صناعة السرطان: هل تبيع شركات الأدوية الوهم للمرضى؟

السرطان

صناعة السرطان: هل تبيع شركات الأدوية الوهم للمرضى؟

مشاهدة

18/05/2020

لأعوام عديدة منحت الأبحاث الخاصة بأمراض السرطان أولوية الترشّح لجائزة نوبل، ولم لا؟ فما يزال البشر، حتى اليوم، في اختلافات وصراعات، إلّا في حربهم ضدّ هذا المرض الفتّاك، والذي رغم كثرة الأبحاث فيه الحاصلة على نوبل، ورغم الخطوات على طريق العلاج، نقف عاجزين عن القضاء عليه؛ فهل حقاً الأمر بهذه الصعوبة، أم إنّ صناعة السرطان وأرباحها الهائلة هي الحائل بيننا وبين العلاج الشافي؟

حرق السمّ
عام 2010؛ قدّم المخرج الأمريكي، واين تشايسلر، وثائقياً بعنوان "قطع السمّ حرقاً" أو (Cut Poison Burn)، الذي رصدَ تاريخ السرطان في الولايات المتحدة، يفتتح الفيلم بخطاب للرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، معلناً فيه تخصيص بلاده ميزانية تبلغ 100مليون دولار لأبحاث السرطان؛ إذ بلغت نسب احتمالية الإصابة بالسرطان في الأربعينيات من القرن الماضي، شخصاً من كلّ 16 شخصاً، وبحلول السبعينيات بلغت شخصاً من كلّ عشرة أشخاص، أمّا اليوم فقد بلغت، بحسب الفيلم شخصاً من كلّ اثنين من الذكور، وامرأة من بين ثلاث نساء، كما حاول تشايسلر رصد الفساد الذي تعاني منه المنظومة الدوائية لمكافحة السرطان، والمتمركزة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وكأنّه يخبرك في كلّ تقرير يقدمه، أنّه، رغم كلّ تلك الثورة الهائلة في التكنولوجيا، والأمراض التي هزمناها، لم نحقق حتى اليوم تقدماً يذكر في شأن السرطان، فالأرقام في تصاعد، والعلاج ليس إلّا إطالة أمَد المعاناة، وبقاء المريض حياً، لكن في معاناة، لأطول فترة ممكنة، فمنذ 1920 حقق الأطباء تقدماً ضئيلاً للغاية؛ لذا فإنّك إن كنت مصاباً بالسرطان عام 1920، ستتلقى العلاج نفسه عام 2019.

ونحن بصدد الحديث عن السرطان ونوبل؛ لا يُغفل ذكر تعليق الفيزيائي الأمريكي والحاصل على جائزة نوبل مرتين، إحداهما في الكيمياء، والأخرى في السلام، لينوس باولينغ، الذي قال خلال تكريمه، عام 1986، بعد تسلمه قلادة بريستلي: "يجب أن يعلم الجميع أنّ أيّ حديث عن أبحاث لعلاج السرطان، هو عملية احتيال كبير"، ولم تمضِ سوى عشرة أعوام، حتى فارق الحياة بعد معاناته مع سرطان البروستاتا، وبحسب تقرير نشر على موقع "HealthImpact": في الولايات المتحدة وحدها يتّم تدوير ما يقارب 6 مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب، لمراكز أبحاث السرطان، بينما تقدر التكاليف الطبية للعناية بمريض واحد 125 دولاراً، يتوقع المعهد القومي للسرطان في الولايات المتحدة أن تصل التكلفة إلى 173 دولاراً، بحلول عام 2020، بينما تتعالى أصوات المشككين بأنّ العمل على إيجاد علاج حقيقي لعلاج السرطان حقيقة؛ إذ إنّها صناعة مدفوعة بالرغبة في الربح أولاً؛ فهي سوق للملايين من العمال والمدراء التنفيذيين للشركات الكبرى حول العالم، وهو ما يعلق عليه مؤسس معهد "وايتاكر" للصحة، تشارلز وايتاكر: "يرتعد الناس خوفاً من السرطان، لعلمهم أنّ العلاجات الحالية وهمية، حتى لو قيل لهم عكس ذلك".

شركات الداء والدواء
تتعالى أصوات عالمية بالقصور في المنظومة العلاجية للسرطان، وتوجَّه أصابع الاتهام لشركات الأدوية، بأنّها ترفض تقديم أدوية فعالة ومنخفضة التكلفة للقضاء على السرطان، وهو ما ينذر بالقضاء على أرباحهم ويهدّد صناعتهم الوحيدة التي تراكم ثروات فوق أجساد أنهكها المرض، لكن، وفق مقال نشرته مجلة "فوربس" الأمريكية، https://bit.ly/32l5YR0، بني على تساؤلات على موقع "https://ar.quora.com/"، أجاب عنها ديفيد تشان، زميل ستانفورد للأورام، وبروفيسور في جامعة كاليفورنيا، بأنّ ما يروَّج حول شركات أدوية كبرى تمنع علاج السرطان، هو مفهوم واضح لنظرية المؤامرة السائدة في عالم مليء بالشكّ في كلّ شيء، لقد تعدّدت نظريات المؤامرة والشكوك العلمية، وأصبحت عقيدة دينية جديدة، والحقيقة أنّ أبحاث السرطان شيء لا يمكن إجراؤه سراً، بل هو شيء يتمّ تحت مراقبة مؤسسات دولية، وباحثي السرطان حول العالم يقدرون بمئات الآلاف، يعملون كخلايا النحل، ويتسابقون للحصول على نوبل، وأعتقد أنّ لا شيء أجدر من علاج السرطان ليمنح نوبل لصاحبه.

لم يجد العلماء بعد محفزات أكيدة للسرطان لكن الدراسات توضح تأثير النمط الغذائي والتلوث المائي والهوائي على تنشيط الخلايا السرطانية

في المقابل؛ كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في أيار (مايو) 2019، النقاب عن مشروع مكون من علماء في مختلف المجالات، يعملون على تحويله إلى معاناة يمكن التعايش معها وترويضها، كما مرض السكري، تنطلق التجربة من معهد أبحاث السرطان البريطاني، تحت عنوان "السرطان الدارويني"؛ إذ يعمل البرنامج على ترويض الخلايا السرطانية، وتحجيم تأثيرها كي لا تنتشر في أماكن أخرى من الجسم، وذلك لأنّه في العلاج التقليدي يتم استئصال الورم، أو استخدام العلاج الإشعاعي، الذي يعمل على إعادة تكاثر الخلايا في مواضع أخرى من الجسم، وغالباً ما يكون مميتاً؛ لأنّ تجدد الخلايا يجعل نشاطها أكثر عنفاً من ذي قبل، وفي تصريح للرئيس التنفيذي للمشروع، البروفيسور بول وركمان، لـ "الغارديان"، قال: "إنّنا نعمل على إيجاد دواء يبطء، أو يوقف تطور خلايا السرطان، وهو ما يحتمل تواجده خلال عشرة أعوام، يستهدف العقار المنشود جزيئاً يسمى "APOBEC"، وهو أكثر الجزيئات حسماً في الجهاز المناعي، لكن يتم إضعافه من الخلايا السرطانية، وذلك في أغلب أنواع السرطان لتسريع مقاومة الأدوية التي يتلقاها المريض، وهو ما يفشل العلاج في معظم الحالات".

الرعي التطوري
بحسب الباحثين في مشروع السرطان الدارويني؛ فإنّ المشروع يسعى للتعايش مع المرض، دون عواقب وخيمة، وهو ما قد يكون جيداً في الوقت الراهن، وأمّا التكاليف التي وضعت لهذا المشروع؛ فقد بلغت 75 مليون جنيه إسترليني، ينقصها 15 مليون جنيه إسترليني أخرى، للانتهاء من التجهيزات وبدء العمل، ويعلق العلماء أملهم على تبرع الكيانات الاقتصادية والأشخاص المحبين للتطوع ومساعدة الناس، يكمن جانب آخر أكثر ذكاء في هذا الموضوع، وهو تقنية "الرعي التطوري"؛ إذ يحاول الباحثون الاستفادة من آلية عمل الانتخاب الطبيعي، في الخلايا البشرية، وبتوليفة ما من أدوية مكافحة السرطان، تعمل على عرقلة تطور الخلايا جينياً، وبتطور تراكمي، تؤدي تلك التقنية في النهاية إلى عجز خلايا السرطان ليس عن الانتشار فحسب، بل عن التطور والتحور لأشكال خلوية جديدة، يعجز الطبّ عن التعامل معها، كما يحدث منذ بداية تعاملنا مع السرطان، يأمل وركمان من خلال مشروعه الجديد أن يمنح ثقافة جديدة أكثر إيجابية عن السرطان للأطباء والباحثين والمرضى وذويهم، ويؤكّد أنّ المشروع ليس استغناء عن العلاج النهائي، لكنّه أحد الأدوات التي يمكن الاستعانة بها في الحالات المتأخرة، ما يضمن للمرضى حياة أطول بأفضل صحة ممكنة.

البروفيسور وركمان

لم يجد العلماء، بعد، محفزات أكيدة للسرطان، لكن تنتشر الدراسات التي توضح تأثير النمط الغذائي والتلوث المائي والهوائي على تنشيط الخلايا السرطانية، على سبيل المثال؛ ما نشرته وكالة "DW" الألمانية، من دراسة أجرتها جامعة "زيورخ" حول مسببات سرطان المعدة والقولون والجهاز الهضمي بشكل عام، ليجدوا أنّ هذا النوع من السرطان يكاد يكون منعدماً في الهند، خاصة في الولايات التي تتبنى أنظمة غذائية نباتية، وينتشر بشكل كبير في الولايات المتحدة التي تعتمد بشكل أساسي في غذائها على اللحوم الحمراء، خاصة المصنّعة منها، ما جعل الباحثين يضعون اللحوم المصنعة في قائمة الأطعمة التي تسبّب السرطان، وعلقت الدراسة بأنّ السرطانات بأنواعها المختلفة تنتشر في المدن الكبرى، وبين الأشخاص الذين ينهمكون في نمط حياة غير صحي، ويفتقدون ممارسة الأنشطة الرياضية، وهو ما أورده المؤلف الأمريكي، رالف موس، في كتابه "صناعة السرطان: العرض الكلاسيكي لمرضى السرطان"، والذي نُشر عام 1989، متهماً فيه المؤسسات القائمة على رعاية أبحاث وعلاج السرطان، بالتواطؤ وعقد العزم على صناعة أكبر قدر من الربح، تلك المؤسسات التي لا تولي اهتماماً للعلاجات البديلة، والأكثر فعالية من الاهتمام بالنظام الغذائي وتوفير حياة أكثر صحة للناس؛ لأنّ هذا سينقص من أرباحها، واتهم رالف الأجهزة الفيدرالية بالتواطؤ مع الشركات العملاقة؛ لأنّ الهدف الأول هو امتصاص أموال المرضى وبيع وهم الأمل.

يبقى أمل البشر معقوداً على إيجاد حلّ نهائي لم يولد بعد لهذه الأزمة، لكن ليس بمقدور أحد أن يغلق أبواب المرضى وذويهم أمام حياة أفضل، أو الموت بسلام.

الصفحة الرئيسية