صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

2090
عدد القراءات

2019-05-08

أن يفيق وعيه على بيئة دينية محافظة، وأن تقع عيناه أول ما تقع على صناديق مملوءة بكتب الأقدمين المسلمين ومخطوطاتهم، ثم يتلقى التعليم الأزهري، ويرتدي جبراً زيه التقليدي، ثم ينغمس في معتركات الإسلاميين السياسيين في تكويناته الأولية، وفجأة تلقي به الأمواج في التعليم المدني، ثم تقذفه الأقدار على الأراضي الإسبانية ليتلقى الصدمة الحضارية، ليجد نفسه بعد ذلك صلاح فضل الناقد الأدبي الكبير، غير المتخاصم مع الدين والمنسجم مع الدنيا، إلا أنه يحن إلى بيته القديم الذي يأمل في إصلاحه وترميمه.

تحت فروة الرأس شيخ
في كتابه الذي يحمل عنوان "وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن" يستدعي الدكتور صلاح فضل للذاكرة تلك المعركة التي خاضها الرجل من أجل الإسهام في تطوير الأزهر الشريف، بدفعه بأوراق وضع فيها رؤية وخطة لإصلاحه كونه أزهري التكوين، وإن عرج بعد ذلك في رحلته على الجامعات المدنية المصرية منها والأوروبية.

غلاف كتاب  "وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن"
إلا أننا وجدنا في الجزء الأول من كتابه ما يستحق التوقف والتحليل، حينما بدأ رواية قصة طفولته ولفت الانتباه لمشاعره وأحاسيسه التي نضحت بالتلقائية والعفوية.

يظل الشيخ كامناً مخبوءاً في أعماق الأزهري وإن طال عليه الزمن وهو يبحر في عوالم الفلسفة والأفكار

مع أنّ الكتاب ليس مخصصاً لسرد السيرة الذاتية، إلا أنه كان من المهم قبل الدخول في أطروحته، أن يعطي القارئ جرعة كافية لمحاولة فهم العقلية التي دفعت بتلك الأطروحة.
يقول: "تلقيت جرعة وافية من اللقاح الديني في طفولتي وشبابي، فقد نشأت طيلة أجيال تمتد إلى سبعة قد تخرجوا في الأزهر الشريف، فكان جدي المباشر الذي تربيت على يده الشيخ محمد عبدالغني فضل إمام القرية ومأذونها، وشيخها المقدم، وقد حصل على شهادة العالمية من الأزهر وترتيبه "البرنج" وتعني الأول، كما كان يردد أمامي وأنا أسير معه إلى إحدى القرى المجاورة، فيحكي لي عن الملائكة التي تطوي لنا الطريق مستشهداً بالمأثورات القديمة".
بيد أنّ تأثيرات جده بدت عليه في المجال الأدبي إذ يقول عنه: "كان ذا حس أدبي رفيع، امتلأت خزائنه بالكتب والمخطوطات والمجلات، تعلمت فيها القراءة في الرسالة والثقافة".
أزهري بالصدفة
توفي والده بمرض التيفوئيد، وهو شاب في السنة النهائية في تخصص القضاء الشرعي وكان شاعراً، إلا أنّ الجد رأى في الحفيد "العوض" عن الأب الذي استرده الله تعالى إليه، فقرر أن يدفع بفضل إلى في محاضن الأزهر الشريف، فاضطر أن يقبل ذلك ترضية لجده الذي خاف أن تبيض عيناه من الحزن عليه.

ذهب فضل إلى إسبانيا سبع سنوات متصلة أخرى وقطع فيها صلته باللغة العربية كي يتشبع من الحضارة الأوروبية

يقول: "عندما نذرني للدراسة عوضاً عن أبي في الأزهر، تقبلت ذلك على مضض شديد، لأنني كنت أريد الاستمرار في المدرسة المدنية وأكره لبس العمامة، لكن الحماس الديني قد بلغ مني ذروته في العاشرة من عمري، حيث كنت أتبع كل فريضة أؤديها في المسجد مع جدي بأربعين ركعة تطوع، فكان يبتسم ويقول لي "أخشى ألا تركعها في الكبر" وهذا ما حدث بالفعل".

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
يمارس صلاح فضل ثقافة الاعتراف والمصارحة مع الذات عندما يخبرنا أنه "لم يعد يركعها بعد ذلك"، وكأنه يشير إلى أن إيغال إنسان ما في العبادة، وهو ما يزال طفلاً لم يمارس طفولته بكل ما تحمله من معنى، قد يرتد عليه عكسياً عند كبره، ربما يسبب ذلك الملل، أو الحرمان، أو الشعور بأنه قد تطوع للعبادة بما يكفي، وآن للتمرد والترفيه أن يبلغ هو الآخر منتهاه.
يسترسل: "فكأني كنت أدخر رصيدي المستقبلي بهذا الحماس الديني اللاهب، ولعل ذلك كان بمثابة اللقاح الذي تزودت به خلايا مخي منذ الصغر، وجاء حفظ القرآن الكريم كله بمثابة هيكلة لذاكرتي اللغوية، كي تتشبع ببلاغته وجماله حتى دون فهمه".
مرّ في طريقه على جماعة الإخوان المسلمين، التي بلا شك أثرت في وجدانه، لتتعقد حكايته

مرور إخواني خاطف
لم يكتف الفتى بدخوله البيت الأزهري، وولوجه إلى دراسة المتون، بل مرّ في طريقه على جماعة الإخوان المسلمين، التي بلا شك أثرت في وجدانه، لتتعقد حكايته.
يروي صلاح فضل قائلاً: "أذكر في هذه الفترة الباكرة منتصف الأربعينيات أنّ عدداً من أعمامي الذين كان يدرس معظمهم في الأزهر أيضاً، عمدوا مع رفاقهم لتشكيل شعبة للإخوان المسلمين، في دوارنا، وفرحت بها جداً لأني كنت أعشق الكتيبات الصغيرة والنشرات الأنيقة وأقرأها بنهم شديد، فطلبت منهم أن يجعلوني أميناً للمكتبة حتى تكون كلها تحت يدي".

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
ولكن توقفت عجلة الإخوان في حياته دون أن تكون له رغبة في ذلك، إذ حدث ما لم يكن في الحسبان، وشرح ذلك في قوله "سرعان ما فجعت عندما جاء عمي الكبير الشيخ عبدالحكيم صبيحة يوم عقب قراءة جريدة المصري، وأخذ يجمع كل النشرات والوثائق والكتيبات والأوراق ويحملها إلى باحة الدوار ليضرم فيها النار، وهو يرتجف من الخوف محذراً من الإبقاء على أية ورقة، لأن الجماعة قد حلّت وأصبحنا مهددين بالسجن لو عثر عندنا على شيء من متعلقاتها، لم أفهم معنى هذا الحل الأول، في حينها إلا عندما كبرت قليلاً وقرأت ما ينشر عنها قبل ثورة 23 يوليو وبعدها".
للسرد هنا حكمة وغاية، وللمكاشفة متعة، فضلاً عن فهم التكوين النفسي دون رتوش.
يعترف صلاح فضل أنه ظل مرتبطاً بأفكار الإخوان حتى بعد حلها: "لكني بقيت على عهدي الثقافي بها، لا أرى كتاباً يصدر عن أحد أقطاب الفكر الأولين لها؛ مثل عبدالقادر عودة، وسيد قطب المبكر وأخيه محمد، إلا أتيت عليه".
بداية خروج
لكن تأثيرات الكتّاب السابقين تبدأ في التكسر عندما تختلط بغيرها من الكتابات، التي تتقاذف هي الأخرى عقل الشاب، ولو رويداً رويداً.
فها هو مفكر آخر يدخل حياته، هو خالد محمد خالد، فيتناغم مع كتاب آخر يعشقهم مثل العقاد وطه حسين والمازني وعلي محمود طه وناجي ومحمود حسن إسماعيل، وكتيبة القصاصين بزعامة نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، ويوسف السباعي.

اقرأ أيضاً: موسى بن ميمون: يهودي في بلاط صلاح الدين
لكن "الشيء المؤكد في وجداني الآن هو أنّ الجرعة الدينية المكثفة التي تطعمت بها وتشبعي بالنص القرآني والبلاغة النبوية والمكتبة الإخوانية، هي التي أدين لها اليوم بوقايتي من الإصابة بأمراض الهوس الديني".
تترك الدراسة في الأزهر في شخصية من يتلقاها آثاراً عميقة لا تمحوها الأيام

ما يفعله الأزهر
تترك الدراسة في الأزهر في شخصية من يتلقاها جزئياً خلال المراحل الابتدائية والثانوية، أو كلياً خلال المراحل الجامعية، آثاراً عميقة لا تمحوها الأيام ولا تعفي عليها مراحل أخرى قد يمر بها الشخص، مستغرقاً في بيئات مغايرة أو مناقضة، يظل هناك شيخ قابع تحت فروة رأسه سواء لبس العمامة أو خلعها طيلة عمره "حسب تعبير صلاح فضل".

توقفت عجلة الإخوان في حياة فضل دون أن تكون له رغبة في ذلك حين صدر قرار بحل الجماعة

يظل الشيخ كامناً مخبوءاً في أعماق الأزهري، وإن طال عليه الزمن، وهو يبحر في عوالم الفلسفة والأفكار.. إنها تعقيدات التركيبة الوجدانية البكرية.
يقول: كان توفيق الحكيم يحكي لي في المرات العديدة التي خلوت فيها معه في مدريد، أن علاقته بطه حسين كثيراً ما تراوحت بين الود الحميم والاعتراف بأستاذيته، وبين التخالف الطريف معه في بعض المواقف والآراء، وأنه كان إذا أراد أن يغيظه -والحكيم بطبعه كياد بالغ الظرف- يخاطبه قائلاً "اسمع يا شيخ طه" فيحمر وجه العميد ويدرك نوع التعريض به كرجل محافظ، لكن أبلغ آثار الخاتم الأزهري على أصحابه الصالحين والفاسدين معاً، كان أستاذي الشيخ حجاج ينادي علي في الفصل: "اسكت يا فساد".
مراحل التحول
يرصد صلاح 3 مراحل لتحولاته : "كانت الأولى عندما انتقلت في المرحلة الثانوية من مدينتي القروية دسوق إلى القاهرة، كي أصحب عمي الذي التحق بالحقوق، فغرقت في ندوات القاهرة ونشاطها الثقافي، وتعمدت دراسة القانون أربع سنوات كاملة، لأن عمي كان يصر على أن أقرأ له كل المقررات، فتجسّد لي عالم مختلف تماماً عن عالم الأزهر؛ معرفياً وثقافياً وفكرياً، فقد درست القانون الدستوري والمدني والجنائي والإجراءات والاقتصاد وغيرها من أسس التشريع عند الرومان والفرنسيين، وخرجت حقيقة من عباءة العصور الوسطى، ليتجذر وعيي بالحداثة وفهمي للمجتمعات المعاصرة".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
ويستأنف: "كانت هذه أول عملية لغسيل المخ تعرضت لها في صباي، حيث أدركت أن ضبط آليات التفكير وطبيعة اللغة والأدب، لابد أن يكون من خارج تقاليدهما المستقرة. خلعت إلى الأبد بقايا الزي الأزهري الذي لم ألتزم به في معهد القاهرة، وأهم من ذلك أصبح بوسعي أن أصاحب زميلاتي في الكلية المختلطة، وأعشق بعضهن على بعد، قبل أن أتعرف إلى رفيقه حياتي في الفصل الدراسي الثاني من السنة الأولى، وتفطمني عن النظر إلى الأخريات".
ذهب صلاح إلى إسبانيا سبع سنوات متصلة أخرى وقطع فيها صلته باللغة العربية، كي يتشبع حتى النخاع من الثقافة والفن ونمط الحضارة الأوروبية وكان هذا غسيل المخ الثاني، وفق تعبيره.
مع أنه انقطع بعدها عن الأزهر، إلا أنه يقول إن طبقات الوعي والروح، وخلاصة المعرفة وجذور الثقافة ما تزال تسكن قلب وعقل هذا الفتى الأزهر، الذي لا يفارقني مهما ضبطت نفسي متلبساً بالتنكر له، أو السخرية منه أو الإشفاق الحنون عليه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: