"عقلية الضحية".. كيف نورثها لأطفالنا؟

الخوف وفقدان الأمان عاملان حاسمان في تشكيل عقلية الضحية؛ وبحسب السيكولوجيين، فإنّ هذه العقلية؛ تتّسم بانعدام الثقة، وتركّز على الجوانب السيئة في الآخر، واستشعار النوايا السلبية لديه، ما يؤدي إلى اتخاذ موقف دفاع دائم، يرافقه كيل الاتهامات، وتقسيم الناس إلى طيبين وأشرار، دون إيجاد منطقة حيادية بينهم.

اقرأ أيضاً: التربية الأخلاقية الفعالة ومحو الأمية العاطفية

وتتصف هذه العقلية بالعناد، ورفض الاقتراحات والنقد البناء، وهي في المقابل؛ تمارس انتقاداً دائماً للآخرين، ولا يمكنها أن تتصف بالتسامح في ظلّ الأحقاد التي تحتفظ بها تجاههم، وتعتمد على مقارنة دائمة مع الآخرين فقط، لتثبت أنها الأفضل؛ ونظراً لما تنطوي عليه هذه العقلية، ربّما يتمكّن كلّ فرد منا أن يحدّد مدى ابتعاده، أو اقترابه، أو تماهيه مع هذا المفهوم.

التوجس والريبة والشكّ هي الأدوات الأبرز في عقلية الضحية في مواجهتها للعالم، ما يجعل عدم الثقة السمة الأبرز للعلاقات

بإمكاننا أن نتلمس الواقع المرّ الذي نعيشه ونعايشه، من خلال العناوين العريضة التي تتصدر حياتنا؛ "ضحايا الحروب، ضحايا الفقر، ضحايا الجنس، ضحايا الاستبداد، ضحايا التطرف، ضحايا العادات والتقاليد، وضحايا بالصدفة، أو بخطأ صحّي، أو تقني، أو حكومي، قد يودي بحياة العشرات"، كما بإمكاننا أن نلاحظ الامتنان الخجول والمظلم الذي يتسرب إلى نفوسنا؛ بأنّنا لسنا من عداد هؤلاء الضحايا، وهذا ما يجعل كلّ فرد منا يعمل بعقلية الضحية، كي ينجو من وقوع الفعل عليه.

وحالة القلق الدائم التي يوجدها الخوف وعدم الشعور بالأمان في الفرد في مجتمعاتنا؛ تجعله مهدداً باستمرار، فأينما يوجد التهديد سيحدق الخطر بالجميع، ويتنامى الإحساس التدريجي بالعجز والضياع، وعندما يفقد الفرد فاعليته الإنسانية، يكون هذا الإحساس قد وصل ذروته، لتتجاوز عقلية الضحية الحالات الفردية، وتنسحب على مجتمعات بأكملها تفتك بها عُقد هذه العقلية.

اقرأ أيضاً: التربية على التسامح: مفتاح الحكمة في موسوعة السلم

إنّ التوجس والريبة والشكّ الأدوات الأبرز في عقلية الضحية (عقليتنا) في مواجهتها للعالم، وهذا ما يجعل عدم الثقة السمة الأبرز للعلاقات العامّة والخاصة، لتصبح العدوانية الرابطة الأهمَّ التي تشدّ الأفراد إلى بعضهم، وتفسح المجال للعصبيات أن تزدهر في ظلِّ رعايتها وتنظيمها للعدوان؛ فالعصبيّة هي الملاذ الحصري للشعور بالأمن، في عالم يقف فيه كلّ شيءٍ ضد الإنسان، ومن الطبيعي هنا أن تنشط آليات الرفض والنفي والإقصاء؛ فالمختلف بما يخلقه من تهديد للعصبية سيجعل منه عرضةً دائمةً للانتقاد وكيل الاتهامات والتخوين.

كلّما زاد التهديد تعمّقت العصبية، وانغلقت عقلية الضحية، وهذا ما يهدم منظومة التعاون والتكافل التي لا تنمو خارج الاعتراف الكامل بالآخر

نحن الآن في القرن الواحد والعشرين، وما يزال قول: "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب" قولاً نافذاً يؤسس لعلاقاتنا؛ هذا القول يحمل إشارة واضحة على أنه كلّما زاد التهديد تعمّقت العصبية، وانغلقت عقلية الضحية، وهذا من شأنه أن يهدم منظومة التعاون والتكافل التي لا يمكن لها أن تنمو خارج الاعتراف الكامل بالآخر؛ فالقصة التي ترددت كثيراً في مسامع طفولتنا: "عود واحد يُكسر، لكن حزمة لا يمكن كسرها"، قصةٌ باتت الآن موسومة بالعدائية والأنانية؛ لأنّها محمّلة بمخاوف التنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية، هي فقط تشير إلى نمط أحادي من علاقات محكومة بالخوف، وتتناسى عمداً أنّ قوة الفرد تكمن في إنسانيته، التي يقوم جوهرها على الاعتراف والتعاون والمحبة.

ما لم نتحرر من عقلية الضحية، سنستمر في مراكمة هذا الإرث الثقيل الذي نتناقله جيلاً بعد جيل بأمانة متناهية، يكفي أن ننظر إلى أطفالنا، وماذا صنعنا ونصنع منهم، وأنّ ما نزودهم به سيعيد فقط إنتاج الظروف التي تهددنا فقط؛ فنحن نزودهم بالخوف من كلّ شيء، وكلّ شيء يغدو فزّاعة ونحن نرفع في وجوههم الشاخصات التحذيرية نفسها التي صنعناها لأنفسنا: "انتبه طريق وعرة، انتبه طريق ملتوية، انتبه تقاطع طرق، انتبه اكتظاظ، انتبه أمامك إشارة قف، انتبه منحدر خطر، انتبه مكان خطر، انتبه مطبات، انتبه مغلق، انتبه ممنوع التجاوز، انتبه تقدم بحذر، انتبه طريق بدون مخرج"، وتطول القائمة.

اقرأ أيضاً: منهاج التربية الدينية وأثره في المراحل التعليمية الأولى

إنّ ما نلمسه من عدم الثقة لدى أطفالنا؛ هو نمط التنشئة الذي ننتهجه في تربيتهم، فيكفي أن نراقب أنفسنا ونحن نملي على أطفالنا، لحظة ذهابهم إلى المدرسة، قائمة وصايا الممنوعات والمحذورات، وكمّ الأسئلة البوليسية حال عودتهم، لتبقى جملة "أتمنى أن تستمتع بوقتك"، أو "هل استمتعت بوقتك؟" عصية على ألسنتنا، وهو تحديداً ما يضع الطفل على درب طويل وشاق من المعاناة والألم وإثبات الذات والتبرير، بما معناه؛ هو ما يجعل عقلية الضحية تتجذّر في كيانه، فالجميع تسنّت لهم مراقبة مجموعة من الأطفال وهم يلعبون، ورؤية كمّ العدوانية والعنف الذي يتخلل ألعابهم، وتواصلهم القائم على الذمّ والقدح والتكذيب، والجملة الشائعة التي يقصفون بعضهم بها: أنت كاذب أنت كاذب، حتى لو قال أحدهم معلومة طفيفة مثل: تناولت البارحة الزيت والزعتر.

بإمكاننا أن نتلمس الواقع المرّ الذي نعيشه ونعايشه، من خلال العناوين العريضة التي تتصدر حياتنا

يساهم ما يتمّ تلقينه للطفل في تلبّسه عقلية الضحية، وليس ذلك فقط؛ فالذكاء المغلق الذي ستزوده به هذه العقلية، يجعله يجيد تمثيل هذا الدور، في أسر تعتمد في تربيتها على الخوف والترهيب والمفاضلة مع الآخرين، باعتبار أنّ هذا الدور هو الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن ينال التعاطف والشفقة والتبرير، ويجنّبه تحمّل المسؤولية التي نهرب منها جميعاً.

أخيراً؛ يجب أن نعلم أننا حين ندرك أنّ ما نفعله هو ما يصنعنا ويصنع أطفالنا، وأنّ العلاقة التي نصوغها مع بعضنا ومع العالم، هي التي تشكل هويتنا، وأنّ هذه الهوية قد تنحدر أو تسمو بمقدار ما تقارب الجانب الإنساني فينا؛ سنعي وقتئذ "ماذا يعني أن نتربى على أن نكون أشخاصاً خائفين وحاقدين، ونشعر بأننا ضحايا دائمين للآخرين، وفي الوقت عينه؛ أننا أشخاص مختارون من السماء، على أساس أننا من أخير الأعراق، أو من أنقى السلالات، أو من أفضل الأمم؛ هذا يعني أنّ شخصاً كهذا قد خسر الإنسان الذي في داخله، وتحوّل إلى شخص مضطرب، يعاني فصاماً داخلياً، ويتعاطى بطريقة فصامية ومزدوجة مع الحياة"، بتعبير عماد سلمان.

الأقسام: