طالبان: سيناريو ما بعد انسحاب "السوفيات" لن يتكرر

طالبان: سيناريو ما بعد انسحاب "السوفيات" لن يتكرر

مشاهدة

03/05/2021

مصطفى الأنصاري

قالت حركة طالبان الأفغانية إنها واثقة من أن سيناريو التناحر الداخلي بين فئات الشعب الأفغاني بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي من كابول 1989 "لن يتكرر"، كما أكدت أن مزاعم استمرار علاقتها بتنظيم القاعدة "ادعاء واختلاق"، وأنها "لن تسمح باستخدام أراضيها ضد أمن أحد".

ورحبت الحركة على لسان المتحدث باسم مكتبها السياسي وأحد أعضاء وفدها التفاوضي محمد نعيم، بإعلان الأميركيين انسحابهم من أفغانستان، مشيراً في إجابة عن أسئلة "اندبندنت عربية" إلى أن "القوات الأجنبية ستخرج من بلدنا أولاً بفضل الله، ثم نتيجة جهاد وكفاح الشعب الأفغاني الأبي، وبعد ذلك سيتمتع الشعب بحرية واستقلال وسلام مستدام".

ومع أن نعيم أقر بأن "المفاوضات فيها مشكلات"، إلا أنه يتوقع أن تسفر عن نتائج تفضي بأن "يجتمع جميع أطياف الشعب تحت مظلة نظام إسلامي مستقل لرقي بلدهم وازدهاره وتقدمه، وإصلاح ما أفسده الاحتلال".

وأضاف، "نتوقع أن يفهم الجميع بأن الاحتلال سينتهي إن شاء الله، لذلك عليهم العمل بصدق وإخلاص للمضي قدماً لأجل رفاهية الشعب وتوفير فرص عيش كريم للجميع".

وبدأت الولايات المتحدة رسمياً، السبت الماضي، سحب آخر جنودها من أفغانستان في عملية سيشكّل انتهاؤها خاتمة حرب استمرّت عشرين عاماً بالنسبة إلى واشنطن، لكن ستبدأ بعدها فترة انعدام يقين كبير في بلد يرزح تحت السيطرة المتزايدة لحركة "طالبان".

في غضون ذلك تتهم الحكومة الأفغانية حركة طالبان بعرقلة المفاوضات معها لإرساء السلام في البلد المنكوب، ورفضها وقف إطلاق النار، على الرغم من تعهد الأميركيين بسحب قواتهم، كما تقول إن طالبان تصر على فرض رؤيتها للحكم من دون الأخذ في الاعتبار تعدد المشارب الفكرية للشعب الأفغاني من أقصى اليمين إلى اليسار.

حضن الشعب لمن كان في صف الاحتلال

لكن على الرغم من ذلك لا تتفق الحركة واسمها الرسمي "إمارة أفغانستان الإسلامية"، على مراهنة المحللين على عودة الصراع الأفغاني إلى أشده في شكل حرب أهلية جديدة بعد انسحاب القوات الأجنبية. وقالت "نحن لا نتوقع هذا بل نطلب كل من وقف في صف الاحتلال أن يعودوا إلى حضن شعبه وبلده ولنعمل سوياً لخدمة الشعب والبلد".

واعتبرت في تصريحات المتحدث باسمها أن "الحرب قد جربها الاحتلال ومن معه منذ 20 عاماً، إلا أن النهاية يشاهدها الجميع بأن المحتل والاحتلال لم يدم ولن يدوم. راح الاحتلال والمحتل إلا أن الشعب والبلد مازال ولن يزول، بعد كل هذه التجارب ليس من المعقول تكرار التجارب الفاشلة".

ورداً على السباق الدولي لمساندة الأفغان في تجاوز مرحلة ما بعد انسحاب القوات الأجنبية بسلام، رفض نعيم أي مساعدة تكون لغير قصد إنساني بحت، فلا شك في أن "بلدنا وشعبنا قد ذاقا ويذوقان ويلات الحروب المفروضة منذ أكثر من 40 سنة، وبحاجة ماسة إلى المساعدات والمساندات في جميع المجالات، بشرط أن تكون مساعدة ومساندة لا تشوبها الأغراض والأمراض، لذلك نناشد كل من يرغب في مساعدتنا أن تكون المساعدات لوجه الله ولأغراض إنسانية بحتة، ولثقة في هذا الميدان مرتبطة بالصدق والإخلاص".

وهل ينطبق ذلك على جيرانكم الباكستانيين والإيرانيين؟ يجيب "لا شك في أن الجيران لهم دور مهم في التعامل مع جيرانهم، لذلك نحن نتوقع من الجميع خصوصاً من الجيران أن يكون لهم دور بناء في حل مشكلات الجار، لأن هذا في مصلحتهم ومصلحتنا".

هذا السيناريو لا نتوقعه ولا نريده

ولدى السؤال عما إذا كان سيناريو ما بعد الانسحاب السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي، يمكن أن يتكرر بعد خروج الجنود الأميركيين من أفغانستان، استبعدت حركة طالبان إعادة التاريخ نفسه مجدداً، "فنحن لا نتوقع ذلك ولا نريده، وهناك أدلة على أن ذلك السيناريو لا يتكرر إن شاء الله، إذ الآن صف المجاهدين واحد والقيادة واحدة، ليست هنا الخلافات مثلما كان في ذلك الحين".

وكان الاتحاد السوفياتي أعلن انسحابه من أفغانستان العام 1989 بعد خسائر ومعارك طاحنة استمرت 10 سنوات، إلا أن الحكومة التي خلفها في كابول سريعاً ما تهاوت جراء اختلاف الشعب المتناحر على تقاسم السلطة ونهج الحكم الذي يجب أن يسود، قبل أن تسيطر حركة طالبان بمساعدة من تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن 1996 على معظم البلاد، سوى جزء يسير يسيطر عليه أحمد شاه مسعود، الذي جرى اغتياله قبل 11 سبتمبر (أيلول)، إلا أن "التحالف الشمالي" الذي كان يقوده مسعود أصبح النواة التي تحالف معها الأميركيون لإسقاط حركة طالبان، بسبب رفضها التخلي عن "القاعدة" وتسليم ابن لادن بعد العملية الإرهابية التي نفذها عناصره في منهاتن 2001. 

وهي المرحلة التي قالت الحركة في حوارها مع "اندبندنت عربية"، إنها ستستفيد من تجربتها، في تجنب تكرار أخطائها، بحسب ما تلمح إليه في معرض حديثها عن المقارنة بين ظروف ذلك العهد والوقت الراهن.

وتابعت، "إضافة إلى ذلك فإن الإمارة لها تجربة الحكم حيث حكمت البلاد حوالى خمس سنوات، ناهيك عن أنها تحكم حالياً الجزء الأكبر من البلاد منذ عشر سنوات تقريباً، ليس هذا فقط، بل تعلمت من التجارب في مجال الحوكمة والتقدم التقني والتعامل مع الظروف والأوضاع المختلفة، بما في ذلك الحاضنة الشعبية التي تتمتع بها الإمارة".

هل تغيرت طالبان؟

وحول نموذج الحكم الإسلامي الذي يثير جوهر الخلاف بين طالبان والحكومة الأفغانية في كابول، حاولنا فهم شكل النظام الذي تريد الحركة بسطه في البلاد، وتتوقع أن يكون منسجماً مع تعدد توجهات الشعب الأفغاني الفكرية والمذهبية. وهنا يصر المتحدث باسم طالبان على أن "النظام في الأصل لا بد من أن يكون منبثقاً من المجتمع، وأن يكون على أساس مبادئ الشعب وقیمه، فنوع النظام وشكله یتعلق بالأفغان أنفسهم، والشعب نسبة المسلمين فيه أکثر من 99 في المئة، وسیصلون من خلال التفاهم في ما بینهم إلی الهدف".

ومن بين الصور السلبية التي علقت في أذهان العالم عن حركة طالبان فترة حكمها تطبيقها الشريعة الإسلامية بصورة متشددة، دفعتها إلى هدم الآثار التي تحتفظ بها البلاد منذ قرون، على الرغم من تاريخها الإسلامي العريق، إضافة إلى فرض النقاب قسراً على النساء، هذا قبل أن يخرج احتضانها لـ "تنظيم القاعدة" إلى السطح.

لكن مع ذلك يؤكد نعيم أن " الحل ليس الإتيان بالأنظمة من الخارج أو المجتمعات الأخرى ثم تطبیقها علی الشعب، بل هذا هو أساس المشكلات، لأن لكل بلد وشعب مصالحه وما یتمیز به عن البلاد الأخرى. والحل الأمثل إتاحة الفرصة للأفغان من دون تدخلات وإملاءات".

وألمح إلى حدوث مراجعات وتطورات في نظرة الحركة إلى الحكم، وأضاف، "بعد مضي 20 عاماً هناك تجارب وتطورات تضمن عدم وقوع بعض المشكلات التي لا ینبغي أن تقع".

لن نسمح باستخدام أرضنا

وهل من بين تلك المشكلات استهداف "القاعدة" دولاً أجنبية انطلاقاً من أفغانستان؟ "ليست هناك مشكلات واقعية، هي في الحقيقة افتعالات واختلاقات".

أما بخصوص مزاعم عودة "القاعدة" إلى أفغانستان، فهو "مجرد ادعاء ودعاية، والدليل على ذلك أن الخبر المنقول مجهول المصدر والقائل غير معلوم"، في إشارة إلى نقل شبكة "سي إن ان" عن مصادر في تنظيم القاعدة قولها إنه بفضل حماية الأفغان للقادة المسلحين، كانت العديد من هذه الجبهات الجهادية تعمل بنجاح في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي لفترة طويلة.

أما المتحدث باسم طالبان محمد نعيم، فإنه يعلن رسمياً موقف الحركة من حلفائها السابقين في تنظيم القاعدة، بأن الأخيرة "غیر موجودة في أفغانستان، وإذا کان الشيء غیر موجود فما معنی العلاقة به؟ موقف الإمارة الإسلامیة أنها لا تسمح لأحد باستخدام أراضيها ضد أمن أحد، ولا تتدخل في شؤون الآخرين، کما لا تسمح للتدخل في شؤونها".

ومع أن القاعدة بسبب مطاردتها من جانب التحالف الدولي في أفغانستان لم تعد وسط الأراضي الأفغانية، إلا أنها لا تزال في محيطها عبر الحدود الباكستانية وفي إيران، ويتوقع كثيرون عودتها إلى أفغانستان بمجرد تخفيف الضغط عليها، وتبرهن الوثائق التي خلفها أسامة بن لادن بعد مقتله في آبوت آباد 2011 عن علاقة وثيقة بين الطرفين، يتوقع أن تتراجع بعد مقتل ابن لادن الرابط لها، لكن إنهاءها بالكلية يستغرق وقتاً طويلاً.

الرحيل الكبير

ويقول مسؤولون أميركيون في أفغانستان إن عملية الانسحاب جارية أصلاً، مشيرين إلى أن تاريخ الأول من مايو (أيار) رمزيّ قبل كل شيء. وكان هذا التاريخ يمثّل الموعد النهائي لانسحاب القوات الأميركية الذي حدّدته الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترمب طبقاً للاتفاق الموقّع مع "طالبان" في فبراير (شباط) 2020 في الدوحة، وسط ترحيب دولي واقليمي، بمن في ذلك السعودية التي أكدت لى دعمها كل ما من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار والحد من العنف في أفغانستان. وأكدت أن المملكة كانت وما زالت مع أفغانستان والشعب الأفغاني لتحقيق جميع آماله وتطلعاته.

في الأيام الماضية، كانت سماء كابول وقاعدة باغرام الجوية المجاورة، ممتلئة أكثر من المعتاد بالمروحيات الأميركية تحضيراً لهذا الرحيل الكبير الذي سيستكمل بحلول 11 سبتمبر (أيلول)، موعد الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر 2001.

عن "اندبندنت عربية"


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية