طريق البلقان الجديدة..الهجرة بوصفها قطعة من الجحيم

4204
عدد القراءات

2018-08-02

ترجمة: محمد الدخاخني


تُعدّ جمهوريّة البوسنة والهرسك، وهي دويلة في البلقان، واحدة من بين أفقر البلدان في أوروبا. ومنذ شباط (فبراير)، تتعرّض لموجة غير مسبوقة من الهجرة. فما تسمّى بطريق البلقان، الّتي يستخدمها المهاجرون للوصول إلى أوروبا الغربيّة من تركيا واليونان، قد تغيّرت. وكانت هذه الطّريق تمرّ في السّابق عبر بلغاريا أو مقدونيا، ثمّ صربيا والمجر، قبل التّوجّه إلى ألمانيا أو النّمسا، اعتماداً على الأماكن الّتي كان يأمل النّاس في الوصول إليها.

إلّا أنّ المجر، في ظلّ حكومة فكتور أوربان القوميّة، قد نجحت في إغلاق حدودها من خلال المراقبة الشّديدة والوحشيّة الشّرطيّة بحقّ المهاجرين. وهكذا تحوّل المسار نحو الجنوب، عبر ألبانيا والجبل الأسود، ثمّ البوسنة، حيث يتجمّع الآن الآلاف من المهاجرين.

المجر نجحت في إغلاق حدودها من خلال المراقبة الشّديدة والوحشيّة الشّرطيّة بحقّ المهاجرين

وقد سافرتُ مؤخّراً، صُحبة ماسيمو فينتسياني من الهيئة الإذاعيّة الإيطاليّة Rai 3، عبر طريق البلقان الجديدة من يوانينا، شمال اليونان، إلى فوليكا كلادوشا، البلدة الشّماليّة البوسنيّة، بالقرب من الحدود الكرواتيّة. ويوانينا هي عاصمة منطقة شمال غرب إبيروس في اليونان وأكبر مدنها. وتقع الحدود الألبانيّة على بعد ساعة واحدة بالسّيّارة، ومن ثمّ فإنّ كافّة المهاجرين الّذين يرغبون في السّفر من اليونان في كافّة أرجاء البلقان يبدأون رحلتهم من هنا.

وبسبب اتّفاقيّة دبلن 3، الّتي تُلزِم المهاجرين بتقديم طلبات لجوئهم في أوّل دولة في الاتّحاد الأوروبيّ يتمّ تسجيلهم فيها، فإنّهم لا يريدون التّسجيل في نظام الاستقبال الرّسميّ اليونانيّ؛ لأنّ هذا من شأنه أن يمنعهم من طلب الّلجوء في أيّ دولة أوروبيّة أخرى. وهكذا، في يوانينا، فإنّهم يعيشون في الشّوارع أو في المباني المهجورة.

اقرأ أيضاً: قانون أمريكي جديد يمسّ اللاجئين الفلسطينيين.. هكذا يُعرفهم

"هل ترى هيكل هذا المبنى؟ الّذي كان فيما مضى ملهى ليليّاً. إنّه الآن منزلنا"، يوضّح رجل كرديّ يُدعى بيكان. لقد قرّر، وهو رجل في الثّلاثين من عمره ومعه ثلاثة أكراد آخرين، أن ينطلق في رحلة الوصول إلى ألمانيا. ها نحن ندخل الملهى الّليلي القديم. ثمّة رجلان ينامان على الأرض. والموضع الّذي كان في السّابق صالة رقص، جرى تكسير أرضيّته الآن إلى أجزاء كثيرة تستخدم بمثابة سطح للنّوم من جانب العديد من المهاجرين المتّجهين إلى ألبانيا. "في الّليل يكون المكان ممتلِئاً بالفئران، وأحياناً تأتي الشّرطة لإيقاظنا، أو إجبارنا على التّحرك. وبعدها لا نعرف إلى أين مكان نذهب وبالتّالي نعود إلى هنا".

اقرأ أيضاً: لم يسبق لها مثيل..تعرف إلى أرقام اللاجئين في العالم

خلف الملهى الّليلى ثمّة مزرعة مهجورة تُستخدم أيضا كمأوى. يشير بيكان بكلّ لطف إلى أنّه من غير الآمن أن ندخل المزرعة، ومن ثمّ نقرّر العودة. نصل إلى حقل كبير بجوار محطّة الحافلات. وبين فروع العشب الطويلة، ينام أربعة أشخاص على الأرض، على بعد بضعة أمتار من جمر مشتعل يوشك على الانطفاء. "الّليلة الماضية حطّمت الشّرطة خيامهم. ثمّ، بالطّبع، عادوا إلى هنا. فهم لا يعرفون أيّ مكان آخر يذهبون إليه. قريباً، سنصل جميعاً إلى الحدود ونعبر إلى ألبانيا"، يضيف الشّاب الكرديّ.

خارج تركيا

انخفض عدد المهاجرين الوافدين إلى اليونان بشكل كبير منذ الاتّفاق بين الاتّحاد الأوروبيّ وتركيا الّذي تمّ التّوصّل إليه في آذار (مارس) 2016. بموجب هذه الاتّفاق، وعد الاتّحاد الأوروبيّ تركيا بتقديم 6 مليارات يورو من المساعدات الماليّة لمنع المهاجرين من عبور البحر إلى اليونان والدّخول إلى أوروبا الغربيّة. ووفقاً لبيانات مفوضيّة الأمم المتّحدة لشؤون الّلاجئين، وصل هناك، في عام 2015، 856,000 مهاجر عبر البحر، وفي عام 2016 انخفض هذا الرّقم إلى 173,450، ثمّ إلى 29,718 العام الماضي. ويبدو أنّ الاتجاه الهبوطيّ في الأرقام سوف يستمرّ هذا العام.

اقرأ أيضاً: قراءة حقوقية في أحوال اللاجئين: هل هم من أبناء السبيل الذين ذكروا في القرآن؟

ومع ذلك، ما يزال الآلاف من النّاس يعبرون الحدود التّركيّة. والسّوريّون والأفغان والباكستانيّون والشّمال أفريقيّون والعراقيّون هم أكبر هذه المجموعات. على أنّ الأرقام الرّسميّة لا تشتمل على كافّة المهاجرين الّذين يصلون إلى اليونان، بما أن اتّفاقيّة دبلن 3 تدفع الكثيرين منهم لتجنّب التّسجيل. وسرعان ما يجد كلّ هؤلاء أنفسهم يسافرون عبر البلقان.

انخفض عدد المهاجرين الوافدين إلى اليونان بشكل كبير منذ الاتّفاق بين الاتّحاد الأوروبيّ وتركيا بمنعهم من العبور

قبل العبور إلى ألبانيا في كاكافيا، نتوقّف في كالباكي، على بعد سبعة وعشرين كيلومتراً من الحدود. "نرى أناساً يسيرون على طول الطّريق نحو الحدود كلّ يوم. بل ثمّة بينهم عائلات لديها أطفال صغار"، تقول كاترينا، وهي نادلة تعمل في هذه المدينة اليونانيّة الصّغيرة. لا يمكن للشّرطة أن تفعل أيّ شيء، والسّلطات اليونانيّة ستكون في سعادة غامرة إذا غادر هؤلاء النّاس البلاد؛ لأنّ ذلك سيريح الدّولة من الحاجة إلى دعم المهاجرين.

على الحدود، نتحدّث إلى أحد موظّفي الجمارك في وقت استراحته. نقول له إنّنا نجري تحقيقاً حول المعبر غير القانونيّ بين اليونان وألبانيا. فيشير إلى تلّة صغيرة قريبة من الحدود. "هل ترون هذه التّلّة؟ هذا هو المكان الّذي تبدأ فيه المسارات المختلفة، وكلّهم يذهبون إلى ألبانيا"، يقول ساخراً. قمنا باتّباع نصيحته، وسرعان ما صادفنا درباً صغيراً، وصعدنا إلى التّلال. من الواضح أنّ الطّريق تستخدم يوميّاً من جانب الأشخاص الّذين يحاولون عبور الحدود. وتنتشر على الأرض الحفّاضات، ونشرات المعلومات الخاصّة بمفوضيّة الّلاجئين، وعبوّات المواد الغذائيّة.

اقرأ أيضاً: أزمة اللاجئين وتبعاتها على السياسة الألمانية.. هل تطيح بميركل؟

وبعد المشي لمدّة عشرين دقيقة، يشير جهاز الـ "جي بي إس" إلى أنّنا قد عبرنا الحدود ووصلنا إلى ألبانيا. على أنّ الشّيء التّالي الّذي نراه يجعلنا نتوقّف ونعود إلى اليونان مرّة أخرى: ضابط شرطة ألبانيّ عازم على اعتقال اثنين من المتسلّلين غير الشرعيّين.

في اجتماع تمّ في أيّار (مايو) 2018 مع المستشار النّمساويّ سيباستيان كورتز، أكّد رئيس الوزراء الألبانيّ إيدي راما أنّ عدد المهاجرين "غير الشرعيّين" في ألبانيا قد ارتفع من 162 في كانون الثّاني/يناير 2017 إلى 2,3111 في عام 2018. وإذا كان كلامه موضع تصديق، فإنّ ذلك يمثّل دليلاً على أنّ طريق البلقان قد تغيّرت.

عام 2018 ارتفع عدد المهاجرين "غير الشرعيّين" في ألبانيا إلى 2,3111

يأمل كورز أن يتمّ إغلاق هذا المسار الجديد للمهاجرين. وتتمثّل خطّته في منع النّاس من عبور أيّ حدود بشكل غير نظاميّ داخل دول البلقان. وفي هذا السّياق، تعهّد بدعم الاتّحاد الأوروبيّ لمساعدة ألبانيا في تحسين ضوابطها الحدوديّة. وتهدف هذه السّياسة إلى القضاء على جميع الطّرق القانونيّة وغير القانونيّة للوصول إلى أوروبا؛ زيادة الجدران السّياسيّة والماديّة حول الاتّحاد الأوروبيّ.

يحتلّ كورز الآن موقع المستشار، وذلك ضمن ائتلاف سياسيّ أصبح حزب الحرّيّة اليمينيّ المتطرّف جزءاً مهمّاً منه. وخلال الانتخابات النّمساويّة الّتي أجريت عام 2017، ركّز حزب الحرّيّة هذا في دعايته على الخوف من "غزو المهاجرين" و"الأسلمة" المفترضة للبلاد.

اقرأ أيضاً: لاجئون أبطال يستدرجون الأمل ويعانقون بمواهبهم روح الإنسانية

تُعدّ تيرانا، عاصمة ألبانيا، موطناً لمركز الاستقبال الوحيد لطالبي الّلجوء في كافّة أرجاء البلاد. وإذا لم يكن للمهاجرين في ألبانيا أيّ وضع قانونيّ، فإنّه لا يمكنهم السّفر سواء من خلال حافلة أو سيّارة أجرة. وإذا اكتشفت الشّرطة وجود مهاجرين في منطقة الحدود، فإنّها تدفعهم على الفور للعودة إلى اليونان؛ ومع ذلك، إذا عثر عليهم بوضوح داخل الإقليم الوطنيّ، فإنّه يتمّ إحضارها إلى المركز في تيرانا.

"لقد أحضرتنا الشّرطة إلى هنا"، يقول محمّد فيما يقف أمام مدخل الملجأ الموجود في العاصمة. جاء محمّد من المغرب، وطار إلى اسطنبول لبدء رحلته الطّويلة. "يأخذ آخرون سيّارة أجرة من كاكافيا. صحيح أنّ الأمر يكلّف الكثير، لكن على الأقلّ تصل إلى هنا، إلى مكان يمكنك أن تستريح فيه قبل الذّهاب إلى الجبل الأسود"، يقول محمّد. وتتميّز ألبانيا بمستويات عالية من فساد الدّولة. كما تعرف السّلطات عن مسألة تهريب المهاجرين في سيّارات الأجرة، لكنّها تقوم بتمرير الأمر.

اقرأ أيضاً: زواج قاصرات اللجوء السوري: طفلات في مرتبة أمهات

المركز مغلق، ونحن بحاجة إلى إذن بالدّخول، ومن ثمّ ننتظر في الخارج للتّحدّث مع بعض الأشخاص الّذين يسافرون عبر هذه الطّريق الجديد. "سنبقى هنا لبضعة أيّام أخرى ثمّ نشقّ طريقنا إلى الجبل الأسود"، يوضّح ضيف آخر في المركز لطالبي الّلجوء، وهو صديق لمحمّد.

سنغادر تيرانا بعد الظّهيرة، وسنتّجه إلى هاني هوتيت، منطقة الحدود الواقعة بين ألبانيا والجبل الأسود. هنا، تتعامل الشّرطة بدقّة شديدة. تتحقّق من كلّ ثقب وجزء ممكن في السّيّارة. وتتّهم سلطات الجبل الأسود الدّولة الألبانيّة بالسّماح للمهاجرين بعبور الحدود بسهولة بالغة. وفي الواقع، وللأسباب نفسها بالضّبط الّتي تمتلكها السّلطات اليونانيّة، فإنّه ما من حافز كبير لدى ألبانيا للتّعاطي مع الأشخاص الّذين يمكن إرسالهم بسهولة إلى البلدان المجاورة. بالنّسبة إليهم، تعتبر الهجرة مشكلة يجب تمريرها إلى الآخرين.

تُعدّ تيرانا، عاصمة ألبانيا، مركز الاستقبال الوحيد لطالبي الّلجوء في البلاد

من أجل إبعاد المهاجرين عنها… أوروبا تقدّم المساعدات الإنسانيّة

شهد هذا العام افتتاح مركز الاستقبال الأوّل والوحيد في الجبل الأسود، وذلك بفضل أموال الاتّحاد الأوروبيّ. ويموّل الاتّحاد الأوروبيّ كلّ البلدان المتأثّرة بهذه الطّريق السّاحليّة الجديدة. وعلى وجه الخصوص، توصّلت دولة الجبل الأسود مؤخّراً إلى اتّفاق تفويض إنسانيّ بقيمة 3 ملايين يورو.

في صباح اليوم التّالي، نذهب بالسّيّارة إلى القرى القريبة من الحدود بين دولتي الجبل الأسود وألبانيا. نصل إلى توزي، على بعد بضعة كيلومترات من الحدود، ونتوقّف عند أحد المقاهي. وتتألّف هذه القرى أساساً من السّكان ذوي الإثنيّة الألبانيّة؛ فعلى عكس بقيّة البلاد؛ حيث معظم المواطنين هم من المسيحيّين، توجد هنا أغلبيّة مسلمة. وتبرز العديد من المساجد، صُحبة مآذنها، في هذه القرى بين منازل الجبل الأسود التّقليديّة الصّغيرة.

اقرأ أيضاً: كيف ستطبق ألمانيا نظام ترحيل اللاجئين؟

وقد سمعنا شائعات تفيد بأنّ هذه الأماكن المقدّسة خدمت كملاجئ لأعداد كبيرة من المهاجرين، الّذين عبروا الحدود بالقيام برحلات عبر الجبال الّتي تفصل بين هاتين الدّولتين. "أجل، لقد سمعنا بهذا أيضاً"، يقول رجل في منتصف العمر يجلس في المقهى. "يأتي النّاس من الجبال ثمّ يتبعون مسار القطار الّذي يربط الحدود بالعاصمة بودغوريتشا".

إلى جانب مسارات السّكك الحديديّة هناك محطّة لغسيل السّيّارات، حيث يعمل دراغان من توزي. نسأله عن رأيه في الرّحلة الّتي يقوم بها المهاجرون للوصول إلى أوروبا. "لا أعتقد أنّه أمر طبيعيّ. لا أعتقد أنّه أمر جيّد. لا يجب على النّاس القيام بهذه الرّحلة الفظيعة. ليس لدي ما أقوله. لا تعليق. أنا حزين"، يجيب دراغان.

تشير ممرّات السّكك الحديديّة المهملة والملابس الدّاخليّة والأحذية والزجاجات الفارغة إلى ممرّ المهاجرين

وفي أسفل أحد الجسور، تشير ممرّات السّكك الحديديّة المهملة والملابس الدّاخليّة والأحذية وزجاجات المياه الفارغة إلى ممرّ المهاجرين. وتقع مدينة بودغوريتشا على بُعد ساعتين فقط سيراً على الأقدام، وبعد ذلك من العاصمة، يسافر النّاس بسيّارة أجرة إلى مركز الضّيافة الواقع في سبوين.

عندما نصل إلى هناك، نجد مجموعة كبيرة مكوّنة من خمسة عشر باكستانيّاً يستلقون في الظلّ تحت الأشجار منتظرين التّسجيل ومن ثمّ قبولهم في مركز الاستقبال. ولا يأبه المهاجرون إذا جرى تسجيلهم في الجبل الأسود، لأنّ اتّفاقيّة دبلن 3 لا تنطبق خارج الاتّحاد الأوروبيّ. إنّ التّسجيل هنا لن يمنعهم من طلب الّلجوء في الاتّحاد الأوروبيّ.

اقرأ أيضاً: كيف يعيش اللاجئون الذي وصفهم أوربان بـ"الغزاة" في المجر؟

تتوقّف سيّارة أجرة أمام الباب الرّئيس ويخرج ثلاثة مغاربة. "لقد وصلوا للتّوّ مباشرة من الحدود"، يشرح شايد، وهو شاب يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً جاء من باكستان، وكان قد عبر الحدود الّليلة الماضية مع باكستانيّين آخرين.

نسأله كيف وصل إلى هناك، ونسأله أيضاً عن رحلته إلى سبوين. "بشكل أساسي قمنا بالمشي من اليونان إلى هنا، باستثناء مسافات قصيرة استطعنا فيها استقلال حافلة أو أُخِذنا في سيّارة شرطة. إنّنا متعبون، متّسخون. ولكن، إذا أراد الله ذلك، سوف نصل إلى إيطاليا: تريستي"، يردّ شايد بهدوء. ومثلما فعلوا في تيرانا، سيستريحون هنا لبضعة أيّام، ثمّ يواصلون رحلتهم إلى البوسنة.

لأنّهم لم يجدوا مكاناً للنّوم، وضعوا الخيام في وسط المدينة

العنف باعتباره سياسة

في صباح اليوم التّالي، نحن على استعداد للسفر إلى بيهاتش، وهي مدينة في شمال شرق البوسنة. تقع الحدود الكرواتيّة على بعد عشرة كيلومترات فقط من هنا، ويجتمع المهاجرون هنا لسبب بسيط. فمن هذا الجزء من البوسنة، تكون سلوفينيا أقرب، والطّريق إلى ترييستي، إيطاليا، يبدو أسهل. ومع ذلك، يتزايد عدد المهاجرين الّذين يعيشون أو يقيمون في بيهاتش كلّ يوم. وتقوم كرواتيا، وهي إحدى دول الاتّحاد الأوروبيّ، بتنفيذ استراتيجيّة قويّة لمراقبة الحدود: تتراوح طرقها لمنع المهاجرين من العبور بهذه الطّريق من الطّائرات المروحيّة إلى مناظير الرّؤية الّليليّة ونشر أعداد كبيرة من ضبّاط الشّرطة.

يتزايد عدد المهاجرين الّذين يعيشون أو يقيمون في بيهاتش كلّ يوم وكرواتيا تنفّذ إستراتيجيّة قويّة لمراقبة الحدود

وفي ضواحي بيهاتش، أمام استاد كرة القدم، تُستخدم مدرسة مهجورة الآن كـ "مركز إقامة" للمئات من المهاجرين العالقين هنا. "هذا هو المبنى الوحيد الّذي خصّصه لنا رئيس البلدية للتّعامل مع هذه الحالة الإنسانيّة الطّارئة"، يوضّح آدم، الموظّف في الصّليب الأحمر البوسنيّ، وهي المنظّمة الرّسميّة المسؤولة عن المبنى. "بدأنا هذا الانخراط في وضع المهاجرين هنا في 23 نيسان (إبريل). وبالفعل بدأ المهاجرون بالوصول إلى هنا في بداية نيسان (إبريل). وعندما وصلوا، ولأنّهم لم يجدوا مكاناً للنّوم، وضعوا الخيام في وسط المدينة. ولهذا السّبب قرّر العمدة تقديم هذا المبنى نصف المدمّر لهم، وهو أفضل من التّخييم في الهواء الطلق، لكنّه ما يزال غير لائق إلى حدّ ما"،  يشير آدم بوضوح.

مبنى المدرسة ليس آمناً

إنّ المبنى ليس آمناً. فالزّجاج مفقود من معظم النّوافذ، والسّلالم الدّاخليّة بدون درابزين، ممّا يشكّل خطر سقوط وعر إلى أسفل الدّرج.

"نعلم أنّ الظّروف رهيبة، لكن ليس لدينا أيّ بدائل. في البداية، كان هناك أربعون شخصاً فقط. الآن، كلّ أسبوع، يزيد العدد بمقدار مائة. وبالأمس على الغداء قمنا بتوزيع تسعمائة وجبة. والأكثر من ذلك، منذ الشّهر الماضي، شهدنا زيادة في عدد العائلات، ولدينا الآن خمسين طفلاً"، يتابع أدم. ويخشى الصّليب الأحمر أن يزيد العدد بشكل كبير. وفي الواقع، خلال فصل الصيف، يميل تدفق المهاجرين إلى الزّيادة، وذلك بفضّل الظّروف المناخيّة الأكثر ملاءمة.

اقرأ أيضاً: ما سرّ الرسمة التي أهدتها طفلة لاجئة للشرطة الألمانية؟

نلتقي برجل كرديّ آخر يدعونا لتناول كوب من الشّاي في غرفته. اسمه جافارين وينام هناك مع خمسة أكراد آخرين من العراق، وسرعان ما ستمتلئ الغرفة بأكراد آخرين. شرعنا في الحديث عن بعض الشّائعات الّتي سمعناها. "هل صحيح أنّ الشّرطة الكرواتيّة قامت بضرب المهاجرين الّذين عبروا الحدود؟"، نسألهم بشكل صريح. "أجل أخي. هذا صحيح". هناك عشرة أشخاص في الغرفة، وقد تعرّض كلّ شخص منهم تقريباً للضّرب أو السّرقة على يد الضّباط، أو شاهد عنف الشّرطة بحقّ مهاجرين آخرين. يُظهِر لنا أحدهم جهازه الّلوحي (تابلت) وقد أُتلِفت شاشته. "عندما عثروا عليّ، قاموا بضرب الشّاشة بالصّخر"، يقول.

يُنظَر إلى النّاس الّذين يهاجرون على أنّهم منحرفين عن نموذج المجتمع المفروض في أوروبا

"إذا عثروا على هاتف جيّد، يصادرونه، وإذا عثروا على آخر رخيص، يدمّرونه أو يخرّبون مدخل شاحن الهاتف بسكين، ومن ثمّ لا يمكن للشّخص استخدامه مرّة أخرى. وهم يعرفون أنّنا نستخدم هواتفنا لتحديد المواقع الّتي تساعدنا على إيجاد طريقنا عبر الغابة"، يشرح جافرين.

في الصّباح السّابق، تمّ إجبار عائلة إيرانيّة كرديّة على الرّجوع بعد تعرّضها للضّرب على أيدي شرطة الحدود. "ما تزال هناك كدمات على أجسادهم". سألناهم إذا ما كان بإمكاننا مقابلتهم. يقف جافرين ويدعوهم من غرفة مجاورة.

اقرأ أيضاً: لاجئون عراقيون يعودون من ألمانيا إلى بلدهم

دخل رجل في منتصف العمر يسند ظهره المتألّم بكفّ يده حتّى يتمكّن من الاعتدال. وببطء وحرص شديدين، يجلس. تساعده زوجته محاولة التّقليل من ألمه. وجوههم حزينة ولا حول لها ولا قوّة. وبعد بضع دقائق تنضمّ ابنتهما البالغة من العمر ثماني سنوات وتتشبّث بأمّها.

"لقد ألقي القبض علينا ونحن في طريقنا إلى سلوفينيا. وعندما عثروا علينا، قادونا معهم إلى الغابة"، يشرح الأب، سيفان.

"وفي الغابة، بعيداً عن أعين المتطفّلين، شرعوا في ضربي وضرب زوجتي". يُظهِر لنا الكدمات الموجودة على جسده: على الكتف، على الأضلاع، على السّاق. كلّ العلامات ما تزال طازجة. سألنا عن الابنة، على أمل أنّها لم تكن هناك ولم تشاهد الاعتداء. "لقد رأت كلّ شيء"، أجابت الأم. "كانت تبكي ثمّ  ألقوا عليها الماء حتّى تتوقّف".

سيفان: هربنا من إيران لأنّنا تعرّضنا للاضطّهاد بسبب هويّتنا الكرديّة واعتقدنا أنّنا سنجدها هنا لكن كنّا مخطئين

ثمّ سرقت الشّرطة منهم أموالهم وكسرت أحد هواتفهم. "كان الآخر مخفيّاً في ملابسي الدّاخليّة"، يوضّح سيفان. وبمجرد انتهاء الشّرطة الكرواتيّة من ضربهم، ألقوا بهم مرّة أخرى في البوسنة. "هربنا من إيران لأنّنا تعرّضنا للاضطّهاد بسبب هويّتنا الكرديّة. وانتُهِكَت حقوقنا الإنسانيّة باستمرار، واعتقدنا أنّنا سنجدها هنا. لكن كنّا مخطئين".

اكتشفنا أن العنف الّذي تعرّض له سيفان لم يكن حالة معزولة. فأثناء وجودنا في بيهاتش، تحدّثنا مع ما لا يقلّ عن 15 شخصاً آخرين اعترفوا بأنّهم تعرّضوا للضّرب على أيدي الشّرطة الكرواتيّة. وعلى غرار الوحشيّة الّتي تعرّض لها المهاجرون في المجر العام الماضي، تحاول السّلطات الكرواتيّة تثبيط عمليّات عبور الحدود من خلال استخدام العنف بشكل متعمّد ومحسوب. ومع ذلك، فإنّ هذه القسوة المنهجيّة لم تمنع الرّغبة العقلانيّة وراء الهجرة. عندما سألت جميع من الغرفة ما إذا كانوا سيحاولون اجتياز هذه المعابر الخطرة، أجابوا، كلّهم، ودون تردد، "أجل".

تريد أوروبا تشديد حدودها الخارجيّة وحماية منطقة الشنغن

في رحمة أوروبا

إنّ هدف أوروبا هو تشديد حدودها الخارجيّة وحماية منطقة الشنغن. وتتكوّن هذه المنطقة من 26 دولة أوروبيّة وافقت على إزالة القيود على الحدود فيما بينها واعترفت بسياسة تأشيرة واحدة. وقد ضمنت الشنغن لمواطني الدّول الأعضاء الحرية الكاملة للحركة تقريباً. لكنّها أنتجت شكلاً من التّصلّب في حدود أوروبا الخارجيّة.

ويجري إقران عمليّات الإرجاع غير القانونيّة بانتهاكات مستمرّة لحقوق الإنسان - عادة ما ترتكبها الدّول الطّرفيّة، لإبقاء المسؤوليّة بعيدة قدر الإمكان عن بروكسل. وتمثّل الحدود تقسيماً عنصريّاً: فهي مفتوحة لحرّيّة حركة رأس المال والمواطنين الغربيّين، ومغلقة أمام الأشخاص المستعمَرين سابقًا أو أولئك الّذين ليسوا أغنياء بما يكفي للحصول على تأشيرة قانونيّة.

الاتحاد الأوروبيّ تبتلعه بشكل سريع حركات سياسيّة قوميّة وعنصريّة

ومن الأهميّة بمكان أن نتذكّر أنّ كرواتيا دولة عضو في الاتّحاد الأوروبيّ وأنّ سياسيّيها يجلسون في البرلمان الأوروبيّ. ويتحمّل الاتّحاد الأوروبيّ ككلّ مسؤوليّة واضحة عن العنف المرتكب على حدوده الخارجيّة.

إنّ الاتحاد الأوروبيّ تبتلعه بشكل سريع حركات سياسيّة قوميّة وعنصريّة. والتّقشف حوّل العبء الاجتماعيّ للأزمة الاقتصاديّة على الطّبقات الأكثر فقراً في أوروبا. والسّياسيّون يستخدمون هذه الفترة من الحرمان لتوحيد النّاس ضد المهاجرين. ويُنظَر إلى النّاس الّذين يهاجرون على أنّهم منحرفين عن نموذج المجتمع المفروض في أوروبا من جانب جناح يمينيّ متزايد. وفي الوقت نفسه، نفتقر إلى يسار أمميّ قويّ يمكنه إيقاف هذا الانجراف السّياسيّ العنصريّ.

اقرأ أيضاً: ألمانيا: ملاحقة مقاتلين من داعش دخلوا كلاجئين

من خلال كلّ هذا، ما يزال المهاجرون تحت رحمة الأحداث السّياسيّة غير المتوقّعة. وبدون قنوات قانونيّة للذّهاب إلى أوروبا، فإنّه سيتمّ تركهم محصورين في وسط البحر الأبيض المتوسّط أو في المباني المهدّمة في شمال البوسنة. وما نحتاجه الآن ليس وجود المزيد من المتطوّعين أو المنظّمات غير الحكوميّة على الحدود، بل الحلّ السّياسيّ. فالأزمة الإنسانيّة ناجمة عن أزمة سياسية. لقد حان الوقت الآن لعلاج الأسباب بدلاً من الأعراض، وإنهاء دورة التّجاهل في الاتّحاد الأوروبيّ.

فيديريكو أنيبالي، جاكوبين


المصدر: The New Balkan Route

اقرأ المزيد...

الوسوم: