صناعة الرموز.. كيف يستغل الإخوان شعبية المتعاطفين؟

صناعة الرموز.. كيف يستغل الإخوان شعبية المتعاطفين؟

مشاهدة

08/12/2021

شهدت الساحة الاجتماعية والسياسية والرياضية المصرية والعربية، في الآونة الأخيرة ظهور بعض الرموز المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، أطلوا على العالم من خلال بعض القنوات الفضائية ذات المشاهدة العالية، ومن ثم بدأ ( تنجيم) الشخص المنوط به أن يكون رمزاً اجتماعياً، فعملية خلق رمز أو صناعته في وسط اجتماعي متخم بالأحداث المتغيرة والتناقضات السياسية هي عملية شاقة وصعبة ومكلفة، لكنها في النهاية عمل اختيار إجباري لأي جماعة أو حزب يستهدف التأثير على الرأي العام لصالحه، فالرمز ولا شك يحقق أهدافاً مستقبلية إضافية لمن تولى صناعته ولا غنى عنه.

اقرأ أيضاً: كيف فصل حسن البنا جماعته عن عموم المسلمين؟

إنّ صناعة الرمز لا علاقة لها حتى بالرمز ذاته ولا بإمكانياته، لأنّها عملية تخطيطية ذات نسق اجتماعي نفسي طويل الأجل، تحتاج لمنصة ذات ذراع إعلامي عالي التأثير، وتوفير موضع ديني أو اجتماعي لا خلاف عليه، يقوم بالدفاع عنه، مع توفير لجان إلكترونية وأعداد من الأصوات التي تروّج له وتقدمه كمدافع وحيد عن تلك القيمة أو هذه القضية، ومع تماهي المشاهدين وعموم المتلقين لرسالة الرمز المصطنعة، يصبح من الصعب كشف الرمز أو التحذير من دوره الوظيفي لصالح جماعة إرهابية، حيث تحميه شعبيته ونجوميته، وبالتالي وبعد الاطمئنان لشعبية الرمز وتماهي العامة معه، يقوم بالترويج لأفكار الإخوان أو مهاجمة من تريد الجماعة مهاجمته.

وتاريخ صناعة الرموز داخل جماعة الإخوان المسلمين يمتد من المؤسس حسن البنا حتى اليوم، وهي رحلة مليئة بالمنعطفات والتقلبات ومكتظة بالدروس التي تعلمها الإخوان عبر تاريخهم، إنّ فهم وكشف لماذا وكيف يصنع الإخوان رموزهم، يؤمّن الجبهة الداخلية لأي محاولة لاختراقها عبر رموز الجماعة وفضح أساليبهم ومخططهم لتسريب أفكارهم المسمومة في المجتمع.

صناعة الرمز لا علاقة لها بالرمز ذاته وبإمكانياته لأنّها عملية تخطيطية ذات نسق اجتماعي نفسي طويل الأجل

اتّجه حسن البنا من لحظة التأسيس إلى ضم العناصر البسيطة قليلة المعرفة غير المتعلمة وسهلة الانقياد، حتى لا يعارضه أحد ولا يكشف ضعف تكوينه العلمي والفقهي والمعرفي، وحتى يحظى بانبهار اتباعه به، وبكل كلمة يقولها في موعظته لهم. ومع استمرار عمل الإخوان وانتشار أخبارهم في مجتمع الإسماعيلية حيث شهدت المدينة مولد الجماعة، ظهرت الحاجة إلى ضم عناصر ذات وجاهة اجتماعية يستمد منها البنا قبولاً مجتمعياً بين السكان.

 

اقرأ أيضاً: ما قصة اللعنة التي لاحقت المرشحين لمرشد الإخوان بعد حسن البنا؟

وبالفعل ضمّ شخصية علمية أزهرية مرموقة في المجتمع الإسماعيلي، غير أنّ الصدام الذي وقع مع هذه الشخصية الرمز وانتهى بمأساة شرحها البنا في مذكراته (مذكرات الدعوة والداعية) جعلته ينصرف عن ضم شخصيات تفوقه مكانة اجتماعية أو علماً فقهياً.

 تاريخ صناعة الرموز داخل جماعة الإخوان المسلمين يمتد من المؤسس حسن البنا حتى اليوم

لذا ففي المرحلة التالية لم ينشغل حسن البنا بجذب الرموز والوجهاء كثيراً، وذلك حتى منتصف أربعينيات القرن الماضي، لكن بعد أن تضخمت الجماعة وأصبح لها دور في المجتمع المصري، وبعد أن ارتفع سقف طموحات المؤسس والانتقال من ظهير شعبي لحكومة ما، قدم نفسه وجماعته كقوة سياسية تستحق الحكم، ولكن للأسف كان الصف الإخواني فقيراً في الشخصيات العامة ورجال الدولة والوجهاء، ولا يوجد بها قيادة رفيعة المستوى سوى أحمد أفندي السكري، وهو سكرتير مدرسة ابتدائي، هنا ظهرت الحاجة إلى ضم عناصر لها وجاهتها، فنشط حسن البنا في أوساط الطبقة البرجوازية الصغرى وقتها، وتمكن من ضمّ المستشار صالح أبو رقيق والمحامي عمر التلمساني وضابط الشرطة صلاح شادي، والمحامي حسن محمد العشماوي وابن وزير الأوقاف محمد العشماوي وزوج أخته منير دلة المستشار بمجلس الدولة.

 أدرك الإخوان أنّ وجود شخصيات عامة ورموز مجتمعية مهم للغاية في تقديم الصورة الذهنية للجماعة، كما أنّهم يقومون بدور الظهير الشعبي المدافع عن الجماعة عندما تتعرض لأي انتقاد أو هجوم، والناس عادة تميل لأصحاب الهيئات والمناصب والوجاهة، فيصبح وجود هؤلاء في الجماعة دليلاً على صحة أغراض التنظيم، أو هكذا كان يسوق الإخوان لرموزهم.

اقرأ أيضاً: هل تجاوز الإسلاميون تنظيرات حسن البنا المعادية لقيم الديمقراطية؟

واجه الإخوان في التأسيس الثاني في سبعينيات القرن العشرين صعوبة توظيف الرموز الجديدة، إذ كان غالبيتهم مستقدمين من الخارج وتسببوا في مشاكل كثيرة عبر تصريحاتهم التي لم تكن تتوافق مع الجماعة غالباً، استدرك ذلك مصطفى مشهور في مرحلة صناعة المؤسسات داخل التنظيم، وقرّر أن يصنع من عناصر الجماعة رموزاً اجتماعية لقيادة الرأي العام، ورموزاً سياسية لخوض الانتخابات، توسعت دائرة الرموز وفي التسعينيات لتشمل رموزاً رياضية وفنية لها تأثير جماهيري قوي.

تمر صناعة الرمز الإخواني بأربع مراحل غاية في الأهمية والدقة، الأولى مرحلة الترشيح، تبدأ بترشيح عضو الجماعة الذي تتوافر فيه صفات أساسية، أهمها على الإطلاق التأكد من ولائه ومن حقيقة عضويته في الجماعةالثانية مرحلة الاختيار: تشمل هذه المرحلة عقد عدة لقاءات مع المرشحين لفهم شخصياتهم وهل يصلحون أم لا لمهمتهم الجديدة، بعدها يتم اختيار المجموعة التي سيطبق عليها برنامج صناعة الرموز. الثالثة مرحلة التأهيل: وفيها يتم عقد دورات عامة تشمل التدريب على الخطاب الجماهيري، مثل فن الإلقاء وفن التعامل مع الجماهير وفن انتزاع التصفيق، ودورات في اختيار الزي والملبس وطرق عقد رابطة العنق، ويتم تدريس فن سرقة الأضواء من الآخرين، كما تُعقد أيضاً دورات تخصصية للجانب الذي سيشغله الرمز. المرحلة الرابعة طرح الرمز للمجتمع: الشخصيات التي قررت الجماعة تقديمها كرموز سياسية؛ فيتم عقد ندوات ويتم طرحه كمتحدث عن الجماعة، وبالتكرار يصبح وجهاً معروفاً في الائتلافات السياسية ويتم الترويج له في الشارع المصري باعتباره حاملاً لفكر الإخوان، فإذا كان الرمز رجل مجتمع يتم تكوين لجنة تديره، وعليه تنفيذ ما يطلب منه بمنتهى الدقة، تصحبه اللجنة إلى الجنائز المهمة التي يجب أن يحضرها، بل يتصدر المشهد فيها وتقديم واجب العزاء، وذلك لكسب العائلات الكبرى، وكذلك المناسبات العامة والأفراح للشخصيات المهمة، كما يتم تسويقه باعتباره (مرضياً) أي قاضٍ في القضاء العرفي إذا كان في مجتمع شعبي يحتكم للأحكام العرفية، وتتعدد مجالات الرموز الإخوانية وتشمل أعمال البر والجمعيات الخيرية والعمل النقابي الخدمي.

يبدأ الرمز مرحلته في المجتمع المحيط به، وإذا تفوق وصار رمزاً شعبياً يتم معاملته معاملة خاصة داخل التنظيم، فيتم إعفاؤه من حضور الفاعليات الكبرى، ويتم تخفيف الحضور للأسر التربوية، مع تخصيص أخ مسؤول عنه يلتقيه بطريقة تبدو أنّها عادية، وهي في الأصل إدارية أو تربوية لصالح الجماعة، والهدف من التخفيف عدم الزج به في مشاكل الجماعة الأمنية مع الشرطة المصرية فيتم حرقه.

 أدرك الإخوان أهمية وجود شخصيات عامة ورموز مجتمعية يقومون بدور الظهير الشعبي عند الأزمات

وإلى ما قبل أحداث "الربيع العربي" لم ينجح الإخوان كثيراً في صناعة رموز شعبية مهمة، وكل ما قدموه عبر تاريخهم الممتد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، رغم الإمكانيات الضخمة والإنفاق غير العادي، ففي الغالب تتلاشى نجومية رموز الإخوان وتنصرف عنهم الجماهير، نظراً لتمحورهم حول أفكار التنظيم مع وجود قيود تنظيمية تمنعهم حرية الحركة وحرية التفكير، إضافة إلى أنّ صناعتهم تركزت في حقل العمل السياسي المليء بالهجوم والصراعات مما عرّض شخصياتهم للضغوط وللهجوم فلم يصمدوا كثيراً.

اقرأ أيضاً: أين اختفى مجاهدو حسن البنا الـ10 آلاف فداء لفلسطين؟

 ظل الإخوان يبحثون عن رمز إخواني شعبي تجتمع عليه الناس قبل الإخوان فوجدوا ضالتهم في المجال الرياضي، حيث الصراع أقل والشعبية أعلى والتأثير كبير، ومن ثم تمكنوا من تسويق رمزهم والترويج له باعتباره تجسيداً للخلق الكريم وللموهبة الفذة والوحيد المستحق لحب الجماهير، ولا مانع من نسج حكايات مكذوبة تخدم الرمز، وعبر تبنيه لقضية جماهيرية يصعب التنصل منها، ولتكن قضية فلسطين، فيصبح رمزاً وبطلاً في آن واحد، ويظل الرمز الشعبي المصنوع للإخوان كامناً إلى أن تحتاجه الجماعة، عندها يبدأ في إعلان انحيازه للإخوان ولخياراتها الفكرية والسياسية والفقهية.

من المحتمل أن تكون بعض رموز الإخوان المصنوعة قد رجعت إلى رشدها، أو ضعف تأثيرها الجماهيري، نظراً لما تقوم به الجماعة من مخططات تدميرية للأوطان العربية، ونظراً لانصراف الجماهير عن الجماعة ذاتها، لكن المؤكد أنّ الجماعة لن تكف ولن تملّ من صناعة رموز لهم في كل فترة لضمان وجود من يمهد لهم الطريق للعودة مرة ثانية لهذا وجب التنبيه والتحذير من خطورة رموز الإخوان الجماهيرية.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية