عقد تأهيل ميناء الفاو العراقي: تدخلات إيرانية ورشاوى للشركات

عقد تأهيل ميناء الفاو العراقي: تدخلات إيرانية ورشاوى للشركات

مشاهدة

28/02/2021

تبرز خلافات سياسية حادة ذات مرجعيات دولية داخل العراق، حيال كيفية تأهيل ميناء الفاو  الكبير، أقصى الجنوب العراقي، عبر هوية الشركة المناط إليها التأهيل. وتبدو السلطات العراقية هذه المرة جادة في تنويع مدخولات البلاد المالية، والدخول في حقل النقل التجاري العالمي عبر المنافسة الشديدة مع الموانئ الدولية المتشاطئة مع العراق.

التيار الصدري يدعم شركة "دايو" الكورية لنيل عقد تأهيل الفاو الكبير.. والولائيون في تحالف الفتح يدعمون شركات الصين بإيعاز من طهران

احتدام الصراع السياسي، يكشف عن دوافع اقتصادية وحسابات خاصة بتلك الأحزاب المتصارعة من جهة، وخضوع بعضها لتوجيهات الحلفاء العقائديين في الدول المجاورة من جهة أخرى. 

وقد عمدت الحكومة العراقية إلى وضع الحجر الأساس لميناء الفاو، منذ نيسان (أبريل) العام 2010 الذي أُنيطت مهام وضع تصاميمه بمجموعة شركات إيطالية المسماة "تكني كال"، مع قيام هذه المجموعة بتقديم عدة استشارات فنية إلى الجانب العراقي، في حين فازت شركة "دايو" الكورية الجنوبية، بالشراكة مع إحدى الشركات الهندسية الماليزية، إلى جانب شركة يونانية بصفقة إنشاء كاسر الأمواج الأطول في العالم.
الميناء من حيث الأهمية
وسبق للشركتين المنفذتين للمشروع، من إتمام المرحلة الأولى منه، وهي مرحلة كاسر الأمواج الغربي من الميناء، والذي يبلغ طوله (14.5 كيلومتر)، في شمال الخليج العربي، وكلفت تلك المرحلة (591 مليون دولار). ويعمل كاسر الأمواج على حماية للسفن المبحرة من الأمواج العاتية، مما يؤدي إلى تسهيل رحلات السفن المباشرة إلى الميناء الجديد المزمع اكتماله في عام 2024. ولهذا تعلق السلطات العراقية أملاً كبيراً على هذا المشروع لكونه سيسهم في تنمية الموارد الاقتصادية في البلاد.

ميناء الفاو الكبير في أقصى الجنوب العراقي مورد اقتصادي كبير لم يستثمر فعلياً من قبل السلطات في العراق

وقد تباطأت عملية بناء بقية أجزاء ميناء الفاو، نتيجة الأزمات المالية التي عصفت بالعراق، جراء هبوط أسعار النفط والتزام الأخير بسياسة التقشف وشروط صندوق النقد الدولي، في أعوام (2015، 2016، 2017، 2018). 

وتكمن أهمية تطوير الميناء في قدرتهِ على تفعيل حركة الملاحة البحرية وإمكانية تصدره المدن الصناعية في منطقة الشرق الأوسط . وقد تصل وارداته في الشهر الواحد إلى (15 مليار دينار عراقي) من خلال تنويع طرق الاستيراد والتصدير. كما أنه يعتبر بوابة مشروع القناة الجافة الذي يطمح العراق إنشائها للربط بين الخليج العربي وبين أوروبا عبر تركيا وسوريا .
صراع سياسي حول المشروع

فتح الحكومة لملف ميناء الفاو الكبير، وضرورة الإسراع في تأهيلهِ أجج صراعاً سياسياً كبيراً بين الكتل الشيعية الكبرى وخصوصاً بين تحالفي "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، و "الفتح" بزعامة هادي العامري (المقرب جداً من إيران). ومحور الصراع يرتكز على هوية الشركة التي ستنفذ إكمال المراحل التالية من المشروع. حيث تتنافس الشركة الكورية الجنوبية "دايو" والشركة الصينية (CMCS) على "صفقة" تأهيل الميناء.

اقرأ أيضاً: كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟
ويقول مصدر مطلع لـ"حفريات"، إنّ "التيار الصدري يبرر وقوفه بقوة إلى جانب الشركة الكورية بذريعة التصدي للفاسدين الذين عطلوا تأهيل الميناء، لكن ثمة معلومات تقول إنّ الشركة دفعت مبالغ مالية ضخمة كـ(رشى) للتيار الذي يقود أعضاؤه إدارة مجمل الموانئ العراقية في محافظة البصرة"، مبيناً أنّ "مدير عام الشركة العامة لموانئ العراق فرحان الفرطوسي، ينتمي إلى التيار الصدري، وقد شغل منصبه بالقوة حين اقتحم نائبان صدريان برفقة مجموعة مسلحة من (سرايا السلام) واجبروا مدير الشركة السابق على تقديم استقالته".

وعن حجم المبلغ المدفوع، أكد المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، عدم علمه الدقيق به. لكنه أشار إلى أنّ "الإدارة الجديدة للشركة هي من دفعت وليس الإدارة السابقة".
الجانب الصيني المدعوم "ولائياً"
وتتمثل الإدارة السابقة بالمدير التنفيذي (بارك شل هو) الذي وجدَ في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مشنوقاً داخل غرفته في مقره الملحق بمشروع الميناء. وقيل إنه انتحر بحسب التحقيقات العراقية مؤخراً، لكن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي رجح انتحاره لتعرضه إلى ضغوط وابتزاز؛ لأنّ الشركة الكورية مازال لديها عقدان في ميناء الفاو ينتهيان في عام 2021.
ويقف الولائيون في "تحالف الفتح" إلى جانب الشركة الصينية والدفع باتجاه تبني الشركة الأخيرة لإنشاء بقية مراحل الميناء. ويعزو باحثون إستراتيجيون أسباب وقوف الولائيين إلى جانب الشركة الصينية، إلى "توجيهات إيرانية لحلفائها داخل العراق بضرورة مساندة الصين في تبني المشاريع الحيوية في البلاد".

مقتدى الصدر وقيس الخزعلي (نيابة عن إيران) أبرز من تصارع على عقد الشركة المرشحة لتأهيل الميناء
وأكد الباحث العراقي فالح الونداوي، أنّ "تلك التوجيهات الخارجية ترجع إلى الحلف الإستراتيجي ما بين الصين وإيران، وتقديم الأولى للثانية عدة خدمات في ظل الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليها من قبل الولايات المتحدة الأميركية، فقد ساعد الصينيون الإيرانيين، في صناعة أمن سيبراني يحميهم من الاختراق الأمريكي، والقيام بعدة مشاريع خدمية إستراتيجية داخل إيران، وفق مبدأ (النفط مقابل الخدمات)".
الونداوي، لفت إلى أنّ "الإيرانيين وحلفاءهم في العراق، لديهم خشية من وقوف الأمريكان خلف الشركة  الكورية التي سبق وأن أفلست ذات مرة وقد نهضت بأموال مجهولة".
الاستثمار الحزبي لموارد الميناء
وانتقل الصراع السياسي على الجهة المستثمرة لتأهيل ميناء الفاو الكبير، إلى وسائل الإعلام واستخدام لغة التخوين المباشر بين زعامات قوى الإسلام السياسي الشيعي. فقد طالبَ زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في أكثر من مناسبة بإبعاد ما اسماهم بـ"الميليشيات" عن مشروع الميناء، مهدداً بتدخلهِ الشخصي في حال فشل الحكومة بذلك، فيما اعتبر قيس الخزعلي، زعيم حركة عصائب أهل الحق (حركة سياسية - ميليشاوية منضوية في تحالف الفتح ولديها 15 نائباً). إسناد المشروع إلى الشركة الكورية بأنه "جريمة كبرى بحق العراق". لكون التعاقد مع الشركة الأخيرة يكلف العراق أموالاً طائلة في ظل الضائقة المالية التي تمر بها البلاد، بينما التعاقد مع الجانب الصيني يقوم وفق مبدأ "النفط مقابل الخدمات". 

مصدر مطلع لـ"حفريات": التيار الصدري يقف مع الشركة الكورية بذريعة التصدي للفاسدين، لكن ثمة معلومات بأنّ الشركة دفعت مبالغ مالية ضخمة كـ(رشى) للتيار


ويعلق الونداوي، على هذه التصريحات قائلاً : "وصول الصراع إلى مستوى قيادات من هذا الحجم والتأثير السياسي والمليشياوي، يعتبر نموذجاً كلاسيكياً لكيفية تسخير موارد الدولة وغيرها لصالح الأحزاب المتنفذة في البلاد".
و أوضح الخبير الإستراتيجي، أنّ "التيار الصدري عبر شخصياته الفاعلة في الموانئ يحاول كسب عدد من الأرصفة التجارية فيها، في حين تسيطر حركة عصائب أهل الحق على رصيف تجاري واحد من مجمل الموانئ المحلية"، مبيناً أنّ "كل الموارد المستحصلة من تلك الأرصفة تدخل نسب منها إلى اقتصاديات الأحزاب، وفق تبويبات غير شرعية تستند على عوامل  النفوذ والسطوة والقوة والأتاوة المعروفة".
الكاظمي ينحازُ إلى الصدر 

ومع اشتداد الصراع السياسي حيال أي من الشركتين "الكورية الجنوبية" أو "الصينية" ستحظى بالمشروع، انحاز رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بعد تردد إلى شركة "دايو" الكورية؛ فقد أعلنت الحكومة، عن تعاقد وزارة النقل العراقية مع الشركة الكورية لتنفيذ مشروع ميناء الفاو الكبير، بتكلفة إجمالية تبلغ 2.62 مليار دولار أمريكي، لغاية العام 2024. 

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يخضع لطلبات الصدريين من أجل تثبيت السلطة ضد تيار ولاية الفقيه في البلاد
ويقول المحلل السياسي محمد الهاشمي لـ"حفريات"، إنّ "وقوف مصطفى الكاظمي إلى جانب مقتدى الصدر في صفقة الشركة الكورية الجنوبية، يأتي بسبب حاجة رئيس الوزراء العراقي إلى حلفاء سياسيين يمتلكون سطوة على الشارع المحلي المنفلت، بعد ثلم هيبة الدولة من قبل الفصائل الولائية لإيران"، مبيناً أنّ "الكاظمي فشل بمنازلات عدة مع خصومه في تحالف الفتح وتحديداً (كتائب حزب الله) و (عصائب أهل الحق)".
وأضاف أنّ "الكاظمي يحاول تقديم عدة تنازلات لزعيم التيار الصدري مقابل دعم حكومته في بسط سطوتها على الجميع، علماً أنّ الكاظمي يحاول أن يوسع دائرة حلفائه داخل المكون الشيعي المقتصرة فعلياً على (تحالف النصر) بزعامة حيدر العبادي و(تحالف عراقيون) بزعامة عمار الحكيم".
تقديم الانجازات قبيل الانتخابات 
من جانبٍ آخر، يسعى رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، إلى وضعِ بصمةٍ في خلال فترة حكمهِ لإقناع الشارع المحلي الغاضب على النظام، بشيء من الانجازات الخدمية، لاسيما أنّ الكاظمي ينوي ذلك قبيل الانتخابات المزمع إجراؤها في تشرين الأول (أكتوبر) القادم.

عدم الاستقرار الأمني الحالي، وعرقلة المشاريع الخدمية وضعف الموارد المالية، يجعل رئيس الوزراء العراقي في خانةِ سابقيهِ من رؤساء الحكومات السابقة، وهذا ما يجعلهُ يخسر الانتخابات المقبلة، التي ينوي الدخول فيها بعد تأسيسهِ لكيانٍ سياسي أسماه بـ"تيار المرحلة".
وسبق للكاظمي أن شرعَ بتأجيل الانتخابات من حزيران (يونيو) إلى تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري. عدم تقديم منجز يلمسهُ الجمهور العراقي قد يرجح تأجيل الانتحابات مرة ثانية، علماً أنّ الكتل السياسية تفضل تأجيلها أيضاً لكونها غير مستعدة تنظيمياً لها.

اقرأ أيضاً: من ينتهك السيادة العراقية أكثر إيران أم تركيا!
ويؤكد الهاشمي، أن "الكاظمي بمعية حلفائه في المكونات الشيعية والسنية والكردية، قادر على تأجيل الانتخابات للمرة ثانية، وبحجج مقنعة، لربما منها على أقل التقادير الوضع الأمني المنفلت في جنوب العراق، والاحتجاجات التي عادت للتصاعد مجدداً".
وشهدت محافظة ذي قار في جنوب العراق، مؤخراً، احتجاجات عارمة، أدت إلى مقتل 4 متظاهرين وإصابة 237 آخرين منهم، مع حرق بعض المباني الحكومية، في حين قدم المحافظ ناظم الوائلي استقالته من منصبه إلى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي عينَ بدوره رئيس جهاز الأمن الوطني عبدالغني الأسدي محافظاً للمدينة.

الصفحة الرئيسية