عذاب القبر.. عندما يعزف المتشددون على مخاوف الناس

29206
عدد القراءات

2018-09-13

يتحيّن لحظة نظر الأهل والأصدقاء إلى داخل ذلك الشقّ من الأرض، والذي سوف يضمّ جثمان أحد أحبائهم، وثمّ يصلح "كوفيته"، التي لا يعتليها عادة "عقال"؛ لأنّ ذلك، بحسب رأي مشايخه، من مظاهر الكِبر، ويرتقي على عجل، مرتفعاً صغيراً بجوارِ قبر المتوفَّى، كي يراه جمهرة الناس الذين جاؤوا لحضور مراسم الدفن.

ولِيغتنم الفرصة؛ يبدأ خطبته بالناسِ وعيونهم دامعة، وأنظارهم شاخصة لذلك الكفن الأبيض، ومشاعرهم يعتصرها الألم والفقدان، والحسرة على عزيزٍ لن تراه أعينهم بعد ذلك اليوم. وهنا، في هذا التوقيت، وحين تكون المشاعر هشّة، والنفوس زاهدة بالحياة، يبدأ الداعية السلفي باستخدام مخزونه من القصص المرعبة؛ لجذب السامعين لمذهبه، ويتكلّم بثقة وكأنّه خبر القبر، وقضى في جوفه دهراً، وخرج ينفض التراب عن أسماله، ليخبر الناس بما شاهدته عيناه من الأهوال البرزخية.

إذا أعملنا النظر والعقل في كلام الله سبحانه وتعالى نجد أنّ القرآن الكريم لا يذكر أبداً عذاب القبر

والحقيقة؛ أنه يذكر في خطبته هذه القصص وحكايات كثيرة سمعها من زعماء تنظيمه المتشدّد، وهي إما مُلفَّقة، أو موضوعة، أو مختلَقة، وغايتها إرهاب وترويع مجموعة بشرية قد لا تستمع له في أماكن أو أوقات أخرى.

ويؤدي تدفق الكلمات المرعبة، المليئة بالتقريع، إلى الشعور بأنّ السامعين مذنبون ومقصرون بأداء واجباتهم الدينية، ومن ثم تقديم تنظيمه، ضمنياً، على أنّه "الفئة الناجية"، وأنّ تدين وإيمان الواقفين حوله في تلك المقبرة ناقصٌ وتعتريه العلل، ويكون، في رأيه، المخرَج لهم والسبيل للتكفير عن آثامهم التي لا تحصى، هو الانضواء تحت راية حزبه المتشدد، أو أن يصبحوا من المتعاطفين مع طروحات جماعته وتوجهاتها.

وإذا أعملنا النظر والعقل في كلام الله، سبحانه وتعالى، نجد أنّ القرآن الكريم لا يذكر أبداً عذاب القبر؛ بل تذكر الآيات الكريمة أنّ الإنسان حين يموت يكون في رقاد ونوم إلى يوم البعث والنشور، وحيث يقوم الناهضون من قبورهم يوم القيامة، بعد نوم طويل وعميق، يكون قولهم: {يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون} [يس: (52)]، وكذلك في قوله تعالى: {قَالُواْ رَبّنَآ أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىَ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ} [غافر: (11)]. إذاً؛ هو موت في البداية، ثم الحياة الدنيا التي نحياها الآن، ثم الموت، ثم الحياة في الآخرة؛ أي موتين وحياتين، ولا توجد حياة أثناء فترة الموت بالقبر.

يعمل المتزمت على تحويل مشاعر الغبطة أو الفجيعة لحافز يدفع الوعي واللاوعي الخاص بالمتلقي لقبول رسالته

ويعدّ نسج قصص عن ظهور الثعابين من قبور "العصاة"، وحكايات مزعومة عن صراخ يخرج من باطن اللحود، وذكر المطارق من حديد التي يُضرب بها الموتى الذين تساهلوا بأداء العبادات أثناء حياتهم، أو من خالف منهم أوامر رجال الدين ورفض آراءهم المتزمتة، كلّ ذلك، وقصص مشابهة، يعدّ مادة ثرية وبالغة التأثير في استقطاب الجمهور من السامعين للأفكار المتشددة.

وبعد انقضاء مراسم دفن الميت، وانكفاء أهل الميت وأصدقائهم إلى مكان تقديم العزاء، يلحق بهم السلفي المتشدّد، ليستمر بتقديم "وصلات" من قصص مروّعة ومخيفة عن لحظات الاحتضار، وخروج الروح، وسؤال الملَكَين، وقبضة القبر التي تتداخل بسببها أضلاع المستهترين بأقواله، وتتكسر من ضمّة الأرض المرعبة تلك، عظام المتقاعسين عن اللحاق بركب المؤمنين بمذهبه، ولا سبيل للنجاة إلا بالانتساب لعصبته الدينية.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله المفكر المغربي أبو حفص عن عذاب القبر

وتحاول التنظيمات السلفية الإسلاموية، هنا، تقديم إجابات وهمية عن السؤال الإنساني الدائم: "ما الذي سيحصل للإنسان بعد الموت؟"، وبما أنّ البشرية لم تستطع أن تقدّم سيناريو مقنع عن مصير الإنسان بعد خروج الروح من الجسد، فإن رجال الدين المتشددين يعرضون بضاعتهم؛ من خرافات شعبية، وحكايات غير يقينية، رجماً بالغيب، والهدف دوام سيطرتهم على عقول الناس، والهيمنة على سلوك ومشاعر وأحاسيس الجماهير، وتصبح هذه الافتراءات الخادعة حقائق في أذهان البسطاء.

تعدّ "قصص القبر" مادة ثرية وبالغة التأثير في استقطاب الجمهور من السامعين للأفكار المتشددة

وينتج عن هذه الدعاية المستمرة، في كلّ المناسبات الاجتماعية، تشكيل وعي متزمّت متطرف، يوافق آراء حركات الإسلام السياسي، وينتظر أيّة إشارة من قادة هذه التنظيمات، لتنفيذ أيّة مطالب أو أوامر سياسية، أو انتخابية، أو اجتماعية، أو حتى إرهابية.

وفي ختام تناولي هذه الظاهرة المتزايدة الانتشار، أقول: لا يألو المتشدّد دينياً جهداً في الدعوة لمذهبه، وهو الراغب دائماً بجلب الناس إلى زمرته، والحريص على الاستفادة من كلّ مناسبة، سعيدة كانت أو حزينة، لترسيخ سيادته على المتعلمين والمثقفين، وعموم الناس الحاضرين في مجالس الفرح أو العزاء.

ويعمل على تحويل مشاعر الغبطة، أو الفجيعة لحافز يدفع الوعي واللاوعي الخاص بالمتلقي، لقبول رسالته التي يلقيها بصوت جهوري، ومفادها: أنّه وحزبه يمثلون، في زعمه، الفئة الناجية التي من يفرّ إليها يفوز بالدنيا، وينجو بالآخرة.

وتكون فكرة عذاب القبر، وعودة الروح للميت في ذلك المكان الضيق في باطن الأرض، وبعد انفضاض أهل الميت عنه، مادة خصبة، وتصحبها قصص رعب لا تنتهي، ولا تنضب، وتقود عادة إلى زيادة أعداد أتباع التنظيمات المتشددة، وجعل خطابها الديني المتزمت مقبولاً ومستساغاً؛ في أيّة مناسبة، وفي كلّ زمان ومكان، وقد يفسّر هذا جانباً من ظاهرة تصاعد الآراء والتفسيرات المتزمتة في مجتمعاتنا العربية في الآونة الأخيرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: