم الزمان، وأنه كان معروفاً بشخصه ونسبه؛ بل وأنّ عائلته تنسب نفسها إلى الحسين بن علي بن أبي طالب.

اقرأ أيضاً: الفلبين الوجهة القادمة لداعش

يبدو أنّ هناك حالة من عدم الاعتراف بأنّ تنظيم داعش هو أحد إفرازات الحالة العربية الإسلامية، بما يعتريها من أمراض، اجتماعية وسياسية ودينية.

وبالنظر إلى السياق التاريخي الذي نشأ فيه داعش؛ سنجد له أباً معروف النسب والهوية، وهو أبو مصعب الزرقاوي، الذي ادعت الولايات المتحدة الأمريكية، قبيل غزوها للعراق، بوجوده فيها، حتى أنّها عدته من أسباب غزوها لبغداد.

ومع أنّ فصائل المقاومة العراقية نفت وجوده وقتها، معتبرة أنّ الولايات المتحدة اتخذت من هذا الشبح ذريعة لاحتلالها البلاد، إلا أنّ الواقع أثبت وجود الزرقاوي وجماعته هناك، بعد أن نشر مقطعاً مصوراً لهم.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أول جاسوس بريطاني أعدمه "داعش"

وكتبت قيادات القاعدة، بعد مقتل الزرقاوي، تفاصيل عن سيرته الذاتية، وهجرته الأولى والثانية لأفغانستان، وكيفية هروبه إلى إيران ومنها إلى شمال العراق، قبيل الغزو الأمريكي بنحو العام.

أما عن المنهجية التي يقوم عليها التنظيم؛ فهي تخرج من بين أوراق بعض الكتب التراثية، المستندة إلى مرجعية فقهية، فضلاً عن أنّ هذه المرجعية تأسست عليها الحركات الإسلاموية السابقة على التنظيم، وإن بات داعش بعد ذلك أكثر تشدداً، إلا أنّ هذا التشدد استند أيضاً إلى مرجعيات فقهية معروفة.

صناعة أم توظيف؟

لكن هذا لا يعني أنّ هناك قوى دولية يمكنها توظيف تلك الجماعات، دون أن تكون صانعتها منذ البداية.

ومن جانبه يقول الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، أحمد بان، لـ"حفريات": إنّ "لعبة توظيف الإرهاب لخدمة مصالح الدول أمر شائع في السياسة الدولية؛ فالولايات المتحدة الامريكية برعت تاريخياً في تحويل التهديد إلى فرصة، وقد فعلت ذلك في أفغانستان وظلت السياسات الأمريكية مخلصة لتلك التوجهات لكن بطبيعة الحال؛ هي نتاج ثقافة متردية، سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وهي نتاج تراجع لياقة الدولة الوطنية وكفاءة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بمعنى أنها منتج طبيعي لظروف بيئية، بالتالي فإنّ علينا أن نفرق بين سياقات النشأة وظروفها ومستجدات التوظيف من قبل تلك القوى أو غيرها".

اقرأ أيضاً: إيران وميليشياتها تعيد الموصل إلى حقبة "داعش"
يستطرد "بان" قائلاً: عندما نفتش فيما فعله داعش يلفتنا أنه هدّد الجميع باستثناء أمريكا وإسرائيل"، مضيفاً: "التنظيمات الإرهابية تُستخدم من كلّ الأطراف في الحقيقة، بسيف التمويل، لذا لن نعدم دليلاً على دعم كل الفرقاء لداعش في الساحة السورية والعراقية إلى حدّ التناقض أحياناً، لكنّ المصالح تتصالح وتتقاطع في النهاية، وكلّ طرف في سبيل تحقيف مصالحه قد يدعم مَن يعتقد البعض أنهم خصومه".

يضع "بان" يده على نقطة محددة؛ إذ يقول: "أخطر ما جرى في السنوات الأخيرة ليس الإرهاب؛ بل التعامل مع هذا الخطر باعتباره أداة من أدوات تحقيق المصالح".

لا يمكن لتنظيم مصنوع أن يحقق مثل هذه النجاحات

هل من دليل؟

أما علي عبدالعال، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، فيرفض بشدة مقولة إنّ داعش صنيعة أمريكية، ويسوق في سبيل ذلك عدداً من الأدلة، منها: "أنّ الذين يقولون ذلك لم يقدموا دليلاً يمكن للباحث الموضوعي أن يطمئن إليه".

كما أنّ أولئك يتحدثون عن "تنظيم له أيديولوجيا معروفة، في تحكيم الشريعة وإقامة الخلافة، وهذا معناه معاداة قوى عديدة في هذا الكون".
يضيف عبدالعال في حديثه لـ "حفريات": ظروف نشأة هذا التنظيم تاريخياً معروفة، منذ أن كان يعمل في العراق تحت راية تنظيم (القاعدة)، حينما بدأ كفصيل مقاوم للاحتلال الأمريكي، وكبّد الأمريكيين وحلفاءهم خسائر جسيمة، وهذا كافٍ ليردّ على مقولة إنّه صنيعة أمريكية.

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

ويرى عبدالعال أنّه لا يمكن لتنظيم مصنوع أن يحقق مثل هذه النجاحات على مستويات عدة: مستويات أيديولوجية، مستويات في التجنيد والاستقطاب من جنسيات مختلفة، مستويات إعلامية ومالية وتسليحية؛ بل ونجح في أماكن مختلفة في إيجاد الحاضنة الشعبية الداعمة له.

كما أنّ النظر في قائمة أعداء داعش يؤكد أنّه لا يمكن أن يكون صنيعة لهم، وقائمة أعداء التنظيم تطول.
يخلص عبدالعال إلى أنّه "في ظلّ كلّ هذه النقاط، يمكن تصديق فرضية أن تختار قوى من هذه القوى الدولية دعم التنظيم بشكل غير مباشر، أو حتى بشكل مباشر، في بؤرة صراع معينة؛ لأنّ لها مصالح فيها. فيكمننا أن نصدق مثلاً فرضية أن تقدم الولايات المتحدة دعماً لفرع داعش في أفغانستان، نكاية في حركة طالبان، لكن أن يكون التنظيم بكل فروعه، وعبر تاريخ ظهوره، صناعة أمريكية؛ فهذا ما لا يمكن تصديقه، ولا يوجد ما يمكن أن يدعمه نظرياً أو مادياً".

اقرأ المزيد...

الوسوم: