عبدالرحمن الخميسي دافع عن حلمه وقيثارته وطواه تجاهل المؤسسات المصرية

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
830
عدد القراءات

2018-12-05

أيها الليل.. ليتني كنت نجماً عائماً في مياهك الزرقاء.. أقطع الظلمة الآتية لهفان.. إلى مخدع الحبيب النائي". في قصيدته: "في الليل"، يتبدى جانب وملمح من الشخصية الفنية للمبدع المصري، عبدالرحن الخميسي، المولود في العام 1920، والذي قضى عمره حتى وافته المنية، في العام 1987، متجولاً بين فنون إبداعية مختلفة، حيث شغله الفن، وتعددت مواهبه بين كتابة الشعر، والقصة، والسيناريو، والتأليف الموسيقي، والإخراج الإذاعي والتلفزيوني، والتمثيل، بالإضافة إلى ترجمة العديد من الأعمال الأدبية العالمية، وتحديداً، الأدب الروسي والإنجليزي.

الخميسي.. سيرة مبدع

لقب الخميسي بأوصاف عديدة، فعرف بـ"القديس" بسبب مواقفه الإنسانية، كما كتب عنه، في وقت مبكر، الكثيرون من النقاد والمفكرين، كمثل محمد مندور، ولويس عوض، والأخير، كان يعتبره آخر رواد مدرسة أبوللو الرومانسية، ولمح إلى تعدد مواهبه، وغزارة إنتاجه، وتعدد انشغالاته الفنية والإبداعية.

 عبدالرحمن الخميسي وابنه المترجم والقاص أحمد الخميسي أثناء تصوير فيلم الجزاء

كان ظاهرة ثقافية فريدة، وعاش حياة ممتدة وحافلة، صهرته في قلب أحداثها الصعبة، بيد أنّ وجدانه الفني كان غنياً وقوياً، يمده بالجسارة والمقاومة، وظل بالرغم من كل النكبات التي عصفت به مقاتلاً وعصياً على الانكسار.

جاء صاحب "دموع ونيران" إلى القاهرة، في العام 1936، قادماً من إحدى القرى الصغيرة، في المنصورة، في دلتا مصر، بينما عمره لا يتجاوز الـ16 ربيعاً؛ يخوض غمار الحياة وحيداً، وقرر ترك دراسته، بعدما اضطرته الظروف الاجتماعية إلى عدم استكمال تعليمه، بعد وفاة أبويه، في وقت مبكر، وسبقها انفصالهما، ما تسبب في تشتته، فعانى الفقد والحرمان في طفولته.

اقرأ أيضاً: متى تخرج الأعمال الفنية من صندوق الصور السطحية للمتدينين؟

قبل مجيئه إلى القاهرة، كان رصيد الخميسي الفني، وعلاقته بالعاصمة، تتمثل في مجموعة قصائده التي دأب على إرسالها لبريد المجلات الأدبية والثقافية المهمة، التي قامت بنشر نصوصه، مثل مجلتي "الرسالة" و"الثقافة"، التي كان يرأس تحريرهما، أحمد حسن الزيات، وأحمد أمين.

الخميسي في مقهى الفيشاوي

رافقت أيامه الأولى بالقاهرة صعوبة شديدة، على عدة مستويات؛ فلم يجد مكاناً للنوم، واضطر للمبيت في الحدائق العامة، كما اشتغل في عدة مهن، من بينها، محصل بطاقات في الترام "كمسري"، وعامل في محل بقالة، حتى التحق للعمل في صحيفة المصري، كمترجم، والتي كانت تصدر عن حزب الوفد، بينما عمل مصححاً لغوياً في إحدى المطابع، ثم انتقل للعمل بالإذاعة مخرجاً ومذيعاً.

الخميسي شاعراً

ترك الخميسي سبعة دواوين شعرية، وكان ينتمي لمدرسة "أبوللو" الرومانسية في الشعر، التي كان من بين روادها الشاعران المصريان، إبراهيم ناجي وعلي محمود طه. تميز شعره بخصوصية فريدة، حيث كانت تعبيراته الثورية الصاخبة، تكشف كثافة مشاعره ومزاجه التحريضي، وتناول قضايا المهمشين، والفكاك من البلاغة المهترئة والمفرطة، وهو ما جعل الناقد الأدبي، محمد مندور، يقول إنه: "شاعر غنائي في كفاحه وموضوعيته، ولا يمكن أن يختفي مزاجه الغنائي الحار، وحماسه المتقد، ولون روحه المتميز في أية قصيدة من قصائده؛ فهو وجداني في كل شعره، سواء أكان الوجدان ذاتياً أم جماعياً أم قومياً".

اقرأ أيضاً: زوجات الشعراء والكتاب

ويروي الدكتور أحمد قصير في كتابه: "أدباء وثوريون"، أنه تعرف على الخميسي شخصياً في معتقل أوردي ليمان أبي زعبل، العام 1955، حيث تم اعتقاله في حزيران (يونيو) العام 1953، وجرت محاكمته مع عدد من أعضاء وقادة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو"، أحد التنظيمات الشيوعية في مصر، وبالرغم من حصوله على البراءة، لم يفرج عنه، وتم ترحيله إلى أكثر من سجن، حتى جاء إلى معتقل أوردي ليمان أبي زعبل.

الخميسي ومعين بسيسو والكاتب الروسي أناتولي سفرونوف - موسكو 1980مؤتمر اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا

ويضيف قصير: "كنا نعيش في عزلة شبه كاملة، ولا نعرف ما يدور في الحياة خارج المعتقل. وبعد وصول الخميسي بدأنا نسمعه يدندن بأغانٍ جديدة، لم نسمعها من قبل مثل أغنية "على قد الشوق". وعرفنـا أنها لمطرب جديد هو عبد الحليم حافظ، الذي لم نكن نعرف عنه شيئاً نظراً للعزلة الكاملة التي كانت مفروضة علينا، في معتقل أوردي أبي زعبل. فلم يكن مسموحاً لنا بالاطلاع على الصحف أو الاستماع إلى الإذاعة.

ذاكرة الإبداع المنسية

ويشير أحد الصحافيين السوفيات، اسمه قايد، وعمل نائباً لمدير مكتب وكالة نوفوفستي الروسية بالقاهرة، إلى شخصية الخميسي الجسورة، وموهبته الفذة، وتأثيره الفني عليه، بعدما اطلع على سلسلة مقالات منشورة له، في النصف الأول من العام 1972، وقد تركت فيه انطباعاً قوياً بموهبته، وعبر عن ذلك: "أنتم في مصر لا تعرفون قيمة هذا الإنسان. إنه يشبه مكسيم غوركي عندنا. وهو يمتلك القدرة على أن يعبر بوضوح شديد، وبكلمات بسيطة، عن أي فكرة مهما كانت. ولذلك فهو يقوم بتوصيل أي فكرة مهما كان تعقيدها إلى قطاعات كبيرة من الناس".

يعاني إبداع الخميسي من التهميش الذي يطمره النسيان خصوصاً على المستوى الرسمي بالرغم من الكثير والاستثنائي الذي قدمه

ومن بين ملامح شخصية الخميسي التي تميز بها، قدرته الفائقة على السخرية اللاذعة من الأحداث والمواقف والشخصيات التي يتعرض لها. وبحسب القصير، فإنّ الخميسي حكى في حضور الكاتب الكبير محمد عودة، بأنه تعرف عليه في مقهى الفيشاوي، بحي الحسين، وسط القاهرة، وكان الطريف في الحكاية أنهما خرجا معاً من المقهى، في وقت متأخر من الليل، وودع كل منهمـا الآخر، لكي يذهب كل منهما إلى منزله، وأمضى الخميسي بعض الوقت يتجول في الشوارع، ثم عـاد إلى مقهى الفيشاوي، لينام على كنبة هناك، بعد أن تصور أنّ عودة قد غادر منطقة الحسين، لكنه فوجئ بأنّ محمد عودة قد سبقه ونام عليها، وهكذا اكتشف الاثنان أنهما بلا مأوى.

ثمة موهبة استثنائية تميز بها الخميسي، وهي اكتشافه لعدد من المواهب، سواء في السينما أو الأدب، حيث قدم يوسف إدريس، للمرة الأولى، ككاتب قصة، إذ نشر أولى قصصه في عموده على صفحات جريدة المصري، كما قدم للحياة الفنية سعاد حسني ومحرم فؤاد، في فيلم "حسن ونعيمة"، الذي كان من تأليفه وإخراجه، وكانت مغامرة فنية منه، أن يقدم اثنين من الوجوه الجديدة في أدوار البطولة لفيلمه، وتصدى لاعتراض الموسيقار محمد عبد الوهاب، منتج الفيلم، وانحاز بثقة لموهبتهما.

الخميسي والفنانة سعاد حسني

ومن بين الأفلام التي قدمها الخميسي للسينما، ووضع قصصها وسيناريوهاتها، فضلاً عن تأليف الموسيقى التصويرية لبعضها، كان فيلم "الجزاء"، العام 1965،  و"عائلات محترمة"، العام 1968، و"زهرة البنفسج"، العام 1972.

يوسف إدريس: كان الخميسي قوياً عملاقاً مقاتلاً إلى ألف عام، وكان فمه مفتوحاً مستعداً لابتلاع الحياة كلها

كما قام بكتابة وتعريب "الأوبريتات" العالمية، كمثل "الأرملة الطروب"، العام 1961، ووضع موسيقاها، الفنان المجري، فرانز ليهار، في العام 1905، وعرضت في العام نفسه في فيينا، وهي من تأليف "فيكتور ليون" و"ليوشتين".

يعاني إبداع وفن عبد الرحمن الخميسي من التهميش الذي يطمره النسيان، خصوصاً على المستوى الرسمي، بالرغم من الكثير والاستثنائي الذي قدمه طوال سنوات عمره. وبينما تتردد أغنية: "ماتزوقيني يا ماما"، التي يكاد لا يخلو عرس مصري من دون أن تصدح كلماتها فيه، لكن لا أحد يلتفت إلى أنها من تأليف الخميسي، وتلحين بليغ حمدي.

اقرأ أيضاً: أشهر 10 شعراء مديح في التاريخ الإسلامي

ويلخص القاص والأديب المصري، يوسف إدريس، حياة الخميسي في جمل مقتضبة، عندما نعاه إثر وفاته في العام 1987، حيث قال عنه: "كان الخميسي قوياً عملاقاً مقاتلاً إلى ألف عام، وكان فمه مفتوحاً على آخره، مستعداً لابتلاع الحياة كلها، بكل ما فيها من طعام وشراب وجمال.. ابتلعته الغربة، وإلى أربعة أركان الكرة الأرضية مضى يتسلمه ركن ليرفضه ركن، وهو قوي مقاتل وطني عنيد، هذا الشاعر.. المخترع .. الموسيقي تحمل عبء انتمائه إلى صفوف معارضة اتفاقية كامبد ديفيد، فتغرب في عواصم عربية وعالمية، إلى أن وافته المنية في الأول من نيسان (أبريل) 1987، ودفن في بلده المنصورة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: