صناعة التطرف في السجون: هل تنجح المبادرات الدولية في كبح جماحها؟

4834
عدد القراءات

2018-08-20

إبراهيم أمين نمر


ما زال المختصون وحكومات دول العالم في مكافحة التطرف والتطرف العنيف، خصوصا البلدان التي تعاني من الإرهاب، تسعى جاهدة للبحث في سبل معالجة أكثر حواضن التطرف استقطاباً فيها، بالرغم من وجود الحاضنة تحت سيادة تلك الدول ألا وهي “السجون”، تستمر الحكومات والمراكز المختصة في تقديم المبادرات العديدة ونقل التجارب بين الدول؛ إلا أن المعاناة تكمن في إيجاد حل عملياتي لما تظهره النتائج من تفاوت لتلك البرامج -باختلاف مسمياتها ومقترحاتها وشواهدها- من المخرجات الإيجابية والسلبية على حد سواء.

أمريكا

تعتبر السجون في الدول الغربية حاضنة لصناعة التطرف والتحول إلى أيديولوجيات إرهابية وعنيفة، غير أن التطرف في هذه السجون يحدث في ظل ظروف احتجاز محددة. ووفقاً لوزارة العدل الأمريكية فإن عملية تبني السجناء لوجهات النظر المتطرفة، تتضمن الاعتقاد بضرورة اتخاذ إجراءات عنيفة من أجل تحقيق غايات سياسية أو دينية. وبحسب دراسة، قام بها مارك هام، الأستاذ في جامعة إنديانا الحكومية الأمريكية، فإن تطرف النزلاء في السجون يحدث نتيجة التأثير المباشر لنزلاء آخرين ولا يحدث بتأثيرات خارجية… أما أسباب تطرف نزلاء السجون، بصرف النظر عن انتمائهم الديني، فهي الإجراءات الأمنية القصوى، وضعف العملية الإصلاحية، وزيادة العصابات والعنف، وازدحام السجون، وظروف الاحتجاز، إضافة إلى أن ساحات السجون تتحول لأماكن استقطاب سياسي وديني.[1]

يقول محمد بسيوني في مقالة له[2]: إنه بقدر ما كانت تتراجع سيطرة السلطة على السجون وعملية إدارتها،  كانت التنظيمات الإرهابية تجد فرصًا مواتية لنشر أفكارها في أروقة السجون بحثًا عن أعضاء جدد يبحثون عن حياة مغايرة. ومن ثم باتت السجون -في أحيان كثيرة- آلية لإنتاج أجيال جديدة من المتطرفين يتولون إعادة تفعيل المنظومة الإرهابية وتجديدها. ولعل هذا ما دفع الخبير في علم الجريمة الأمريكي “هارفي كوشنر” (Harvey Kushner) إلى افتراض تحول السجون الغربية خلال السنوات الماضية إلى إحدى ساحات التجنيد الرئيسة لتنظيم “القاعدة”. ويضيف أن الكثير من عمليات التحول الراديكالي داخل السجون ترتبط بالنموذج الكامن للسجون باعتبارها أماكن للضعف والانكشاف (Place of Vulnerability) تصور بشكل أو بآخر معاناة الأفراد الناجمة عن العزلة المجتمعية والأزمات الشخصية، فالشخص يتم إخراجه من وسطه المجتمعي المعتاد عليه، وسرعان ما يشعر بالخواء، والذي قد ينتقل في مرحلة ما، وفي ظل تجربة السجن الجديدة، إلى قابلية لتبني الأفكار المتطرفة والاستعداد للانخراط في الأنشطة الإرهابية. وتفترض الأدبيات التي تناولت صناعة التطرف والإرهاب أن السجون تشكل -في بعض الأحيان- نقطة تحول مؤلمة (Traumatic Turning Point) تدفع الأفراد إلى الخروج من مسار حياتهم التقليدي، والبحث عن سياق جديد أكثر راديكالية. وفي هذا السياق قد يكون التماهي مع المنظومة الإرهابية المتطرفة ناتجًا عن رغبة في البحث عن المعنى والهوية التي تعطي لحياة الفرد قيمة مختلفة، من وجهة نظره، لا سيما إذا كانت هذه الهوية تنطوي على اعتراض وتحدٍّ للسلطة والمجتمع، ومنح فرصة للتعبير عن المظالم المتصورة في مخيلة الفرد. ثمة جانب آخر متصل بالتحول إلى الإرهاب والتطرف داخل السجون، وهو ذلك المتعلق بالحاجة إلى الحماية المادية، ففي بعض الحالات تتسم السجون بدرجة كبيرة من الفوضوية، وهو ما يؤدي إلى نشوء كيانات موازية لتوفير الأمن، وفي هذه الحالة قد يلجأ الفرد الذي لم يكن له تاريخ متطرف معروف إلى بعض الجماعات المتطرفة كي يحصل منها على خدمة الأمن، وقد كان لهذه الفكرة تجلياتها -على سبيل المثال- في حالة السجون الغربية، وظهور ما يُعرف بعصابات السجون المسلمة (Muslim Prison Gangs) التي تقوم على أساس الانتماء الديني، وأحيانًا على أساس عرقي، وتزود الأعضاء بشعور قوي بالهوية والولاء، فضلًا عن حمايتهم من المجموعات الأخرى في السجن. صحيح أن هذه العصابات نادرًا ما تضم إرهابيين مدانين، ولا يبدو أن أعضاءها يتمتعون بفهم جيد للدين الإسلامي، إلا أنهم قد يشكلون بيئة محتملة لتطوير صيغ فردية أكثر تطرفًا، إذ إن محدودية فهمهم للدين يحتمل أن تعزز من قابلية انكشافهم للأفكار المتطرفة، لا سيما مع الصور البطولية التي تصاغ للكثير من القيادات الإرهابية على الساحة العالمية.

بلجيكا

يشير نور الدين فريضي، مدير مكتب قناة «العربية»، في العاصمة البلجيكية بروكسل، في كتاب سماه: «طريق مولنبيك الرقة: بلجيكا قاعدة داعش الخلفية» إلى أسباب جنوح شبان مسلمين أوروبيين نحو التطرف، و يصل الكاتب إلى نتيجة مهمة تتعلق “بشخصية هؤلاء الذين ذهبوا إلى سوريا لأغراض القتال… فهم يلتقون في: محدودية المستوى التعليمي، دخولهم أوساط الانحراف في عمر المراهقة، ثم السجن حيث يتم التعرف إلى فئة من الدعاة المتشددين، تعاطي نشاطات التهريب، جرائم العنف، العيش في هامش سوق العمل وانعدام الوظيفة المستمرة، عدم الإلمام بأدنى القيم الدينية، سهولة التأثير عليهم من قبل الدعاة. بعضهم كان مجرما صغيرا ووجد في السفر إلى سوريا أو العراق فرصة الانتقال إلى صفة المجرم الكبير”[3].

فعندما ذهب «بنيامين هيرمان»، إلى السجن بتهمة الاعتداء والسرقة في 2003، كان مجرد مراهق كاثوليكي من مدينة روشيفور البلجيكية، وفي مايو (أيار) الماضي وافقت السلطات على منحه خروجًا موقتًا من السجن لزيارة عائلته، كان «هيرمان» إسلاميًّا متشددًا قام خلال غضون ساعات من إطلاق سراحه بقتل اثنين من ضابطات الشرطة في مدينة لييج، واستخدم مسدس إحداهن لقتل سائق سيارة تصادف وجوده بالمكان. التحول الجذري الذي شهدته شخصية «هيرمان»، لم يكن حالة فردية أو استثنائية، فقد أصبحت سجون أوروبا مكاناً يتجمع فيه المتشددون الإسلاميون ويتبادلون فيه خبراتهم، خاصة مع إعلان وكالة الشرطة التابعة للاتحاد الأوروبي (يوروبول) عودة (1500) من مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي من مناطق الصراع في الشرق الأوسط، وملاحقة سلطات بلادهم قضائيًّا.[4]

طالب خبراء السجون بضرورة التغيير في التعامل مع قضايا التطرف في السجون. حيث إنه وعلى مر السنين عملت السجون الأوروبية على عزل مجموعات صغيرة من السجناء المدانين بالإرهاب لتجنب انتشار التفكير المتطرف بين السجناء الآخرين. فقد نوقش خلال مؤتمر عقد في بروكسل يوم الثلاثاء 27 فبراير (شباط) 2018، قضايا التطرف في المؤسسات الخاصة بالسجون في أوروبا حيث أظهرت تحقيقات أن هذا النوع من العزل يعزز الأفكار المتطرفة للأفراد… يقول جيري ماك نالي، رئيس الهيئة الأوروبية للسجون: “لا يمكننا بالضرورة تغيير ما يعتقده الناس ولكن يمكننا التأثير على كيفية محاربة تلك الأفكار وتحديد الأخطار الداهمة التي تهدد حياة الأفراد”. مراد بنشلالي سجين سابق بمعتقل غوانتانامو: أولا وقبل كل شيء، لا يعتبر السجن مكانا محايدا، فكثير ممن يقضون عقوباتهم في السجن يتحولون بين عشية وضحاها إلى متطرفين، داخل السجون، لأن الدين يسهم في دفعهم نحو التطرف، وهم بذلك يصبحون شديدي الاهتمام بمعالم الدين؛ يطرحون أسئلة بشأن ذلك، ثم يجدون أجوبة لأسئلتهم، ولو أنهم وقعوا بين أيادي أشخاص متطرفين فهنا تبدأ المشكلة.[5]

مبادرات أخرى في مكافحة التطرف داخل السجون: تجارب مختلفة

وبالنظر إلى سياسات الحكومات الأوروبية المختلفة، أشارت الباحثة الروسية “أورسوليا رازوفا” المهتمة بشؤون الدفاع الأوروبية والمنطقة الأوروبية بشكل عام، في مقال لها تحت عنوان “كيفية التعامل مع عودة المقاتلين الأجانب”، إلى أن بعض الدول الأوروبية، وذكرت بلجيكا وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا[6]، قد لجأت بشكل أكبر إلى التدابير الصلبة، ومنها “التجريم”. وتذكر الكاتبة أن هذه الحكومات قد اعتقلت أشخاصاً بتهمة الإرهاب. ولجأت أيضاً إلى تدابير من شأنها أن تلغي المواطنة المزدوجة من أجل منع عودتهم، لافتة إلى أن المملكة المتحدة قد مررت قانوناً يلغي الجنسية المزدوجة عن جميع المقاتلين العائدين. ومن جهة أخرى، هناك دول أوروبية أخرى قد لجأت بشكل أكبر للتدابير “الناعمة”؛ وذكرت رازوفا النرويج والسويد في هذا الصدد. حيث ركزت حكومات هذه الدول على إعادة دمج المقاتلين العائدين، من خلال تقديم المشورة لهم، وتوفير فرص العمل، وإقامة وتعزيز روابطهم الاجتماعية، ليصبحوا أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم مرة أخرى. وفي الواقع، إن التدابير الناعمة وحدها لا تكفي، والتدابير الصلبة وحدها من المحتمل أن تؤدي إلى رد فعل عكسي قد يؤدي إلى تعزيز التطرف. وبالتالي فإن أفضل التدابير هي تلك التي تمزج ما بين النموذجين، وقد تراوحت سياسة بعض الدول الأوروبية في الدمج ما بين النموذجين، كألمانيا، التي تتخذ برامج فعالة تهدف لإعادة تأهيل ودمج المقاتلين العائدين في مجتمعاتهم، من أجل الحد من التطرف، وسياسات أخرى تشمل مصادرة جوازات سفر الأفراد المشبوهين وحظر المنظمات المتطرفة والتجريم وغيرها. وفي هذا الصدد، أشار “جيكوب بندسغارد” وهو ناشط بارز في برنامج “إعادة تأهيل الجهاديين” إلى ضرورة قيام السلطات المختصة بفتح حوار مع الجهاديين العائدين لمعرفة ما إذا كان الشخص قد ارتكب جرائم، وما نوعها حتى يتم التعامل مع حالته ومحاكمته، وإن تعذر إثبات قيامه بجرائم ولم يعترف بذلك، فإن على السلطات أن تبذل ما بوسعها لإعادة دمج ذلك الشخص. كما لفت “جيل دي كيرشوف”، وهو منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، إلى أنه من الصعب إثبات أن العائدين كانوا مسؤولين عن ارتكاب جرائم، ولفت إلى أن السجون تشكل بيئة خصبة للتطرف، وبالتالي يؤكد ضرورة تقويم الأخطار التي قد يشكلها العائدون، ويتم التصرف تبعاً لكل حالة. كما لفت إلى أن قلة من العائدين يخططون لتنفيذ هجوم إرهابي، إلا أن غالبيتهم قد يكونون مخذولين ويعانون من اضطرابات، وكل ما يحتاجون إليه هو “إعادة الاندماج في مجتمعاتهم”[7].

تلفت دراسة أخرى أعدها الباحثان “جورجيا هولمير”، المختصة في شؤون الإرهاب والتطرف والصراع في معهد السلام الأمريكي، و”آدريان شتوني”، وهو باحث في المعهد ذاته، إلى أن عملية إعادة تأهيل الأشخاص ودمجهم بالمجتمع تتطلب وقتاً وجهداً، نظراً لضرورة أن تكون البرامج متكررة ومستدامة، من أجل إزالة الأثر المتبقي للصدمات النفسية. وقد أشارت الدراسة إلى أن إعادة تأهيل المقاتلين الأجانب، الذين لا يزالون مرتبطين أيديولوجياً بالقضية سيكون أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة بكثير من العائدين التائبين. ومن جهة أخرى هناك ضرورة للإبقاء على نوع من الترابط ما بين برامج إعادة التأهيل وإعادة الدمج، وبين خدمات إنفاذ القانون والاستخبارات، من أجل تقليص الأخطار التي قد تظهر في الحالات التي تعمل فيها الجهات المختصة مع أشخاص ما زالوا مرتبطين أيديولوجياً، ومن الممكن أن يلحقوا الأذى بالآخرين.[8] كما ظهرت تجارب متنوعة لمواجهة التطرف داخل السجون في بلدان أوروبية وعربية بشكل أقل، ففي ألمانيا انطلقت مبادرة مشاركة الأئمة في مكافحة الإرهاب، حيث يزور الأئمة المساجد لمقابلة السجناء والحوار معهم في كل القضايا التي تدور في أذهانهم.[9] في التجارب العربية نماذج مشابهة مثل النظم التي طبقت في السعودية، بينما توجهت التجربة المصرية نحو قيادات تنظيم الجماعة الإسلامية التي أصدرت مجموعة من الكتب تحت اسم “المراجعات”، والتي حاول فيها هؤلاء القادة مراجعة المفاهيم الأساسية للسلفية الجهادية، بما يقوض فاعليتها. وفي مقابل هذا الأسلوب الذي يعتمد على إحلال مفاهيم دينية بأخرى غيرها، جاء المشروع الألماني تحت مسمّى “شبكة منظمات مكافحة العنف”، وتتعاون في هذه الشبكة جمعيات أهلية غير ربحيّة، يعمل فيها موظفون مسلمون، وتربويون ومختصون اجتماعيون ونفسيون، على إدارة برامج تهتم بنزلاء السجون، وتتابع حالاتهم بعد خروجهم. وظهرت مبادرة بريطانية في إطار برنامج تدريبي يخوضه من هم معرضون للخطاب المتطرف، أو من المعنيين بمواجهة التطرف، وهي مبادرة بعنوان “إن كنت مسلماً ستكون بريطانيا”[10]، والمبادرة موجهة للبريطانيين المسلمين في سن المراهقة وبداية الشباب.[11]

في الجانب التونسي، تتولد المشكلة ذاتها، فقد ازدادت المخاوف من اتساع دائرة التطرف داخل السجون التونسية بعد ثبوت وقوع عمليات استقطاب داخلها وارتفاع أعداد المساجين المتورطين في قضايا إرهابية، وأرجعت المنظمات الحقوقية أسباب ذلك إلى حالة الاكتظاظ التي تشهدها السجون، حيث يختلط السجناء العاديون بالمتورطين في قضايا الإرهاب، وبدأت حملة تهدف إلى إنشاء مكتبات داخل السجون. وقد أطلقت المبادرة التونسية تحت عنوان “من حق السجين أن يقرأ”، وتهدف إلى جمع الآلاف من الكتب وتوزيعها على السجون كافة لحث المساجين على المطالعة وتنمية القراءة من أجل رفع المستوى المعرفي، وحمايتهم من كل أشكال التغرير والخداع واستغلال الجهل المعرفي. وذلك لأن السلطات المختصة وجدت مكتبات السجون تحتوي على كتب ذات محتوى ضعيف وبعضها يدعو إلى التطرف. وفي المغرب وقع تدريب الموظفين في السجون على كيفية مواجهة تطرف السجناء، حيث تعمل المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي بالتعاون مع المندوبية المغربية على تطوير دليل تدريبي حول مواجهة التطرف في مؤسسات السجن، لتمكين العاملين من معرفة تحوّل السجين نحو الفكر المتطرف[12].

تستهدف المندوبية العامة لإدارة السجون في المغرب، بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تأهيل السجناء المدانين في قضايا الإرهاب من خلال من برنامج “مصالحة” الذي اعتمد على ثلاثة محاور أساسية، هي: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النص الديني، والمصالحة مع المجتمع، كمقاربة علمية تتكامل والمقاربة الأمنية الاستباقية، والتحصين الروحي ومحاربة الهشاشة[13].

أما في اليمن، فأشار محافظ حضرموت اللواء ركن فرج سالمين، في حديث سابق لمركز المسبار للدراسات والبحوث[14] إلى أن عملية التأهيل الفكري لن تقف عند البرامج التي تقدم في السجون، ولكن القيادة تعمل على توسيع العمل في هذا الإطار؛ إذ يتم العمل حالياً على مشروع كبير بالتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، يتمثل في مركز متخصص لإعادة تأهيل الموقوفين في قضايا الإرهاب، وسيشارك في هذا المشروع كبار علماء الدين وشخصيات اجتماعية فاعلة، وسيتضمن محاضرات وندوات وورش عمل تستهدف مكافحة التطرف وإعادة المنحرفين إلى جادة الصواب، كما سيتم الاستفادة بشكل كبير من برنامج “المناصحة” الشهير في المملكة العربية السعودية واستلهام خبراتهم في هذا المجال، خصوصاً وأن هذا البرنامج معروف بنجاحاته الكبيرة في مجال مناصحة المتورطين في قضايا إرهابية. وحول التجارب الناجحة التي حققها الفريق الذي يعمل على المناصحة في السجون هناك، قال اللواء فرج سالمين بأنه وقف على حالات كثيرة لأشخاص انخرطوا في برامج التأهيل وخرجوا من السجن وعادوا للمجتمع كأشخاص طبيعيين، كما أن عددا منهم قدم الكثير من المساعدة لرجال الأمن وبعضهم أصبح ضمن فريق إعادة التأهيل وساهم في مناصحة موقوفين آخرين.

في لبنان، في إطار دراسة أعدها رافاييل لوفيفر لمركز «كارنيغي للشرق الأوسط» عن الظاهرة السلفية في لبنان، يبرز دور السجون اللبنانية المكتظة، كمصانع للتطرف تنبغي معالجتها. وقد يكون العفو العام المرتقب في لبنان، مدخلاً لمثل هذا الحل، لا سيما أن هناك بعدين أساسيين لدور هذه السجون في إنتاج أجيال جديدة من السلفيين الجهاديين: الأول، يرتبط بالمعاملة السيئة داخلها والاكتظاظ الرهيب، والثاني غياب نظام لفرز السجناء وتصنيفهم.[15]

جهود مشتركة

اشترك مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ومكتب مركز مكافحة الإرهاب والمديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب في وضع مشروع بشأن إدارة الجناة المتطرفين العنيفين، والوقاية من التطرف المفضي إلى العنف في السجون. وهذا المشروع ينطوي على نشر كتيب شامل لموظفي السجون عن إدارة مخاطر التطرف في السجون، وسيبدأ في تقديم المساعدة التقنية إلى البلدان الرائدة. وتشمل الأهداف المحددة للمشروع تعزيز التعاون بين السلطات الوطنية المختصة، وتعزيز السلامة والأمن في السجون، وإسداء المشورة بشأن برامج فك الارتباط التي تتم في السجون. ولدى مكتب مركز مكافحة الإرهاب مشروع لإعادة تأهيل الأحداث في السجون في باكستان، يهدف إلى توفير التدريب المهني للأحداث الذين يُلقى القبض عليهم بتهمة أعمال عنف، حتى تتاح لهم فرص تطوير المهارات للتمكن من الحصول على الرزق ومقاومة نزعة التطرف في السجون[16].

تستمر المحاولات والجهود الدولية في تقديم المقترحات في شأن إدارة السجون بغرض منع التحول نحو التطرف والتطرف العنيف داخل السجون والتصدي لهما. ويضاف لما ذكر في هذا التقرير جهود المعهد الدولي للعدالة وسيادة القانون[17]، الذي يتخذ من مالطا مقراً له، والذي يتكون مجلس إدارته من دول عربية وأفريقية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلدان.

تعتبر مذكرة روما[18] لإعادة تأهيل المجرمين هي أول خلاصة وافية للقوانين الدولية غير الملزمة التي تروم تعزيز وتيسير جهود الدول لمكافحة التطرف العنيف، من خلال القضاء على نزعة التطرف في السجون.  ومن المقتطفات البارزة من المذكرة [19] أنه “من غير المرجح أن ينجح (النهج الواحد المناسب للجميع)، فمعرفة ما جربته الدول الأخرى، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، قد يكون مفيداً. إن معرفة المزيد عما نجح وما فشل وسبب نجاحه أو فشله، يمكن أن يقدم دروساً قيمة للحكومات خلال عملها على وضع برامجها أو تحسينها”. “يعتبر إدراك سبب انحراف الأفراد السجناء إلى التطرف العنيف بالغ الأهمية لتصميم برامج إعادة تأهيلهم، ويجب أن يشكل جزءاً لا يتجزأ من عملية قبول السجناء وتقويمهم. ويعتبر التقويم الدقيق والمستمر للمخاطر ولاحتياجات الأفراد عنصراً مهماً في إعادة التأهيل”. “في حالات الإرهاب الذي يُدّعى أنه بدوافع دينية، يملك عدد من المتطرفين المسجونين الذين يستشهدون بالدين على أعمالهم فهماً سطحياً للدين الذي يُفترض أنهم يستلهمون منه أعمالهم. ويمكن تشجيع علماء الدين المدربين بشكل جيد على الانخراط في حوار شامل مع السجناء، ومن الممكن أن يثيروا الشكوك بشأن آرائهم الخاصة بمقبولية استخدام العنف”. “استماع السجناء المتطرفين الذين يستخدمون العنف لما لعنفهم من تأثير مأساوي على المواطنين العاديين من فم الضحايا أنفسهم، قد يحدث تغييرا في عقلية هؤلاء السجناء. وعلاوة على ذلك، يمكن لحوار يُجرى بين السجناء والضحايا ومناصري الضحايا أن يقلص التوتر النفسي، وربما يسهم في نجاح إعادة تأهيل السجين”. “تكمن التحديات في تجاوز مجرد إدراك نواحي الاختلاف والتشابه والتسليم بها، إلى تحديد واختيار قواعد العمل الرئيسة التي يمكن اقتباسها وتطبيقها عبر السياقات، والتي يمكن أن تكون مفيدة من أجل تطوير وتنفيذ مبادرات إعادة التأهيل المستقبلية”[20].


عن "المسبار"


هوامش:

[1] – إنفوغرافيك.. السجون وصناعة التطرف، سكاي نيوز عربية، 4 أبريل (نيسان) 2017:

https://www.skynewsarabia.com/world/937759-إنفوغرافيك-السجون-وصناعة-التطرف

[2]– الانكشاف للتطرف: دوافع تحول السجون من آلية للضبط إلى تجنيد الإرهابيين، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2 أبريل (نيسان) 2018:

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/3830/الانكشاف-للتطرف-دوافع-تحول-السجون-من-آلية-للضبط-إلى-تجنيد-الإرهابيين

[3] – وكر التطرف في القارة البيضاء.. كيف أصبحت «بلجيكا» القاعدة الخلفية لتنظيم داعش الإرهابي في أوروبا؟، الأهرام العربي، 5 أغسطس (آب) 2018:

http://arabi.ahram.org.eg/News/120396.aspx

[4]– أحمد لملوم، سجون أوروبا.. مراكز تجنيد وصقل مهارات الإرهابيين، المرجع، 28 يوليو (تموز) 2018:

http://www.almarjie-paris.com/2839

[5] – هل من الممكن القضاء على أسباب التطرف داخل السجون؟ يوربنيوز، 27 فبراير (شباط) 2018:

http://arabic.euronews.com/2018/02/27/dealing-with-radicalisation-in-a-p...

[6] – قال رئيس الوزراء الفرنسيّ إدوار فيليب: إنّ الحكومة تعتزم فتح (1,500) مقر جديد في العنابر المخصّصة شديدة الحراسة لعُتاة الرّاديكاليّين في عدّة سجون في كافّة أنحاء البلاد، بما يشتمل على (450) منها قبل نهاية العام الحالي. وسيتم أيضاً تدريب المعلّمين على تحديد هويّة المراهقين المُرَدكلين، وإغلاق المدارس الخاصّة التي يشتبه في أنّها قد أصبحت تربة خَصْبة للإسلام الراديكاليّ.

Noemie Bisserbe, France Cracks Down on Islamic Extremism in Prisons and Schools, The Wall Street Journal (WSJ), 23 Feb 2018:

https://www.wsj.com/articles/france-cracks-down-on-islamic-extremism-in-...

[7]  المصدر السابق.

[8]– جمانة مناصرة، كيف تتعامل الحكومات الغربية مع عودة المقاتلات الأجنبيات إلى بلادهن؟، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2 فبراير (شباط) 2018:

https://www.almesbar.net/كيف-تتعامل-الحكومات-الغربية-مع-عودة-ال/

[9] – السجون من حاضنة للمتشددين إلى رادعة للتطرف، العرب، 3 يونيو (حزيران) 2016:
https://alarab.co.uk/السجون-من-حاضنة-للمتشددين-إلى-رادعة-للتطرف

[10] – من التدابير التي أعلنت عنها الحكومة البريطانية أنه سيتم العمل بثمانية تدابير جديدة، من بينها تعزيز السيطرة على رجال الدين وممارسة الشعائر، بالإضافة إلى إعادة النظر في تدريب موظفي السجون، وحظر الكتابات المتطرفة.

بريطانيا تكافح «التطرف» داخل السجون، الراي ميديا ديجيتال، 22 أغسطس (آب) 2016:

http://www.alraimedia.com/Home/Details?id=5d41c429-a411-46e3-91e3-2767dd...

[11] المصدر السابق.

[12]– المصدر السابق.

[13]– محاصرة التطرف داخل السجون.. الدولة تستعين بخريجي برنامج “مصالحة”، تيليكول عربي، 28 يناير (كانون الثاني) 2018، الرابط المختصر:

https://bit.ly/2O3eFry

[14]– في حديث لـ”مركز المسبار” حول إعادة تأهيل المتطرفين الموقوفين، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017:

https://www.almesbar.net/في-حديث-لـمركز-المسبار-حول-إعادة-تأهي/

[15] – رافاييل لوفيفر، مركز «كارنيغي»: السجون في لبنان مصانع للتطرّف وللسلفية الجهادية، الحياة، 29 مارس (آذار) 2018:\

http://www.alhayat.com/article/924522/مركز-كارنيغي-السجون-في-لبنان-مصانع-للتطرف-وللسلفية-الجهادية

[16] – العدالة ومنع التطرف في السجون، المؤتمر الرفيع المستوى لمكافحة الإرهاب، الأمم المتحدة:

http://www.un.org/ar/counterterrorism/hlc/justice-and-the-prevention-of-...

[17]– جهود التصدي للتطرف داخل السجون – اجتماع الخبراء، المعهد الدولي للعدالة وسيادة القانون، 13 ديسمبر (كانون الأول) 2016:

https://theiij.org/ar/events/جهود-التصدي-للتطرف-داخل-السجون-اجتم/

[18] – مذكرة روما الخاصة بالممارسات الجيدة لإعادة تأهيل ودمج المجرمين، المتطرفين المستخدمين للعنف، جلوبال كونترتيروريزيم فورم GCTF:

https://toolkit.thegctf.org/Portals/1/Documents/Ar/Rome-Memorandum-ARA.pdf

[19]– روما مذكرة، GCTF:

https://toolkit.thegctf.org/ar/إعادة-التأهيل-والدمج/التفاصيل/id/70

[20] – المصدر السابق.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



القصيبي..النجم الذي هاجمته المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

تركي الدخيل

اليوم، منتصف شهر أغسطس، تحل الذكرى التاسعة لوفاة غازي القصيبي، رحمه الله. وأقول اسمه بلا مناصب علمية ولا إدارية، لأنه كان عَلماً يُدل به على الألقاب، والمسميات.
لم يغادر غازي القصيبي، عالمنا في 15 أغسطس 2010، حتى كتب كل ما يريدُهُ عن نفسِهِ وعن شعره، عن حياته الاجتماعية، وعن طفولته، ومراهقته، وصبوات الشباب، ونضجِ الكهول، وانكسارهم، وحكمة الشيوخ، وغربتهم.
وفي مؤلّفاته التي تربو على ستين كتاباً، خلفها بعد سبعين عاماً، وتوزعت بين ديوانٍ، ودراسةٍ، وحوارٍ، ورواية.
أرّخَ الراحل لسنوات الدراسة الأولى، ومنافسات زملائه في الثانوية، وكتبَ عن الجامعة وشجونها، طالباً مبتعثاً، ومدرّساً، وعميداً.
وكشف لنا عن سيرته الإدارية، وحياته الوزارية، ومهامه الدبلوماسية. وفي بانوراما من العجائب، أَخَذَنا معه على بساطِ علاء الدين، في رحلةٍ ممتعة، ورومانسية ساخرةٍ، وحزينةٍ، ليُشركَنا في حديثٍ صريحٍ عن بريق المناصب، وذُرى المجد، وسحرِ الأضواء، ورفقةِ الملوك والأمراء، وخفايا الرؤساء وأمزجتهم، ودهاليز السياسة، وأسرار الأبواب المغلقة.
ومن كوَّتِه السحرية، حلّق بنا معه في عوالمِ الجميلات، والأميراتِ، وبناتِ ملوك الجان، وأطلَّ كلمحةِ العابر على مجالس الفقهاء، وفِكرِ العلماء وخَتَمَ حياته المثيرة بمقاربةٍ مثيرة، لكشف أسباب تحوّل الإنسان العادي إلى متطرّف، يجعلُ العنفَ وسيلتَه والتطرف فلسفته.
كشف لنا غازي في ما ألفه، عن تحولاتِهِ الفكرية العميقة، وعذاباته النفسية، وآلامهِ الصادقة، وآمالِهِ الكبيرة، وأحلامِهِ الساحرة، وآرائِهِ الجريئة، والجارحةِ أيضاً، في حاضرِ العرب، وعواملِ هزائمهم، وأسباب تخلّفهم.
وفي روايته «العصفورية»، كان يناقش بعمقٍ، أسباب التأخّر العربي في شتى المجالات، منطلقاً من آلية كتابة مختلفة وحَذِرةٍ، لكنها جريئةٌ في الوقت ذاته. وأودعَ رواياتِهِ، كل ما لم يُمكنه أن يكشفَ في غيرها من صنوف الكتابة. كما أودعَها نقدَه اللاذعَ للمثقفين والسياسيين والشعراء، وأعمل سياطَه في العادات الاجتماعية، التي فتكت بمجتمعه وأمّته، وباح بما يصعبُ عليه الكتابة عنه جهاراً، مُتخذاً من شخوص رواياته متنفساً، ومن مواقف أبطاله، وعباراتهم وجنونهم، وصراحتهم، وغرائبيتهم، ومواقفهم الساخرة والمضحكة، وسيلة لإيصال ما يريده... وإن كان قد أفلت مراراً، من الأسئلة التي حاولتْ أن تنتزعَ منه إقراراً بأن أحداثَ بعض رواياته ليست إلا سيرة ذاتية عنه، وأن بعضَ قصائدِه، التي يتناقلها أصدقاؤه، منذ سنوات الجامعة، كانت تعكس واقعاً لا خيالاً.
خلال أربعة عقود، اصطحَبَنا القصيبي معه في رحلةٍ عن تحدّيات التنمية، وقصص النجاح ونشوته، وأعداء الإنجاز، وأصحاب المصالح، وعذاباته من رؤية المعاقين، والبؤساء والمعدمين والمرضى، وبكائه من معاناة العاطلين. لقد قال غازي رحمه الله، صراحة، في برنامج (إضاءات)، أنه عانى في تولّيه وزارة العمل، أقسى ما يمكن أن يُواجهه من معارضة وعداء. يقول: (أنا أعرفُ باعتباري تلميذاً من تلاميذ علم السياسة أن الناسَ، كل الناس، يدافعون عن مصالحهم بضراوةٍ وشراسة، لا أخصُّ رجالَ الأعمال، أو فئة بعينها، ولكني أتحدّثُ عن كل من تضرَّرَت مصالحُه، بمن فيهم المواطن العادي، الذي كان يعتاشُ من بيع أربع، أو خمس تأشيرات في السنة. كل أصحاب المصالح التي تضرَّرَت شنّوا على الوزارة وعلى شخصي الضعيف، وعلى زملائي، حرباً شعواءَ أبعد ما تكون عن الخفاء. وبمواجهة ذلك كلّه لا أقول إلا :«قل لن يصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون». على المسؤول الذي يخشى تبعةَ قراراتِه أن يختفيَ في أقربِ كهفٍ!). ولا غرو فالقصيبي يعتقد أن «الذي لا يريدُ أعداءً، أفضل له أن يجلسَ في بيته، أو يبقى في وزارته يبصمُ على الأوراق. فالذي يريد الإصلاح لا بدَّ له من أن يُعِدَّ نفسَه لعداء كبير وهجوم، ويَحسُنُ به حتى لا يفقد عقله، ولا اتزانه ألا يرى أن الأمر شخصيٌّ».
حلّق بنا غازي، في عالم الحب وأعاجيبه، وأشركَنا معه في التعبير عن لحظات الفقد، ورحيل الأحباب، ومناغاة الأطفال وعالمِهم السحري، واستبدادهم وقسوتهم.
تسع سنوات مضت على رحيل، رجل وطن، ذهب إلى لقاء ربه، والجميع يدعو له بالخير، وهو ملء السمع والبصر، لكن ما لا يعرفه البعض ويتجاهله آخرون، أن غازي القصيبي، عانى بأقسى ما تكون المعاناة، من الإقصاء المجتمعي، والتصنيف الممنهج، والدعاء عليه فوق منابر المساجد، كل ذلك في فترة كان المجتمع فيها يغلي فوق قدر «الصحوة»، فرحمه الله على كل ضرر أصابه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا قد تبدأ عملية ترحيل جماعي للسوريين بحجة المنطقة الآمنة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

دايفيد ليبسكا

لو صحت تفسيرات المراقبين بخصوص اتفاق أمريكي-تركي لإنشاء منطقة آمنة في سوريا، فستؤدي على الأرجح إلى تأجيج مخاوف اللاجئين السوريين في الجار الشمالي خلال الأيام المقبلة من احتمال ترحيلهم.

وبدأ التوتر يصيب العلاقة بين اللاجئين السوريين ومضيفيهم الأتراك بفعل حادث وقع في إسطنبول في أواخر يونيو الماضي، حين هاجم بعض من أبناء المدينة لاجئين سوريين وحطموا محال مملوكة لسوريين ردا على شائعة لا أصل لها بأن لاجئا سوريا تعدى على فتاة تركية.

وبدا أن أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية الجديد للمدينة قد وقف في صف المعتدين خلال تعليقاته التي أعقبت الحادث بأيام قليلة، وهو أمر دفع مكتب محافظ إسطنبول لتحديد يوم العشرين من أغسطس الجاري كموعد نهائي لعودة اللاجئين السوريين كل إلى المحافظة التركية التي سجل فيها لدى وصوله وإلا فستتم إعادتهم قسرا إلى تلك الأماكن.

وذكرت شبكة (سي.إن.إن) الإخبارية يوم الأربعاء أن "الإعلان قد بعث برسالة مخيفة للسوريين."

وأعقب الإعلان اعتقال نحو 12 ألف شخص فيما تفشى الخوف بين اللاجئين في إسطنبول بينما يقول ناشطون أن ما يصل إلى ستة آلاف شخص قد تم ترحيلهم.

وينفي المسؤولون الأتراك حدوث أي عمليات ترحيل.

ويوم الأربعاء، أكد إمام أوغلو التزامه بإنشاء مكتب للاجئين من أجل تحسين طريقة التعامل مع الأزمة. غير أن هذا ربما لا يكون أمرا ضروريا.

وتصادف يوم الأربعاء أيضا أن اتفقت الولايات المتحدة وتركيا على إنشاء مركز عمليات مشتركة للتنسيق فيما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة على الجانب السوري من الحدود.

ولطالم سعت تركيا لإخلاء المنطقة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي قوات تشكل العمود الفقري للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك من خلال مفاوضات للقيام بعملية إخلاء سلمي أو من خلال طرد المجموعة من المنطقة.

ووفقا للبيان الأميركي التركي المشترك، فإن الطرفين اتفقا على إجراءات تُطبق سريعا للتعامل مع المخاوف الأمنية التي عبر عنها الأتراك.

وترى تركيا في وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني المحظور، وهي جماعة مسلحة تقاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.

وقال البيان أيضا إن المنطقة الآمنة ستكون بمثابة ممر آمن لضمان عودة الاجئين السوريين بسلام إلى وطنهم.

وقال ميتين جورجان، خبير الشؤون الأمنية التركي في تغريدة عن اتفاق المنطقة الآمنة "يبدو أن الولايات المتحدة قد قبلت الاقتراح التركي بنقل اللاجئين السوريين (وأغلبيتهم من السنة) إلى شمال شرق سوريا ليتسنى لتركيا إغلاق الحدود على عناصر وحدات حماية الشعب الكردية."

وأضاف "خلال الأيام المقبلة، ربما نشهد نقل آلاف اللاجئين من تركيا إلى شمال شرق سوريا تحت رقابة من الولايات المتحدة وتركيا."

وبالتأكيد، لو كان أكبر هواجس تركيا هي وحدات حماية الشعب الكردية واتفقت الولايات المتحدة وتركيا على التعامل بهدوء مع مصدر القلق هذا، فإنهما قد يبدآن قريبا العمل سويا لإعادة اللاجئين إلى سوريا من أجل إجبار عناصر وحدات حماية الشعب الكردية على الخروج من المنطقة الحدودية.

وقد تتولى أنقرة خلال الأسابيع المقبلة الإشراف على عملية ترحيل قسري جماعي تحت رقابة أميركية، وهو أمر يعني تغيير الطبيعة السكانية لمساحات كبيرة من سوريا، وينتظر أن يحدث تحولا في المدن والبلدات الكردية الكبرى حين تحل عليها غالبية من السنة المعادين قسرا من تركيا.

ولا شك أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا يحلمون بالعودة للوطن يوما ما. لكن المرء يتعجب كيف ليمكن أن ينتهي المطاف بكثيرين من الحالمين بهم المطاف إلى مواجهة تعامل عنيف والاحتجاز في منطقة آمنة تحت رقابة الجنود الأتراك، حيث يرجح أن يعيش كثيرون في معسكرات دون أن يكون لديهم حق في العمل أو العيش بطريقة طبيعية.

لكن ورغم كل ما يحيط بالأمر من مشاكل، فإن هذه السياسة سترضي غالبية المواطنين الأتراك.

وتشير استطلاعات رأي متتالية إلى مشاعر متنامية تجاه 3.6 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا حيث تجتاح عبارات معادية للسوريين موقع تويتر، تحركها على الأرجح المشاكل الجمة التي تحيط بالاقتصاد التركي.

وقبل أيام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طالما تحمس للاجئين ودافع عنهم، إن الإنفاق الحكومي على اللاجئين السوريين اقترب من 40 مليار دولار.

وقال الرئيس التركي متحدثا لمحطة (سي.إن.إن) "الأتراك يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة ونسب البطالة العالية، وأصبح السوريون كبش فداء سهل لمشاكلهم الاقتصادية."

ومن شأن المنطقة الآمنة أن تتيح للاجئين السوريين في تركيا مكانا بعيدا عن سيطرة الحكومة، مثلما أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقالت الصحيفة يوم الأربعاء "يواجه أردوغان ضغوطا متنامية في الداخل، في ظل تراجع اقتصادي وعلو صوت الأحزاب السياسية المعارضة، إذ عليه أن يظهر أن بعض اللاجئين السوريين في تركيا البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص سيعودون لبلادهم."

وتقول المنظمة الدولية للاجئين إن عددا يصل إلى 900 ألف سوري يعيشون في إسطنبول.

ويملك معظم هؤلاء تصاريح تتيح لهم البقاء في المدينة، لكن تصاريحهم تلك قد لا تنقذهم الآن من الترحيل.

والآن يلزم آلاف اللاجئين السوريين في المدينة منازلهم بعيدا عن قبضة الشرطة، أو يعمدون إلى تغيير مسار تحركاتهم.

وقال معماري سوري يبلغ من العمر 26 عاما ويعيش في إسطنبول متحدثا لمحطة إذاعية إنه توقف عن استخدام وسائل المواصلات العامة في رحلة ذهابه إلى العمل، ويسير بدلا من ذلك لمدة 90 دقيقة عبر شوارع خلفية أكثر أمنا.

وقال رئيسه طلب منه عدم الحضور إلى العمل.

لكنه يقول إن الخوف يتملكه رغم ذلك في كل مرة يخرج فيها من باب شقته.

وقال "إنه أمر مروع. لا يزال هذا في مخيلتي."

وقال معاذ يوسف وهو سوري يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات إنه تلقي مئات من الاتصالات من لاجئين يشعرون بالذعر ويفكرون في تغيير سكنهم ويبحثون عن تأمين صحي ويتساءلون إن كانوا سيتمكنون من البقاء وكسب قوت يومهم بشكل طبيعي.

وأضاف يوسف متحدثا لقناة (بي.آر.آي) "تصلني كل يوم أكثر من 100 قصة. أحاول التواصل مع الحكومة التركية والبحث عن حل."

ولدى الحكومة التركية حل على ما يبدو لهذه القضية، لكنه حل لن ينجح على الأرجح في الحد من مخاوف اللاجئين السوريين.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

من هو عدو تركيا في قطر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

عبد الرحمن الراشد

«البحر من ورائكم والعدو أمامكم» هذه ليست الجملة الشهيرة التي قالها القائد العسكري طارق بن زياد عندما فتح الأندلس، بل جنرال تركي يشرف على بناء القاعدة العسكرية التي تبنى له في قطر. بوضوح العدو هنا السعودية ودول الخليج، وليس خلفه سوى بحر الخليج الهائج.
قطر تتوعد جيرانها بقاعدة تركيا، لكن «المتغطي بالأتراك عريان» اسألوا جيرانهم السوريين. لن تفيد قاعدتهم قطر لا في حمايتها من السعودية ولا من إيران، وهي تعبر عن التناقضات القطرية الفاخرة المستمرة، فهي لا تزال تركض في اتجاهات متضادة، إلى طهران وواشنطن وأنقرة.
الحامية التركية فزاعة صغيرة قد لا تتجاوز ألفي جندي، وتركيا ليست بالدولة الكبرى حتى تستطيع دعمها في اللحظة الحرجة. فهي لا تتمتع بإسناد عسكري لوجيستي كبير في المنطقة، وليس لها بوارج عسكرية في مياه الخليج، ولا تستطيع إرسال مدد بالجو إلا بعد موافقة العراق أو إيران، ولا يوجد لها ممر بري. قاعدة بلا مهمة، إلا إن قررت أنقرة التحالف مع طهران في حرب مقبلة ضد دول الخليج، وهذا الأمر مستحيل بوجود قاعدتين أميركيتين معها في قطر.
بخلاف الأميركيين الموجودين هناك في قاعدتي العديد والسيلية اللتين تديران حروب المنطقة عسكرياً، فإن الوجود التركي ديكور سياسي، وعبء على القطريين. تحالف مكلف جداً لكنه يتناسب مع مخرجات الدعاية القطرية التي تقوم على دعم تنظيمات مثل «الإخوان المسلمين» في المنطقة. والعلاقة الخاصة بين الدوحة وأنقرة ليست في أفضل حالاتها، فهي تعاني من خيبات، فقد كان لدى قطر طموح يعوض عن نقصها، أن تجعل من تركيا دولة إقليمية كبرى سياسياً وعسكرياً فتركبها لتغيير المنطقة، تريدها أن تكون مغامرة قوية مثل إيران تتشارك معها في مد النفوذ على الرياض والقاهرة وبغداد وبيروت. الخطاب التركي السياسي صاخب لكنه لا يتجاوز الإعلام والحناجر. فقد وعدت تركيا بالتغيير في سوريا وفشلت لأنها امتنعت عن التدخل عسكرياً، بعكس إيران وروسيا. ولم تهب لنجدة «الإخوان المسلمين» بعد دهسهم في مصر، ولم تقدم لهم سوى المنفى، للهاربين منهم. وتدخلها محاصر في ليبيا، وخرجت تماماً من السودان. وزادت نكسات الرهان القطري بسبب العداء الخطير الذي أصاب علاقة أنقرة بواشنطن، وأصاب حلمها في مقتل. ضعفت سياسياً وصارت خسائر قطر المالية هائلة نتيجة تدهور اقتصاد تركيا وعملتها. هذه العلاقة ورطت تركيا؛ بسبب تحالفها مع قطر خسرت أهم أسواقها في منطقة الشرق الأوسط، السعودية والإمارات، وخسرت أكثر من نصف العالم العربي.
حين يرفع مستوى الوجود التركي العسكري في قطر من ثكنة إلى قاعدة، خلال الأسابيع المقبلة، ستتضح معالمه أكثر، ولا أتصور أنه سيضيف كثيراً إلا ربما في حماية الحكم من أي تحديات داخلية، وهذا سلاح من حدين، فتحالفات أنقرة نفسها لطالما تغيرت داخلياً وخارجياً.
ومن اللائق أن أنهي المقال بما لم يكمله الجنرال التركي أمام القطريين، بقية خطبة طارق بن زياد لرجاله وهم يستعدون لمعركتهم مع قبائل القوط: «... واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:



الجزائريون يخرجون في الجمعة الـ 26 لحراكهم... هذه مطالبهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

خرج آلاف المتظاهرين الجزائريين، أمس، إلى شوارع العاصمة الجزائرية، والعديد من المدن الأخرى، في الأسبوع الـ 26 من الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، منذ 22 شباط (فبراير) الماضي.

ومنعت الشرطة الجزائرية تقدّم المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرة جديدة بوسط العاصمة الجزائرية، للجمعة الـ26، للمطالبة بتغيير كلّي للنظام ورحيل جميع رموزه.

وتجمّع المئات من المتظاهرين بشارعي ديدوش مراد وعبد الكريم الخطابي، وحاولوا التقدم باتجاه ساحتي موريس أودان والبريد المركزي (معقل الحراك الشعبي)، لكنّ قوات الشرطة وقفت حاجزاً أمامهم، بحسب ما ذكرت الوكالة الألمانية في تقرير من العاصمة الجزائرية.

المتظاهرون ردّدوا شعارات رافضة لرموز الظام والهيئة الوطنية للوساطة والحوار ومنسقها كريم يونس

وشكّل حاجز للشرطة، قبل بدء صلاة الجمعة، علماً بأنّ الحشود غالباً ما تتضاعف بعد انتهاء الصلاة من مساجد العاصمة، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ورغم تمسّك الحراك الشعبي بمطالبه، تواصل هيئة الوساطة والحوار الوطني مساعيها لإقناع أكبر عدد ممكن من الشخصيات والهيئات بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار؛ لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ 22 شباط (فبراير)الماضي.

وردّد المتظاهرون في العاصمة شعارات معارضة لـ "الهيئة الوطنية للوساطة والحوار"، ومنسقها كريم يونس.

وترفض شريحة واسعة من المحتجين تنظيم انتخابات رئاسية، طالما ما يزال كبار المسؤولين من عهد رئاسة بوتفليقة (1999-2019) (الرئيس المؤقَّ عبد القادر بن صالح، والفريق أحمد قايد صالح) في الحكم.

 

للمشاركة:

وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي تنسحب... التحالف ينجح في إنهاء الاقتتال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17
أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، صباح اليوم؛ أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، وذلك استجابة لدعوات التحالف.
وانسحبت قوات المجلس الانتقالي من مستشفى عدن والبنك المركزي ومقر الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتسلمت المواقع ألوية حماية الرئاسة، وفق ما نقلت "العربية".

تحالف دعم الشرعية يعلن أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة بعدن

وجاء إعلان التحالف، اليوم، "إلحاقاً للبيان الصادر من قيادة القوات المشتركة للتحالف، وما تضمنه من رفض التطورات في عدن، ودعوة كافة الأطراف والمكونات لتحكيم العقل وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل مع الحكومة اليمنية الشرعية لتخطي المرحلة الحرجة".

وكان التحالف قد طالب بوقف فوري لإطلاق النار في العاصمة اليمنية المؤقتة، كما دعا كافة المكونات والتشكيلات العسكرية من الانتقالي وقوات الحزام الأمني إلى العودة الفورية لمواقعها، والانسحاب من المواقع التي استولت عليها خلال الفترة، وعدم المساس بالممتلكات العامة والخاصة".

وثمّنت قيادة القوات المشتركة للتحالف "استجابة الحكومة اليمنية الشرعية للدعوة لضبط النفس أثناء الأزمة، وتغليبها لمصالح الشعب اليمني، ومحافظتها على مكاسب تحالف دعم الشرعية في اليمن، من أجل إعادة الدولة ومؤسساتها".

كما ثمنت "استجابة الانتقالي في عدن لدعوة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لوقف إطلاق النار، وتغليب الحكمة ومصالح الشعب اليمني، وعدم الإضرار بها، أو المساس بالممتلكات العامة والخاصة، والبدء اليوم بسحب قواتها وعناصرها القتالية والعودة إلى مواقعها السابقة، قبل الأحداث الأخيرة، وتسليم مقرات الحكومة اليمنية بإشراف من التحالف".

وفي هذا السياق، دعت قيادة القوات المشتركة إلى "استمرار التهدئة وضبط النفس ووقف الخطاب الإعلامي المتشنج، وتعزيز لغة الحوار والتصالح وتوحيد الجهود في هذه المرحلة، والوقوف سوياً لإنهاء الانقلاب الحوثي ومشروع النظام الإيراني الهدام باليمن، وعدم إعطاء الفرصة للمتربصين بالدولة اليمنية وشعب اليمن من التنظيمات الإرهابية، كالميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وداعش".

 

للمشاركة:

الولايات المتحدة تلاحق ناقلة النفط الإيرانية "غريس ١".. بهذه التهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

أصدرت الولايات المتحدة مذكرة ضبط بشأن ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، بعد يوم واحد من السماح لها بمغادرة منطقة جبل طارق.

وتريد وزارة العدل الأمريكية مصادرة الناقلة، وكلّ النفط الذي تحمله، ونحو مليون دولار؛ بناءً على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال المصرفي وغسيل الأموال و"الإرهاب"، وفق ما نقلت الـ "بي بي سي".

وقالت وزارة العدل: "تجب مصادرة الناقلة، لمحاولة الوصول إلى النظام المالي الأمريكي بصورة غير مشروعة ودعم شحنات محظورة إلى سوريا".

العدل الأمريكية تريد مصادرة الناقلة بناء على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال وغسيل الأموال والإرهاب

وتمّ التحفظ على الناقلة "غريس 1" الشهر الماضي؛ للاشتباه في خرقها عقوبات الاتحاد الأوروبي على نقل النفط إلى سوريا.

وقضت المحكمة العليا في جبل طارق، أول من أمس، بأنه يمكن للناقلة أن تبحر إذا قدمت ضمانات بأنّها لن تسلّم حمولتها إلى سوريا.

وتنفي إيران أنّها قدمت أيّة تعهدات لضمان الإفراج عن الناقلة، مؤكدة أنّ وجهتها لم تكن سوريا.

وفي وقت سابق، قال مسؤولون إيرانيون: إنّ الناقلة تستعد للإبحار بعد إصدار جبل طارق الحكم بالإفراج عنها، بعد ستة أسابيع من احتجازها.

وقال جلال إسلامي، نائب رئيس هيئة الموانئ والملاحة الإيرانية، للتلفزيون الرسمي الإيراني، الجمعة: إنّ "غريس 1" ستحصل على اسم جديد وستحمل العلم الإيراني في رحلة عودتها.

وقال مصدر لوكالة "فرانس برس": إنّ "الناقلة تنتظر وصول طاقم جديد قبل أن تغادر جبل طارق".

 

للمشاركة:



القصيبي..النجم الذي هاجمته المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

تركي الدخيل

اليوم، منتصف شهر أغسطس، تحل الذكرى التاسعة لوفاة غازي القصيبي، رحمه الله. وأقول اسمه بلا مناصب علمية ولا إدارية، لأنه كان عَلماً يُدل به على الألقاب، والمسميات.
لم يغادر غازي القصيبي، عالمنا في 15 أغسطس 2010، حتى كتب كل ما يريدُهُ عن نفسِهِ وعن شعره، عن حياته الاجتماعية، وعن طفولته، ومراهقته، وصبوات الشباب، ونضجِ الكهول، وانكسارهم، وحكمة الشيوخ، وغربتهم.
وفي مؤلّفاته التي تربو على ستين كتاباً، خلفها بعد سبعين عاماً، وتوزعت بين ديوانٍ، ودراسةٍ، وحوارٍ، ورواية.
أرّخَ الراحل لسنوات الدراسة الأولى، ومنافسات زملائه في الثانوية، وكتبَ عن الجامعة وشجونها، طالباً مبتعثاً، ومدرّساً، وعميداً.
وكشف لنا عن سيرته الإدارية، وحياته الوزارية، ومهامه الدبلوماسية. وفي بانوراما من العجائب، أَخَذَنا معه على بساطِ علاء الدين، في رحلةٍ ممتعة، ورومانسية ساخرةٍ، وحزينةٍ، ليُشركَنا في حديثٍ صريحٍ عن بريق المناصب، وذُرى المجد، وسحرِ الأضواء، ورفقةِ الملوك والأمراء، وخفايا الرؤساء وأمزجتهم، ودهاليز السياسة، وأسرار الأبواب المغلقة.
ومن كوَّتِه السحرية، حلّق بنا معه في عوالمِ الجميلات، والأميراتِ، وبناتِ ملوك الجان، وأطلَّ كلمحةِ العابر على مجالس الفقهاء، وفِكرِ العلماء وخَتَمَ حياته المثيرة بمقاربةٍ مثيرة، لكشف أسباب تحوّل الإنسان العادي إلى متطرّف، يجعلُ العنفَ وسيلتَه والتطرف فلسفته.
كشف لنا غازي في ما ألفه، عن تحولاتِهِ الفكرية العميقة، وعذاباته النفسية، وآلامهِ الصادقة، وآمالِهِ الكبيرة، وأحلامِهِ الساحرة، وآرائِهِ الجريئة، والجارحةِ أيضاً، في حاضرِ العرب، وعواملِ هزائمهم، وأسباب تخلّفهم.
وفي روايته «العصفورية»، كان يناقش بعمقٍ، أسباب التأخّر العربي في شتى المجالات، منطلقاً من آلية كتابة مختلفة وحَذِرةٍ، لكنها جريئةٌ في الوقت ذاته. وأودعَ رواياتِهِ، كل ما لم يُمكنه أن يكشفَ في غيرها من صنوف الكتابة. كما أودعَها نقدَه اللاذعَ للمثقفين والسياسيين والشعراء، وأعمل سياطَه في العادات الاجتماعية، التي فتكت بمجتمعه وأمّته، وباح بما يصعبُ عليه الكتابة عنه جهاراً، مُتخذاً من شخوص رواياته متنفساً، ومن مواقف أبطاله، وعباراتهم وجنونهم، وصراحتهم، وغرائبيتهم، ومواقفهم الساخرة والمضحكة، وسيلة لإيصال ما يريده... وإن كان قد أفلت مراراً، من الأسئلة التي حاولتْ أن تنتزعَ منه إقراراً بأن أحداثَ بعض رواياته ليست إلا سيرة ذاتية عنه، وأن بعضَ قصائدِه، التي يتناقلها أصدقاؤه، منذ سنوات الجامعة، كانت تعكس واقعاً لا خيالاً.
خلال أربعة عقود، اصطحَبَنا القصيبي معه في رحلةٍ عن تحدّيات التنمية، وقصص النجاح ونشوته، وأعداء الإنجاز، وأصحاب المصالح، وعذاباته من رؤية المعاقين، والبؤساء والمعدمين والمرضى، وبكائه من معاناة العاطلين. لقد قال غازي رحمه الله، صراحة، في برنامج (إضاءات)، أنه عانى في تولّيه وزارة العمل، أقسى ما يمكن أن يُواجهه من معارضة وعداء. يقول: (أنا أعرفُ باعتباري تلميذاً من تلاميذ علم السياسة أن الناسَ، كل الناس، يدافعون عن مصالحهم بضراوةٍ وشراسة، لا أخصُّ رجالَ الأعمال، أو فئة بعينها، ولكني أتحدّثُ عن كل من تضرَّرَت مصالحُه، بمن فيهم المواطن العادي، الذي كان يعتاشُ من بيع أربع، أو خمس تأشيرات في السنة. كل أصحاب المصالح التي تضرَّرَت شنّوا على الوزارة وعلى شخصي الضعيف، وعلى زملائي، حرباً شعواءَ أبعد ما تكون عن الخفاء. وبمواجهة ذلك كلّه لا أقول إلا :«قل لن يصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون». على المسؤول الذي يخشى تبعةَ قراراتِه أن يختفيَ في أقربِ كهفٍ!). ولا غرو فالقصيبي يعتقد أن «الذي لا يريدُ أعداءً، أفضل له أن يجلسَ في بيته، أو يبقى في وزارته يبصمُ على الأوراق. فالذي يريد الإصلاح لا بدَّ له من أن يُعِدَّ نفسَه لعداء كبير وهجوم، ويَحسُنُ به حتى لا يفقد عقله، ولا اتزانه ألا يرى أن الأمر شخصيٌّ».
حلّق بنا غازي، في عالم الحب وأعاجيبه، وأشركَنا معه في التعبير عن لحظات الفقد، ورحيل الأحباب، ومناغاة الأطفال وعالمِهم السحري، واستبدادهم وقسوتهم.
تسع سنوات مضت على رحيل، رجل وطن، ذهب إلى لقاء ربه، والجميع يدعو له بالخير، وهو ملء السمع والبصر، لكن ما لا يعرفه البعض ويتجاهله آخرون، أن غازي القصيبي، عانى بأقسى ما تكون المعاناة، من الإقصاء المجتمعي، والتصنيف الممنهج، والدعاء عليه فوق منابر المساجد، كل ذلك في فترة كان المجتمع فيها يغلي فوق قدر «الصحوة»، فرحمه الله على كل ضرر أصابه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا قد تبدأ عملية ترحيل جماعي للسوريين بحجة المنطقة الآمنة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

دايفيد ليبسكا

لو صحت تفسيرات المراقبين بخصوص اتفاق أمريكي-تركي لإنشاء منطقة آمنة في سوريا، فستؤدي على الأرجح إلى تأجيج مخاوف اللاجئين السوريين في الجار الشمالي خلال الأيام المقبلة من احتمال ترحيلهم.

وبدأ التوتر يصيب العلاقة بين اللاجئين السوريين ومضيفيهم الأتراك بفعل حادث وقع في إسطنبول في أواخر يونيو الماضي، حين هاجم بعض من أبناء المدينة لاجئين سوريين وحطموا محال مملوكة لسوريين ردا على شائعة لا أصل لها بأن لاجئا سوريا تعدى على فتاة تركية.

وبدا أن أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية الجديد للمدينة قد وقف في صف المعتدين خلال تعليقاته التي أعقبت الحادث بأيام قليلة، وهو أمر دفع مكتب محافظ إسطنبول لتحديد يوم العشرين من أغسطس الجاري كموعد نهائي لعودة اللاجئين السوريين كل إلى المحافظة التركية التي سجل فيها لدى وصوله وإلا فستتم إعادتهم قسرا إلى تلك الأماكن.

وذكرت شبكة (سي.إن.إن) الإخبارية يوم الأربعاء أن "الإعلان قد بعث برسالة مخيفة للسوريين."

وأعقب الإعلان اعتقال نحو 12 ألف شخص فيما تفشى الخوف بين اللاجئين في إسطنبول بينما يقول ناشطون أن ما يصل إلى ستة آلاف شخص قد تم ترحيلهم.

وينفي المسؤولون الأتراك حدوث أي عمليات ترحيل.

ويوم الأربعاء، أكد إمام أوغلو التزامه بإنشاء مكتب للاجئين من أجل تحسين طريقة التعامل مع الأزمة. غير أن هذا ربما لا يكون أمرا ضروريا.

وتصادف يوم الأربعاء أيضا أن اتفقت الولايات المتحدة وتركيا على إنشاء مركز عمليات مشتركة للتنسيق فيما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة على الجانب السوري من الحدود.

ولطالم سعت تركيا لإخلاء المنطقة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي قوات تشكل العمود الفقري للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك من خلال مفاوضات للقيام بعملية إخلاء سلمي أو من خلال طرد المجموعة من المنطقة.

ووفقا للبيان الأميركي التركي المشترك، فإن الطرفين اتفقا على إجراءات تُطبق سريعا للتعامل مع المخاوف الأمنية التي عبر عنها الأتراك.

وترى تركيا في وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني المحظور، وهي جماعة مسلحة تقاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.

وقال البيان أيضا إن المنطقة الآمنة ستكون بمثابة ممر آمن لضمان عودة الاجئين السوريين بسلام إلى وطنهم.

وقال ميتين جورجان، خبير الشؤون الأمنية التركي في تغريدة عن اتفاق المنطقة الآمنة "يبدو أن الولايات المتحدة قد قبلت الاقتراح التركي بنقل اللاجئين السوريين (وأغلبيتهم من السنة) إلى شمال شرق سوريا ليتسنى لتركيا إغلاق الحدود على عناصر وحدات حماية الشعب الكردية."

وأضاف "خلال الأيام المقبلة، ربما نشهد نقل آلاف اللاجئين من تركيا إلى شمال شرق سوريا تحت رقابة من الولايات المتحدة وتركيا."

وبالتأكيد، لو كان أكبر هواجس تركيا هي وحدات حماية الشعب الكردية واتفقت الولايات المتحدة وتركيا على التعامل بهدوء مع مصدر القلق هذا، فإنهما قد يبدآن قريبا العمل سويا لإعادة اللاجئين إلى سوريا من أجل إجبار عناصر وحدات حماية الشعب الكردية على الخروج من المنطقة الحدودية.

وقد تتولى أنقرة خلال الأسابيع المقبلة الإشراف على عملية ترحيل قسري جماعي تحت رقابة أميركية، وهو أمر يعني تغيير الطبيعة السكانية لمساحات كبيرة من سوريا، وينتظر أن يحدث تحولا في المدن والبلدات الكردية الكبرى حين تحل عليها غالبية من السنة المعادين قسرا من تركيا.

ولا شك أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا يحلمون بالعودة للوطن يوما ما. لكن المرء يتعجب كيف ليمكن أن ينتهي المطاف بكثيرين من الحالمين بهم المطاف إلى مواجهة تعامل عنيف والاحتجاز في منطقة آمنة تحت رقابة الجنود الأتراك، حيث يرجح أن يعيش كثيرون في معسكرات دون أن يكون لديهم حق في العمل أو العيش بطريقة طبيعية.

لكن ورغم كل ما يحيط بالأمر من مشاكل، فإن هذه السياسة سترضي غالبية المواطنين الأتراك.

وتشير استطلاعات رأي متتالية إلى مشاعر متنامية تجاه 3.6 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا حيث تجتاح عبارات معادية للسوريين موقع تويتر، تحركها على الأرجح المشاكل الجمة التي تحيط بالاقتصاد التركي.

وقبل أيام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طالما تحمس للاجئين ودافع عنهم، إن الإنفاق الحكومي على اللاجئين السوريين اقترب من 40 مليار دولار.

وقال الرئيس التركي متحدثا لمحطة (سي.إن.إن) "الأتراك يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة ونسب البطالة العالية، وأصبح السوريون كبش فداء سهل لمشاكلهم الاقتصادية."

ومن شأن المنطقة الآمنة أن تتيح للاجئين السوريين في تركيا مكانا بعيدا عن سيطرة الحكومة، مثلما أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقالت الصحيفة يوم الأربعاء "يواجه أردوغان ضغوطا متنامية في الداخل، في ظل تراجع اقتصادي وعلو صوت الأحزاب السياسية المعارضة، إذ عليه أن يظهر أن بعض اللاجئين السوريين في تركيا البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص سيعودون لبلادهم."

وتقول المنظمة الدولية للاجئين إن عددا يصل إلى 900 ألف سوري يعيشون في إسطنبول.

ويملك معظم هؤلاء تصاريح تتيح لهم البقاء في المدينة، لكن تصاريحهم تلك قد لا تنقذهم الآن من الترحيل.

والآن يلزم آلاف اللاجئين السوريين في المدينة منازلهم بعيدا عن قبضة الشرطة، أو يعمدون إلى تغيير مسار تحركاتهم.

وقال معماري سوري يبلغ من العمر 26 عاما ويعيش في إسطنبول متحدثا لمحطة إذاعية إنه توقف عن استخدام وسائل المواصلات العامة في رحلة ذهابه إلى العمل، ويسير بدلا من ذلك لمدة 90 دقيقة عبر شوارع خلفية أكثر أمنا.

وقال رئيسه طلب منه عدم الحضور إلى العمل.

لكنه يقول إن الخوف يتملكه رغم ذلك في كل مرة يخرج فيها من باب شقته.

وقال "إنه أمر مروع. لا يزال هذا في مخيلتي."

وقال معاذ يوسف وهو سوري يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات إنه تلقي مئات من الاتصالات من لاجئين يشعرون بالذعر ويفكرون في تغيير سكنهم ويبحثون عن تأمين صحي ويتساءلون إن كانوا سيتمكنون من البقاء وكسب قوت يومهم بشكل طبيعي.

وأضاف يوسف متحدثا لقناة (بي.آر.آي) "تصلني كل يوم أكثر من 100 قصة. أحاول التواصل مع الحكومة التركية والبحث عن حل."

ولدى الحكومة التركية حل على ما يبدو لهذه القضية، لكنه حل لن ينجح على الأرجح في الحد من مخاوف اللاجئين السوريين.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

وجهان لعملة واحدة.. ما أوجه الشبه والاختلاف بين ترامب وجونسون؟

2019-08-15

ترجمة: علي نوار


يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لتعزيز علاقة التحالف التاريخي بين دولتيهما، رغم أنّ لكلّ منهما دوافعه الخاصة والتي يصعب التوفيق بينها.

ترامب وجونسون سياسيان وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية

وفي كل مرة يحدث فيها تغيير داخل البيت الأبيض أو 10 داونينج ستريت، تسود حالة من الترقّب تجاه مدى التناغم على المستوى الشخصي أو حتى انعدامه بين الشخصين المكلّفين بالحفاظ على ما كان يُنظر إليه باعتباره أمتن تحالف في العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالعودة إلى الوراء في كتاب التاريخ، يتبيّن أنّ الأمر سار على ما يرام حين كانت هناك أيديولوجيا تربط بين زعيمي البلدين- مثل الفكر الليبرالي في حالة رئيس الولايات المتحدة السابق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر- أو البحث عن مسار ثالث في حالة الشابين الأمريكي بيل كلينتون والبريطاني توني بلير- أو قضية مشتركة قوية مثل إلحاق الهزيمة بالنازية التي جمعت بين فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، رغم أنّهما سليلا عائلتين سياسيتين متناحرتين.

اقرأ أيضاً: جونسون والحلف الشعبوي المحافظ

وخلال زيارتها للبيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، كشفت الصور القليلة التي التُقطت بكل وضوح، غياب التفاهم بين ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، رغم أنّ الزيارة عنت بالطبع أنّ العلاقات لم تُمسّ. إلّا أنّ استقالة ماي بعد هذه الزيارة بعامين ونصف العام تقريباً ووصول بوريس جونسون إلى داونينج ستريت أسهم في زيادة التوقّعات بتعضيد العلاقات الثنائية الخاصة بدرجة أعمق.

رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي

لا يمكن بتاتاً التغافل عن التوافق بين ترامب وجونسون. فهما سياسيان غير تقليديين، وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات، كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية. ربما يكون صحيحاً أنّ جونسون صرّح حين كان لا يزال عمدة العاصمة لندن بأنّ السبب الوحيد الذي يحول دون زيارة مناطق معينة من نيويورك هو "الخطر الحقيقي" المتمثّل في لقاء دونالد ترامب. لكن المديح الذي كاله الرجل فيما بعد لرجل الأعمال النيويوركي يبدو أنّه نجح في رأب الصدع الذي شاب العلاقة بينهما. ويهدف الطرفان اليوم لتعزيز العلاقات الثنائية القوية. بيد أنّ المشكلة تكمن في اختلاف دوافع كلّ منهما والتي يتعذّر تحقيق التوافق بينها.

اقرأ أيضاً: جونسون على خطى ترامب

ويتطلّع جونسون لاتفاق تجاري كبير يعلّق عليه آمالاً عريضة في تخفيف العواقب الوخيمة المتوقّعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). في المقابل، يبحث ترامب عن حليف له في الجبهات العديدة التي فتحها على الساحة السياسية العالمية. ومن الواضح أنّ أياً من الرجلين سيعثران بسهولة على ضالتهما في الشريك الآخر القابع على الجانب المقابل من المحيط الأطلسي.

نجح الزعيمان بتحويل الطابع المحافظ الذي اتّسم به حزباهما لنوع من القومية الجديدة

ولا تتبنّى بريطانيا سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران، ولا مواقفها إزاء ملفات مثل التغيّر المناخي ومستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وبالقطع ليس السياسة الأمريكية العدائية في التعامل مع التهديد الاستراتيجي الذي تمثّله الصين، الدولة التي تنوي لندن الاتجاه إليها بعد البريكست. ولعلّ أبرز ما ميّز مسيرة جونسون السياسية هو الانسيابية التي يغيّر بها مواقفه. رغم أنّ النظام البرلماني البريطاني لديه ما يقوله بشأن هذه السياسات لمجلس العموم حيث لا يحظى جونسون بأغلبية مريحة من الأعضاء المؤيدين له.

علاوة على ذلك، لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ، رغم أنّه وبعد مرور 48 ساعة فحسب على تولّي جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا، تحدّث الزعيمان عن "فرصة سانحة" تلوح في الأُفق لتقوية الروابط الاقتصادية. كل ذلك رغم أنّ ترامب أظهر بعد مرور ثلاثة أعوام من تواجده داخل البيت الأبيض أنّ العلاقات الشخصية تعتمد كلّية على تنفيذ نظرائه لما يريده هو. لكن لا يمكن لأحد التشكيك حيال قُرب دخول ترامب وجونسون في فترة وردية، بدأت مؤشراتها خلال قمة الدول السبع الكبار (جي7)، خاصة مع وجود هدف مشترك لديهما هو العبث مع بروكسل. بيد أنّ لا أحد يستطيع الجزم في الوقت ذاته بأنّه فور تقارب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، أن يتخلّى ترامب على الفور عن شعاره (أمريكا أولاً).

لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ

والواقع أنّ لندن لا تتوفّر على هامش كبير للمناورة في المفاوضات. فبريطانيا تمتثل منذ عقود طوال للمعايير الأوروبية، ولن يكون من السهل بالنسبة لجونسون تخفيف وقع هذه العملية الطويلة كي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الزراعة والعقاقير الطبية، لدخول السوق البريطانية بدون الدعم البرلماني المتواضع. وكلّما تباعدت المسافة عن المعايير الأوروبية، كان من السهل إحراز تقدّم في اتفاق تجاري، لكن هذا الأمر سيستلزم في التوقيت عينه تشديد الرقابة على الحدود الأيرلندية. وفي المقابل يرفض الكونغرس الأمريكي، مثلما حذّرت رئيسته نانسي بيلوسي، أي اتفاق من شأنه إقامة حدود مع بين شطري أيرلندا وينتج عنه تقويض السلام في الجزيرة.

صرّح ترامب مؤخراً بأنّ جونسون رجل صالح إنّه صلب وذكي يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا" ويقولون إنّ هذا شيء جيّد

وتوجد على المحك واردات وصادرات متبادلة قفزت قيمتها الإجمالية عام 2018 إلى 262 ملياراً و300 مليون دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية. وتعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأبرز للمملكة المتحدة (رغم أنّ حجم التبادل الثنائي لا يمثّل 30% من التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017). أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ بريطانيا تحتلّ المركز السابع في ترتيب الشركاء التجاريين لها.

لقد نجح الزعيمان في تحويل الطابع المحافظ التقليدي الذي لطالما اتّسم به حزباهما إلى نوع من القومية الجديدة، قاطعين الوعود لناخبيهما بالعودة إلى حقب ماضية. "جعل أمريكا عظيمة من جديد" في حالة ترامب و"استعادة السيطرة" في حالة جونسون. وفي طريقهما نحو أضغاث الأحلام هذه، يطرح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا رؤية غريبة للعلاقات الثنائية تتبلور في التخلّص من النظام متعدّد الأطراف القائم على الصعيد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن في التأسيس لقيامه.

رئيسة الكونغرس الأمريكي  نانسي بيلوسي

لكن ما هي أوجه الشبه بين الرجلين؟

أثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، مرّ رئيس الوزراء البريطاني بتجربة فريدة من نوعها بالنسبة له شكا منها فيما بعد، فقد أحاط به المصوّرون والمارّة الفضوليون الذين كانوا يطلبون إليه التقاط الصور معه ومنحهم توقيعه.

ليس الأمر أنّه لا يحبّذ أن يكون مشهوراً في شوارع نيويورك، واحدة من أكثر مدن العالم تنوّعاً من الناحية الثقافية، ولا لأنّ شهرته كعمدة لندن قد عبرت المحيط الأطلسي، لكن الحقيقة كانت أنّ الناس خلطت بينه وبين أحد أغرب الشخصيات وإثارتها للجدل في المدينة؛ رجل الأعمال ونجم التلفزيون دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: جونسون يتسلّم رئاسة الحكومة.. أهم ما ينتظره فيها

ويروي جونسون "كنت في نيويورك وحاول بعض المصوّرين التقاط الصور لي، بل أنّ فتاة عبرت الطريق تجاهي ثم توقّفت وقالت "يا إلهي! هل هذا ترامب؟" كانت واحدة من أسوأ اللحظات على مدار رحلتي".

كايل سميث: يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر أنباء كاذبة

بعدها بفترة وجيزة، عاد جونسون للتعبير عن "قلقه العميق" من فكرة وصول رجل الأعمال الأمريكي إلى سدة الحكم. لذا يُعتبر رئيس الوزراء البريطاني الحالي هو أول شخصية عالمية تصنّف ترامب بأنّه "لا يصلح" لشغل هذا المنصب، لكن الوقت مرّ وبات الاثنان على رأس قوتين عالميتين، ويبدو أنّ أيام الريبة قد باتت من الماضي. وقد صرّح رئيس وزراء بريطانيا أنّه يودّ العمل مع ترامب، وأنّه يرى ثمة مستقبل "رائع" للعلاقات بين البلدين.

لكن الإطراء لم يكن يسير في اتجاه واحد، فمن البيت الأبيض صدرت الإشادة أيضاً حين صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً، أثناء مؤتمر انعقد في العاصمة واشنطن، بأنّ "بوريس جونسون رجل صالح. إنّه صلب وذكي. يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا"، ويقولون إنّ هذا شيء جيّد"، والحقيقة أنّ ترامب لم يكن الأول ولا الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة.

 صرّح جونسون أنّه يودّ العمل مع ترامب وأنّه يرى أنّ هناك مستقبلاً رائعاً للعلاقات بين البلدين

فمنذ وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء البريطانية الكائن في العقار رقم 10 بشارع داونينج ستريت في لندن، انطلقت وسائل الإعلام على جانبي الأطلسي تعقد المقارنات وتسلّط الضوء على أوجه الشبه الكبير بين جونسون وقرينه المقيم بجادة بنسيلفانيا في المبنى رقم 1600.

ويرى الكثيرون أنّ نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع، فرغم أنّ هناك فارق 20 عاماً في العمر بينهما، إلّا أنّ قصتي حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة، فقد وُلد الاثنان في نيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة؛ حيث درس ترامب في جامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بجامعة أوكسفورد المرموقة عالمياً، رغم أنّ البريطاني تحصّل على منحة دراسية، فيما اعترف الأمريكي بأنّه طلب المعونة المالية من أسرته كي يستكمل دراسته.

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟

كما أنّ الزعيمين سلكا مسارات غير معتادة في طريقهما نحو السلطة؛ حيث فعل ترامب ذلك بفضل إمبراطوريته العقارية الهائلة وخاصة برامجه التلفزيونية، بينما وصل جونسون لمراده بفضل مسيرته العملية كصحفي ونجم مدعو في برنامج استعراضي تلفزيوني شهير.

جونسون متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالبلاغة على النقيض من ذلك تبدو خطابات ترامب كمزيج من أفكار غير مترابطة

بالمثل، يعُتبر 2016 عاماً فاصلاً بالنسبة للحياة السياسية للاثنين: حين فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي أُجريت ذلك العام، وكذا حين دُعي البريطانيون للاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولم يكن أحد يتصوّر وصول جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية.

كتب الصحفي كايل سميث في مجلة (ناشونال ريفيو) ذات الميول المحافظة أنّ "صعود جونسون يشبه صعود ترامب، لذا لا يحب النخبة السياسية، وهو لا يروق بالمثل لأفراد هذه النخبة ولا يثقون به"، علاوة على ذلك يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر "أنباء كاذبة".

ترامب وجونسون لمع نجمهما بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد

بالمثل، يُتّهم الاثنان بالكذب وبثّ الهراء في خطاباتهما، وقد سبق أن تعرّض جونسون للفصل من جريدة كان يعمل بها بعد فبركته مقابلة صحفية، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي يُنظر لترامب دوماً على أنّه يفتقر للصواب السياسي وخطاباته المثيرة للجدل وانحرافاته وتصريحاته العدائية المستفزة، فضلاً عن دأبهما على تغيير معاييرهما وآرائهما التي تتأرجح حتى بين نقيضين في ليلة وضحاها حسبما تقتضي الأمور.

اقرأ أيضاً: هذا رأي الأمريكيين بالرئيس ترامب.. استطلاع

فقبل أسابيع معدودة، لاحظت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية واسعة الانتشار أنّ البريطاني- مثله في ذلك الأمريكي- هو "رجل أبيض ممتلئ الجسم ذو شعر أشقر، لديه قاعدة من المريدين، وحياة شخصية غير واضحة المعالم، وعلاقة ضعيفة للغاية مع الحقيقة والمبادئ"، وقد ظهر ذلك بشكل جليّ حين قرّر جونسون وفي اللحظات الأخيرة اتخاذ الجانب المؤيّد للبريكست خلافاً لقناعات رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون رغم انتمائهما لنفس الحزب- (المحافظين)- نكاية في الأخير ومن أجل مصلحته الشخصية فقط بدافع الانتهازية.

نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع فقصتا حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة

ووفقًا لأنتوني زاركر، خبير الشؤون الأمريكية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإنّ كلّاً من ترامب وجونسون لمع نجمهما في سماء الساحة السياسية بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد؛ حيث يرى أنّ "الاثنين يُظهران إيماناً مطلقاً بقوة إرادتهما في سبيل تجاوز العقبات، وهو عنصر يعتقد الآخرون أنّه لا يمكن التغلّب عليه".

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة في الحياة الشخصية وأسلوبهما الفريد، يظنّ الكثيرون أيضاً أنّ الرجلين يمثّلان مرحلة خاصة في التاريخ الحديث، مع وصول أزمة الزعامة بالنسبة للأحزاب التقليدية إلى قمة المنحنى، وبالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية والقومية الأكثر تشدّداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التاريخ الطويل من التصريحات المسيئة للأقلّيات والأشخاص المنحدرين من جماعات عرقية بعينها.

اقرأ أيضاً: ترامب يوظّف عنصريته للفوز في الانتخابات.. هذا ما قاله

فمنذ بداية حملته الانتخابية، وضع ترامب المكسيكيين في مواجهة هجماته العنيفة وانتقاداته الحادة، ولم تسلم النساء من الهجوم كذلك، ثم طلب مؤخّراً إلى أربع نائبات ديمقراطيات في الكونغرس، يعارضن سياسات إدارته، أن يعدن إلى بلادهن "التي تعجّ بالجريمة" رغم حملهن الجنسية الأمريكية إلّا أنّ أيّاً منهن تنحدر من العرق الأبيض.

أما جونسون، فيتلقّى الانتقادات بشكل مُعتاد بسبب تصريحاته التي تنمّ عن سخريته من المسلمين والأشخاص من أصحاب البشرة السمراء.

ويشترك الاثنان في أنّهما قدّما أنفسهما بوصفهما "منقذ من الفوضى" التي تعيشها بلادهما.

فقد أعلن ترامب عام 2016 حين فاز بالانتخابات التمهيدية ونال ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية "اقتحمت معترك الحياة السياسية حتى يتوقّف الأشخاص ذوي النفوذ عن ضرب هؤلاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لا أحد يعرف النظام مثلما أفعل أنا، لذا فإنّني الوحيد القادر على إصلاحه".

بينما تعهّد جونسون مؤخّراً بـ "إضفاء الحيوية" على بلاده التي شبّهها بـ "عملاق نائم"، مردفاً "سنستغلّ جميع الفرص التي يوفّرها وصول روح جديدة إلى السلطة. سنستعيد الثقة من جديد في أنفسنا وفيما بوسعنا تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل ترامب عنصري؟ 10 تغريدات تكشف الحقيقة

عمد السياسيان إلى إظهار نفسيهما على أنّهما الأنسب لتسوية بعض الملفّات الأكثر إثارة للجدل في بلديهما، فقد اعتبر ترامب نفسه "خبيراً لا يُشقّ له غبار في المفاوضات" سواء فيما يتعلّق بالخلاف مع كوريا الشمالية أو عملية السلام بالشرق الأوسط أو التوتّر التجاري، الذي انتهى في آخر المطاف بحرب تجارية. وعلى الرغم من عدم تحقيقه أي شيء يُذكر في المفاوضات، لكن الرئيس الأمريكي يصرّ على أنّ طريقته تسير في الاتجاه الصائب.

وُلد الاثنان بنيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة حيث درس ترامب بجامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بأوكسفورد

من جانبه، تعهّد جونسون بإنهاء الملفّ المضني الذي كلّف سلفيه منصبهما: مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، حيث وعد بإنجاز المهمة قبل 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهو الوعد الذي يعتقد حتى المدافعون عن "بريكست حاد"- مثل القومي نايجل فاراج- باستحالة الوفاء به، رغم تمسّك رئيس الوزراء بهذا الأمر، معتبراً أنّ المسألة بالنسبة له هي "خروج أو موت" وتشديده على أنّه الوحيد الذي بوسعه إنجاز هذا العمل.

لكن هل يعني كل ذلك عدم وجود أي نقاط اختلاف؟ بالقطع لا فهناك مواضع تباين واضحة للغاية.

يذكّر الخبراء بأنّ الخبرات التي يتمتّع بها الرجلان متباينة إلى حد بعيد، لذا فإنّ مشروعاتهما قد تكون مختلفة بالتالي: فترامب بدأ مسيرته السياسية بحملته الرئاسية قبل أربعة أعوام، بينما يحمل جونسون في جعبته خبرة سياسية تمتدّ لقرابة عقدين، وسبق وأن شغل مناصب حكومية عدة.

اقرأ أيضاً: من جديد.. تغريدات عنصرية لترامب تثير جدلاً واسعاً

كما أنّ البريطاني متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالتراص والبلاغة حين يفتح فاه. على النقيض من ذلك تماماً، تبدو خطابات ترامب- حين لا تكون مقروءة- كمزيج من أفكار غير مترابطة فيما بينها.

علاوة على ذلك، فإنّ النظام السياسي مختلف؛ ولا يحظى رئيس الوزراء البريطاني بصلاحيات كبيرة مقارنة برئيس الولايات المتحدة، ويجرى انتخاب كل منهما بطرق متباينة. فلم يفز ترامب في التصويت الشعبي، حيث وصل للبيت الأبيض بـ62 مليون و979 ألف و879 صوتاً، في المقابل انُتخب جونسون بفارق 159 ألف و320 صوتاً فحسب، وهو رقم ضئيل للغاية.

وجّه ترامب انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما

لكن بعيداً عن أنظمة الحكم، فإنّ الأفكار السياسية لدى كل من ترامب وجونسون تتباين فيما بينها هي الأخرى، فإذا كان ترامب ينكر حقائق مثل الاحتباس الحراري وقرّر إخراج بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فإنّ جونسون يؤكّد التزامه في هذا الصدد، ولا يتوانى عن التشديد على أنّ بلاده ستظلّ داخل الاتفاقية التي تهدف للحدّ من الانبعاثات الملوّثة.

اقرأ أيضاً: بالصور: ترامب وكيم..خصومة فغزل فلقاء عند الحد "المتأزم"

كذلك، وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما، وأعلن العام الماضي مغادرة بلاده للاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي رفع منذ ذلك الحين حدّة التوتّر في منطقة الخليج. ورغم دعوته لخفض أسعار العقاقير الطبية، إلّا أنّه عاد واستبعد تدخّل إدارته في النظام الصحي الذي يهيمن عليه التأمين الخاص باهظ الثمن.

من جانبه، بدا رئيس الوزراء البريطاني مؤيّداّ للإبقاء على الاتفاق النووي مع طهران، ويدافع بقوّة على النظام الصحي في بلاده.

أما فيما يخص سياسة الهجرة، ونظراً لوقوف عمدة لندن السابق شاهداً عياناً على الدور الذي لعبه العاملون الأجانب في تنمية العاصمة البريطانية، وصل الأمر بجونسون إلى درجة اقتراح منح العفو عن جميع هؤلاء الذين أقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. رغم أنّ الخبراء يتّفقون على أنّه وترامب ربما يغيّران مواقفهما بين يوم وليلة، وأنّ سياسة المملكة المتحدة بدأت في السير سريعاً نحو نفس الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة: التخبّط.


المصادر:

مقال للكاتب بابلو جيمون: https://bit.ly/2MGUr9K

مقال نشرته النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): https://bbc.in/32MMhSZ

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية