صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟

صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟

مشاهدة

06/01/2020

ترجمة: إسماعيل حسن


وسط صمت دولي، تواصل تركيا، برئاسة رجب طيب أردوغان، طريقها نحو تعميم المياه الدولية في حوض البحر المتوسط إلى مياه اقتصادية، فيما الكلّ من الدول المجاورة صامت إزاء هذه السياسة.

اقرأ أيضاً: هل توحّد أطماع أردوغان الليبيين؟
أردوغان يتصرف اليوم بمنطق السلطان الذي يدرك أهمية الموانئ البحرية؛ حيث يستعرض قوته على حساب كلّ من اليونان وقبرص وداعميها، من خلال توسيع مساحات شاسعة من أعمال البحث والتنقيب عن النفط والغاز لتصل إلى عشرة آلاف كيلو متر، متجاهلاً القوانين والأعراف الدولية كافة.

 


هذا الاستعراض كان مدخلاً لشنّ كتّاب وصنّاع قرار في الساحة السياسية الإسرائيلية، حملة منظمة ضدّ التغول الإقليمي لأردوغان في المنطقة، والذي يهدّد الثروات الطبيعية للدول المطلة على ساحل البحر المتوسط، بما فيها إسرائيل، بينما تقوم تركيا مؤخراً بتحديث القطع البحرية الموجودة لديها بأنظمة تقنية وملاحية وأجهزة رادار وأنظمة تسلح محلية الصنع، فيما ذكرت بعض المصادر أنّ تركيا ستضيف حوالي 24 قطعة بحرية إلى أسطولها البحري بحلول الذكرى المئوية، لتأسيس الجمهورية عام ٢٠٢٣، وتعدّ حاملة الطائرات الخفيفة الأناضول من أبرز القطع البحرية التي ستدخل الخدمة في نهاية عام ٢٠٢٠، وهي أكبر قطعة حربية تنتجها الصناعات الدفاعية المحلية في تركيا على الإطلاق، وتفوق تكلفة الأناضول نصف مليار دولار، وستكون بمثابة مركز قيادة عائم، وهي قادرة على حمل المقاتلات المتعددة المهام والأكثر تطوراً في العالم؛ حيث إنّ هذه المعطيات تعطي أنقرة القدرة على أن توظف قوتها البحرية في خدمة مصالحها الإستراتيجية، وتخولها الدفاع عن حقوقها في شرق البحر المتوسط بثبات ودون تقديم تنازلات.

 

المحلل السياسي، إسحاق ليفانون، يرى في ظلّ التطور المتلاحق للأنشطة التركية، أنّ أردوغان، يحلم باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية

الخبير في الشأن السياسي، إسحاق ليفانون، يرى في ظلّ التطور المتلاحق للأنشطة التركية، أنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يحلم باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية ليكون هو سلطانها، وفي الوقت الذي نعتقد فيه أنّ هذا مجرد حلم؛ فإنّه من جهته يعمل بأسلوبه كي يحقق الهدف، فقد اجتاح عسكرياً جارته سوريا ويرفض مغادرة المنطقة، ارتبط بإيران وروسيا كي يكون الضلع الثالث في الثلاثي الذي يلتقي على نحو متواتر في الأستانة، التي هي اليوم نور سلطان، عاصمة كازاخستان، في محاولة لإيجاد تسوية سياسية في سوريا.

 


يريد أردوغان نصيبه في الكعكة، وتعزيز طبيعة علاقاته المستقبلية مع جارته السورية، لكنّ هذا لم يتحقق له، فتوجّه نحو قطر وهو يحاول من خلالها توثيق علاقاته مع بعض من دول الخليج، يتعاون أردوغان مع قطر لمصلحة حماس وحزب الله والإخوان المسلمين، كما أنّه يدعم قطر في مقابل مصر، التي يرى فيها منافسة جدية تعرقل تحقيق أحلامه، إضافة إلى ذلك يعزز عسكرياً وجوده في القسم التركي من قبرص بتعابير أخرى حيال الهيمنة الإيرانية، يعمل أردوغان على هيمنة تركية خاصة به وشهيته لا تعرف الشبع.

 

أين قيادة ترامب من وضع حدّ لعربدة أردوغان في المنطقة، فهو وحده من يمكنه وقف التغول التركي؟

نذكر بأنّه كان للإمبراطورية العثمانية تطلع للتقرب من ليبيا بل واحتلالها، وعليه فإنّه يستغل الفوضى السائدة في ليبيا بعد عصر القذافي، ويعمل على تحقيق الحلم القديم، ومؤخراً وقّع مع حكومة الوفاق الليبية اتفاقَين قد يشعلان المنطقة، الأول بالتعاون الكامل، بما في ذلك العسكري، الذي يسمح له بإرسال جيش وسلاح إلى طرابلس، والثاني تحديد الحدود البحرية؛ حيث تخطى الحدود التي رسمت، ومسّ اليونان، وبشكل غير مباشر أيضاً بمصر وإسرائيل، هذه منطقة غنية بالغاز والنفط، وكلّ واحدة من الدول المذكورة ترى نفسها متضررة، حتى لو كان الحديث يدور عن عضو تماماً، مثل تركيا في الناتو، وفي إطار ذلك يمسّ أردوغان أيضاً باتفاقات إسرائيل مع دول المنطقة في موضوع الغاز.

اقرأ أيضاً: لماذا يسعى أردوغان لإقحام تونس في الأزمة الليبية؟
على صعيد ليبيا؛ فهي ممزقة بين حكومة الوفاق برئاسة السراج، وحكومة الجنرال حفتر الذي تدعمه مصر وفرنسا ومقاتلين روس، أما أردوغان فقد بعث بمستشارين عسكريين لمساعدة السراج، وهو يدعمه مالياً وسياسياً، بينما يهدّد أردوغان بإغلاق القاعدة الجوية "إنجرليك" التي يستخدمها الأمريكيون، وقاعدة كورجيك؛ حيث تنصب رادارات الناتو، وحيال الردّ الهزيل من الولايات المتحدة والناتو، يبدو أنّ تعزيز قوة الجنرال حفتر وإسقاط حكومة الوفاق سيؤديان إلى إلغاء الاتفاقَين، اللذين وقعت عليهما تركيا، وعندها ستهدأ المنطقة إلى أن يقرّر أردوغان تحدياً آخر في إطار هيمنته.

 


من جهة أخرى، يقول الكاتب عاموس غلبوع، عام 1571، قرب مضيق كورينتوس في اليونان، في المكان الذي يسمى لابينتو، ألحق أسطول أوروبي مشترك هزيمة ساحقة بالإمبراطورية العثمانية، ومنعت هذه المعركة سيطرة عثمانية محتملة في البحر المتوسط، لقد كان للإمبراطورية العثمانية جيش بري قوي، لكنّ أسطولها كان ضعيفاً تشكّل في معظمه من رجال بحر يونانيين، اليوم، بعد نحو 450 عام، يفهم أردوغان الذي يرى نفسه كالسلطان التركي أهمية الأسطول البحري.

 

أردوغان يستغل الفوضى السائدة في ليبيا بعد عصر القذافي، ويعمل على تحقيق الحلم العثماني القديم باحتلال تلك البلد

لتركيا الأسطول الأقوى في البحر المتوسط، ومفخرة الأسطول التركي هي 14 غواصة ألمانية متطورة، وعلى ما يبدو أربع غواصات أخرى يخطط لشرائها من ألمانيا، وأغلب الظنّ دون أن تطلب ميركل إذن البيع من إسرائيل، و20 سفينة صواريخ أخرى مزودة بأفضل السلاح الأمريكي وحاملة طائرات خفيفة ستدخل قريباً في الخدمة العملياتية، ومقابله هناك الأسطول المصري المتعاظم، وكذا الأسطول اليوناني، وهما أضعف منه، كلّ هذه المعطيات تلقى المعنى أمام ثلاثة سياقات تجري منذ زمن ما في الحوض الشرقي من البحر المتوسط الأول، مكتشفات من مخزونات كبرى من الغاز في الحوض الشرقي من البحر المتوسط واحتمال الثراء الهائل القائم فيها، ومجرد السياق يبعث على السؤال لمن تعود المياه التي يوجد فيها الغاز والنفط، في هذا الإطار يصعد إلى المنصة مصطلح المياه الاقتصادية، هذه المياه تعرف كالأراضي البحرية التي للدولة فيها الحقّ في استغلال المقدرات الطبيعية على مسافة تبعد حتى نحو 300 كيلومتر عن شواطئها، بقدر ما لا تدخل إلى المياه الاقتصادية لدولة مجاورة، السياق الثاني هو السيطرة بالقرصنة من جانب الأتراك، فقد بدأ هذا في أنّهم أخذوا ينفذون تنقيباً عن النفط في المياه السيادية لقبرص مستخفين بالاتحاد الأوروبي، واستمرّ هذا إلى قبل نحو أسبوعين، حين أعلن الأتراك رسمياً أنهم توصلوا إلى اتفاق مع حكومة ليبيا على مياه اقتصادية مشتركة، تمتدّ من تركيا وحتى ليبيا، رواق بحري بطول نحو 700 كيلومتر وبعرض نحو 200 كيلومتر، يقطع البحر المتوسط بين قبرص وكريت التي في اليونان، وبعبارة بسيطة؛ سطا الأتراك على مساحة من المياه الاقتصادية من اليونان وقبرص والقليل من مصر، السياق الثالث هو حرب الدولتين المتعاظمة في ليبيا، التي تتقاتل فيها حكومتان، الأولى في طرابلس غرب الدولة، وتعترف بها الأمم المتحدة ويدعمها الاتحاد الأوروبي، وتتلقى مساعدة عسكرية تركية آخذة في التعاظم، أما الثانية فتسيطر على معظم أراضي الدولة، وتتلقى مساعدة عسكرية روسية وتحظى بدعم من مصر والسعودية وهي بالطبع لا تعترف بالاتفاق مع الأتراك.

 


وهكذا، بينما انشغلوا عندنا باهتمام شديد في صراع محموم ضدّ نتنياهو، تمكّن سلاح البحرية التركي من طرد سفينة بحرية إسرائيلية من شواطئ قبرص، أما الحوض الشرقي للبحر المتوسط فيسخن قبيل الشتاء، الأجواء مفعمة بالتهديدات؛ الأتراك يهددون، والمصريون يهددون، واليونانيون يشتكون ويحتجون، الاتحاد الأوروبي الذي داست تركيا بقدم فضة على سيادة اثنتين من أعضائه، السبب أردوغان يهدّد بإغراق أوروبا ببضعة ملايين من اللاجئين، والاتحاد الأوروبي يرتعد، تصوروا كيف كان سينهض كالأسد لو كانت إسرائيل تجرأت على إخلاء البدو من الخان الأحمر والسؤال هنا: أين قيادة ترامب من وضع حدّ لعربدة أردوغان في المنطقة؟ فهو وحده من يمكنه وقف التغول التركي، لكن بدعم من أوروبا؛ فهذه أيضاً مشكلة أمنية لنا، ستتفاقم في المستقبل إذا ما واصل السلطان أردوغان قرصنته.

 


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-736147
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-736149

الصفحة الرئيسية