ضياء الشكرجي لـ "حفريات": هذا ما جرى بعدما طلّقت "الإسلام السياسي" بالثلاث

ضياء الشكرجي لـ "حفريات": هذا ما جرى بعدما طلّقت "الإسلام السياسي" بالثلاث

مشاهدة

18/09/2021

أجرى الحوار: محمود أمين

يروي المفكّر والسياسي العراقي، ضياء الشكرجي، تحولاته بعدما طلّق "الإسلام السياسي" بالثلاث، منتقلاً إلى الفضاء المدني العلماني.

 ويرى، في سياق التحليل السياسي لأوضاع العراق، أنّ من الصعوبة الخلاص من الأوضاع المزرية التي يعيشها العراق دفعةً واحدة، وذلك نتيجة التدخلات الخارجية، لا سيما من قبل "الجارة الشرقية"، في إشارة منهُ إلى إيران، لكنّهُ يعتقد أنّ عجلة التغيير لا بدّ أن تسير عبرَ عدةِ مراحل، تبدأ بالوعي والانتخابات النزيهة. 

كلّما استطعنا أن نضغط باتجاه جعل كلّ انتخابات أكثر نزاهة من التي قبلها، سينحسر دور أحزاب الإسلام السياسي والأحزاب الطائفية وأحزاب المحاصصة والفساد وسرقة المال العام

وأكّد الشكرجي، في حوارٍ مع "حفريات"؛ أنّ الانتخابات، المزمع إجراؤها في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، هي عملية تدوير لـ "الطبقة السياسية نفسها"، متهماً رفاق الأمس في الإسلام السياسي الحاكم بـ "السقوط القيمي" جرّاء تمسكهم بالسلطةِ والمال والامتيازات، على حدِّ تعبيره.
ويعدّ ضياء الشكرجي من أبرز دعاة الدولة العلمانية في الوقت الراهن، بعد أن مرّ بعدةِ محطات فكرية وسياسية؛ حيث كان داعيةً وعضواً في حزب الدعوة الإسلامية على مدارِ ثلاثةِ عقود، ونائباً عنهُ في البرلمان العراقي، وفي لجنة كتابة الدستور في عام 2005، إلى أن خرجَ من الحزب وأسّس تجمع الديمقراطيّين الإسلاميّين، ومن ثمّ آلَ إلى الخيار العلماني الصريح، والمناهضة الفكرية والسياسية للمنظومتين الدينيةِ والسياسية في العراق.  

هنا نص الحوار:

نراك في الآونة الأخيرة تشنُ هجوماً حاداً في كتاباتك وتصريحاتك الإعلامية على قوى الإسلام السياسي الممسكة بالسلطة في العراق؛ هل هذا الهجوم الحادّ يأتي تعبيراً عن الواقع المزري؟

لم أفعل ذلك في الآونة الأخيرة فقط، بل منذ عشرات وربما مئات المقالات، منذ حسمي نهاية 2006 لخيار العلمانية، التي كانت لي دائماً نزعة تجاهها، لا تقل حدة من مقالاتي الأخيرة، وحدّتي التي، في تقديري، لم تخرجني عن اللياقات، متأتية من غضبي الشديد من هذه الطبقة السياسية التي فوتت فرصة تاريخية ذهبية لا تؤتى عادة لأيِّ شعب إلا مرة في كلّ قرن، وبدلاً من استثمارها لبناء دولة المواطنة الديمقراطية الحديثة والنهوض بالعراق على جميع الأصعدة ليلحق بركب التقدم، راحت تؤسس لدولة المكونات، وكان العراق سينهض منذ 2003، على جميع الأصعدة، السياسية والثقافية والاقتصادية، لكنّهم دمروا العراق على جميع الأصعدة المذكورة وغيرها، والعراق ليس شيئاً ليس ذا أهمية عندي، حتى أمر على ما حلَّ بهِ من دمارٍ على أيدي سياسييّ الصدفة لما بعد 2003، فلا أغضب ولا أبالي. 

كيف تنظر لخريطة الانتخابات في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل؟ وما هي توقعاتك بشأنِ نتائجها؟

حتى الآن أجد مختلف السيناريوهات مفتوحة؛ فهي ما بين الأسوأ بتدوير الطبقة السياسية نفسها، وأقلّها سوءاً، وهي دون تحقيق الحد الأدنى من تطلعاتنا، وإن كنا نأمل أن تتحقق على الأقل خطوة، يمكن أن تشكّل بداية للتغيير، لكن حتى الآن يبدو أنّ هناك تيارَين يتنافسان؛ تيار يقوده المالكي الذي يتطلع إلى العودة إلى ولاية ثالثة، ذلك بدعم كلّ الأحزاب الولائية والحشدية، والدعم الإيراني، والتيار الثاني يتطلع إلى إبقاء مصطفى الكاظمي رئيساً لمجلس الوزراء للسنوات الأربع المقبلة، ذلك إذا ما حصل الصدريون على العدد الأكبر من مقاعد مجلس النواب، كما يحلمون ويعملون على تحقيق ذلك بطرق حتى لو لم تكن دستورية، وإذا طلب منهم مقتدى الصدر عندئذ أن يقدموا اسم مصطفى الكاظمي بوصفهِ مرشحهم لتشكيل الحكومة، وإن كان هذا الخيار هو الأقل سوءاً، إلا أنهُ سيجعل الكاظمي لا يستطيع الخروج عن الخطوط المقتدائية الحمراء، والتي هي، أي هذه الخطوط الحمراء، غير ثابتة بعدم ثبات الصدر.  

في السنوات الأخيرة أخذت تنحو منحىً تأسيسياً للملمة صفوف العلمانيين العراقيين في خيمة واحدة، ما مدى تفاؤلك بنجاح المشروع؟ علماً بأنّك أسست مشروعات مدنية سابقة لم تصل لأهدافها؟

صحيح أنّني منذ طلّقت الإسلام السياسي بالثلاث، كانت لي عدة محاولات لتأسيس كيان سياسي علماني أو تشكيل ائتلاف لقوى علمانية ومدنية، بدأت في نهاية 2005 بمشروع كان، وما يزال، يراوح بين خلفيتي؛ حيث كنت أحاول المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية باسم "تجمّع الديمقراطيين الإسلاميين"، لكن سرعان ما انتبهت إلى أنّه لا معنى لهذه المزاوجة، بل عليّ حسم الخيار العلماني، ذلك عبر محاولة تأسيس تجمّع اختير له اسم "تجمع الديمقراطيين العراقيين"، ثم كانت هناك محاولة لجمع قوى سياسية علمانية في إطار تحالفي أسميناه "الائتلاف الديمقراطي"، شارك فيه الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الوطني الديمقراطي الأول والتحالف الوطني الديمقراطي وحركة المجتمع المدني والحزب الليبرالي وشخصيات مستقلة، لكن لم يكتب له الاستمرار، لانسحاب الحزبين الأولين وعدم وضوح الرؤية عند حزب آخر، أو عدم امتلاك حزب ثالث لقاعدة كما أوحي إليّ، باستثناء المؤسس وأسرته.

ثم كان مشروع "التجمع العلماني"، عامَي 2011 و2012، وكان أكثر نضجاً، لكنّه وُئد بطريقة لا حاجة لذكرها، لكنّني طرحت في نهايات 2019 مشروعاً آخر، أسميناه في البداية "تجمع دولة المواطنة"، ثم انتهينا إلى تسميته "التجمع العلماني العراقي"، وننشط الآن، ومنذ ما يقارب السنتين داخل وخارج العراق لتهيئة شروط التأسيس، هذا الإصرار مني، رغم الإحباطات، متأتّ من تشخيصي لفراغ حقيقي لحزب سياسي بالرؤى التي اعتمدناها، وبآليات العمل الديمقراطي التي ثبتناها، بعيداً عن الذات والنرجسية والتركيز على القيادة وشخوصها والتطلع إليها.

إذاً، ما الآلية التي يمكن للعراق الخلاص عبرها من التدخلات الخارجية، تحديداً دول الجوار الإقليمي؟ وكيف تقيّم أداء حكومة مصطفى الكاظمي مقارنةً بالحكومات السابقة؟

في تقديري، وبعد ما انتهت إليه تشرين، ربما يكون من الصعب جداً، ولا أقول من المستحيل، أن نخلِّص العراق دفعةً واحدةً مما آلَ إليهِ بسبب سوء أداء المنظومة السياسية والدور السيئ والمضرّ لدول الجوار، لا سيما الجارة الشرقية؛ بل يمكن العمل على إنجاز عملية التغيير الشامل والجذري على مراحل، كلّما استطعنا أن نضغط باتجاه جعل كلّ انتخابات أكثر نزاهة من التي قبلها، سينحسر دور أحزاب الإسلام السياسي والأحزاب الطائفية وأحزاب المحاصصة والفساد وسرقة المال العام، وبشكل خاص الأحزاب الموالية لنظام الجارة الشرقية وأيديولوجيتها، وبلا شكّ، هذا لا يكفي ما لم نعمل على إيجاد البدائل من أحزاب وطنية وعلمانية أو مدنية، تتوزع، بأقصى حدّ، على أربعة أو خمسة اتجاهات سياسية لا أكثر، هي: الاتجاه العلماني الليبرالي الاجتماعي، واتجاه اليسار الديمقراطي المتجدد، والاتجاه الوطني المدني الوسطي، والاتجاه المحافظ الذي يفصل بين الدين والسياسة، كما يجب أن نحشد كلّ طاقاتنا لنشر ثقافة مجتمعية تؤمن بالإنسان وبالمواطنة، بعيداً عن أسلمة أو طوأفة أو عنصرة السياسة، ولا يستغنى عن إدامة الحراك الشعبي، مع تطوير وسائله، وتوحيد أهدافه على المشتركات.

بوصفك عضواً في لجنة كتابة الدستور العراقي؛ ما مدى تدخل المرجعية الشيعية في عملية كتابة الدستور؟ ويبدو من خلال تعليقاتكم المستمرة أنّهُ لا يوائم المناخ المدني؟

دستور 2005 فيه ألغام كثيرة، وفيه ما يناقض مبادئ الديمقراطية ويسمح بتأسيس دولة ذات وعاء ديمقراطي، لكن بمضمون ثيوقراطي؛ في فترة الجمعية الوطنية وعمل لجنة كتابة الدستور، كان حزب الدعوة ضعيفاً؛ لذا كان اللاعب الأساسي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي غيّر اسمه لاحقاً إلى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بتنسيق مباشر مع المرجعية، فكان كلّ من عبد العزيز الحكيم، رئيس الائتلاف العراقي الموحّد، المعروف برمز الشمعة ورقم 169، وهمام حمودي رئيس لجنة كتابة الدستور، وممثل المرجعية أحمد الصافي، رئيس لجنة الباب الأول المعنية بالمبادئ الأساسية، وكذلك محمد رضا السيستاني الذي كان يطلعه أحمد الصافي على ما يجري أولاً بأول، ويأتي منه بما أسماها الخطوط الحمراء للائتلاف العراقي الموحّد (الشعسلاموي)، والتي رفضتها بشدة؛ إذ كان الصافي في ذهاب وإياب دائمَين بين النجف وبغداد، وكان يريد، ومعهُ المجلس الأعلى، أن يضفيا المزيد من الصبغتين الإسلامية والشيعية على الدستور، وإنّ ما تحقّق لهم من ذلك قد لا يتعدّى الخمسين بالمئة مما كانوا يريدونه، وكنتُ معارضاً شديداً لمعظم تلك التوجهات.

على المستوى الفكري، أعلنت منذ فترة انتماءك إلى الاتجاه اللا ديني، بعد أن كنت داعيةً ومنضوياً في حزب الدعوة الإسلامية ونائباً عنهُ في البرلمان العراقي يوماً ما؛ هل لك أن تحدّثنا عن أسباب هذا التحوّل؟

في الواقع لم أكن أرجّح أن أتكلم عن هذا الجانب، بسبب اقتران مشروع التجمع العلماني العراقي باسمي، بوصفي أنا الذي أطلقت المبادرة ووضعت ثوابت الفكر السياسي والبرنامج السياسي لهذا التجمّع، حيث قررنا، بما أننا نؤمن من جهة بوجوب الفصل التام بين كلّ موقف شخصي من القضايا الميتافيزيقية، إيجاباً أو سلباً، أي إيماناً أو عدم إيمان، وبين السياسة ومؤسسات الدولة ودستورها وقوانينها، وكذلك اعتمدنا من جهة أخرى الدفاع عن الحرية الدينية وحرية الاعتقاد الديني وغير الديني، قلنا نحن، كمشروع لحزب سياسي علماني، خاصة في هذه المرحلة، لا نريد أن يدافع أحد منا عن الدين ويروج له باعتبار أنّ هناك بين الأعضاء مؤمنين بالإسلام وملتزمين به، كما نريد تجنّب التعرض للدين بالنقد أو غيره، من قبل أعضائنا اللادينيين، لكن على النحو العام أجيب عن السؤال بأنّ هناك، بالنسبة إليّ، مسارَين متوازيين، الواحد منهما مستقل عن الآخر من جهة، لكن، إن شئت أو لم أشأ، فإنّ الواحد منهما قد يكون مؤثراً ومتأثراً بالآخر، هما: مسار التحول الفكري الفلسفي في القضايا الميتافيزيقية على مدى ثلاثين سنة، انتهى إلى ما انتهى إليه ماراً بمراحل كلّ مرحلة كانت مقدمة للتي تليها. وكان هناك المسار السياسي لربع قرن من إسلامي متخلف وساذج في النصف الأول من الثمانينيات، إلى إسلامي معتدل ومنفتح في النصف الثاني منها وبدايات التسعينيات، ثم إسلامي ديمقراطي إلى ديمقراطي إسلامي من عام 1993، ثم حسمت خياري العلماني في الثلث الأخير من عام 2006.

نجد البعض من الإسلاميين السياسيين الشيعة كانوا شبه تنويريين في الخارج، أيام معارضة النظام العراقي السابق، لكنّهم تحولوا إلى المنطقة المتشددة بعد عام 2003؛ كيف تقرأ ذلك؟ وما السبب؟

المشكلة ليست فقط مشكلة فكر وثقافة، بل هي مشكلة قيم؛ فهؤلاء عندما امتحنوا بالسلطة وانفتحت لهم خزائن قارون، أي خزائن ثروة العراق، سقطوا في الاختبار سقوطاً قيمياً، بل حتى تقوائياً، كمتدينين، مما جعلهم لا يجدون سلعة يتمسكون عبرها بالسلطة والمال والامتيازات، إلا باعتماد الفكر الإسلاموي المتخلف، الذي لم يكونوا قد تحرروا منه كلياً، بل بقي رغم الحالة التنويرية الظاهرية التي أشار إليها السؤال كامناً، جعله الاختبار يطفح إلى الخارج، فازدادوا تخلفاً وتعصّباً إسلاموياً وازدادوا طائفية.

بين الإيمان الطقوسي ونظيره الفلسفي؛ كيف ترى الفارق بين الاعتقادين؟

الطقوسي يعتمد النص، والفلسفي يعتمد العقل. الطقوسي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة النهائية، والفلسفي يعتمد النسبية، مما يعني أنّ في كلّ صواب ثمة خطأ، وفي كلّ خطأ ثمة صواب، ولا حقيقة نهائية مطلقة.

الطقوسي منغلق، والفلسفي منفتح. الطقوسي على الأعم الأغلب متخاصم مع الآخر المغاير، والفلسفي متصالح مع الآخر. طبعاً كلّ هذا على النحو العام، مع وجود حالات استثنائية عند كلّ من الفريق المعتمد للنص الطقوسي، والفريق المعتمد للعقل الفلسفي، ومع هذا أقول إنّه من الطبيعي أن نختلف، لكن لو سعى كلّ فريق إلى اعتماد مبدأيْ العقلانية والإنسانية بأقصى ما يستطيع، مع إدراك أنّ كلّاً من العقلانية والإنسانية يبقيان نسبيَّين، رغم أنّ نسبيتهما لا تمنع من جعلهما القاعدة أو المساحة المشتركة التي نلتقي عليها، ونكدح دوماً إلى تحقيق أقصى الممكن منها.

بعد تجربتكم الطويلة في عالم الفكر والسياسة؛ بماذا تنصح الشباب العراقي خاصةً والعربي عامةً؟

إذا سمحت لنفسي أن أقدم نصائح للشباب، وإذا كان للشباب أو لبعضهم قابلية لتلقي هذه النصائح، أقول إنّ شبابنا في حاجة إلى تنمية جانبين أساسيين في شخصية الإنسان؛ جانب الفكر وجانب القيم؛ ففي الجانب الفكري عليهم أن يتحلّوا بشجاعة طرح السؤال عن كلّ ما يواجههم مما تعتبره شريحة واسعة من المجتمع من المسلمات والنهائيات والأمور المحظور طرح الأسئلة أمامها، كذلك عليه أن يملك شجاعة أن يطلب الدليل على ما يدعى إليه، أن ينمي عنده ملكات تقييم الأدلة المطروحة أمامه للقضايا المطروح السؤال حولها، كما نتمنى لشبابنا أن يتزودوا بالثقافة العامة بالاطلاع على مختلف النظريات الفكرية والرؤى الفلسفية والمدارس السياسية، ولا يجعلوا قراءتهم ذات لون واحد، أما على مستوى القيم، باعتبارهم يدينون الطبقة السياسية لمزاولتها الفساد؛ أن يبتعدوا هم عن كلّ ألوان الفساد الأصغر، من غشّ أو احتيال، سواء في المدرسة أو في العمل الحر، أو الوظيفة، وكذلك من كذب أو تزوير لقضية ولو صغيرة لتحقيق فائدة شخصية، لأنّ الفساد لم يمارَس من قبل الطبقة السياسية بشيعتها وسنّتها وكردها، بل تحوّلت للأسف الشديد إلى آفة اجتماعية، علينا السعي لاستئصالها فينا كي نكون مؤهّلين للسعي من أجل استئصالها واجتثاثها في المشهد السياسي، كما ننصح الشباب، وفيهم الأمل ألا يصابوا باليأس والإحباط وخيبة الأمل، حتى لو تكررت الإخفاقات، وطال الطريق أمام عملية التغيير، وبدت لنا العقبات التي تحوّل دون ذلك، وكأنّ تجاوزها يبدو مستحيلاً.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية