صراع الرقابة والإبداع في التاريخ المصري.. من المنتصر؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
1176
عدد القراءات

2018-12-06

مرّ تاريخ السينما في مصر، بمراحل وتطورات جمة، ورافق ظهور تلك الصناعة قيام الرقيب بمهام وأدوار تقوم بالحذف والمنع والمصادرة، وتتعقب بدورها العناصر التكوينية للفن، وتتحرى مضمونه، وتفتش فيما وراء الرسالة التي يعنى بها، للبحث في مدى مطابقته للرؤية الحاكمة للسلطة، من ناحية، أو مشاكسته ومعارضته لها، حتى يتسنى له منحه جواز المرور من عدمه.

صراع السلطة والرمز

ارتبط الفن والإبداع، على مدار تاريخه، بصراعه الحتمي مع السلطة، وذلك، تبعاً لمواقفه المتفاوتة منها؛ وهو الصراع الذي أخذ أطواراً مختلفة، كما تعرض لأشكال متنوعة من الاضطهاد، في ظل محاولات السلطة الدؤوبة لتطويع الثقافة، بوجه عام، ومصادرها المتنوعة، بالشكل الذي يتناسب مع رؤيتها، ومصالحها البراغماتية، التي تضمن بقاءها في السلطة، بما لا يخدش صورتها، ويخالف خطابها العام والرسمي، وإخضاع آليات الإبداع، وعناصره، ومخرجاته، لأهدافها السياسية والأيدولوجية.

اقرأ أيضاً: هل قدمت السينما المصرية صورة منصفة للمعلم؟

هذا الأمر اضطر المبدع، في المقابل، لتشكيل حيل مختلفة للتخفي وراءها، وتفادي مقص الرقيب؛ حيث عمد إلى الاستعانة بوسائل عديدة، ووسائط مختلفة، بغية تمرير فكرته.

مع صعود الأصولية الدينية أو ما عرف بـ"الصحوة الإسلامية" تعرضت عدة أفلام لمقص الرقيب والحذف وتشويه محتواها

ومن بين هذه الحيل، الالتجاء إلى الرمز وتكثيفه في أنساق، غير مباشرة، بالإضافة إلى بناء قصة موازية داخل العمل، تتناص مع الحدث الرئيس، وتكون مصدرها تاريخي أو أسطوري، ما يسمح بتعدد مساحات التأويلات والتلقي، بهدف إرباك الرقيب والتشويش على آلياته المتعسفة.

جاء صدور أول قانون للرقابة في مصر، الذي اختص بالرقابة على المطبوعات، إبّان ثورة عرابي، بحيث تتمكن السلطة، وقتذاك، من السيطرة على الصحافة وكل ما ينشر أو يعرض، من مواد مقروءة وغيرها، فضلاً عما يتم الترويج له من مواقف سياسية، والتي كانت في غالبيتها مؤيدة للحركة الوطنية بقيادة الزعيم الوطني، أحمد عرابي.

كيف تشكلت سلطة الرقابة؟

إبان فشل الثورة العرابية وتعطل الحركة الوطنية، التي كانت تتبنى عدة مطالب، من بينها، الحكم النيابي في مصر، بدأت السلطة تبطش بكافة المظاهر التي رافقت اندلاع الثورة، واعتبرتها محرضاً للخروج عليها، فتوجهت إلى المسرحيات التي عبرت عن السخط الشعبي، ضد بعض الحوادث السياسية والمجتمعية، التي مارسها ضدهم الاستبداد والاستعمار، فألغت مسرحيتي "عرابي باشا"، و"حمام دنشواي".

ارتبط الفن والإبداع على مدار تاريخه، بصراعه الحتمي مع السلطة

تلا ذلك التاريخ محطة جديدة، تطورت فيها أشكال المنع والرقابة، والمستهدفين منها، بحيث تجاوزت الصحف والمطبوعات، إلى الأفلام السينمائية؛ ففي العام 1904، تم إدراج الأفلام السينمائية ضمن المواد التي تخضع لقانون الرقابة، وفي العام 1911، صدرت لائحة "التياترات"، التي كانت تتبع المكتب الفني في وزارة الداخلية، وبالتالي، جرى تخصيص مكان محدد لضباط البوليس، لمراقبة ومشاهدة العمل المعروض.

اقرأ أيضاً: "الفنّ لا يغني من جوع" ... هكذا شوّهوا أطفالنا

بيْد أنّ المسرح الذي حقق رواجاً وانتشاراً مهماً، في عهد الخديوي إسماعيل، وسبق في ظهوره فن السينما، على يد يعقوب صنوع، أحد الرواد الذين صنعوا هذا الفن، ليس في مصر، فقط، وإنما عربياً، مع رواد آخرين كأبي الخليل القباني، ومارون النقاش، طاله عدوان السلطة، وتعسف الرقيب، حيث كان "موليير مصر"، أول من تعرض مسرحه للإغلاق، حيث كانت تقدم عروضه على مسرح قاعة الأزبكية.

يعقوب صنوع.. رائد المسرح العربي

كانت مسرحيات يعقوب صنوع  مثل: "الغلابة" و"الوطن والحرية"، تتناول قضايا الفئات البسيطة من المجتمع، والطبقات الفقيرة والمهمشين من المصريين، وتتميز بالنقد الاجتماعي لواقعهم، فتصف حياتهم الصعبة والشاقة، وتفضح التناقضات الطبقية وما يواجهونه من شظف العيش، ما تسبب في نفي يعقوب صنوع إلى باريس، وغلق مسرحه، بعد عرض مسرحيته الأخيرة التي سخر فيها من فساد القصر.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أول معهد مختصّ بالثقافة والفنون بالسعودية

خضعت الرقابة في مصر لعدة شروط تاريخية وسياسية واجتماعية، وهو ما يجعل تاريخ الرقابة استعراضاً لهذا التاريخ المعقد، بكل ما أسفر عنه من أحداث ومواقف وتطورات، حيث ارتبط وجود الرقيب، تاريخياً، بالمحتل الإنجليزي في مصر، كما توضح أمل عريان، في كتابها: "سلطة السينما.. سلطة الرقيب"، والذي كان يحقق أغراض المستعمر ويروج لمشروعه، ويتعاطى مع أهدافه، بينما يتصدى لأية مصلحة وطنية ومصرية.

عام 1955 انتقلت الرقابة إلى ماعرف بوزارة الإرشاد القومي ثم التحقت بالمجلس الأعلى للثقافة عام 1980

ومن هنا، نشأ دور النقاد السينمائيين المصريين، في وقت مبكر، لمواجهة هذا النشاط التخريبي عبر تدشين المجلات السينمائية، التي طالبت بصناعة سينمائية تكون مصرية مائة بالمائة.

وتشير عريان إلى أحد المواقف التي تصدى لها الناقد المصري، عز الدين صالح، في مجلة: "معرض السينما"، حيث اعترض من خلال مقال كتبه، على وكلاء شركات السينما في مصر، الذين يقدمون رؤى مغلوطة، ومشاهد مزيفة، في دور العرض الأجنبية، ويتعمدون إهانة كل ما هو شرقي، كما حدث في أحد الأفلام، التي تعرض رحلة قامت بها بعثة فرنسية، وحطت رحالها في ضيافة أحد السلاطين المصريين، وكتب في أحد مناظرها، إنّ القرآنالكريم  يحظر رؤية السلطان وهو يتناول طعامه.

سينما ميامي في مصر تأسست عام 1923

كما تصدى جماعة النقاد السينمائيين لفكرة تنميط صورة المصري، باعتباره متوحشاً وقواداً ويتبع شهواته، كما في فيلم "ليلة في القاهرة".

الفن بين الحرية والدعاية السياسية

في ظل ذلك التاريخ المليء بشتى الصراعات السياسية والاجتماعية، التي تضمر داخلها الدوافع الواقعية من وراء هذه القرارات، تظهر رغبة محمومة تقاسمتها الأنظمة السياسية كافة، التي تعاقبت على الحكم في مصر، خلال فترة ما قبل وبعد ثورة تموز (يوليو) العام 1952، لجهة فرض سياستها سواء بالمنع أو الإباحة، وضبط ما يتم تداوله من أفكار، ناهيك عن فرض هيمنتها على ظروف إنتاجه وعرضه، بغض النظر عن القنوات الناقلة له.

اندلعت أولى معارك السينمائيين مع الرقابة في مصر منذ منتصف العشرينيات من القرن المنصرم في عهد الملك فؤاد

في العام 1955، انتقلت الرقابة إلى ماعرف وقتها بـ "وزارة الإرشاد القومي"، ومن ثم، التحقت بالمجلس الأعلى للثقافة، في العام 1980.

اندلعت أولى معارك السينمائيين، مع الرقابة في مصر، منذ منتصف العشرينيات، من القرن المنصرم، في عهد الملك فؤاد، الذي اعترض على فيلم ألماني، بدعم من مصطفى كمال أتاتورك؛ لأنّ الفنان المصري، يوسف وهبي، سيقوم بتمثيل شخصية النبي محمد، عليه السلام، وقام بتأليب مشيخة الأزهر ضده.

ولئن كان الملك فؤاد يطمح بدور سياسي جديد، يتمثل في تتويجه بمنصب الخلافة، واستعادتها في القاهرة، بعد سقوط الخلافة العثمانية، في العام 1924، وذلك عبر دعم بريطانيا له التي حرضته ووجهته بإغراءات شديدة بأن تنتقل الخلافة من تركيا إلى مصر، فقد قام بمنع الفيلم، وتهديد الممثل يوسف وهبي بالنفي، وإسقاط الجنسية المصرية عنه، استجابة لشروط المنصب الجديد الطامح له، والذي كان يعتبره قاب قوسين أو أدنى. 

اندلعت أولى معارك السينمائيين مع الرقابة في مصر في عهد الملك فؤاد

وفي توقيت متزامن، في نهايات العام 1925، وبداية العام 1926، شهد التاريخ الثقافي المصري وقائع معركتين، تعكسان السياق السابق نفسه وملابساته، عندما أصدر طه حسين كتابه: "في الشعر الجاهلي"، والثانية، مع الشيخ علي عبدالرازق وكتابه: "الإسلام وأصول الحكم"، فتعرض الأخير لمحاكمة داخل الأزهر الشريف، وتم تجريده من شهادة العالمية، وتكفيره، وطرده من زمرة العلماء، بينما كان من نصيب الأول أن تم التحقيق معه في النيابة المصرية، لكنه، حصل على البراءة، دون أن تسقط عنه شبهة التكفير التي وصمه بها الأصوليون.

ثورة يوليو.. جولة جديدة مع الرقابة

وفي العام 1955، صدر قانون جديد للرقابة، لكنه اختلف عن القوانين السابقة، في العهد الملكي، حيث لم ينص في لوائحه على بنود معينة، أو تعليمات محددة، إنما شمل مجموعة من الأهداف العامة التي يحرص على تنفيذها وضبطها الرقيب، وكانت في جملتها صيغ شديدة العمومية، تخضع في نهاية المطاف، إلى تقدير صاحب المنصب، ورؤيته، من ناحية، ومدى انفتاحه أو انغلاقه، من ناحية أخرى.

اقرأ أيضاً: متى تخرج الأعمال الفنية من صندوق الصور السطحية للمتدينين؟

ومن بين تلك الأهداف الموضوعة؛ هي الحفاظ على الآداب العامة، والأمن والنظام العام، ومصالح الدولة، وهو ما يجعل الناقد السينمائي، سمير فريد، يعتبر ذلك القانون تعبيراً عن روح الثورة، وينتصر لحرية الفن، بوجهة نظره، في كتابه: "تاريخ الرقابة على السينما في مصر".

تتفاوت دوافع وأسباب الرقابة، بحسب المناخ السياسي، الذي يفرض بناءً عليها التوجهات العامة

بيد أنّ ثمة خللاً في القانون الذي يحتفي به الناقد المصري، حيث جعل الرقيب يقوم بطرح تأويلاته الخاصة تجاه الأعمال الفنية، والتي كانت سطحية ومباشرة، في أحيان كثيرة، ما يؤول بها إلى المنع والمصادرة، بدون وجه حق، كما حدث في فيلمي "ميرامار"، "وشيء من الخوف".

اتهم كلا الفيلمين المذكورين، بأنهما يحويان طعناً في الثورة (ثورة 1952)، ونقداً مباشراً مسيئاً لها، فضلاً عن التشنيع ضد الرئيس جمال عبدالناصر، وديكتاتوريته، في شخصية "عتريس" الذي قام بأدائها الفنان محمود مرسي، في فيلم "شئ من الخوف".

ومع صعود الأصولية الدينية، أو ما عرف بـ"الصحوة الإسلامية"، في منتصف السبعينيات، تعرضت عدة أفلام لمقص الرقيب والحذف، وتشويه محتواها، مثل: "درب الهوى"، "خمسة باب"، و"المذنبون"، و"القاهرة منورة بأهلها"، بحجة الإساءة لسمعة مصر، وهو ما يعتبرها تهماً فضفاضة، وغير مفهومة، كما قال لـ"حفريات المخرج أحمد عصام.

غلاف كتاب "تاريخ الرقابة على السينما في مصر" لسمير فريد

وتتفاوت دوافع وأسباب الرقابة، بحسب المناخ السياسي، الذي يفرض بناءً عليها التوجهات العامة، كما يوضح عصام. وفي هذا الإطار، جاء منع فيلم "ناجي العلي"، في العام 1992، حيث رأى فيه بعض الصحفيين والسياسيين في مصر، أنه "تحريض على موقف القاهرة السياسي من القضية الفلسطينية، منذ عهد السادات، وقيامه بتوقيع معاهدة كامب ديفيد، والسلام مع إسرائيل، وهو ما كان يهاجمه الفنان الفلسطيني، عبر رسوماته الشهيرة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: