عبد الجواد ياسين: مايسترو الارتحال

5868
عدد القراءات

2017-12-24

يجلس على مكتبه، بهدوئه المعتاد، وتروّيه في الحركة، الإضاءة الخافتة تُدخله في غاره الخاص. للظلام جلاله، وكذلك الاقتراب منه، السير في اتجاهه، عكس اتجاه الضوء الذي يغشى العين، وربما العقل. ينظر للدرج الأول في مكتبه، وهو مُغلَقٌ، يشعر بحاجة ماسة إلى فتحه الآن واستخراج الصورة. يشعر بصمت أبيه يناديه. ينظر أمام المكتب، لأعلى قليلًا، جهة اليمين. الصورة لرجلٍ حَسِبَه أحد أصدقائه –يوم كان يجلس معه في زيارةٍ ما– فيلسوفاً أوروبياً. الصورة لرجل يجلس على كرسي من الطراز العتيق، الثمين. شعره ينتشر بأريحية في النصف الخلفي من رأسه فقط، مُصَفَّف بعناية. ذقنٌ أوروبية متوسطة الطول، تَمَّ تشذيبها على مهلٍ، واضعاً قدماً فوق الأخرى، وممسكاً بكتابٍ بين يديه ينظر لصفحاته من خلال نظارة ذات إطار سميك، باللون الغامق. بدا وكأنه قد تجاوز حدود التفكير في المكتوب للتأمل فيه.

الله والأخلاق وجهان لعملة واحدة فالله يُفْهَم ولا يُفْهَم إلا من جهة كونه مفارقاً لعالمنا

كان هو السبب في حسم قرار صاحبنا بالعمل في السلك القضائي بعد تخرجه عام 1976 من كلية الحقوق. بحسب تشارلز بوكوفسكي، يظل الأب معلمك حتى حينما يموت. يخبره صديقه أنه قد لاحظ أن جلسته تشبه جلسة أبيه تماماً حينما أمسك بكتابٍ لينقده، يخبره كذلك أن ظهره كان مستقيماً، تقريباً بنفس زاوية الميل الضئيلة في صورة والده. انشغل بالكتاب ولم يُعَلِّق.

"خياراتي محدودة. أستطيع البقاء ساكتًا، أو أستطيع الحديث عن أشياء لا يمكن الوثوق بها. أو على أعلى تقدير، أريدُ أن أضعَ الوقائع، أعرضها بأكبر صراحة ممكنة، وأجعلها تقول ما لديها. ولكن حتى الوقائع قد لا تقول الحقيقة دائمًا".
الآن يفتحُ الدرج، يبحث بيده لثانيتين ثم يُخْرِج صورة. فيها ثلاثة أشخاص، صاحبنا وفرج فودة (يجلسان على نفس الامتداد الطولي للمائدة التي يضع فودة يده اليسرى عليها، نفس اليد التي تُمسك بسيجارة. الابتسامة ظاهرة كالعادة على وجه فودة برغم أنه لا يقصد النظر إلى الكاميرا) وشخص آخر. يتذكر لحظتها، قبل يومين على أقصى تقدير من اغتيال فرج فودة، أنّ فودة لم يكن يريد أن يتركه ليلتها. بعد يومين عرِفَ الخبر وغَلّفه حزنٌ عميقٌ، لعلّ صوته لا يزال يكتسي به للآن موجِّهاً أحباله الصوتية كمايسترو لمقطوعة موسيقية مُفْعَمَة بالشَّجنِ. كتب عنه في كتابه المنسوخ (فكرًا) ما يلي: "يدعى د. فرج فودة، تشهد بطاقته الرسمية بأنه وُلِدَ لأبوين مسلمين" . بعدها أخبره فودة: "تقول عني (يُدعى) وكأنك لا تعرفني". ضحك صاحبنا كثيراً لأنه بدا وكأن هذا هو المأخذ الوحيد لفودة عليه. يخبرني بهذه الحكاية ضاحكاً برغم الحزن العميق الذي يدوي في جنبات ذاته.

الهدف هو تحرير الله من اللاهوت وتحرير البشر من الخطابات التي تعالت لتلمس سماوات القداسة

يُعيدُ الصورة لمكانها في الدرج. يُغْلِقه بهدوءٍ شديدٍ كأنه لا يريد لفودة أن ينزعج أكثر من ذلك. يُرَتِّبُ مجموعة الأقلام الرصاص على مكتبه كما يفعل دومًا.

أقول له: أقف بكل قوة ضد التصور القديم للعلاقة بين الذاكرة والخيال الذي يرى أن الذاكرة حين يتم اختزالها إلى استذكار، فإنها تعمل بالتالي في سياق الخيال. ولكن الفكرة الرئيسية، التي أراها مناط النقد ومدار اشتغاله تتعلق بوجود "اختلاف نستطيع أنْ نقول إنه جوهري بين استهدافين، قصديتين: إحداهما، وهي قصدية الخيال تتجه نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن واليوتوبي، والأخرى، وهي قصدية الذاكرة، تتجه نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق، وتُشكِّل السبقية الزمنية بامتياز "للشيء المتذكَّر"، "للمتذكر" بوصفه كذلك".
ينظر لي. يعلن موافقته بإيماءة من رأسه.

على المستوى الفكري، يقول صاحبنا إنه يريد لحياته أن تتجسد فيها المبادئ التي يؤمن بها. أثبت ذلك في سنته الأولى بالجامعة حينما شارك في حركة المعارضة الطلابية عام 1972. كان شاغله الأكبر "الحرية". وأوضح صور تمثلها في الواقع ما هو إلا الحرية السياسية. في عام 1986 صدر كتابه "المقدمة" السالف الذكر، وهو في أصله، وفي قلبه، يحمل همَّ فكرة الحرية؛ حرية هيمنة الله على الدولة، وإيمان المجتمع بذلك. مجتمع يتحول من جاهليته إلى عبادة الله الحق هو مجتمع يتحرر بالله ويحرره في آنٍ.

لا بد أنْ يكون هدف الإنسان التجاوزَ على الدوام حين يتوقف عن فعل ذلك يكون قد حكم على نفسه بالموت

بدا الإسلام له، والله في المركز منه، كجبلٍ لا يمكن التنازل عن أصغر حجارة تستقر عليه. ويلزم على هذا المجتمع أن يقبل بالجبل كله بدون التخلّي أو التكاسل عن الإمساك بأصغر وحدة بنيوية فيه، وإلا فهو الشرك، والوقوع في مصائد الجاهلية التي تحيق به من كل جانب. حتى وقت كتابة الكتاب، رأى صاحبنا أن الإسلام هو أعظم "إمكان مُختَنِق" بيد المسلمين أنفسهم. ويلزم تحريره لتتحققَ ربَّانية الدولة واجتماعها. كان الكتاب دَعَوياً بالأساس، ولذلك لم يخلُ من فنون الأدب والممارسة بالخطابة بجانب الذخيرة القانونية التي اكتسبها صاحبنا بفضل دراسته.

في الفترة التي تبلور فيها مشروع "السلطة في الإسلام" بجزأيه المنشورين عامي 1998 و2009، ابتعد صاحبنا كثيراً عن رؤيته الأولى، وصار مشرط النقد يعمل في كل الاتجاهات الإيديولوجية، من أكثرها راديكالية (السلفية الجهادية) ليصل لتلك التي تحاجج بأنها ذات انتماء كوني، تسامحي تعددي (الرؤية العلمانية بشكل عام).
في كتابه الأخير، أقصد "الدين والتدين" الصادر عام 2012، بدا وكأننا نتحدث عن شخصين، أحدهما آمن يوماً بهيمنة الشريعة، ويرى الآخر إمكانية تجاوز أي تشريع بصرف النظر عن مصدره. احتاج الأمر لكثير من السعي لتعميق الأفكار، وكسر كل الأسوار الإيديولوجية للنظر لما يقبع ويكمن خلفها. اتضح له أن الدين لا تجمعه علاقة مع التشريع إلا من جهة كونهما يتبلوران وينوجدان في "الاجتماع"، لا أكثر ولا أقل. وفي حسمٍ تام، فإن التشريع لا ينتمي للدين في ذاته.

على المستوى الوجودي، يقول صاحبنا إنه قد حسم مسألة وجود الله بشكل إيجابي. استغرق الأمر منه أحد عشر عاماً على الأقل، متنقلاً بين الدين في صوره الأوّلية، مروراً بأنظمة اللاهوت المُركَّبة حتى تجلياتها التوحيدية، ووصولاً للتفكير في الله بأطلقة كاملة. الله والأخلاق وجهان لعملة واحدة. الله يُفْهَم ولا يُفْهَم – في آنٍ - إلا من جهة كونه مفارقاً لعالمنا. والأخلاق لا تُمارس إلا لكونها أخلاقاً، بدون انتظار مقابل ما، بدون انتفاعية أو مصلحة شخصية أو جماعية على المستوى السياسي.

صارت الفلسفة وعلم الاجتماع يحتلان جزءاً كبيراً من إنتاجه الفكري؛ فالاجتماع هو نقطة البدء لفهم الدين والتدين. الدخول لمسألة الدين الآن، عنده، صار يتطلب استيعاب أكبر قدر ممكن من العلوم الإنسانية وتوظيفها لخلق تفسير جديد، ومُتَجاوِز.
الانشغال الآن صار متعلقاً بفهم وتحليل الكيفيات التي يتواصل من خلالها الإنساني مع المقدس والعكس كذلك صحيح. لا بد من فهم الهياكل اللاهوتية المُشَيَّدة إنسانياً والتي تَدَّعي أنها أحاطت بالله في كُليَّته وتعاليه.
الهدف هو تحرير الله من اللاهوت، وتحرير البشر من الخطابات التي تعالت لتلمس سماوات القداسة، وتستقر هناك، وتكتسي بها، بفعل التاريخ، والسلطة.
يصير الله ماضيًا معلومًا بالكلية حين ندَّعي الإحاطة به، بينما يتحقق له دوام الحضور الخلّاق حينما نحرره من براثن الخطابات التاريخية المصاغة حوله، خطابات اللاهوت. تحرير البشر ينبع من حقيقة أن الله خارج التاريخ، وبالتالي فهناك – على الدوام – إمكانات للتعالي الحُر في سبيله، سعيًا للاقتراب.
يغادر مكتبه. يسير خطوتين ليجلس أسفل صورة أبيه. يقول بينما يضع قدماً على قدم:
"لا بد أن يكون هدف الإنسان التجاوزَ على الدوام. حين يتوقف عن فعل ذلك، فإنه يكون قد حكم على نفسه بالموت قبل أن يموت".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



وداد البرغوثي في قبضة احتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني

2019-09-18

بتهمة التحريض على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، اقتحم العشرات من جنود الاحتلال منزل الأكاديمية الفلسطينية وداد البرغوثي من جميع الجهات، وقاموا باعتقالها، في الأول من الشهر الجاري، دون الاكتراث بمعاناتها مع مرض السكري وضغط الدم، بعد أن جرى اعتقال نجلها كرمل (31 عاماً)، في 31 آب (أغسطس) الماضي، على أحد الحواجز العسكرية في بيت لحم، أثناء عودته وعائلته من حفل زفاف، وكذلك اعتقال نجلها الآخر، قسام، بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي للبلدة، والذي يقبع في مركز تحقيق المسكوبية، وقد مدّدت المحكمة العسكرية اعتقاله لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.

 استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي
ويرى بعض رواد التواصل الاجتماعي أنّ اعتقال الدكتورة البرغوثي جاء بعد قيامها بنشر أبيات شعرية على صفحتها على فيسبوك، تمدح فيها زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله؛ إذ تعدّ من المؤيدين له.

انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

لم يرق للقوات الإسرائيلية أن يعيش أبناؤها في كنف والدهم، عندما أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال زوجها عبد الكريم البرغوثي (66 عاماً)، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 7 أعوام، بعد مطاردته من قبل القوات الصهيونية لما يزيد عن 3 أعوام، ومن ثم أعيد اعتقاله لمدة عامين آخرين، ليستمرّ مسلسل الاعتقال لنجلها قسام ثلاث مرات؛ حيث اعتقل في المرة الأولى لشهر ونصف الشهر، وفي المرة الثانية 10 شهور، وتمّ اعتقاله لمدة 7 شهور أخرى، قبل أن يتمّ الإفراج عنه، وكلّ حوادث الاعتقال هذه جعلت قضية الأسرى والمرأة والوطن المسلوب تأخذ جزءاً كبيراً من كتابات وحياة البرغوثي، ودأبت على المشاركة في الاعتصامات الأسبوعية للتضامن مع الأسرى، وتغطية وكتابة وتأليف العديد من الروايات التي تتحدث عن الأسر ومعاناة الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: عملية إعدام ميدانية جديدة لفلسطينية برصاص قوات الاحتلال!! فيديو

البرغوثي كاتبة وروائية وشاعرة فلسطينية، عُرفت بمواقفها الصلبة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، والتي عبّرت عنها بقلمها، عندما بدأت محاولاتها الأدبية والشعرية الأولى، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، واستطاعت فضح الممارسات الصهيونية، بعد أن خطّت لها طريقاً نحو الإبداع والتميّز في مجال الفن والأدب والفكر، وأن تضع بصماتها في مجتمعها الفلسطيني، رغم كافة الصعوبات التي واجهتها.

اقرأ أيضاً: دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

وداد عادل البرغوثي، من مواليد عام 1958، من قرية كوبر شمال غرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة، حاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية، عام 1984، وهي أستاذة بكلية الإعلام في جامعة بيرزيت، ومن أبرز مؤلفاتها "الوجوه الأخرى"، والتي تبيّن فيها وتعكس التجارب الحياتية لعائلتها في الأسر، ورواية "تلّ الحكايا"، والتي تروي فيها تجربة اعتقال والدها، ورواية "ذاكرة لا تخون"، ورواية "حارة البيادر"، والتي تتحدث بمجملها عن الأسرى الفلسطينيين، ومن دواوينها الشعرية "سقوط الظل العالي"، و"للفقراء فقط" .

اقرأ أيضاً: هكذا ردت دولة الاحتلال على خبر استدعاء الطفل عليان

بدأت البرغوثي دراستها الابتدائية في مدرسة كوبر، في منتصف ستينيات القرن الماضي، بعد أن قضت طفولتها في جوّ عائلي حزين بعد اعتقال والدها، ومن ثم انتقلت إلى مدرسة البيرة الثانوية، عام 1970، وكانت الأنثى الثانية في قريتها، التي تكمل تعليمها، لتذهب لدراسة البكالوريوس في الصحافة والإعلام في روسيا، وبعد عودتها لزيارة عائلتها عام 1980، تمّ منعها من العودة لاستكمال دراستها وتمّ اعتقالها لمدة 5 أيام، قضتها في مركز تحقيق المسكوبية، شهدت خلالها أبشع أنواع التعذيب الذي يمارَس بحقّ الأسرى الفلسطينيين، والذين كانوا مقيدين من أيديهم وأرجلهم وتوضع أكياس في رؤوسهم، وبعد الإفراج عنها عادت البرغوثي للسفر مرة أخرى للاتحاد السوفييتي، بعد منعها لمدة عام، وكانت وقتها في عامها الدراسي الرابع.

الوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

دعم البرغوثي ومساندتها في كتاباتها لفلسطين والتطرق إلى الأسرى ومعاناتهم داخل السجون الإسرائيلية، جعل عمرها الذي يتجاوز 61 عاماً حافلاً بالأسر، فاعتقل والدها لمدة 15 عاماً، بعد أن جرى اتهامه بالشيوعية، وتمّ الإفراج عنه بعد صدور عفو ملكي عن الأسرى السياسيين في السجون الأردنية؛ حيث كانت والدتها حاملاً بها، ولم تستطع رؤية والدها إلا بعد بلوغها 8 أعوام، لتبصر عيناها الحياة، دون أن تنعم بعطف وحنان والدها.

أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت: اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج للجامعة

عملت البرغوثي، للمرة الأولى، في جريدة "الميثاق" في القدس المحتلة، والتي أغلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يتمّ فصلها من الصحيفة، بعد نشرها تحقيقاً حول النساء في منطقة "الجفتلك"، التي كانت مهدَّدة بطرد ساكنيها، ومن ثمّ انتقلت للعمل في الكلية العصرية، ثمّ عملت في جريدة "النسوية"، التي استقالت منها بعد عدة أعوام لاعتمادها على التمويل الأجنبي، وعام 2000؛ جرى تعيينها في جامعة بيرزيت، أستاذة في كلية الإعلام فيها.

اشتهرت البرغوثي بترديد عبارة "الاحتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني"، بعد اعتقال زوجها وأبنائها عدة مرات، وتفاعلت مع المجتمع الفلسطيني وقضاياه وأصبح الفقر والمرأة والوطن المسلوب يدخلون في تفاصيل حياتها وكتاباتها، وأثر ذلك في توجّهها نحو الإعلام والأدب.

ورفضت النيابة العسكرية الإسرائيلية قرار محكمة الاحتلال في معسكر عوفر، في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، بالإفراج عن الدكتورة وداد البرغوثي.

كان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني

استنكار واسع
وكان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني والمؤسسات التعليمية والنقابات الصحفية؛ حيث نظمت نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، في الثاني من الشهر الجاري، وقفة احتجاجية أمام مبنى محمد المسروجي للإعلام، ضدّ اعتقال قوات الاحتلال البرغوثي، ورفع المشاركون في الوقفة لافتات داعمة لزميلتهم، ومنددة بإقدام الاحتلال على اعتقالها واستهدافه المتعمد والممنهج للجامعة وأساتذتها وطلبتها.

وقال أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، د. سامح أبو عواد: إنّ الوقفة نظمت في إطار التضامن والمؤازرة للبرغوثي ولكافة الطلبة والموظفين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال مؤخراً، مضيفاً: "ننظر بعين الخطورة إلى اعتداءات الاحتلال بحقّ الجامعة، ولا سيما حملة الاعتقالات الأخيرة، هذه رسالة من الاحتلال بأنّه لا توجد لديه خطوط حمراء".

ورأى أبو عواد أنّ اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج لجامعة بيرزيت، داعياً مجتمع الجامعة للاتحاد والوقوف في وجه اعتداءات الاحتلال على الجامعة، إضافة إلى العمل مع المؤسسات الحقوقية لفضح ممارسات الاحتلال، وشدّد على أنّ "جامعة بيرزيت ستبقى منارة للعمل الوطني ولن يرهبها الاحتلال أو يجبرها على التراجع".

اقرأ أيضاً: الأسرى الفلسطينيون.. نضال خلف قضبان الاحتلال

بدورها، استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي، من منزلها في قرية كوبر بمدينة رام الله، بعد اقتحامه وتدمير محتوياته، وطالبت النقابة كافة المؤسسات الدولية الحقوقية والإنسانية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحفيين، بالضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين في سجونه بحجج وذرائع واهية.

وعبّرت النقابة عن بالغ قلقها إزاء تصاعد جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بأجهزته المختلفة، لحقوق الصحفيين، والتي تتعارض مع أبسط القواعد القانونية الدولية والمواثيق التي تكفل حرية العمل الصحفي، وتجرّم الاعتداء والمساس بها، الأمر الذي يستدعي من سلطات الاحتلال الإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين ووقف الانتهاكات الصارخة بحرية الصحفيين.
انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة، وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها، وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين، ورأت أنّ الحياد أكذوبة وانحراف يروّج به بعض الأشخاص لمواقفهم، مما جعلها بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في المجال الصحفي والثقافي والأدبي أنموذجاً للسيدة الفلسطينية التي يُفتخر بها، كما أطلق عليها لقب شاعرة الفقراء، بعد أن عاشت طفولتها في كنف أسرة فقيرة، ما انعكس على أعمالها الفنية والأدبية وقناعاتها الشخصية، وكان من بين هذه الأعمال روايتها "للفقراء فقط".

للمشاركة:

أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب

2019-09-09

لم يجُل في خلد اليافع، ذي الستة عشر ربيعاً، أنّ تجربة اعتقاله، للمرة الأولى، وهو الابن الأصغر لعائلة تتحدّر أصولها من بلدة اليامون في فلسطين المحتلة، ستلقي بظلالها على ما سيتأتّى لاحقاً من خيارات ومسارات حياتية.

إبراهيم فريحات شخصية فلسطينية تجمع السياسة والثقافة ويعكف على مشروعه الأكاديمي والبحثي وظهوره الإعلامي بمثابرة تدعو للدهشة

حين يستذكر أستاذ النزاعات الدولية، إبراهيم فريحات، تلك التجربة، وما تلاها من اعتقال إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، يملك الجزم بالتوقيت الذي خرج فيه من عباءة دلال الوالدين والأشقاء والبلدة الوادعة، نحو ميادين الحياة الأوسع والأقسى؛ إذ أفضت تلك التجربة إلى توق لم يفارقه حتى اللحظة؛ لسبر غور الدراسات السياسية وتحديداً ما يتعلق منها بنقاط التأزّم والنزاعات؛ بل حتى هواياته وُسِمَت لاحقاً بهذه الصبغة؛ إذ قلّما يرتحل لمكان لا يكون فيه حلّ النزاعات والتأمل في أسبابها نصب عينيه؛ بل هو طوال حديثه، الرسمي أو العادي، يهجس بألا يصل لنقاط الصِدام؛ لإيمانه بأنّ العرب لطالما احترفوا إحراق المراكب، عوضاً عن صبّ الجهد على تسييرها في قنواتها الطبيعية بهدوء ودِعة.
لفريحات، الذي يترأس حالياً برنامج النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، والذي عَمِلَ كزميل أول في السياسات الخارجية في معهد بروكنجز، باع طويل في حقل فضّ النزاعات الذي يعدّ مستجداً عربياً، رغم إرث المنطقة المثقل بالنزاعات؛ فهو إلى جانب امتهانه التدريس الأكاديمي في هذا الحقل، فإنّه قدّم خلاصة تأملاته في مطبوعات عدة، آخرها ما تبنّته جامعة إدنبرة البريطانية، والذي حَمَلَ عنواناً مبدئياً؛ هو "تسوية الصراع الإيراني – السعودي"، مجتازاً التحكيمات العلمية الرفيعة، بعد أن استغرقت كتابته ما يزيد على ثلاثة أعوام بواقع ستين مقابلة وأكثر من خمس عشرة ورشة عمل لخبراء دوليين وساسة سابقين.

كتاب "ثورات غير مكتملة"

الكتاب، الذي يصدر مطلع عام 2020، ليس الأول على هذه السويّة العالمية؛ بل كان هناك كتاب تبنّته جامعة "ييل" الأمريكية، والذي حَمَلَ عنوان "ثورات غير مكتملة".
الكتاب، الصادر عام 2016، مجتازاً تحكيمات علمية رفيعة هو الآخر، ناقَشَ الثورات العربية في كلّ من تونس واليمن وليبيا، مُذكياً نقاشاً علمياً غير ذات مرة في أكثر من محفل عربي معنيّ بتدارس الربيع العربي وارتداداته.
الكتاب، استندَ، آنذاك، لما يزيد عن مئتي مقابلة مع مسؤولين وضالعين في الثورات، في مدة زمنية تربو على ثلاثة أعوام.

اقرأ أيضاً: أكله الذئب: ناجي العلي وحنظلة الذي لم نره

إلى جانب ما سبق؛ فإنّ لفريحات مؤلفات أخرى تحت مظلات جامعية رائدة، من قبيل: "أزمة اللجوء الليبي"، والذي جاء برعاية من جامعة "جورج تاون" بمشاركة مؤلفين آخرين، عدا عن مقالاته وبحوثه المنتشرة في مطبوعات عالمية على سويّة موثوقية عالية مثل "اللاجئون الفلسطينيون المزدوجون"، المنشور في مطبوعة "هارفارد" لسياسات الشرق الأوسط، وكذلك "مساحة للاحتواء: الاتفاق النووي الإيراني والدول العربية المجاورة" عن الجامعة ذاتها، و"إدارة الانتقال في تونس" من جامعة "جورج تاون" أيضاً، و"التدخل الدولي وأزمة العدل والمساءلة في اليمن" من إصدار مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي، وغيرها من كتابات أوغلت في تفصيل صراعات عدة ومحاولة تفكيك مسبّباتها وتبعاتها.

يتناول فريحات القضايا بمبضع جرّاح وبترتيب أكاديمي يولي النقاط أهمية كبرى بلغة باحث لا يجنح نحو التعقيد والفذلكة اللغوية

نقاط الفرادة الآنفة لدى فريحات، ليست الوحيدة؛ إذ إنّه إلى جانب نيله درجة الدكتوراه من جامعة "جورج ميسن" الأمريكية، عام 2006، وتكريمها إياه في حقل النزاعات الدولية، عام 2014، وفوزه بجائزة "كوندراتييف الدولية" عام 2017، كأوّل عربي يتلقّاها من أكاديمية العلوم الروسية ومؤسسة "كوندراتييف" الدولية للعلماء الروس والأجانب، فإنّ منهجية التفكير والتناوُل لدى فريحات هي مكمن الموثوقية الأكاديمية التي يتمتع بها، والتي تنعكس على لغته المستخدمة، سواء كان هذا في الحديث التلفزيوني والتعاطي اللغوي، الإعلامي أو العادي، أو في الكتابات التي كان للمنصات العالمية نصيب وافر منها، مثل: "فايننشال تايمز"، و"نيويورك تايمز"، و"فورين بوليسي"، و"فورين أفيرز"، و"كريستيان ساينس مونيتور"، وغيرها.

لا ينساق فريحات وراء الشعبوية في كتاباته

لا يذهب فريحات، الذي درّس مساقات في النزاعات الدولية في كلّ من جامعتيّ "جورج تاون" و"جورج واشنطن" في أمريكا، شأواً بعيداً حاداً في تبنّي وجهة نظر بعينها؛ بل يتمتع إلى حدٍّ كبير بالمرونة وقابلية تطويع وجهة نظره، لكلّ ما يستجدّ من معارف متتالية. ومن الصعب بمكان أن تستشفّ وقوف فريحات مع طرف دون آخر، بل يفعل ما تقتضيه موضوعية الباحث: أن يقف بالمسافة ذاتها من كلّ الأطراف.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل
ما سبق يمنح المتلقي كثيراً من الارتياح عند قراءة وجهات نظر فريحات وسماعها؛ هو ينتقد بموضوعية كلّ الأطراف، النقد الذي يسلّط الضوء على الإيجابيات والسلبيات معاً، ويتناولها بمبضع جرّاح، وبترتيب أكاديمي يولي النقاط والتعداد أهمية كبرى، بلغة باحث لا يجنح نحو التعقيد والفذلكة اللغوية، وفي الوقت ذاته يمسك بتلابيب الإنجليزية والعربية باقتدار وتمكّن لافتَيْن، ما يجعله ضيفاً شبه دائم على القنوات التلفزيونية؛ ذلك أنّه يبدو للمتلقي كما لو كان يدير الجلسة بعصا مايسترو، وهذه الثقة ذاتها، التي يبدو عليها في أحاديثه العادية، بلهجته الفلسطينية الأصيلة ونبرة صوته المعتدلة ومخارج حروفه الواضحة، وأحاديثه التلفزيونية، تبدو تماماً في كتاباته، التي يقدّمها مرتاحاً من دون تكلّف فكري أو لغوي، بل بزخم الباحث والمحلّل السياسي الواثق والمطمئن لسويّة ما يقدّمه.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني

لا ينساق فريحات وراء الشعبوية في كتاباته، ولا يمسك بمكبّرات صوت الواعظ سياسياً وفكرياً، ولا هو في الوقت ذاته يهادن أيّ طرف سياسي، أو يسعى لخطب ودّه.
مقالات فريحات تتناول صراعات شتى دائرة على وجه البسيطة (وهذا بحدّ ذاته محسوب له؛ إذ لم يتمترس خلف القضية الفلسطينية ويركن للراحة، بل راح يبحث ويوغل في مكامن الصراع، القديمة منها والجديدة، في شتى أنحاء المعمورة)، ومن يقرأ تلك المقالات يلحظ تماماً الانسيابية التي تتحلّى بها، وفي الوقت ذاته الأفكار التي يرتبها الأكاديمي، ولا ينثرها كيفما اتفق، ولعلّ تناوله القيادة الفلسطينية، أو السياسة الأمريكية، أو الربيع العربي، على سبيل المثال لا الحصر، لهوَ البرهان الأبرز على ما سبق؛ إذ يتجرّد فريحات من الميول الذاتية وينحاز للأكاديمي والباحث فحسب، وهو يقدّم في المرات كلّها وجبة دسمة للمتلقي، الذي يريد معرفة المزيد عن أبجديات، ومن ثم تفاصيل، إدارة النزاعات.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

ومن يقرأ مقالات فريحات يلحظ سريعاً النزعة الأكاديمية التي تقف وراء النصّ، ليس هذا في كثافة المعلومات الواردة فحسب؛ بل ما يتعلّق بالحرص على شرح القضية التي يتحدّث عنها بشكل وافٍ، ومنذ المقدمة، كأنما هو يقف أمام طلبته، حريصاً على تقديم ما هو وافٍ، وهذا يبدو لافتاً كذلك في مقابلاته التلفزيونية التي يمنحها درجة عالية من التركيز، إلى حدّ تكون فيه لغة الجسد برهاناً آخر على درجة اندماجه في الحديث، وحرصه على شرح كلّ نقطة للمتلقي، ومن هنا تبرز الفرادة التي يُحدثها فريحات في دمجه بين الحضور الأكاديمي والبحثي الزخم، من جهة، وبين مهارات الظهور الإعلامي، من جهة أخرى، وهو الأنموذج الذي كثيراً ما يتطلّع إليه المتلقي العربي؛ ذلك أنّه في الغالب ثمّة تغوّل لأحد هذين الأمرين لدى من يظهرون للتحليل، تحديداً على شاشات التلفزة، لكن فريحات يجمع باقتدار بين الشقّين ويُحسب له هذا دوماً.

نال العديد من التكريمات

منذ أمد، خفت بريق الاحتفاء الشعبي الفلسطيني بالمثقفين والأكاديميين؛ ذلك أنّ فئة التكنوقراط تحديداً لم تملأ الفراغ وتسدّ الفجوات التي كان مُنتظَراً منها أن تملأها، ولعلّ الحكومة السابقة التي قادها الدكتور رامي الحمد الله، ومن قبله إمساك تكنوقراط بملفات المفاوضات والحوارات، وعدم الوصول في الحالات كلّها لنتائج ملموسة على مستوى التوقعات الشعبية، إلى جانب حديث هذه الفئة من النسيج الفلسطيني، في الداخل والمنفى، في أغلب الأوقات، بنبرة استعلائية أو بطابع إطلالة من برج عاجي، كلّ هذا أدّى لخفوت البريق، غير أنّ شخصيات فلسطينية باتت تحضر بقوة مؤخراً، من خلال تجنّب الثغرات الآنفة، وباستحضار جليّ لإرث الشخصيات الفلسطينية الأولى التي جمعت بين السياسة والإعلام والثقافة في عواصم عالمية شتى، ولعلّ البروفيسور إبراهيم فريحات واحد من بين أولئك، وهو إذ يعكف على مشروعه الأكاديمي والبحثي وظهوره الإعلامي، بمثابرة تدعو للدهشة، فإنّ الرهان الأكبر ينصبّ على مدى ذكاء القيادة الفلسطينية في استقطاب هذه الكفاءات ومنحها الفرصة للإمساك بكثير من مفاصل القرار الفلسطيني، عوضاً عن إعادة تدوير وجوه قديمة وسّعت الفجوة الحاصلة بين الشعب وقيادته.

للمشاركة:

عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-02

في مستهلّ سبعينيات القرن الماضي، بينما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بترسيخ عقيدة الصدمة فوق عجلات الدبابات التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية، تفرّغت المملكة المتحدة لمستعمراتها الإفريقية القديمة، فنصّبت "عيدي أمين"، ديكتاتوراً على أوغندا، بعد انقلابه على الرئيس ميلتون أوبوتي، وعلى غرار القذافي، الذي نصّب نفسه إماماً للمسلمين، وملك ملوك إفريقيا، نصّب أمين نفسّه قاهراً للإمبراطورية البريطانية، التي جلبته للحكم، معلناً أنّه "آخر ملوك إسكتلندا".

كتالوج الديكتاتورية
يبدو أنّ للديكتاتورية خطاباً يبدو موحداً، يتّسم بالنرجسية والتمحور حول الذات، درجات تصل إلى جنون العظمة، بداية من نيرون، وليس انتهاءً بأحد؛ فعقب انتهاء موجة "الربيع العربي"، وخلال انعقاد منتدى أوسلو للحريات، قدّم عالم النفس الأمريكي والمتخصص في علم وراثة الأمراض النفسية والصحة العقلية للسيكوباث، جيمس فالون، ورقته التي أخذت 18 عاماً من البحث والتنقيب في عقول الديكتاتوريين، والقتلة المتسللين، تصدّر دراسته؛ الليبي معمّر القذافي، والأوغندي عيدي أمين، والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وكثيرون، تتبع فيها السمات المشتركة لكلّ ديكتاتور، والطبيعة الجينية التي تنشّط مناطق بعينها في الدماغ، فكانت مقاربته الأكثر اتساقاً، والتي عرضت، في أيار (مايو) 2011، أنّ الديكتاتوريين على الأغلب هم أشخاص أذكياء ومرحون، يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية والثقة بالنفس، تكسبهم روح المحارب لديهم إدماناً على الملذات الجسدية؛ من شرب الكحول، وممارسات الرياضات العنيفة، والجنس والشره للطعام، لكن مع حدوث تشوّه في الفصّ الجبهي للدماغ، المسؤول عن التفكير العقلاني، تنشط اللوزة الدماغية، المسؤولة عن تنظيم مشاعر الغضب والحزن.

اقرأ أيضاً: ديكتاتورية شبكات التواصل

أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف
ترتبط اللوزة الدماغية بمنطقة تحت المهاد، المسؤولة عن مراكز الشهية الغريزية، وجذع الدماغ الذي يتضرّر عند الأشخاص الذين عانوا من أزمات عاطفية، أو الذين يعانون من إجهاد أو طفولة صعبة؛ إذ تنشأ سلوكيات متضاربة من العنف والرغبة في القتل والتدمير،  والغريب أنّ ما قدّمه فالون ينطبق على ما حدث مع أمين، المولود في أوغندا، عام 1925، وبلاده تحت قبضة الاحتلال الإنجليزي، ومن نشأته في كوبوكو، شمال غرب البلاد، لأبٍ من قبيلة كاكوا، وأمٍّ من قبيلة لوغبارا، سرعان ما هجر الأب الأسرة، ولم يتعرَّف إليه أمين بعد، فربّته أمّه التي عملت كمعالجة شعبية، وتلقى تعليماً بدائياً في قريته ذات الأقلية المسلمة في أوغندا، تطورّت مهاراته في الملاكمة، منذ الصبا، وبحسب المؤرّخة الأمريكية من جامعة بنسلفانيا، في لقاءٍ لها على قناة "ناشونال جيوغرافيك أبوظبي"؛ فإنّ أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف، حتى يحكى أنّه لولا تدخّل الناس في ملاكمة بينه وبين صبيّ، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة، لأردي الطفل الآخر قتيلاً على يد الديكتاتور الصغير.

سحر الانقلاب العسكري
للتطور إلى ديكتاتور؛ يتمّ تفعيل جينات العنف لدى شخص ما، يستلزم الأمر طفولة قاسية، ومعاملة سيئة، وإحساساً بالدونية، لتكتمل عوامل التدمير لدى هذا الشخص؛ فبحسب بحث "جيمس فالون"، فإنّ الطفرات الجينية التي تُنشئ شخصاً ما بميول عدوانية، لا تتعدى 2% في مواليد البشر، وهم، بحسب رأيه، مَن يشكّلون الديكتاتوريين وأصحاب السلطة، المصابين بجنون العظمة، الذي شكّله شعورهم بالدونية، كلّ هذه الصفات، أهّلت أمين، الذي كان مساعد طبّاخ لجيش الاحتلال البريطاني، لأن يترقّى لرتبة عريف، وبمزيد من العنف تمّ تتويجه بطلاً لملاكمة الوزن الثقيل، واحتفظ بهذا اللقب تسعة أعوام، بين عامَي 1951 و1960، وبعد أن حصلت أوغندا على استقلالها، عام 1964، تمّ تنصيب الرئيس الأول للبلاد، ميلتون أوبوتي، الذي تقرَّب إليه أمين عن طريق جيش الاحتلال، وتحالفا معاً لتوسيع الجيش الأوغندي، وذلك قبل أن يعلن أمين انقلابه على الرئيس، في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1971، وبتأييد جماهيري، وخطابات شعبوية حملت طابعاً قومياً، منح الديكتاتور الشعب الأوغندي وعوداً برّاقة بالتنمية، وتجهيز البنية التحتية، وخطابات تعادي الأجانب، اتّخذها ذريعة لتصفية المعارضة، وقتل الحياة السياسية اليافعة في بلاده.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

غلاف كتاب"هتلر في إفريقيا"

في كتابه "هتلر في إفريقيا"، يحكي السفير الأمريكي السابق في أوغندا، توماس ميلادي، كيف نشر أمين الرعب في قلوب الأوغنديين، فأصبحت طلقات الرصاص تسمع طوال الوقت في الشوارع والأسواق، ومشاهد الجثث والدماء اعتاد الناس عليها، فأصبحت طقساً شبه يومي في حياتهم، وبينما يتوسع أمين في إقامة بنية تحتية للبلاد، كان عليه ألّا ينسى إقامة معتقلات ومعسكرات تعذيب، كان يشارك فيها أحياناً بنفسه؛ كطقس احتفالي، بينما يتناول الخمر وينتشي من تعذيب الآخرين، الذي يفضي في غالب الأحيان إلى موتهم، بينما خصّص سرداباً تحت الأرض في قصره الرئاسي للتعذيب، والذي كشف عنه فيما بعد، إضافة لمقابر جماعية تحوي رفات عشرات الآلاف من الضحايا، كما بدأ في أول أعوام حكمه بالقضاء على قبيلتي لانغو وأخولي، المواليتين لحكم ميلتون، فأباد قراهم عن بكرة أبيها، وعلى نهج الجيستابو في ألمانيا؛ بدأ أمين في نشر كلٍّ من مكتب أبحاث الدولة "SRB"، ووحدة السلامة العامة "Psu"، وأوكل إليهما أعمال القضاء على المعارضة ومراقبة النشطاء، وتنفيذ عمليات اغتيال سرية، في بعض الأحيان تكون علنية، للقضاء على أيّة نزعة تمرّد قد تنشأ من قبل المناهضين لسياساته.
آخر ملوك إسكتلندا
عام 2007؛ قدّم المخرج الإسكتلندي، كيفين ماكدونالد، فيلمه "آخر ملوك إسكتلندا"، المقتبس من رواية تحمل العنوان نفسه، للكاتبة الصحفية البريطانية، جيليس فودين، التي نشرتها عام 1998، فيما حاز الممثل الأمريكي من أصول إفريقية، فورست وايتاكر، جائزتَي "الأوسكار" و"البافتا"، كأفضل ممثل عن دور أمين دادا، كلاهما (الفيلم والرواية) يقدمان قصة لطبيب إسكتلندي حديث التخرّج، قرّر أن يبدأ حياته المهنية في أوغندا، كمتطوع إغاثة في بلاد تعاني من فقر الأطباء، يتوافق موعد وصوله مع قيام الانقلاب العسكري، يتحمّس الطبيب، الذي قام بدوره، جيمس ماكفوي، لخطابات أمين، ويرى التفاف الناس حوله، وفيما بعد تحوّله الصدفة إلى الطبيب الخاص لأمين، هنا تتداخل الأحداث الحقيقية مع أحداث من خيال الكاتبة؛ فطبيب أمين الخاص كان مسنّاً إسكتلندياً بالفعل؛ وذلك بسبب ولع أمين بنضال الإسكتلنديين، وروحهم القتالية العالية ضدّ الإنجليز، ومنح نفسه لقب آخر ملوك إسكتلندا، وكان يصرّح به في لقاءاته الصحفية، على غرار القذافي، الذي أعلن نفسه ملك ملوك إفريقيا.

اقرأ أيضاً: انتقد ديكتاتورية أردوغان .. نعوم تشومسكي يتضامن مع "أكاديميّي السلام"

بوستر فيلم "آخر ملوك إسكتلندا"

يروي الفيلم قصة مختلقة لعلاقة غرامية بين الطبيب الإسكتلندي وزوجة أمين الثالثة، كاي، التي نُبذت من زوجها؛ بسبب إنجابها طفلاً مصاباً بالصرع، لتحمل المرأة من الرجل الأبيض، فيكتشف أمرها أمين، ويقتلها، ويقطّع أوصالها، بينما الحقيقة؛ أنّ الزوجة قد أقامت علاقة مع أحد رجال أمين، وماتت إثر عملية إجهاض قامت بها في قرية نائية، ولم يعرف أمين بالقصة إلّا بعد وفاتها، فالديكتاتور المزواج، المحبّ للنساء، كانت له أربع زوجات، ويطلّق ويتزوج أخريات، له من الأبناء 60 ولداً وبنتاً، ينكر معظمهم اليوم نسبهم إليه، باستثناء ابنه جعفر، الذي يعيش في أوغندا، وأنشأ مؤسسة "أمين" الخيرية، بهدف التصالح مع ماضي والده الدموي، والذي ينكره، ويرى أنّ والده كان شوكة في حلق الإمبريالية البريطانية، وذلك بحسب وثائقي أعدته قناة "فرانس 24"، باسم "تذكرة عودة إلى كامبالا"، والذي يستطلع رأي الشباب الأوغندي اليوم، الذي يمثل 80% من السكان، كثيرون من شباب اليوم يرون في أمين إصلاحياً بارزاً يترحمون على أيامه، التي يرون أنّها حملت إصلاحات اقتصادية، وقدّمت بنية تحتية يستفيدون منها حتى اليوم.

ضربات قاضية
أوغندا، المستفيقة لتوّها من احتلال طال أمده، كانت تعتمد على الجالية الهندية، التي شكّلت اقتصادياتها في البلاد، قرابة 60%، والمقدَّر تعدادهم من 50 ألف إلى 70 ألفاً، قام أمين بطردهم ومصادرة ممتلكاتهم، وتوزيعها على رجاله المخلصين، وذلك بعد تصريحه بأنّ الله أخبره في منامه، أن يقوم بطرد الآسيويين من بلاده، كان لمثل هذا التصرّف أثره في الاقتصاد القومي، لتأتيه الضربة الثانية من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واختطافها لطائرة فرنسية تقلّ إسرائيلين في طريقها إلى باريس، لكنّها هبطت في أوغندا، ما جعلها محطّ أنظار العالم آنذاك، ليقرر أمين الإفراج عن غير الإسرائيليين، وتخصيص طائرة تقلهم إلى باريس، أمّا الإسرائيليون فاحتجزهم حتى باغتته قوات الاحتلال الصهيوني، بغارة مفاجئة من مطار عنتيبي الدولي، أفرجت فيها عن مواطنيها، ما تسبّب في إعدام غالبية موظفي المطار، الذين شكّ أمين بمساهمتهم في فكّ أسر المحتجزين، كان أمين من أنصار القضية الفلسطينية، معادياً لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل، ما يدفع بعض الكتّاب للقول إنّ هذا العداء دفع الغرب إلى تشويه صورته، والإسراع في إطاحته، بدعم حلفائهم في تنزانيا وإثيوبيا.

للمشاركة:



رسالة من الخارجية الإماراتية إلى قطر.. ماذا جاء فيها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

حثّت دولة الإمارات قطر على وضع حدّ لبرامج وخطاب التحريض على الكراهية في وسائل الإعلام الوطنية، لما يشكّله ذلك من تهديد لأمن كافة دول المنطقة بما فيها قطر.

وأكّدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، على لسان أميرة العامري، في كلمة ألقتها أمام مجلس حقوق الإنسان في إطار اعتماد التقرير الوطني لقطر في الدورة الثانية والأربعين لمجلس حقوق الإنسان؛ أنّ دولة الإمارات أخذت علماً بالاستنتاجات التي توصل إليها الفريق المعني بالاستعراض الدوري الشامل، وهي تودّ، في هذا السياق، أن تحثّ قطر مجدداً على إيلاء الأهمية والعناية اللازمتين لمجموعة التوصيات التي أخذت قطر بها علماً وعددها 92، ومن بينها التوصيات المقدمة من دولة الإمارات والمتعلقة بالأعمال غير القانونية التي تقوم بها قطر، والتي تعدّ انتهاكاً لحقوق الإنسان، وفق وكالة "وام".

الإمارات تعرب عن أملها بأن تخصص قطر المساعدات التي تنفقها على الجماعات الإسلامية في تلبية احتياجات مواطنيها

وأعربت عن أملها بأن تخصّص قطر المساعدات التي تنفقها لتمويل الجماعات الإسلامية في تلبية احتياجات مواطنيها الذين، بحسب النظام القطري، يشكون من آثار سلبية بسبب أزمة كانت قطر هي المتسبب الرئيس فيها .

ودعت الكلمة قطر إلى العمل على مراجعة ممارساتها وأنشطتها وتشريعاتها الوطنية ذات الصلة بمسائل الإرهاب.

وفي ختام كلمة الإمارات أمام مجلس حقوق الانسان؛ أكّدت أميرة العامري؛ أنّ دولة الإمارات تأمل في أن تستمع قطر إلى نداءات الاستغاثة التي أطلقها الآلاف من آل غفران، الذين تمّ تجريدهم من جنسيتهم، وأن تتوقف عن طرد بعض القبائل، بمن فيهم الأطفال، دون مراعاة أدنى معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

 

 

للمشاركة:

انفجار حافلة في كربلاء.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

قُتل 12 شخصاً، على الأقل، وأصيب ٥ آخرون بجروح، في تفجير بعبوة ناسفة، أمس، استهدف حافلة عند المدخل الشمالي لكربلاء، المدينة المقدسة لدى الشيعة، والواقعة على بعد 100 كم جنوب العاصمة العراقية بغداد.

وقالت مصادر أمنية: "انفجرت عبوة ناسفة داخل حافلة صغيرة قرب حاجز أمني رئيس، عند المدخل الشمالي لمدينة كربلاء"، وفق ما نقلت شبكة "الحرة".

من جهتها، أوضحت مديرية الصحة في محافظة كربلاء؛ أنّ التفجير "أسفر عن مقتل12 مواطناً وجرح 5 آخرين"، بحسب ما نقلت عنها "خلية الإعلام الأمني".

ووفق مصدر طبي في مستشفى الحسين بكربلاء؛ فإنّ من بين القتلى نساء وأطفالاً.

وسارعت قوات الأمن إلى تطويق مكان الاعتداء الذي لم تتبنّه أيّة جهة في الحال.

وكثيراً ما كانت كربلاء تتعرض لتفجيرات وهجمات من جانب المتطرفين، الذين كانوا يعدّونها هدفهم الأول، غير أنّ الأوضاع الأمنية تحسّنت في الأعوام الأخيرة، وباتت الهجمات في المدينة نادرة للغاية.

لكن خلايا نائمة لتنظيم داعش، الذي اندحر رسمياً من العراق، في نهاية 2017، تواصل تنفيذ هجمات وتفجيرات في أنحاء مختلفة من البلاد تستهدف بشكل أساسي الشيعة.

ويأتي هذا التفجير، بعد عشرة أيام على توافد مئات آلاف الشيعة إلى كربلاء، ولا سيما من إيران المجاورة للعراق، لزيارة مقام الإمام الحسين بمناسبة ذكرى عاشوراء.

وزيارة كربلاء خلال عاشوراء من أقدس المناسبات الدينية لدى الشيعة، ويشارك فيها مئات الآلاف على مدى الأيام العشرة الأولى من شهر محرَّم، يفدون من مناطق مختلفة في العراق.

وفي نهاية تشرين الأول (أكتوبر)؛ يتوقع أن يشارك ملايين الشيعة في إحياء أربعينية الحسين في كربلاء أيضاً، في أكبر تجمّع ديني سنويّ للشيعة حول العالم؛ إذ يشارك سنوياً في هذه المناسبة حوالي 15 مليون زائر.

 

للمشاركة:

ماذا يحدث في مصر؟.. قرقاش يحذّر من مؤامرة إخوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الدكتور أنور بن محمد قرقاش: إنّ حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً.

وأضاف قرقاش، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر: إنّ "منصات الإعلام الموجَّه والمدعوم، يقابلها دعم شعبي حقيقي للدولة المصرية ومؤسساتها".

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية: حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً

وتابع: "مصر تتعافى وتواجه التحديات بإصرار يومياً، والواقع غير الذي يروّج له هذا الإعلام الحزبي المموَّل خارجياً".

وكانت مصر قد شهدت، أمس الجمعة، مظاهرات محدودة جابت الشوارع، تطالب برحيل الرئيس، عبد الفتاح السيسي، وتمكن المحتجون من الوصول إلى عدد من أبرز ميادين مصر، خصوصاً ميدان التحرير الذي ظلّ مغلقاً أمام المظاهرات والتجمعات الشعبية في الأعوام الماضية.

وتعاطت قوات الأمن مع المحتجين بطرق مختلفة؛ فالمتظاهرون السلميون لم يواجهوا أيّ عنف من قبل قوات الأمن؛ بل كانوا دائماً يتلقون تطمينات منهم بأنّه يحقّ لهم التظاهر السلمي، أما المتظاهرين الذين حاولوا الإخلال بالأمن؛ فقد واجهتهم قوات الأمن بقنابل الغاز المسيل للدموع.

وبحسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام المصرية؛ فإنّ المتربصين التابعين للجماعات الإسلامية حاولوا تصوير تلك المظاهرات، التي شارك بها بعض المواطنين، على أنّها ثورة جديدة ضدّ الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

للمشاركة:



محمد العيسى: الإسلام السياسي خطر يهدد الجميع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

اعتبر الأمين العام محمد العيسى خلال مؤتمر عقد في باريس الثلاثاء أنّ “الإسلام السياسي” يمثّل “تهديدا”، مشيرا إلى أنّ الرابطة اعتمدت “رؤية جديدة لمواجهة التعصّب”.

وقال العيسى، وزير العدل السعودي السابق، الذي يشغل منذ 2016 منصب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ومقرّها مكة المكرمة، “نحن ندعم تماما فحوى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أبريل الماضي عندما تحدّث عن ‘الإسلام السياسي'”.

وتشكل جماعة الإخوان المكون الأساسي لتيارات الإسلام السياسي، ويصفها الكثير من المتابعين بأنها منبع العنف والتطرف في العالم العربي والإسلامي. وتعتمد هذه الجماعات على توظيف الدين في الشأن العام.

ومنذ تأسيسها عام 1928 في مصر كان تنظيم الإخوان يستهدف أسلمة المجتمع موظفا العنف في خدمة هذا المشروع.

وشارك في مؤتمر باريس عدد من كبار رجال الدين في العديد من الدول الإسلامية، إضافة إلى المسؤولين عن الطوائف الكاثوليكية واليهودية والبروتستانتية والأرثوذكسية في فرنسا.

وأوضح الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي “كما قال الرئيس ماكرون، فإنّ هذا الإسلام السياسي يمثّل تهديدا ومصدرا للانقسام في المجتمع”.

وشدّد العيسى، من جهته، في المؤتمر الدولي للسلام على أهمية أن يحترم المسلمون في فرنسا “دستور بلدهم وقوانينه وثقافته”.

وفي أبريل الماضي اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “أن الإسلام السياسي بات يمثل تهديدا ويسعى للانعزال عن الجمهورية الفرنسية”.

وقال ماكرون “لا ينبغي علينا أن نحجب أعيننا عن الحقائق: نحن نتحدث عن أناس أرادوا باسم الدين مواصلة مشروع سياسي وهو الإسلام السياسي الذي يريد أن يحدث انقساما داخل جمهوريتنا”.

ودافع الرئيس الفرنسي بقوة عن العلمانية منددا بانتشار “الطائفية” ووعد بألا يكون هناك أي “تهاون” بمواجهة أولئك الذين يريدون فرض “إسلام سياسي يسعى إلى الانفصال” عن المجتمع الفرنسي. يأتي هذا في وقت بدأت فيه دول غربية تشعر بالقلق من تمدد الجماعة بين الجالية، ومن شبكاتها المالية واستثماراتها، فضلا عن أفكارها المتشددة.

واعتبر خبراء في الإسلام السياسي أن الجماعة دأبت خلال تجاربها في أوروبا منذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي على ملء الفراغ الذي تتركه جماعات أخرى، والتركيز على الخدمات الاجتماعية والدعوية لاستقطاب المسلمين، مع إقناع السلطات بأن نشاطها لا يتناقض مع ثقافة البلاد وقوانينها.

وأشاروا إلى أن دولا كثيرة مازالت مخدوعة إلى الآن في طبيعة حركة الإخوان رغم صدور تقارير بعضها من جهات رسمية غربية تعتبر أن الجماعة توفر الأرضية الفكرية والتنظيمية للتشدّد الديني الذي يجتاح أوروبا.

ولاحظ الخبراء أن جمعيات مختلفة كانت عضوا تابعا للجمعيات والمراكز الإسلامية في أوروبا المرتبطة بالإخوان بدأت تعلن انفصالها عن الجماعة وتنظيمها الدولي، لافتين إلى أن الهدف من ذلك هو التحسب لحظر الجماعة.

وقال العيسى في المؤتمر “يجب على جميع المسلمين في أوروبا احترام دساتير وقوانين وثقافات البلدان التي يعيشون فيها”، مشدّدا على أنّه “يجب عليهم ألا يقبلوا استيراد الفتاوى والأفكار الأجنبية”.

وتابع “نحن هنا لتعزيز جهود التماسك الاجتماعي للجمهورية الفرنسية ونرفض بالكامل أيّ تدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ بلد، وخاصة في الشؤون الدينية”، مؤكّدا أنّ الرابطة هي منظمة “دولية” و”مستقلة” ولا تنتمي إلى “أحد”.

ولفت العيسى إلى أنّ الرابطة “تبنّت رؤية جديدة للتعامل مع التعصّب والعنف والإرهاب” من خلال اتّخاذها “مبادرات وبرامج عمليّة”.

وحسبما قال البيت الأبيض، يتزامن هذا التوجه الرافض لفكر وسلوك حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها تنظيم الإخوان، مع وقت تعمل فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إدراج جماعة الإخوان المسلمين للقائمة الأميركية الخاصة بـ”الجماعات الإرهابية الأجنبية”.

وقالت سارا ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في تصريحات لـ’بي.بي.سي’ إن “الرئيس تشاور مع فريقه للأمن الوطني وزعماء المنطقة الذين يشاركونه القلق”، مشيرة إلى أن ضم الجماعة للقائمة “يأخذ مساره في داخل الدوائر الداخلية لصنع القرار”.

وسيسمح ضم الإخوان المسلمين لقائمة الجماعات الإرهابية للمسؤولين الأميركيين بفرض عقوبات على أي شخص أو جماعة على صلة بها.

ويأتي الإجراء بعد استضافة ترامب للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي تشن حكومته حملة أمنية ضد الجماعة وعدد من الجماعات الإسلامية الأخرى.

ويجدر التذكير بأن مصر والعديد من الدول العربية الأخرى كانت قد صنفت الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وذلك في أعقاب إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي، المنتمي للجماعة، عام 2013.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

ماذا بعد العدوان الإيراني على السعودية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

فاروق يوسف

قصفت إيران المنشآت النفطية السعودية. أليس ذلك اعلانا للحرب؟ بعد ذلك الإعلان لم يعد الحديث عن حرب بالوكالة مقبولا. لكن ما الذي يمكن أن يفعله المجتمع الدولي في مواجهة ذلك العدوان؟

في أسوأ الأحوال ومن أجل تفادي وقوع حرب مدمرة يمكن للمجتمع الدولي أن يتشدد في اجراءاته العقابية من غير أن يخفي علمه بأن الحرب التي شنت على السعودية تقصد الاضرار به أساساً.

فليس من مصلحته أن يتعطل جزء من صادرات النفط وليس من مصلحته لاحقا أن ترتفع أسعار النفط في الأسواق وهو ما يلقي بظلال كئيبة على الأوضاع الاقتصادية لدول مستفيدة من انسيابية أسواق النفط.

ولأن إيران تعرف ما تفعل ولأن العالم يعرف أن إيران مدركة لحجم الخطر الذي تمثله فإن رد الفعل العالمي ينبغي أن يكون بحجم الفعل. وهو ما تنبهت له دولة مثل المانيا وهي التي لا يتحمل اقتصادها اليوم أي اهتزاز خارجي يمكن أن يزيد من حالة كساده.

لذلك فإن الطريقة التي يفكر من خلالها الإيرانيون في حل أزمتهم لن تكون مناسبة. ذلك لأن التوقيت قد يخونهم وهو ما لا يملكون السيطرة عليه. كما أنهم لا يملكون سوى الاعتداء على دول لم تعتد عليهم من أجل أن يضروا بالاقتصاد العالمي وفي ذلك انما يجربون وسائل شريرة للوصول إلى هدف، يعرفون أن وصولهم إليه قد بشكل خطرا عليهم.

كان الهدف من العدوان الأخير على السعودية الاضرار بالاقتصاد العالمي وتعطيل عجلة الطاقة. ولكن في المقابل ما الذي فكر فيه العقل السياسي الإيراني من جهة رد الفعل العالمية؟

يقدر الإيرانيون أن الحرب لن تكون هي الخيار المفضل بالنسبة للولايات المتحدة والغرب من خلفها. ليس بسبب الخلاف على الاتفاق النووي بل بسبب تعكر المزاج السياسي العالمي بعد حربي أفغانستان والعراق. ولكن فطنتهم خانتهم من جهة أن ما يمكن أن تجره أفعالهم عليهم من كوارث، قد تكون أسوأ من كوارث الحرب.

كانت إيران تأمل في أن تكون فرصتها في التفاوض أفضل حين تضع خطرها على الطاولة ولكنها لم تفكر في أن تكون أفعالها سببا في أن تطول المسافة بينها وبين التفاوض. الغباء السياسي الإيراني تجلى في أكثر صوره وضوحا من خلال قصف المنشآت النفطية السعودية.

لقد صار على الآخرين أن يفكروا في السبل المتاحة لوضع إيران في قفص أشد احكاما، بحيث لن تستطيع من خلاله تكرار فعلتها. وما حلمت به إيران لن يكون جزءا من المفاوضات التي ستذهب إليها صاغرة.

خُيل إلى البعض أن العالم تخلى عن السعودية حين لم يعلن الحرب على إيران. ذلك استنتاج ليس صحيحا. فالحرب هي آخر الخيارات. وهي الشر الذي يمكن تفاديه إذا ما كان بلوغ الأهداف ممكنا من دونه.   

وإذا ما كانت إيران تحارب لتشعل حربا في المنطقة فإنها لن تتمكن من انقاذ نفسها من خلال وكلائها. ذلك لأن النار التي ستحرقها ستحرق وكلاءها قبلها. وهو ما يجعل الخصوم يطبخون على نار هادئة.

سيكون على إيران أن تنتظر ما يمكن أن تسفر عنه ردود العالم بعد أن تثبت عليها الجريمة. فما فعلته هذه المرة يختلف كل الاختلاف عن حماقاتها الصغيرة السابقة حين حاولت أن تفجر بقنابل محدودة التأثير ناقلات نفط في المياه الدولية.

لا أعتقد أن أحدا من سياسيي إيران كان يعول على أن تمر الكذبة الحوثية على العالم بأقماره الصناعية التي تعمل على مدار الساعة. بل قد تكون تلك الكذبة مجرد وسيلة لكسب الوقت.

ولأنهم قد اعتقدوا أن قصف المنشآت النفطية السعودية هو خيارهم الأخير في لفت أنظار العالم إلى أزمتهم فإنهم لابد وأن استعدوا للحرب. تلك الحرب التي توهموا أنهم من خلالها، بغض النظر عن نتائجها، سيتمكنون من الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بحقهم في الهيمنة على المنطقة.

وهو أمر بعيد المنال.

ذلك لأن تلك الحرب مثلما تخيلها الإيرانيون لن تقع. غير أن العقاب سيكون أسوأ بنتائجه.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

من يحاسب "المرشد"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

إميل أمين

يوماً تلو الآخر، وساعة تلو الأخرى، يثبت للعالم أن الاعتداء الإرهابي الذي جرى على «معامل أرامكو» في المملكة العربية السعودية تم بأيادٍ إيرانية، وبتوجيه مباشر من المرشد علي خامنئي، وبتنفيذ الأصابع الخبيثة لـ«الحرس الثوري» الإيراني.
منذ اللحظات الأولى للحادث الإرهابي، أيقنت الولايات المتحدة بنوع خاص أن إيران وراء ما جرى، وليس سرّاً القول إن واشنطن مالئة الدنيا وشاغلة الناس، لديها من الأقمار الصناعية ما يمسح الأرض طوال الأربع والعشرين ساعة، وهذا ما جعل وزير الخارجية مايك بومبيو يصف الجرم المشهود بأنه «عمل حربي».
كان الأسبوع الماضي حافلاً بالتسريبات داخل واشنطن، ونيويورك بنوع خاص، وغالباً ما كان الأمر مقصوداً، كما جرى مع قيام مسؤول أميركي عالي المستوى بإعطاء شبكة «سي بي إس نيوز» أخباراً مؤكدة بأن خامنئي هو مَن وافق على الهجوم، بشرط أن يتم تنفيذه بشكل يبعد الشبهات عن أي تورط إيراني.
ما أشرنا إليه سلفاً من أن عيون أميركا الصناعية لا تنام صواب؛ فقد تحصلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على كثير من الصور لم يتم نشرها بعد، تظهر قوات «الحرس الثوري» الإيراني وهي تقوم بترتيبات للهجوم في قاعدة الأهواز الجوية، وساعتها لم يدرِ حائزو الصور ماذا يفعل هؤلاء، وإن عرفوا لاحقاً بعد الاعتداء بالصواريخ والمسيّرات على المنشآت النفطية السعودية.
هل كان من الطبيعي أن يقوم المرشد بإعطاء أوامره بهذه العملية الشنيعة، التي لا تضرب الاقتصاد السعودي بقدر ما تؤثر على وضعية الاقتصاد العالمي برمته، وهو ما رأيناه في زيادة أسعار النفط؟
على صفحات خضراء الأوراق، وقبل فترة ليست بعيدة، قلنا إن «هناك تمرُّداً على سفينة الملالي»، وإن البعض يذهب إلى أن الحوار مع الإدارة الأميركية قد يكون أجدى من «التهور الاستراتيجي»، ذاك الذي سوف يفضي بالتأكيد إلى انتحار الجمهورية الإيرانية، من خلال مواجهة حاسمة وحازمة آتية لا ريب فيها مع الولايات المتحدة.
هذا البعض لا يتسق وشهوات قلب المرشد وحرسه الثوري، اللذين يتزعمان المشهد الداخلي الثوري، ويظنان أنهما هكذا يحافظان على الإرث التاريخي لأسوأ ثورات المنطقة في العقود الأربعة الماضية.
من هنا يمكن القول إنه كان من الضروري قطع الطريق على الأحاديث التي راجت حول لقاء يُعدّ له في الكواليس بين الرئيس الأميركي ترمب والرئيس الإيراني حسن روحاني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ناهيك بوضع العصا في دواليب أي إمكانية لتحرك أميركي إيجابي لرفع بعض من العقوبات الأميركية، كعربون سلام مع الإيرانيين، ما يفتح باباً خلفياً لإمكانية بدء مفاوضات تقود إلى اتفاقية نووية جديدة.
والشاهد أنه حين يقوم وزير الخارجية الأميركي، بومبيو، خلال زيارته إلى الرياض، بوصف فعل الاعتداء على المملكة بأنه «عمل حربي»، فإنه من الطبيعي أن تكون هناك محاسبة على أعلى مستوى تجاه من قام بتنفيذ هذا العمل، لا سيما أن القرار الدولي رقم 3314 الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1974 عرّف العمل الحربي بأنه «عدوان باستعمال القوة العسكرية ضد سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي».
كما توصف جريمة العدوان أو العمل الحربي بأنها جريمة ضد السلم الدولي، ويترتب عليها مسؤولية دولية، بغضّ النظر عن الاعتبارات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وبموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فإنه يمكن للدولة المعتدى عليها أن تدافع عن نفسها إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
كما يمكن للدولة المعتدى عليها أن تطلب صدور قرار دولي يبيح استخدام حق الدفاع المشروع بصورة فردية أو جماعية.
بأعلى درجات الحكمة والفطنة وضبط النفس عن قوة وشجاعة، تدير المملكة ملف الإرهاب على منشآتها، وهي التي لو شاءت لاستخدمت حقها الطبيعي في الرد المباشر في التو واللحظة، غير أنها، برفع المشهد برمته إلى مجلس الأمن بداية، واتخاذ الدروب والمساقات الأممية القانونية والأخلاقية، تضع العالم، وفي المقدمة منه الولايات المتحدة بوصفها حليفاً تاريخياً قديماً، أمام استحقاقات محاسبة المرشد وحرسه الموسوم والموصوم بالإرهاب من قبل إدارة الرئيس ترمب.
حسناً جدّاً فعلت المملكة، حين فتحت الباب واسعاً لمشاركة أممية في التحقيق للقطع بالفاعل، وإن كان معروفاً مقدماً، إذ إنها بهذا تكسب رأياً عامّاً عالمياً، وتدعو النيام للاستيقاظ، قبل أن تمسك النيران بتلابيبهم، أو أن تطال صواريخ الملالي مدنهم.
حين نصح المغفور له الملك عبد الله بن عبد العزيز، العالم برمته بالتنبه والحذر من إيواء الإرهابيين، لم يصدقه كثيرون، لا سيما في أوروبا بنوع خاص، أولئك الذين اعتبروا أن تقديم المأوى للفئة الضالة، وعقد الصفقات معها سوف يعصمهم من طوفان الإرهاب المقبل، ولاحقاً صدقت توقعات الراحل الكبير، وها هم يعضّون أصابع الندم، فهل يتكرر الخطأ مرة جديدة من خلال الصمت المخزي على الإرهاب الإيراني الذي سيبسط ظلاله السوداء عليهم عما قريب؟
دعونا ننتظر حتى الثلاثاء المقبل، ولنستمع إلى كلمة الرئيس الأميركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولنرَ إلى أين سيمضي الرجل في اقتصاصه من الإرهاب الإيراني ومحاسبته للمرشد.
تخطئ واشنطن إن ظنّت أن فلسفة المؤتمرات تصلح للتعاطي مع آيات الله، والأصوات الأميركية في الداخل تحذر من التردد والتلكؤ... إنه ليس وقت الأيادي المرتعشة بالمرة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية