عقلنة المذهب: دور العوامل المذهبية في تشكيل المنهج العقلي للاستدلال في الإسلام

1962
عدد القراءات

2019-03-13

مما لا شكَّ فيه؛ أنّ النظريات السياسية التي تطرَّقت لموضوع الإمامة الكبرى، لم تظهرْ من الفراغ، ولم تنشأْ من العدم؛ بل إنَّ الظروف والمتغيرات السياسية والتاريخية الواقعية التي جرت خلال القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، كانت تعدّ "المرجعية التنظيرية" التي تسببت فيما بعد في ظهور المعتقدات السياسية المذهبية المختلفة، ومن ثَمَّ فإنّ أية دراسة لمسألة الإمامة الكبرى، وما يرتبط بها من تنظيرات عقائدية وفقهية في مصادر كلٍّ من السُّنة والشيعة الإمامية، إنما يجب أن تبدأ أولاً من خلال استقراء الواقع التاريخي، وتمييز المحطات المفصلية التي مرت بها السلطة السياسية في الإسلام، شكلًا وطبيعة وبِنية، حتى وصولها لمرحلة السكون والاكتمال.

الإشكالية الرئيسة للبحث الذي أعده الدكتور محمد يسري أبو هدور بعنوان "عقلنة المذهب: دور العوامل المذهبية في تشكيل المنهج العقلي للاستدلال في الإسلام"؛ تتمثل في عقد دراسة مقارنة بين مناهج وطرق الاستدلال العقلي المشهورة والمستخدمة عند كلٍّ من المدرستين الإمامية والسُّنية، وذلك فيما يخص نظرية الخلافة أو الإمامة الكبرى، وما يرتبط بها من غاياتٍ وشروط وصلاحيات، وما انبثق وتفرَّع عنها من منتجاتٍ فكرية شغلت مكانةً كبرًى في الفكر العقائدي السُّني والشيعي عبر التاريخ.
أما بالنسبة إلى المنهج المُستخدَم؛ فقد قام الباحث باستخدام منهج التحليل والنقد التاريخي؛ إذ تم العمل على حلحلة وتفكيك بعض المصطلحات والمفاهيم، ودراسة الظروف التي ظهرت فيها تلك المصطلحات والتطورات التي لحقت بها فيما بعد.
عملت الدراسة على تسليط الضوء على الطرق والأساليب المنهجية، التي حاول من خلالها العلماءُ والأصوليون الشيعة والسنّة أن يثبتوا ويؤكدوا منطقية وموضوعية الأفكار الرئيسة والمؤسسة لمذاهبهم، ويمكن اختصار أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة في النقاط الآتية:
• يمكن الادعاء بأنّ جهود المعتزلة العقلية قد مثلت الوعاء الفكري والحاضنة التنظيرية الأولية، التي أسهمت كثيراً في إمداد العقلين؛ السُّني والشيعي، بما يمكن أن نسمِّيه بالمقدمات المنطقية، والتي بُنيت على ركائزها أصول المذهبين فيما يخص نظرية الإمامة الكبرى فيما بعد؛ إذ اقتبس أهل السُّنة والجماعة من المعتزلة مبدأي عدم النص على الإمام وأولوية الشورى كطريقٍ لانتخاب الخليفة، في حين التمس الشيعة في أصل العدالة الإلهية ومبدأ الصلاح والأصلح إطاراً عقلياً لتأسيس النظرية الشيعية في الإمامة بعد ذلك، ومن المهم هنا أن نشير إلى أنّ كلاً من النظريتين (السنّية والشيعية) قد استطاع أن يخرج خارج قيود الإطار المعتزلي في القرن الرابع الهجري، وذلك عندما أُتيحت الفرصة لكليهما للنمو والتطور في سياقاتٍ تاريخيةٍ مختلفةٍ ومتغيرةٍ.
• اقتبس منظرو الإمامية نظريتي؛ اللطف الإلهي، والصلاح والأصلح، من معتزلة القرنين الرابع والخامس الهجريين، ولكنهم وظفوهما في سياقٍ دوغمائيٍّ يعمل على التنظير العقلي لرؤية الإمامة الشيعية، تلك التي تضمنت مبدأ ضرورة إقامة الحُجة البشرية المُعيَّنة بالنص الإلهي، وما تفرَّع عن ذلك بملزومية عصمة تلك الحجة وتعاليها عن السياق التاريخي، ومن هنا وقع الافتراق بين الخط الشيعي الإمامي الذي اتخذ من العقل مطيةً للوصول إلى أهدافه وغاياته المسبقة، وبين الخط المعتزلي الذي كان العقل عنده هدفاً وغايةً في نفسه، وبذلك المنطق أضحت أسباب وجود الإمام وأهدافه وغاياته، كلها مسائل دوغمائية، مقطوعة الصلة بالواقع والتاريخ.
• رغم أنّ العقل السُّنّي قد اتخذ من تجربة انتخاب وتعيين الخلفاء الراشدين عمومًا، وأبي بكر الصديق على وجه الخصوص، مرجعاً رئيساً فيما يخص الشروط والظروف والملابسات التي يجب أن تشكل الإطار النظري والقيمي الحاكم لما يحيط بمنصب الإمامة الكبرى، إلا أنّ التنفيذ العملي لذلك الإطار سرعان ما حاد عن طريقه القويم؛ بسبب المستجدات السياسية الواقعة، تلك التي أنتجت كياناتٍ سلطويةً متمثلةً في معظم فترات الدولة الأموية والدولة العباسية؛ إذ غدا من المفروض على المنظرين السنّة الذين تطرقوا لنظرية الإمامة الكبرى، أن يوفقوا بين التجربة التاريخية (المثالية) من جهة، والواقع المُعيش من جهةٍ أخرى، وهو الأمر الذي أسفر عن ابتعاد النظرية عن التطبيق، واستحداث مبادئ جديدة تتعارض مع ثوابت وأسس النظرية الأصلية، ومنها على سبيل المثال: التسليم بطاعة الحاكم المتغلب، بغض النظر عن طريقة وصوله إلى السلطة، رغم تعارض ذلك مع مبدأ الشورى وحقّ الأمة في انتخاب إمامها، وهو المبدأ المؤسس للنظرية السنّية في الإمامة.

لقراءة البحث كاملاً: انقر هنا

اقرأ المزيد...

الوسوم: