عدوى محمد بن راشد

عدوى محمد بن راشد

مشاهدة

22/06/2020

علي جابر

أذكر عندما وطأت قدماي للمرة الأولى مطار دبي الدولي في العام 2003، حينها استقبلني أحد الأصدقاء المواطنين، ونحن ننتظر الأمتعة، وجدته (صديقي) ينبه أحد القادمين بعدم التدخين داخل المطار، هذا ولم يكن قد صدر بعد قانون بمنعه قائلاً له: «هذا وطننا جميعاً، ويجب أن نحافظ عليه من أجلنا جميعاً».

أثرت فيَّ هذه العبارة كوني قادماً من بيروت، وأنا من جيل الحرب، التي قطعت أوصال وطني، ودفعت الأخ لقتل أخيه، فأحسست أني محظوظ بوجودي على أرض هذه الدولة وبين أبنائها، الذين تجمع بينهم روح اتحاد قوي صلب، وولاء لا يهتز لوطنهم وقيادتهم.

مرت السنون وتوصلت لاستنتاج أن أخلاق مواطني هذا البلد الحميدة والمتسامحة والطيبة، تأتي من أخلاق من تولى أمرهم، فقيم التسامح قد أرسيت كونها أسلوب حياة بين فئات وشرائح المجتمع الإماراتي كافة، وذلك عن سابق تصور وتصميم من قيادة هذا البلد على هدف إسعاد مواطنيها.

هذا الحديث ممكن أن يكون القارئ قد سمعه ورآه مراراً، ولكني من موقعي كوني إعلامياً مقيماً هنا أشعر به، وأراه كل يوم، وأعتبر أن كل يوم يمر عليّ وأنا على أرض الإمارات هو يوم آخر سعيد في حياتي، ومكسب وأمل جديد لي ولعائلتي.

مناسبة ما أكتبه اليوم هو مشاركة القارئين بقصة حدثت معي وبعض الزملاء والأصدقاء، وتركت بي أثراً كبيراً، وأثبتت لي أن الإيجابية هي عدوى، والأمل عدوى، والتفاؤل عدوى، والإنسانية عدوى، وهذه العدوى في دبي تأتي من شخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله،

ففي عز أزمة جائحة «كورونا» حيث الطرقات خالية، والناس محجورة في بيوتها، والمطارات مقفلة، والمواصلات صعبة، اتصل بي صديق وزميل لي من الجنسية البريطانية طالباً المساعدة، فأحد زملاء صف ابنته البالغة 12 سنة من الجنسية الباكستانية قد أصابه فشل كلوي، الأمر الذي يتطلب عملية زرع كلية جديدة بأسرع وقت، وإلا سيواجه الولد مصيره المحتوم، خلال أيام معدودة.

تعقيدات الموضوع كانت كثيرة، فالكلية الوحيدة، التي تتوافق مع أنسجة كليته وفصيلة دمه هي كلية والده، الذي كان في مهمة عمل في الدوحة بقطر. وكلنا يعلم أن البعد الجغرافي لقطر من جراء البعد السياسي هو بعد دبي عن الصين،

فكان على مجموعة من الزملاء والأصدقاء المقيمين في دبي أن تتجند لتأمين طائرة خاصة لنقل الأب إلى دبي، وتأمين معونات الطائرة، التي كانت تركن في جمهورية جورجيا للمجيء إلى الدوحة، ومن ثم تأمين إذن للأب لدخول الطائرة، ومغادرة الدوحة، وتأمين إذن لهذه الطائرة للهبوط في مطار دبي الدولي، وإذن آخر للأب، كي يذهب مباشرة إلى مستشفى الجليلة للأطفال، متخطياً ضرورة الحجر المستلزم لأربعة عشر يوماً، والذهاب مباشرة إلى المستشفى لإجراء العملية، حيث استئصال كليته ووهبها لولده، الذي يرقد بالمستشفى في حالة الخطر الجديد.

مجموعة أخرى من الأصدقاء تولت تأمين فريق طبي لإجراء الفحوصات اللازمة للطفل، والوقوف على أتم الاستعداد لإجراء العملية بأسرع وقت.

طبعاً في كل مرحلة من المراحل آنفة الذكر كانت تبرز عقبات لوجستية عدة، ولكن لله الحمد، تمكن الأب من وهب كليته لابنه، وإنقاذ حياته، وهما الآن تحت المراقبة في مستشفى الجليلة،

مع العلم بأن كل من قدم المساعدة في حالة الطفل لم يكن على علم باسمه أو اسم عائلته أو عرقه أو دينه أو وضعه أو وضع عائلته.

مغزى إطالتي عليكم في هذه القصة، أن عدوى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قد انتشرت بين المقيمين والوافدين، كما كانت قد تأصلت في المواطنين، وشعاره الأخير (الجميع مسؤول عن الجميع) قد وجد ترجمته الفعلية على أرض الواقع.

أنا على يقين بأن هناك قصصاً كثيرة مماثلة لم تُرْوَ بعد عن عطاء وإنسانية هذا المجتمع النبيل. تدخلي في هذه القصة كان بسيطاً، ولا يذكر مقارنة بما قدمه- فعلياً- زملائي وأصدقائي، ولكن وجدت أنه من واجبي كوني إعلامياً أن أضيء على ما حدث، وأفتخر بدوري بأني- كما معظم المقيمين في هذا البلد- قد أصبت بعدوى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

عن "لبيان" الإماراتية

 


الصفحة الرئيسية