عبد الملك بن مروان.. ماذا جرى لحمامة المسجد بعد أن أصبح خليفة للمسلمين؟

الخلافة

عبد الملك بن مروان.. ماذا جرى لحمامة المسجد بعد أن أصبح خليفة للمسلمين؟

مشاهدة

27/06/2019

سعى بنو أميّة للسيطرة على دولة الخلافة الإسلامية، بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ودخلوا في سبيل ذلك في حروب دامية، حتى بات ابنهم، معاوية بن أبي سفيان، متوسداً عرش الحكم، ومن بعده تولّى ابنه يزيد، ليواصل ما بدأه أبوه، ويقضي على ثورة الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما.

اقرأ أيضاً: حلم الخلافة سبب دعم أردوغان للربيع العربي
في ظلّ هذا الصراع المحموم؛ كان ثمّة شاب يدعى عبد الملك منخرط في العبادة، يتبتل إلى الله تعالى في ساحة مسجد رسول صلى الله عليه وسلم، هارباً في أحضان الهدي النبويّ، تقشعر الأبدان من حلاوة صوته وخشوعه، عندما يرتدّ صداه في أركان المسجد.
ابتعد هذا العابد عن بطانة أبيه، مروان بن الحكم، وهو أمير مصر، ثم الخليفة الأموي ومؤسس البيت المرواني، ليقترب من التابعين الفقهاء الزهّاد، فاقترب من صفوتهم علماً وزهداً، حتى لا يكاد يذكر سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب، إلا وذُكر معهم الفقيه المحدث عبد الملك بن مروان.
سعى بنو أميّة للسيطرة على دولة الخلافة الإسلامية

الفقيه العابد
حفظ عبد الملك القرآن الكريم على يد عمّه، عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وسمع الأحاديث من أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، رضي الله عنهم، حتى قال الشعبي عنه: "ما جالست أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان، فإنني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً إلى زادني فيه".

ما إن بلغ عبد الملك المُلك والسلطان حتى ودّع مصحفه وأطبقه قائلاً: هذا آخر عهدي بك

لكنّ كلّ هذا ذهب أدراج الرياح؛ فما إن بلغ عبد الملك المُلك والسلطان حتى ودّع مصحفه، وأطبقه قائلاً: "هذا آخر عهدي بك".
جرفت السياسة عبد الملك في تيارها المائج، إلا أنّ أحد المؤرخين، لم يتوقف كثيراً عند تحوّله هذا، ولم ينقّب في عقله ومكنونه، ولماذا عندما يصبح حامل القرآن  ملكاً يقسو ويصارع فتتوه منه في الطريق ذاته الأولى التي بدأ عليها؟
كادت الخلاقة الأموية أن تسقط، بعد موت يزيد بن معاوية، وتولى بعده ابنه معاوية الثاني، فظلّ في خلافته لأشهر، ثم مات، وكان أصلاً زاهداً في الخلاقة، ثم تولى بعده مروان، والد عبد الملك، الذي لم يمهله الموت أيضاً سوى أشهر.
لحظة واحدة من الضعف والارتباك كانت كافية لإسقاط نظام حكم قويّ وعتيد؛ فبعد اهتزاز معاوية الصغير، انفرط عقد الخلافة التي أسال فيها المؤسس الأول معاوية وابنه يزيد أنهاراً من الدماء.
ظهرت خلافة عبد الله بن الزبير في الحجاز، ودولة أخرى للمختار بن عبيد الله الثقفي في العراق، وأخرى في خراسان، قادها رأس الخوارج الأزارقة قطري بن الفجاءة، ولم يعد للخلافة الأموية سوى الشام ومصر، وما وراءها من بلاد المغرب وقبائله المتناحرة.
عبد الملك ظلّ لأعوام جالساً على عرشه

لحظة فارقة
يبدو أنّ عبد الملك قد أدرك، وهو الفقيه، أنّه إن زهد في خلافة أبيه فإنّ ملك بني أمية ذاهب بلا رجعة، وأنّ الخلافة الإسلامية الموحدة ستنشطر إلى دويلات متفرقة ومتناحرة، فسارع للجلوس على العرش، في انتظار اللحظة الحاسمة.
لم يعط الرجل لنفسه فرصة للتفكير، ربما كان حاضراً في ذهنه ما جرى في سقيفة بني ساعدة، عقب وفاة النبي، عليه السلام، مباشرة؛ إذ إنّ أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما، سارعا في تولية خليفة، قبل أن يغسل رسول الله ويدفن، مدركين أنّ التأخّر في هذا الشأن قد يفضي إلى تشرذم وتناحر يفرط عقد الإسلام ذاته.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
إلا أنّ عبد الملك ظلّ لأعوام جالساً على عرشه، دون أن يجهز جيشاً لمحاربة "الخلفاء الجدد" المنافسين، حتى أنّه كان يدفع الجزية لملك الروم الرابض على ثغور الشام، حتى بدا لرعيّته ضعف حيلته وهشاشة جيشه.
لكنّ عبد الملك كان ينظر للمشهد من بعيد، فترك عبد الله بن الزبير وأخاه مصعب، يخوضان حرب الوحدة ضد المختار بن عبيد الله في العراق، حتى هزماه، وسيطر الزبيريون على بلاد الرافدين، إلا أنّهم كانوا قد خرجوا من تلك الحرب منهكي الجسد والخزانة، فيما ظلّ هو طيلة تلك الأعوام يعمل على تقوية جيشه واقتصاده.

اقرأ أيضاً: خلافة خامنئي وأثرها في النخبة الحاكمة في إيران

قبل أن يرسل عبد الملك جيشه لمحاربة الزبيريين، كان قد عمل على استمالة شيوخ عشائر العراق بالمال، بينما كان غريمه بن الزبير يضنّ به عليهم، معتمداً على مثالية الولاء والعقيدة.

قسوة المنتصر

زحف جيش عبد الملك إلى العراق، وهو على رأسه، حتى هزم الفارس الشجاع مصعب بن الزبير، الذي اكتشف وهو في غمار القتال تخلي العشائر عنه، فوقع صريعاً في المعركة، يقاتل وحده وحوله عدد من المخلصين.
بات العراق تحت قبضته، فزحف إلى الحجاز، بعد أن كسر لعبد الله بن الزبير جناحه الثاني؛ أخاه مصعب في العراق، لكنّه هذه المرة لم يكن على رأس الجند؛ إذ إنّه كان يدرك أنّه ليس بإمكانه أن يتحمّل مباشرة وزر هدم الكعبة، وأن تلحق به مباشرة سبّة انتهاكها أبد الدهر.
لم تكن هذه المحاولة الأولى لاقتحام مكة، فقد سبقتها محاولة قبل ذلك باءت بالفشل؛ لذا اختار ابن مروان من يستطيع أن يتحمل قصف مكة بالمنجنيق؛ إنّه الحجاج بن يوسف، القبضة الشرسة لعرش عبد الملك ولأبنائه من بعده.

اقرأ أيضاً: محطات في حياة "خلافة" تنظيم داعش.. تعرف إليها
سقطت مكة ومن بعدها المدينة، فذهب عبد الملك هذه المرة للمسجد النبوي، ليس بوصفه "حمامة المسجد"؛ بل بصفته الملك المنتصر، صاحب السيف البتّار، فخطب في أهل المدينة قائلاً: "أما بعد؛ فلست بالخليفة المستضعف، عثمان، ولا الخليفة المداهن، معاوية، ولا الخليفة المأفون، يزيد، ألا إنّ كلّ من كان قبلي من الخلفاء يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا إنني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا أعمال المهاجرين، ولا تعملون مثل أعمالهم، فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم".

 

 

عودة الإنسان

الآن، وقد نسي الخليفة، متعمداً، ما كان بينه وبين أهل المدينة، من ودّ واجتماع في طاعة الله، قال لهم: "والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه"، وكأنه لم يقرأ يوماً قول الله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ"؛ لقد كان أول من نهى عن الأمر بالمعروف، كما أورد الزهري.

أدرك عبد الملك أنّه إن زهد في خلافة أبيه فإنّ ملك بني أمية ذاهب بلا رجعة

لكنّ عبد الملك، وأمثاله، عندما يشعرون بأنّ الأجل قد اقترب يعودون إلى الإنسان الأول فيهم، فما تورده كتب التراث عن تلك اللحظات لا يشي بجبّار عنيد، هكذا كان أسلافه من الخلفاء ومن جاء بعده من الملوك والأمراء.
عندما دخل شيوخ بني أمية على عبد الملك، عندما حضره الموت، قالوا له: "كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟"، قال: "أجدني كما قال الله تعالى: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ"؛ وكان هذا آخر ما سُمع منه.

الصفحة الرئيسية