صراع "داعش" و"الشباب" في الصومال: التنافس على ميدان الإجرام

4368
عدد القراءات

2019-02-09

تحاول حركة الشباب الإرهابية، والمجموعة التي أعلنت نفسها كفرع لداعش في الصومال، بقيادة عبدالقادر مؤمن، تقديم نفسيهما الوجه الجهادي الأبرز في شرق إفريقيا، ويحتدم الصراع بين التنظيمين المتطرفين؛ عبر المنافسة على ميدان الاغتيالات والتفجيرات، في سعي كلّ منهما لوضع نفسه في دائرة الاهتمام.

رغم أنّ حركة الشباب تموّل نفسها عموماً من خلال الابتزاز والنشاط الإجرامي إلا أنها تتلقى أيضاً تمويلاً من القاعدة

وينتشر فرع "داعش" في الصومال، في المناطق الجبلية الواقعة في ولاية بونتلاند، منذ العام 2015، وقد أحرز التنظيم خلال العام ونصف العام الماضيين تقدماً حقيقياً، فقد امتدّ نشاطها إلى مقديشو العاصمة، وعدة موقع كانت تابعة لحركة الشباب، بعد أن أعلنت حرباً ضدّ قيادات الحركة وعناصرها في مناطق تواجدها؛ حيث قتلت أكثر من 10 قيادات ميدانية كانت تنتمي لحركة الشباب، وأعلنت ولاءها لتنظيم داعش الدولي.

اغتيال مدير شركة "بي آند أو بورتس"

وضمن هذا التنافس على ميدان القتل والاغتيال، لإظهار فعاليتهما القتالية ووجودهما على الساحة، أفادت تقارير إعلامية، الإثنين 4 شباط (فبراير) الجاري، وردت من مدينة بوصاصو في ولاية بونتلاند، شمال شرق الصومال، بأنّ مسلحاً اغتال باول آنثوني فيرموسا، مدير مشروع شركة  "P&O Potrs" لتطوير ميناء بوصاصو.

وكانت الشركة المملوكة لحكومة دبي، التي يدير فيرموسا مشروعها، قد فازت، العام 2017، بامتياز مدته 30 عاماً لإدارة وتطوير مشروع ميناء متعدد الأغراض في مدينة بوصاصو بولاية بونتلاد، وأضافت التقارير أنّ مسلحاً تنكّر بزي صيادين أطلق النار على فيرموسا، وأرداه قتيلاً، قبل أن تقتله القوات الأمنية.

اقرأ أيضاً: ضربة جوية أمريكية تستهدف حركة الشباب الصومالية

وأعلنت حركة الشباب مسؤوليتها عن الهجوم، كما أكّد المتحدث العسكري للحركة القيادي عبدالعزيز أبو مصعب، مقتل أنتوني، ووصف الهجوم بأنه جزء من عمليات لاستهداف "شركات مرتزقة" تنهب ثروات البلاد وتتدخل في شؤون البلاد، بحسب قوله.

اغتالت الحركة باول آنثوني فيرموسا مدير مشروع شركة "بي أند أو بورتس"

هل الإمارات مستهدفة؟

ورغم أنّ الجهة الحقيقية التي كانت وراء الاغتيال ليست معروفة إلى الآن، نظراً لأنّ حركة الشباب غالباً ما تتبنّى كلّ الأعمال الإرهابية فقط لإثبات وجودها، يقول الكاتب الصحفي، يوسف غابوبي، في تصريح خاص لـ "حفريات": "بات من المعروف أنّ حكومة فرماجو منذ تدهور علاقاتها مع الإمارات، والتوقيع على اتفاقية الشراكة بين حكومة جمهورية صومالي لاند وموانئ دبي العالمية، حول تشغيل ميناء بربرة، قبل عامين، لا تزال تشنّ حملة لبث الكراهية ضدّ كلّ ما هو إماراتي".

اقرأ أيضاً: موانئ دبي العالمية: شمس الاستثمار في مجاهل أفريقيا
وأضاف: "حتى إذا لم تكن لحكومة فرماجو يد في التنفيذ المباشر لهذه العملية، إلا أنّ ترحيبها بما حصل يمكن قراءته من خلال التعليقات التي تشيد بالعملية، الصادرة من بعض مؤيديها المعروفين في وسائل الإعلام الاجتماعي".
من جانبها، أكّدت الشركة، عبر حسابها الرسمي على تويتر: "وفاة أحد العاملين لديها في ميناء "بوصاصو" في بونتلاند، صباح ذلك اليوم، في حادثة نتجت عنها أيضاً إصابة ثلاثة موظفين آخرين، جميعهم يتلقون العلاج الطبي اللازم".

وذكرت الشركة في تصريحها المقتضب: "‏يتم حالياً التحقيق في ظروف الحادث من قبل كلّ من "بي أند أو بورتس"، وسلطات بونتلاند؛ حيث تتعاون الشركة بالكامل مع الجهات المختصة للكشف عن ملابسات الحادثة".

كما تقدمت الشركة بالعزاء لعائلة الموظف المتوفَّى، وأضافت "حيث إنّ التحقيق لا يزال قائماً، لن تقوم "بي آند أو بورتس" بأيّ تعليق إضافي، إلى أن تتضح الحقائق الكاملة المحيطة بالحادث".

منافسة على الجهادية العالمية

تتزايد الضربات الجوية التي تستهدف حركة الشباب في الصومال، في ظلّ إدارة ترامب، رغم أنّ بعض المحللين يشككون في فاعليتها، إلا أنّ القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) تنشر بيانات إعلامية بشكل مستمر تزعم فيها أنّها "أضعفت" الشباب، وقد أعلن البنتاغون نيته تقليص أعماله في الصومال، بحسب ما ذكرت "إن بي سي"، في أوائل كانون الثاني (يناير).

تروج حركة الشباب نفسها لدى دوائر الجهادية العالمية

وجاء الهجوم، الذي وقع في 15 كانون الثاني (يناير) الماضي، في نيروبي، بمثابة ردّ على فكرة أنّ قوة "حركة الشباب" قد تراجعت، ومنذ ذلك الحين شنّت الحركة هجمات عدة على مواقع تابعة للقوات الأجنبية، التي تتواجد في الصومال، كما عززت الحركة التزامها بالولاء لتنظيم القاعدة؛ حيث إنّها أطلقت على العملية التي نفذتها ضد القوات الإثيوبية، الأسبوع الماضي، اسم أحد قيادات تنظيم القاعدة، وأُجريت العملية وفق توجيهات أيمن الظواهري، الذي حلّ محلّ أسامة بن لادن باعتباره القائد الأعلى للحركة.

لا تريد القاعدة بالصومال توسع داعش بأحد مواقعها التاريخية ويسبب صراعهما كمّاً هائلاً من العنف الذي يدفع ضريبته الأبرياء

ويتّسق ذلك النشاط الملحوظ بالمنافسة الجارية بين حركة الشباب وفرع تنظيم داعش، الذي يسعى إلى إيجاد موطئ قدم له في الصومال من خلال اجتذاب العناصر المنشقة عن الحركة، استعداداً لمزيد من المعارك مع مقاتلي حركة الشباب، التي يرغب في إزاحتها تماماً من المشهد، في حال استغل الحرب التي تشنها الحكومة الصومالية بمساعدة أميصوم، والقوات الأمريكية، ضدّ الحركة.

ويقول كين مينكهاوس، الخبير في الشؤون الصومالية في كلية "دافيدسون"، في مقابلة مع مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية: "تحاول حركة الشباب من خلال هجماتها في الخارج الترويج لنفسها لدى دوائر الجهادية العالمية"، ويشير مينكهاوس بالمثال على هجوم الشهر الماضي في نيروبي، وهجوم 2013 في مركز التسوق "ويستغيب"، التابع لشركة إسرائيلية، الذي أسفر عن مقتل 67 شخصاً.

اقرأ أيضاً: هل تموّل الاستخبارات التركية حركة الشباب الصومالية؟

وعلى الرغم من أنّ حركة الشباب تموّل نفسها عموماً من خلال الابتزاز والنشاط الإجرامي، إلا أنّها تتلقى أيضاً تمويلاً من القاعدة؛ لذا يرى بعض المحللين أنّ الهجمات المتكررة لحركة الشباب قد تكون محاولة للحصول على التمويل، بالتالي؛ يمكن قراءة بيان الحركة بشأن هجوم نيروبي بإلقاء اللوم على قرار الولايات المتحدة بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، على أنه موجه إلى الجهات الجهادية المنافسة لها في الداخل، في محاولة لإظهار التزامها بالجهاد العالمي.

حرب البقاء

وفيما يتعلق بالصراع العسكري بين التنظيمين المتطرفين؛ ففي أول الأمر، كانت تتركز أعمال تنظيم داعش في الصومال، بزعامة عبدالقادر مؤمن، في عمومها، على اغتيال شخصيات وقيادات في حركة الشباب، واجتذاب المنشقين منها، لكنها تحولت، في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2018، إلى مواجهة شاملة، وتكفير متبادل، وسعي كل طرف منهما للإطاحة بالآخر، في حرب مفتوحة، وخرجت الحركة ببيان ونداء لقتال داعش في الصومال، وهو ما ردّ عليه تنظيم عبدالقادر مؤمن بتوثيق المعركة، ونشر شريط الفيديو الذي صوِّرت فيه المعركة التي وقعت بين الطرفين، يوم 14 كانون الأول (ديسمبر) العام 2018، وهذا التوجه الجديد من كلا الطرفين، يؤكد أنهما في حرب بقاء مُعلنة.

يعمل داعش على اجتذاب المقاتلين الأجانب من حول العالم مقارنة بالشباب

وكانت حركة الشباب قد دعت، في بيان لها بعنوان "والله يعلم المفسد من المصلح"، إلى ضرورة استئصال داعش، معتبرة أنّ هذا التنظيم "كفّر المسلمين، واستحلّ أموالهم وأنفسهم"، كما أنه يحاول زرع الفتنة وسط الحركة؛ حيث عمل على خلق نزاعات وانشقاقات، كما عمل فصيل تنظيم داعش في منطقة باري على اجتذاب عدد من المقاتلين الأجانب، العام 2017، ومن بينهم مواطن سوداني يدعى سهيل سالم عبدالرحمن، والذي أدرج مكتب الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية اسمه في قائمة الرعايا الخاضعين لإدراج الأشخاص المجمدة أموالهم، في تموز (يوليو) العام  2012، لدوره في تسهيل دخول المقاتلين الأجانب إلى الصومال دعماً لحركة الشباب، وفق تقرير مجموعة الرصد التابعة للأمم المتحدة.

اقرأ أيضاً: ثلاث سنوات من الرعب: تجربة صحفي خطفه قراصنة صوماليون

وفي العموم؛ يمكن فهم هذا الصراع بين التنظيمين المتطرفين، في سياق عام؛ يتعلق بالصراع المرير بين تنظيمي القاعدة وداعش، والممتد من العراق إلى سوريا واليمن إلى الصومال، فتوجهات المركز، وإستراتيجيته، تؤثر بشكل كبير في الأطراف، بالتالي؛ يمكن القول إنّ القاعدة بالصومال لا تريد منح أيّة فرصة لتوسع داعش في أحد مواقعها التاريخية، لكن أُثناء ذلك، يسبّب صراعهما كمّاً هائلاً من العنف الذي يدفع ضريبته المدنيون والأبرياء.

اقرأ المزيد...

الوسوم: