عاملات المنازل في عيد الأم.. مرارة الغربة تسرق يوم فرح آخر بعيداً عن الأبناء

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
2584
عدد القراءات

2019-03-21

لا تكاد دموع الخادمة البنغالية سانتي (22 عاماً) تجفّ؛ إذ كلما رأت أطفال عائلة مخدوميها، تذكّرت أطفالها "هكذا تمضي الأيام"، كما تقول لـ "حفريات".

اقرأ أيضاً: العالم العربي يحتفل بعيد الأم

بدأت الحكاية حين تقدّم زوج سانتي لطلب تشغيلها عبر مكتب لاستقدام الخادمات في بنغلاديش. هناك، تمّ الاتفاق، كما تقول، وكانت، بحسبها، تحاول بالحُسنى إقناع زوجها ووالديها ألاّ تغترب وتترك أطفالاً ثلاثة.

تقول إنّ الزوج جمّل لها الصورة، فيما تعهّدت والدتها بتربية الأطفال إلى حين عودتها بعد عامين. تكمل أنّها لم تكن قد وعيَت تماماً حقيقة ما حصل إلا حين وصلت للأردن للخدمة، وأيقنت أن مسافة شاسعة باتت تفصلها عن أطفالها. وحين تم سؤالها كيف تقيسين المسافة؟ قالت إنّها اهتدت لكون المسافة شاسعة عبر رحلة الطائرة التي أقلّتها حتى مطار الملكة علياء الدولي.

 باتت "محرَجة" لشدّة ما تطلب من مخدوميها السماح لها بمكالمة أطفالها (تعبيرية)

لا تنتقد سانتي الظروف المعيشية في البيت الذي حلّت فيه، بل تثني عليها، مقارنة بمستوى العيش في قريتها، كما تقول، لكنها باتت "محرَجة" لشدّة ما تطلب من مخدوميها السماح لها بمكالمة أطفالها.

تقول إنّها تحاول في غضون ربع ساعة متاحة لها مرّتين أسبوعياً، وفقاً لما اتفق عليه المكتب مع مخدوميها، أن تفهم ما يحدث في حياة أطفالها. توضّح "أسألهم عن طعامهم وملابسهم ونومهم وكل شيء".

سانتي: لا أعرف عن يوم الأم، لكن شكراً على وقت الاتصال الإضافي الذي وعدني به مخدومي لهذه المناسبة

حاولت سانتي التنصّل من الخدمة في الشهر الأول من قدومها إلى عمّان، لكنها اصطدمت بظروف جزائية تترتّب على هذا، ما جعلها تُحجِم عن خطوة الرجوع، لا سيما أنّها تعرّضت للتوبيخ من قِبل زوجها ووالدتها حين قالت لهم، عبر الهاتف، إنّها ترغب بالعودة.

تقول "حين كنت أبكي في البداية، كانت عائلة المخدومين تقول لي: ادفعي "دولار" وروحي بنغلاديش"، وهو ما لا تقدر عليه سانتي، كما تقول.

الجنسية السيرلانكية كان لها حضورها كذلك في هذه الجولة التي قامت بها "حفريات". تقول تينا (التي غيّرت العائلة المسلمة اسمها إلى فاطمة)، والتي سبق أن خدمت في لبنان، ومن ثم أتت لعمّان بعد أن تجاوزت الخامسة والثلاثين؛ لأجل توفير مبلغ المهر لابنتها "الوضع لدينا في سيرلانكا مختلف عن الوضع هنا. العروس هي من تدفع المهر كي تتزوّج. وكلما زاد المهر كان العريس أفضل"، ما جعل تينا تبذل قصارى جهدها في الخدمة، التي مدّدت فوقها عاماً إضافياً؛ ذلك أنّ حصيلة العامين ذهبت بالكامل لمهر الابنة وتأسيس حياة جيدة لها من حيث البيت والتكاليف، لتذهب أتعاب السنة الثالثة للخادمة نفسها هذه المرة.

اقرأ أيضاً: في عيد الأم.. احذروا هدايا الإغريق
تقول الأم تينا "لا أعرف ما ينتظرني. ما عدت شابة كما السابق ولا أظن أني سأقدر على الاغتراب من جديد".

يحزّ في بال تينا أنّ أحداً لا يُقدّر في سيرلانكا قسوة العيش لمجرد وجود فكرة اغتراب(تعبيرية)

يحزّ في بال تينا أنّ أحداً لا يُقدّر في سيرلانكا قسوة العيش لمجرد وجود فكرة اغتراب. توضح أنّ ابنتها انشغلت بالزواج وأن زوجها الذي انفصلت عنه منذ زمن بعيد لم يحاول في يوم مساعدتها في مسؤولية جمع المهر الذي يَلزم ابنتهما للزواج، كما أنّ والديها لا يمانعان أن تسافر للعمل، مستذكرة أن حصيلة الخدمة السابقة في لبنان كانت من نصيبهما تقريباً.

الوضع يبدو مختلفاً قليلاً لدى كارما، القادمة من الفلّبين، للخدمة في بيت مسنّة في الأردن. تحظى كارما (27 عاماً) ومواطناتها بامتيازات أكثر من تلك التي تحظى بها الخادمات البنغاليات والسيرلانكيات؛ نظراً للشروط التي تفرضها سفارة بلادها من حيث الراتب الشهري والامتيازات الممنوحة.

تينا: أنتظر الآن أن أكون جدّة. الأم هي الأعظم؛ لأنها لا تتوقّف عن العطاء

تقول "تجري لنا جملات توعية في الفلبين قبل أن نسافر. الجهات المسؤولة هناك تقول لنا إن من حقنا يوم استراحة في نهاية الأسبوع وأن بوسعنا طلب الذهاب للكنيسة، كما يطالبون لنا بهاتف محمول وبساعات عمل محدّدة".

الشروط الآنفة، والتي تحقّقت بسهولة كما تقول، جعلت كارما تخرج مع صديقاتها في عطلة نهاية الأسبوع إلى شارع مانيلا، كما يُسميه العمّانيون، نسبة لكثرة تواجد الجالية الفلبينية فيه في منطقة جبل عمّان.

لا شيء يُكدّر صفو عيش كارما في الغربة سوى ابنتها. تقول "لا أعرف كيف تكبر الآن. صور الواتساب والاتصالات غير كافية. والدة زوجي ترعاها لكن ما فائدة وجود الجميع حولها وأمّها ليست معها؟".

"كثيراً ما أغمض عينيّ وأتخيّل أن ماتيلدا معي الآن في عمّان. لا مشكلة لديّ في حينها أن أغترب لأعوام"، تقول كارما، لكنها لن تبقى يوماً واحداً بعد انتهاء مدة خدمتها، كما تقول؛ لشدة شوقها لماتيلدا، التي تركتها وهي لمّا تتمّ أربعة أعوام بعد.

وحين وجّهت صحيفة "حفريات" السؤال لهنّ، حول ما يشعرن به في عيد الأم، كانت الإجابات كالتالي:

سانتي: لا أعرف عن هذا اليوم. لم أسمع به في بنغلاديش، لكن شكراً على وقت الاتصال الإضافي الذي وعدني به مخدومي لأجل هذه المناسبة.

كارما: كثيراً ما أغمض عينيّ وأتخيّل أن طفلتي معي الآن بعمّان. لا مشكلة لديّ حينها أن أغترب لأعوام

تينا: أنتظر الآن أن أكون جدّة. الأم هي الأعظم؛ لأنها لا تتوقّف عن العطاء وهي من تغترب وتتحمّل كل شيء، فيما الرجال يجلسون في البيوت.

كارما: كم أتمنى لو كانت ابنتي معي. ابتعت لها منذ يومين فستاناً شتوياً ورديّ اللون. لا أعرف إن كان سيناسب مقاسها حين أسافر للفلبين بعد عام وخمسة أشهر.

هذا ويصل عدد الخادمات في الأردن إلى حوالي خمسين ألف خادمة، ممن يحملن تصريحات عمل سارية المفعول، بحسب ما تدلي به مديرية العاملين في المنازل والتابعة لوزارة العمل الأردنية.

كما صرّحت وزارة العمل في وقت سابق أنّ مجموع ما يتم تحويله سنوياً من قِبل عاملات المنازل في الأردن يبلغ ما قيمته 1.8 مليار دولار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: