"عقلية الضحية".. كيف نورثها لأطفالنا؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
7070
عدد القراءات

2018-12-16

الخوف وفقدان الأمان عاملان حاسمان في تشكيل عقلية الضحية؛ وبحسب السيكولوجيين، فإنّ هذه العقلية؛ تتّسم بانعدام الثقة، وتركّز على الجوانب السيئة في الآخر، واستشعار النوايا السلبية لديه، ما يؤدي إلى اتخاذ موقف دفاع دائم، يرافقه كيل الاتهامات، وتقسيم الناس إلى طيبين وأشرار، دون إيجاد منطقة حيادية بينهم.

اقرأ أيضاً: التربية الأخلاقية الفعالة ومحو الأمية العاطفية

وتتصف هذه العقلية بالعناد، ورفض الاقتراحات والنقد البناء، وهي في المقابل؛ تمارس انتقاداً دائماً للآخرين، ولا يمكنها أن تتصف بالتسامح في ظلّ الأحقاد التي تحتفظ بها تجاههم، وتعتمد على مقارنة دائمة مع الآخرين فقط، لتثبت أنها الأفضل؛ ونظراً لما تنطوي عليه هذه العقلية، ربّما يتمكّن كلّ فرد منا أن يحدّد مدى ابتعاده، أو اقترابه، أو تماهيه مع هذا المفهوم.

التوجس والريبة والشكّ هي الأدوات الأبرز في عقلية الضحية في مواجهتها للعالم، ما يجعل عدم الثقة السمة الأبرز للعلاقات

بإمكاننا أن نتلمس الواقع المرّ الذي نعيشه ونعايشه، من خلال العناوين العريضة التي تتصدر حياتنا؛ "ضحايا الحروب، ضحايا الفقر، ضحايا الجنس، ضحايا الاستبداد، ضحايا التطرف، ضحايا العادات والتقاليد، وضحايا بالصدفة، أو بخطأ صحّي، أو تقني، أو حكومي، قد يودي بحياة العشرات"، كما بإمكاننا أن نلاحظ الامتنان الخجول والمظلم الذي يتسرب إلى نفوسنا؛ بأنّنا لسنا من عداد هؤلاء الضحايا، وهذا ما يجعل كلّ فرد منا يعمل بعقلية الضحية، كي ينجو من وقوع الفعل عليه.

وحالة القلق الدائم التي يوجدها الخوف وعدم الشعور بالأمان في الفرد في مجتمعاتنا؛ تجعله مهدداً باستمرار، فأينما يوجد التهديد سيحدق الخطر بالجميع، ويتنامى الإحساس التدريجي بالعجز والضياع، وعندما يفقد الفرد فاعليته الإنسانية، يكون هذا الإحساس قد وصل ذروته، لتتجاوز عقلية الضحية الحالات الفردية، وتنسحب على مجتمعات بأكملها تفتك بها عُقد هذه العقلية.

اقرأ أيضاً: التربية على التسامح: مفتاح الحكمة في موسوعة السلم

إنّ التوجس والريبة والشكّ الأدوات الأبرز في عقلية الضحية (عقليتنا) في مواجهتها للعالم، وهذا ما يجعل عدم الثقة السمة الأبرز للعلاقات العامّة والخاصة، لتصبح العدوانية الرابطة الأهمَّ التي تشدّ الأفراد إلى بعضهم، وتفسح المجال للعصبيات أن تزدهر في ظلِّ رعايتها وتنظيمها للعدوان؛ فالعصبيّة هي الملاذ الحصري للشعور بالأمن، في عالم يقف فيه كلّ شيءٍ ضد الإنسان، ومن الطبيعي هنا أن تنشط آليات الرفض والنفي والإقصاء؛ فالمختلف بما يخلقه من تهديد للعصبية سيجعل منه عرضةً دائمةً للانتقاد وكيل الاتهامات والتخوين.

كلّما زاد التهديد تعمّقت العصبية، وانغلقت عقلية الضحية، وهذا ما يهدم منظومة التعاون والتكافل التي لا تنمو خارج الاعتراف الكامل بالآخر

نحن الآن في القرن الواحد والعشرين، وما يزال قول: "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب" قولاً نافذاً يؤسس لعلاقاتنا؛ هذا القول يحمل إشارة واضحة على أنه كلّما زاد التهديد تعمّقت العصبية، وانغلقت عقلية الضحية، وهذا من شأنه أن يهدم منظومة التعاون والتكافل التي لا يمكن لها أن تنمو خارج الاعتراف الكامل بالآخر؛ فالقصة التي ترددت كثيراً في مسامع طفولتنا: "عود واحد يُكسر، لكن حزمة لا يمكن كسرها"، قصةٌ باتت الآن موسومة بالعدائية والأنانية؛ لأنّها محمّلة بمخاوف التنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية، هي فقط تشير إلى نمط أحادي من علاقات محكومة بالخوف، وتتناسى عمداً أنّ قوة الفرد تكمن في إنسانيته، التي يقوم جوهرها على الاعتراف والتعاون والمحبة.

ما لم نتحرر من عقلية الضحية، سنستمر في مراكمة هذا الإرث الثقيل الذي نتناقله جيلاً بعد جيل بأمانة متناهية، يكفي أن ننظر إلى أطفالنا، وماذا صنعنا ونصنع منهم، وأنّ ما نزودهم به سيعيد فقط إنتاج الظروف التي تهددنا فقط؛ فنحن نزودهم بالخوف من كلّ شيء، وكلّ شيء يغدو فزّاعة ونحن نرفع في وجوههم الشاخصات التحذيرية نفسها التي صنعناها لأنفسنا: "انتبه طريق وعرة، انتبه طريق ملتوية، انتبه تقاطع طرق، انتبه اكتظاظ، انتبه أمامك إشارة قف، انتبه منحدر خطر، انتبه مكان خطر، انتبه مطبات، انتبه مغلق، انتبه ممنوع التجاوز، انتبه تقدم بحذر، انتبه طريق بدون مخرج"، وتطول القائمة.

اقرأ أيضاً: منهاج التربية الدينية وأثره في المراحل التعليمية الأولى

إنّ ما نلمسه من عدم الثقة لدى أطفالنا؛ هو نمط التنشئة الذي ننتهجه في تربيتهم، فيكفي أن نراقب أنفسنا ونحن نملي على أطفالنا، لحظة ذهابهم إلى المدرسة، قائمة وصايا الممنوعات والمحذورات، وكمّ الأسئلة البوليسية حال عودتهم، لتبقى جملة "أتمنى أن تستمتع بوقتك"، أو "هل استمتعت بوقتك؟" عصية على ألسنتنا، وهو تحديداً ما يضع الطفل على درب طويل وشاق من المعاناة والألم وإثبات الذات والتبرير، بما معناه؛ هو ما يجعل عقلية الضحية تتجذّر في كيانه، فالجميع تسنّت لهم مراقبة مجموعة من الأطفال وهم يلعبون، ورؤية كمّ العدوانية والعنف الذي يتخلل ألعابهم، وتواصلهم القائم على الذمّ والقدح والتكذيب، والجملة الشائعة التي يقصفون بعضهم بها: أنت كاذب أنت كاذب، حتى لو قال أحدهم معلومة طفيفة مثل: تناولت البارحة الزيت والزعتر.

بإمكاننا أن نتلمس الواقع المرّ الذي نعيشه ونعايشه، من خلال العناوين العريضة التي تتصدر حياتنا

يساهم ما يتمّ تلقينه للطفل في تلبّسه عقلية الضحية، وليس ذلك فقط؛ فالذكاء المغلق الذي ستزوده به هذه العقلية، يجعله يجيد تمثيل هذا الدور، في أسر تعتمد في تربيتها على الخوف والترهيب والمفاضلة مع الآخرين، باعتبار أنّ هذا الدور هو الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن ينال التعاطف والشفقة والتبرير، ويجنّبه تحمّل المسؤولية التي نهرب منها جميعاً.

أخيراً؛ يجب أن نعلم أننا حين ندرك أنّ ما نفعله هو ما يصنعنا ويصنع أطفالنا، وأنّ العلاقة التي نصوغها مع بعضنا ومع العالم، هي التي تشكل هويتنا، وأنّ هذه الهوية قد تنحدر أو تسمو بمقدار ما تقارب الجانب الإنساني فينا؛ سنعي وقتئذ "ماذا يعني أن نتربى على أن نكون أشخاصاً خائفين وحاقدين، ونشعر بأننا ضحايا دائمين للآخرين، وفي الوقت عينه؛ أننا أشخاص مختارون من السماء، على أساس أننا من أخير الأعراق، أو من أنقى السلالات، أو من أفضل الأمم؛ هذا يعني أنّ شخصاً كهذا قد خسر الإنسان الذي في داخله، وتحوّل إلى شخص مضطرب، يعاني فصاماً داخلياً، ويتعاطى بطريقة فصامية ومزدوجة مع الحياة"، بتعبير عماد سلمان.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"انتظر وانظر"... هل لعنة ميدوزا حاضرة في مجتمعاتنا؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-07-23

(أثق جداً به، ليس أهلاً للثقة، إنه موضع ثقتي، لا أثق به أبداً، لن يخون الثقة، لا يمكن الوثوق به، أثق بالزعيم ثقةً عمياء، أثق بمعتقداتي، أمنحك ثقتي، أحجب ثقتي عنك، أثق بأطفالي، لم تترك مكاناً للثقة).
في القراءة المتأنية لهذه العبارات وما يشبهها، سنجد أنّ مفردة الثقة تشغل حيّزاً واسعاً في معجم علاقاتنا الاجتماعية، وأهم ما يميزها، أنّها تتضمن حكماً على الآخر وتقييماً له، تبعاً للمواقف التي نتعامل معها بقصدٍ أو من دون قصد، كبالونات اختبار لغربلة علاقاتنا، بمنح الثقة للآخر أو حجبها عنه، ولكن هل هذا ما يُلخّص فهمنا للثقة، خاصةً أنّها تشكّل مفتاحاً وجودياً وتربوياً مهماً؟

تشغل مفردة الثقة حيّزاً واسعاً في معجم علاقاتنا الاجتماعية وتتضمن حكماً على الآخر وتقييماً له

تؤكد أزمة الثقة التي تجتاح مجتمعاتنا اليوم على عدم ثقة مستفحلٍ بين جميع الأطراف، وهذا يدلّل على استخدامنا المفتاح الخاطئ للثقة، أو بصورةٍ أدق إلى عدم فهمنا لها، فما هو فضاء الثقة الذي تدور به مجتمعاتنا؟ ربما يساعدنا كل من "روبرت سي سولومون" و"فرناندو فلوريس" في كتابهما "بناء الثقة"، على ضبط بوصلة واقعنا، من خلال طرحهما لثلاثة أنواع للثقة؛ "البسيطة" و"العمياء" و"الأصيلة"، وقد نعيد النظر في فهمنا للثقة وممارستنا لها.

فالثقة البسيطة التي تحضر بقوةٍ في علاقاتنا الاجتماعية، يُعرّفها الكاتبان على أنّها "الميل للاطمئنان إلى الشخص الموثوق به من خلال النتيجة، هذه الثقة تنظر بعينٍ طماعةٍ إلى المنفعة (انتظر وانظر)، يحددها الموقف وليس العلاقة"، إنّها تقوم على مفردتين: الاتكال وهو "إمكان التوقع" والكفاية و"هي القدرة على الأداء كما هو متوقع"، وهذا ما يشير إلى أنّ العلاقات التي تحكمنا ليست تفاعلية، بقدر ما هي علاقات انفعالية نفعية، يسيطر عليها اللاوعي الذي يُغيّب الفهم المتبادل بين جميع الأطراف.

اقرأ أيضاً: كيف نربّي قنّاصاً بارعاً؟
تتداخل الثقة العمياء مع الثقة البسيطة لتطمس الرؤية تماماً، لكنّ الثقة العمياء أكثر بروزاً في مجتمعاتنا كونها ترتبط بالعقائد والمعتقدات، وقد وصفها الكاتبان "أنّها ثقة ترفض الاعتراف بإمكانية عدم الثقة" فهي تعتبر الثقة مطلقة وغير مشروطة، لهذا تتسم "بالعناد والعمى"، وهي دائماً تنتهي إلى "الانغلاق وإلى موقف الدفاع"، "ويمكن لها أن تكون واضحة بشكلٍ مؤثر يدعو للإعجاب، ومتماسكة بشكلٍ ملحوظ، وفي بعض المناسبات مقنعة، ولكنّ الذي تفعله كما تفعل بقية الانفعالات، هو أنّها تحبسنا في نظرة خاصة ضمن حدود معينة، نظرة تقصي جميع البيّنات المضادة لها"، إنّها بذلك تُحكم إغلاق الدائرة الاجتماعية مع الثقة البسيطة بإضافتها إلى النفعيين والمنافقين، المتعصبين والمتشددين والمتطرفين.

يُعرّف الكاتبان روبرت وفرناندو الثقة البسيطة على أنّها الميل للاطمئنان إلى الشخص الموثوق به من خلال النتيجة

"أنا أثق بكَ ولا يوجد ما نتحدث عنه"، إنّها النفاقات الودية كما أشار إليها الكاتبان، والتي تؤدي إلى إهمال الثقة أو تعليقها إلى حين حاجتها، وهذا ما نلاحظه في الأسر؛ حيث تبقى الثقة مهملة، وأقصى ما نفعله أنّنا نجترُّ جملاً مثل (أنا أثق بأطفالي، أو منحتهم الثقة)، وكأنّ الثقة "شيء يمكن تبادله، فهناك من يعطي الآخر ثقته، وذلك الآخر يكسبها في المقابل"، فالثقة التي نتعامل معها كهدية أو منحة، نتفنن بمنحها أو حجبها بما يقتضيه الموقف، ينوء تحت وزرها أطفالنا؛ لأننا نوكل لهم ما نتوقع أن يقوموا به، وغالباً ما يكون ذلك مبنياً على أمنياتنا لا على فهم قدراتهم أو رغباتهم، إنّها الهدية الأكثر بؤساً بالنسبة لهم، فهي عبءٌ إن قبلوها وكارثة إن رفضوها، لذلك هم يتخبطون ما بين صون الثقة وخيانتها مما يولّد الكثير من القلق والإجهاد، وهذا سيدفعهم في كثيرٍ من الأحيان لممارسة ما يريدونه سراً، كي يتجنبوا العقوبات المادية أو النفسية، وهكذا نكون قد أعطيناهم أول درس في تعلم الخيانة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم نتعلم كيفية العد إلى عشرة؟

إنّ الصدمة التي تنتج عن عدم تحقق الثقة أو كما تسمى بخيانة الثقة مردّها "للعلاقة التي تنحصر في نطاق التوقع والكفاية وفقاً للمعايير المناسبة للدور، أو المهمة موضوع البحث" وهذا ما يجعل من اللامتوقع ذا وقعٍ كارثي، وخاصةً داخل الأسرة التي لا ترى العلاقة مع أطفالها إلّا كدور أو مهمة، فإيكهارت تول يخبرنا بأنّ "كثيراً من الأطفال يكتمون غضباً وامتعاضاً خفيين تجاه ذويهم، وغالباً ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة وعدم أصالتها، فالطفل لديه شوق عميق لكي يكون والده موجوداً وحاضراً ككائنٍ بشري لا كدور، بصرف النظر عن النية التي ترافق لعب هذا الدور، فقد تفعل كلّ ما هو مناسب وصحيح لطفلك، لكن حتى فعل الأفضل ليس بكافٍ في الحقيقة إذا ما أَهملتَ الكينونة"، الكينونة التي وصفها أوشو "بالطبيعة النقية" والتي ستتضح أكثر في مفهوم الثقة الأصيلة.

يكتم كثير من الأطفال غضباً وامتعاضاً خفيين تجاه ذويهم وغالباً ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة

إنّ الثقة الأصيلة كما طرحها كل من "سولومون" و"فلوريس": لا تأتي من خلال "مواقف عاطفية أو معتقدات حول شخص آخر، إنّها وظيفة تفاعل إنساني، حيث تكون العلاقة نفسها مركز الاهتمام، والاهتمام أهمّ مقومٍ جوهري، ليس بالنتيجة المباشرة وإنما بالعلاقة، وما يُدعى بالثقة لن يكون سوى توقّع واتكال من دون الاهتمام الذي يتضمن التواصل والفهم والتفاهم المتبادل، والمعرفة الحاذقة بالمخاطر والعوائق، والرغبة في إنشاء التعهدات والوفاء بها".

ما يتضمنه الاهتمام هو ما يشكّل الوعي، ويفتح الحواس على التأمل في العلاقة، مما يجعل الفرد "متيقناً من نفسه، ومطمئناً إلى قدرته على التعامل مع النتيجة أياً كانت، لأنه في صميم الثقة الأصيلة توجد فكرة الالتزام بالوعي الذاتي"، وهذا ما سيدعوه لأن يثق رغم كل مجازفات الثقة وأخطارها وعوائقها.

اقرأ أيضاً: "السوار الأرجواني"...هل هو حلّ لتذمّرنا؟

غياب الثقة الأصيلة التي تحافظ على العلاقات وتعمّقها وترممها هو ما يحوّل علاقة الوالدين بأطفالهم إلى مجرد دور، الدور الذي يغيّب الاهتمام، سيُفرغ العلاقة من الحب والاحترام، وسيجعل من جدارة الثقة التي تتضمن "الالتزام والواجب والمسؤولية"، مفهوماً غائماً بالنسبة لأطفالنا، طالما هو غائبٌ عنَا، وهذا ما سيقودهم للتعامل مع الالتزامات كإلزامات، ومع المسؤوليات كأعباء، ومع الثقة كرقيب على حركتهم ومشوش لاطمئنانهم، بدل أن تكون "جزءاً خلاقاً في جميع ممارساتهم الاجتماعية، يعمّق علاقاتهم ويجعلهم أكثر قدرة على التعاون والتنظيم، وأكثر حيوية ونشاطاً، وأكثر جسارة ومغامرة، وأكثر غنى وأكثر مرونة وأكثر ابتكاراً".

غياب الثقة الأصيلة التي تحافظ على العلاقات وتعمّقها وترممها يحوّل علاقة الوالدين بأطفالهم إلى مجرد دور

إنّ جميع النظم التربوية والاجتماعية التي تُخرِج مسلسل القيم، ستقف حجر عثرة في وجه السلام، ما لم توسّع أفقها، فما يتم تصديره على أنّه الثقة، لم يسهم حتى الآن في خفض التوتر الحاصل بين الأفراد والمجتمعات، ولا بجعل علاقاتنا أكثر جدوى، وقد يؤدي الهدر المستمر لفرصة أن نثق ببعضنا إلى هدر الحياة نفسها، فجملة "انتظر وانظر" التي تشكل ثقتنا لن تكون أقل أثراً من لعنة ميدوزا، لهذا فإنّ الثقة الأصيلة هي الرهان الأخير على صلاحية وجودنا مع بعضنا البعض، وما علينا سوى أن ننظر أولاً بكل الاهتمام والحب إلى ما يجمعنا، وحينها لن ننتظر سدىً ما سيجعل الوجود مطمئناً.

للمشاركة:

اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

2019-07-23

لا يخفى أنّ مقاربة الدين تنزّلت منازل كثيرة، وأُدخلت إلى آفاق تأويليّة مختلفة؛ فالدين مشكل فلسفي كبير دائماً ما يكون محرجاً لكل فلسفة، وإن الدعوات الصلبة التي تدّعي انتهاء الدين كمشكل فلسفي أو كحقل لإنتاج المعنى قد انتهى، لا تصحّ، فإذا كانت الممارسة الدينيّة نفسها في ازدياد في السياقات العالمية اليوم، إلّا أنّ الاضطلاع النظري الفلسفي بالمشكل الديني اكتسب راهنية كبيرة، هذا إذا اتفقنا بالأساس أنّه قد انتهى أصلاً.

اقرأ أيضاً: علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

إنّ كلّ فلسفة بالضرورة هي قول في الدين وعنه؛ لأنّ الدين منافس رمزي على توفير المعنى في التاريخ، كما أنّ له مزية التشريع الأخلاقي والروحي للموجود، فكل فلسفة لا بدّ أن تحدّد موقفها النظري منه، وليس فقط الفلسفة؛ بل إنّ السياسة نفسها مخولة بهذا الدور العمومي لإنتاج المعياريّة، والكلّيّات المتعلّقة بمعايير الصواب والخير العمومي والمشترك والجمال، إلخ.

الدين كاستلاب؟

الفلسفات التي تحدّد علاقتها بالدين بالسلب بدءاً من تصوّر الدين كقوّة استلابيّة (الماركسيّة) وأيديولوجيا زائفة تنغّص على الجماهير تكوين وعيٍ سليم، وانتهاءً بالفلسفات المنطقيّة الوضعيّة التي ترى في الميتافيزيقا عموماً أقوالاً بلا مضامين، وخطابات بلا معنى قابل للتجريب المنطقي (فهي لم تقطع مع الدين فقط، بل مع الفلسفة غير الوضعيّة التي تعمل ضمن إستراتيجية الميتافيزيقا).. هذه الفلسفات لم تنهِ الدين كمشكل فلسفي، بل أحيته في الحقيقة.

إذا كان النّسق الديني هو نسق رمزي بالأساس ويقوم على السرد فإنّ اللغة هي الحاضن الأساس للتجربة الدينيّة

والحال أنّ هذا المنظور الماركسيّ الكلاسيكيّ للدين الذين يحدّد الدين وفقاً لعبارة ماركس باعتباره وعياً زائفاً، أو "أفيوناً للشعوب" قد جُوبه في الدراسات الحديثة المختصة بدراسة الدين والعلماني، وكيف أنّ هذا التصور لا يدرك ماديّة الدين، ويجعله من ضمن البنية الفوقيّة التي تُنتجها البنية المادية التحتية (الاقتصاد).

ومن الأعمال المختصّة بأنثربولوجيا الدين التي تحدّت هذا التصور الماركسي الضيّق للدين، كان عمل طلال أسد، هذا العمل الذي يوضّح أنّ مفهوم الدين كاعتقاد هو نفسه جزء من الإطار العلماني المعياري الذي لا تُستثمَر فيه ماديّة الدّين الخاصّة. ولا يُبقي هذا الإطار العلمانيّ مفهوماً تصوّرياً (ideational) وذاتوياً للدين على حساب عناصره الماديّة فحسب، وإنّما يفشلُ أيضاً في إدراك الكيفيّة التي بها يتمّ تمكين التديُّن الحديث (سواء أكان اعتقاداً بالتعالي، أوهويّة سياسيّة، أو أيديولوحيّة للدولة) وتكاثره عن طريق المؤسّسات العلمانيّة التي غدت أكثر انغماساً، لا أقلّ انغماساً، في صياغته وممارسته.

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي

وبالفعل، إذا كان الديني والعلماني متشابكين بثباتٍ في الحقبة الحديثة، فإنّ كلاً منهما يَشْرُط الآخر، ومن ثمّ تكون المسألة غير متعلّقة بكيف يمكن للمجتمع الحديث أن يمحو الدينَ من الحياة الاجتماعيّة (كما تصوّر ماركس)، ولكن كيف لنا أن نفسّر سلطته المستمرّة وإنتاجيته من الناحية المادية والخطابية، كما توضّح بجلاء صبا محمود في كتابها "الاختلاف الديني في عصر علماني".

علينا أن نعترف أنّ العقل النظري المجرّد لم يعد قادراً على إنتاج قول حول الدين يوضّح طاقته الرمزيّة ومعياريته الفائقة، التي لا تتنزل في حدود الطبيعيات، بل هي أبعد من ذلك؛ ليس بمعنى أنّ الدين محض ميتافيزيقا أسطوريّة خالية من تشريع للعقل العملي والأخلاقي، وكذا من توفير "سكن" ما مطمئنّ داخل العالَم، لكن بمعنى أنّ الدين مخوّل بوظائف رمزية متعلقة بمعقولية موسعة تتجاوز أطر العقل النظري للدخول في آفاق اللغة التي هي البنية الأساسية للدين، نظراً لكون الدين لغة بالأساس.

تجاوز مراتب العقل نحو اللغة: المقاربة السرديّة

للمفكّر المغاربيّ الشهير، طه عبدالرحمن، تفريق يستخدمه ويقوم عليه مشروعه الأخلاقي بل والمعرفي منذ صدور كتابه "سؤال الأخلاق.." عام 2001، وهو أنّ العقل له ثلاث مراتب يتنزل فيها: فأولاً، هناك العقل المجرّد والنّظري والمحض، وهو الذي حظي من عبدالرحمن بتأبين كبير، وحكمَ بعدم صلوحيته أخلاقياً ومنطقياً كونه ضيّقاً ومحدوداً وفقيراً؛ ثانياً، هناك العقل المسدّد، وهو العقل الذي له صلوحية عمليّة ولكنّها محدودة، كونه غير مؤيّد بالدليل الصحيح والعمل القويم؛ ثالثاً، هناك العقل المؤيّد، وهو العقل الذي يحظى باحتفال رائع من عبدالرحمن، فهو العقل الصالح الذي يجعل كلّ طبيعة آية، كما أنّه يرتقي بالنظري إلى آفاق موسّعة تتعدى ما هو طبيعي.

علينا الاعتراف أنّ العقل النظري المجرّد لم يعد قادراً على إنتاج قول حول الدين يوضّح طاقته الرمزيّة ومعياريته الفائقة

ولكنْ ثمّة إشكال نطرحه حول هذا التفريق للثالوث العقلي الذي نصبه طه عبدالرحمن، وهو: هل هذا التفريق إبستمولوجي أم هرمينوطيقي؟ أي، هل هذه الرّتب الثلاث للعقل هي رتب تتعلّق بإنتاج المعرفة في صورتها الأساسية من حيث هي المبادئ الحاكمة لإنتاج المعقوليّة، أم هي رتب هرمنيوطيقيّة تتعلّق بتأويل الوجود والنصوص والكون؟

ما أردتُ الإشارة إليه في تفريق طه عبدالرحمن هو الاستشهاد بأنّ العقل في بنيته متعدّد، أو لنقُل، بما أنّنا في أفق طه عبدالرحمن، متكوثر، يتدرّج من رتبة إلى رتبة بناءً على الموضوع الذي يتعاطى معه، وبناءً أيضاً على العمل الذي يقوم به ويوجّه السلوك الإنساني.

اقرأ أيضاً: اللغة وكيفية الإفادة من الحُزم الرّمزية

إلّا أنّني، بشيءٍ كبيرٍ من الاحتراز، أريد أن أطرح بعض الأفكار في إنشاء معقولية دينية تستندُ إلى الدين ضمن فضاء آخر، يمكن أن نطلق عليه "المعقولية اللغوية"، وفيه ننطلق من بنية اللغة الأنطولوجيّة، وكيف أنّ اللغة تحيل إلى الغيب والعوالم الأخرى ضمن بنيتها بالأساس، وأنّ ذلك يتناسب والمجاز الكامن في الإنسان والرمزيّة المعتقّة فيه. فالإنسان هو الكائن الرامز، تبعاً لياسبرز؛ أي هو القادر على تحويل كلّ شيء إلى رمز يحيل إلى غيره، وهكذا. وإذا كان النّسق الديني هو نسق رمزي بالأساس ويقوم على السرد، فإنّ اللغة هي الحاضن الأساس للتجربة الدينيّة، وهي المربط الذي يمكن الانطلاق منه لفهم الدين في نصوصه المنزّلة.

اقرأ أيضاً: اللغة الإنجليزية في خطر.. هذا هو السبب

وحول تلازم التجربة الدينية واللغة، علينا أن نقرأ هذا النص لبول ريكور موضحاً هذا الأمر: "إن التجربة الدينية لا يمكن اختزالها بالضرورة في اللغة الدينية. لكن مع ذلك كلما شددنا على الشعور بالارتباط المطلق وعلى الثقة اللامحدودة وعلى الأمل بدون ضمانة وعلى الوعي بالانتماء إلى تراث حي، وعلى الالتزام الكلي في المستوى الأخلاقي والسياسي إلا ونجد أن كل لحظات التجربة الدينية تجد في اللغة وساطة ضرورية ليس فقط للتعبير عنها، بل لجعلها تتمفصل في المستوى نفسه الذي تظهر فيه وتنمو. فالتجربة غير الموصولة باللغة تظل عمياء مبهمة ولا تواصلية، وإجمالاً فالأمر لا يتعلق بلغة في تجربة دينية، بل لا وجود لتجربة دينية بدون لغة"، كما في مقاله: (الخطاب الديني بين الشعرية والرمزية).

إنّ كلّ فلسفة بالضرورة هي قول في الدين وعنه لأنّ الدين منافس رمزي على توفير المعنى في التاريخ

إنّ المعقولية الدينية لدى الإنسان متعلّقة بشكل رئيس حول نفخة المجاز بداخله منذ البدء. فعندما خُلق الإنسان، خُلق فيه المجاز؛ فلا يتكلّم إلا رمزاً ومجازاً، لا تصريحاً. والمجاز، هاهنا، لا يتعلّق بالمشكل التقني للغة لتفسير دلالة ما، بل هو أبعد من ذلك؛ حيث إنّ المجاز هو أساس في بنية الإنسان التصورية؛ لأنّه لا يتطابق والأشياء، كما أنّه غير قادر على معرفة الأشياء في ذاتها، لذلك فالإنسان يعيش المسافة دائماً، ليس بينه وبين الخارجي والأشياء فقط، بل بينه وبين نفسه كذلك. وهذا درسٌ لطيفٌ من الفلسفة المعاصرة؛ حيث أوضح لنا أنّ النّفس واقعة هناك بعيداً عن الإنسان، ومن ثمّ فالإنسان يتعاطى مع "نفسه" -ولا بدّ من وضع مزدوجتين على نفسه- ضمن تأويل وليس كتطابق. وإذا كان الدين بالأساس يقوم على فكرة الغيريّة حيث هناك الله والإنسان، والإنسان يفهم مقاصد الإله ضمن النصّ الذي هو لغة؛ فإنّ المجاز يتدخّل في معقوليّة الإنسان الدينيّة.

اقرأ أيضاً: اللغة بين نمطين من التفكير.. هل "العربية" استثناء؟

فالمجاز -ككامن داخل الإنسان- هو القادر وحده على منح هذه المشروعية للمعقوليّة الدينية لديه؛ لأنّ المجاز يفترض أساساً أنّ هناك ما لا يُمكن أن تحتمله لُغة العابرين، وأنّ ثمة عالماً آخر، وذاتاً أخرى، يكون الحديث عنها بالرمز لا بالتصريح؛ أي إنّ المجاز يفترضُ "غياب" وجه من الوجود والنصّ، ليس على شكلٍ غنوصيّ، ولكن على شكل مسافة يبتكرها بين الإنسان و"غيره"، مما يتيح إمكانيّة للتجدُّد داخل التاريخ، ويجعل الحقيقة دوماً رهن العمل والجدّ والسعي، والقرآن الكريم يؤكّد دائماً على مفهوم السعي الجماعي لبلوغ الحقيقة، وليس على الحقيقة الناجزة التي تلغي الإنسان.

فإذا كان الدين بالأساس يقوم على افتراض عوالم أخرى غير عالم الإنسان الذي يعيش فيه، فإنّ الإنسان بداخله يمتلك معقوليّة مناسبة تتناسب وهذه العوالم المفارقة التي يفترضها الدين؛ أي إنّ الدين ليس فوق العقل، بقدر ما هو ينزل في معقوليّة غير المعقوليّة الطبيعية لدى الإنسان. بل إنّنا نعلم مع الدرس الفلسفي المعاصر، واللسني، أنّ الإنسان يعيد بناء عالمه الطبيعي استعارياً كذلك؛ فهو يتكلّم عن كلّ شيء بالاستعارة، ويشكّل الوجود الطبيعي بلغة محمّلة بالاستعارة والمجاز، ويمكن في هذا الصّدد أن نقرأ كتاب جورج ليكوف الذي عنونه بعنوان طريف: "الاستعارات التي نحيا بها"، وكذا أطروحة بول ريكور في كتابه: "الاستعارة الحيّة".

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

لذا؛ فالإنسان يمتلك شرعيّة كامنة تعطي صلاحية لهذه المعقوليّة الكبرى مقابل المعقوليّة الصغرى. ويبدو أنّ هذه المعقوليّة الأخيرة تنبني بالأساس من خلال الرؤية الكونيّة التي تكونها المعقولية الكبرى -المعقولية الدينيّة-. فالإنسان كائن مجازي، لا يمكن أن يتعلّق بالبصر دون البصيرة، وبالرؤية دون الرؤيا.

كما أنّ بنية الدين تقوم على بنية سرديّة بالأساس؛ فالدين لا يريد أن يقنع معتنقيه بأدلّة عقليّة دغمائية على وجود الله والعالم الآخر، بل هو يحكي عن الله ويسرد عن آثاره في الوجود، ويقصّ على معتنقيه قصص الأمم السالفة وكيف تلقوا الرسالة الإلهية. لأنّ اللغة توصل ما لا يثبته العقل، ليس العقل رتباً بقدر ما هو معقوليّات عدّة وتحتلّ اللغة فيه منزلة عليا بحيث تثبت الكثير مما لا يمكن لمجرّد العقل -إن استعرنا من كانط- إثباته والتأكّد منه؛ للحدود التي يفكّر فيها العقل المحض الزمكانيّة.

وهناك بُعدٌ آخر لدحض هذه الرؤية الطبيعيّة للغة وللتواصل الإنساني. فإنّ الثقة التي نتبادلها في حوارنا، ليست ثقة طبيعية، بل هي ثقة شهاديّة؛ تفترض/ تشهد بالإحالة إلى مفارقيّة موجودة بالخارج هي من تعطي لثقتنا معنىً. والدليل على أنّ هذه الثقة ليست طبيعية، أننا لا نتحدث بلغة طبيعية، بل نعيد بناء العالم كلّه بدءاً من الأشياء الصغيرة حتى الأشياء العظيمة من خلال فكر استعاري وليس طبيعياً. فالمجاز -إذا نُظر إليه كأساس كامن في الإنسان- ليس نقيض الحقيقة، بل هو رديفها وصاحبها الذي يوسّع من مجالاتها وتبدّيها في الوجود.

فإذا كان الإنسان كائناً حوارياً يدخل في حوارات مع إخوته من بني البشر بشكل ذي كلام، وفي حوار صامت مع أمّه الطبيعة بشكل ذي همهمات، فإنّ ذلك يعني وجود ثقة مسبقة بينه وبين الغير الإنساني. وهذه الثقة لا يمكن التسليم أنّها ثقة طبيعية، بل هي ائتمانيّة غيبيّة بالأساس، تعني الثقة بالموجود أمامي، بالإنسان.

مأزق في دراسة الدين ونقد الثيولوجيا

والحال أنّ من المآزق الحالية الفلسفيّة في دراسة الدين، كما نتعلّم من كلّ دارسي الدين منذ مارسيل موس وحتى طلال أسد في أبعاده الأنثربولوجيّة، هو مأزق الافتراض البروتستانتيّ الذي عولمته الحداثة في التعامل مع الدين كاعتقادٍ خاصّ، دون أيّ إيلاء اهتمام بأبعاده الماديّة (الممارسيّة المتشكّلة في الطقوس، والعمل الدينيّ، والشعائر). وبهذه الوتيرة الحداثويّة، راح دارسو الدين ينظرون إليه، سواء بعض الدراسات الغربيّة أو الحداثيين العرب كنصر أبو زيد وحسن حنفي وغيرهم، إلى اعتبار أنّ الجوهر هو الذاتيّ في الدين، كنسقٍ ميتافيزيقيّ، والممارسة لا ضرورةَ لها.

وبالتالي، يغدو الإشكال الأساسيّ في دراسة الدين من منظور فلسفيّ محض هو أن هذه الدراسة تتعاطى مع الدين في أبعاده النظريّة الصرفة، وبالتالي تتحول هذه الدراسة من كونها تتعلق بنسق من الرموز والممارسات المجسدة والحيّة إلى نوع من الميتافيزيقا. ما ينبغي التأكيد عليه دوماً هو أن الميتافيزيقيّ مختلف عن الدينيّ؛ فالدينيّ له ماديّة معينة لا يمكن أن يتخلّى عنها وإلّا تحوّل إلى تأمل. لذا، لا دين بلا ممارسة؛ أي، بلا ماديّة معينة.

من لا يفرّق، ولا يدرك هذا التغاير والتمايز، سيقع في دراسة عن الدين تنتهي به إلى كونه تصوفاً في أحسن الأحوال، أو هذياناً وعصاباً فردياً وجماعيّاً في أسوئه. وهذا ما حدا بسوسيولوجيين كثر إلى دراسة الدين كشطحات لهذيان نفسانيّ. وبالتالي، فهناك فارق لا بدّ من التنبه له بين الميتافيزيقيّ والدينيّ. فالدينيّ له اعتباراته الماديّة كما أوضحت من ممارسة حيّة متصلة به، ولا يمكن فهمه إلّا عن طريق تلك الممارسة. الميتافيزيقا محض فلسفة، لا أعني أنّها خالية من المضمون تماماً، ولكن أقصد أنّها توقعنا في مآزق لا يمكن حلّها، وبالتالي تغدو اللغة ترياقاً جيّداً ومعقولاً كما اقترحته للميتافيزيقا.

خلاصة

ما أريد أن أقوله -بصورة مختصرة- إنّ اللغة هي القادرة، إذا أعيد التفكير فيها أنطولوجياً وليس تفكيراً لغوياً من حيث أداة تواصُل، على إعادة التفكير في المشروعية المتحققة للمعقوليّة الدينية وصلابة هذه المعقوليّة التي يولّد منها الإنسان القيمة والثقة في حياته، والتي هي أيضاً معقوليّة مُسلِّمة؛ تُسلم لأنّها تعي الإنسان في كلّيته، وليست معقوليّة منظّرة؛ تنظّر أدلّة للغيب يقبلها مجرد العقل المحض.

للمشاركة:

النكتة السياسية تواصل الرقص على الجراح

2019-07-22

من جيب معطف الهجاء المرير، خرجت السخرية اللاذعة. ومن جيب الأخيرة خرجت النكتة بأنواعها؛ السياسية والاجتماعية والفكرية، الفصيحة والعامية، المهذّبة والمكشوفة. وإذا كان الهجاء يعبِّر عن مشاعر الغضب والكراهية والاحتقار على نحو مباشر قد يخلو أحياناً من اللوذعية، فإنّ السخرية تعبر عن رغبة عميقة في تسخيف وتسطيح الخصم إلى درجة يسهل معها احتماله والتعايش معه فضلاً عن فلسفة العديد من جوانب هذا الموضوع بواسطة (الكوميديا السوداء) على طريقة (شر البَليّة ما يضحك)! وأما النكتة فهي الدفع بالسخرية إلى أقصى حدودها الممكنة عبر اختلاق مفارقة ما وتفجيرها على نحو مباغت وصاخب، يستدعي في الغالب الضحك الطويل دون تحفّظ.

اقرأ أيضاً: ترند "مر أعرابي".. السخرية الاجتماعية تدخل معركة التراث
يمور تاريخ الفكر والفلسفة تحديداً، بالعديد من النماذج الساخرة المبكية المضحكة في آنٍ واحد، بدءاً بسقراط الذي لم يتردد في أن يقول لزوجته بعد أن ضاقت باستغراقه الفلسفي ذرعاً ودلقت على رأسه سطلاً من الماء: (ما زلت تُبرقين وتُرعدين حتى أمطرتِ)! مروراً بهنري برجسون الذي أهدى العالم كتابه الأشهر (الضّحك)، وليس انتهاء بجورج برناردشو الذي شبّه خلوّ رأسه من الشَّعر وكثافة لحيته بالاقتصاد الرأسمالي الذي يتصف بالغزارة في الإنتاج والرداءة في التوزيع!

السخرية تعبر عن رغبة عميقة في تسخيف وتسطيح الخصم إلى درجة يسهل معها احتماله والتعايش معه

كما تعجُّ الثقافة العربية القديمة بأخبار الحمقى والمجانين والطفيليين ونوادرهم، ولا تخلو أيضاً من النماذج الساخرة مثل بشّار بن برد وأبو نواس والجاحظ. علماً بأنّ الثقافة العربية القديمة تحديداً، أولت السخرية والنكتة والحق في الضحك قدراً كبيراً من عنايتها فبدت على قدر وافر من المرح وخفّة الظل. ورغم بعض الدعوات التي كانت تنطلق من آن لآخر إلى التجهم والجديّة الخانقة وذمّ الضحك، بصيغ عديدة ولأسباب سياسية وأيدولوجية، فقد ضربت هذه الثقافة بسهم وافر في فن السخرية بصيغه المسهبة أو استعاراته الكبرى، كما نلاحظ في كتب (المقامات)، وبصيغه المقتضبة أو استعاراته الصغرى، كما نلاحظ في كتب الأخبار والطرائف والنوادر.

اقرأ أيضاً: يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية
تدفعنا التفسيرات النفسية لشخصية صانع النكتة أو مروّجها، إلى الاعتقاد بأنّه يمارس ضرباً من الإسقاط بغية الحصول على الحد المطلوب من التوازن الذي قد يحول دون انهياره؛ فمن يكثرون من الضحك أو الرغبة في إضحاك الآخرين يعانون حزناً وألماً عميقين قد يصلان حد الاكتئاب، ومن يركّزون على النكات الجنسية لديهم جراح غائرة قد تصل حدود الكبت والعجز والعنّة. لكن النكتة بوجه عام، ومن منظور علم النفس الجماعي، تعد أحد أبرز مؤشرات المزاج الشعبي العام، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وهي لذلك أيضاً شكل عفوي من أشكال استطلاع الرأي العام.

يمور تاريخ الفكر بالعديد من النماذج الساخرة المبكية المضحكة في آنٍ بدءاً بسقراط مروراً ببرجسون وليس انتهاء ببرناردشو

ومن نافلة الحديث القول إنّ النكتة السياسية تحديداً قد استُخدمت وما زالت تُستخدم على صعيد الحروب النفسية بين الدول والجماعات على نطاق واسع وفعّال، ولها خبراؤها الذين يبدعون في إخراجها بمواصفات محدّدة، قد تتكفل أحياناً بإنجاز ما لم تنجزه الطائرات والغواصات والجيوش الجرّارة. ومن أبرز الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها على هذا الصعيد، رواية (مزرعة الحيوانات) لجورج أورويل، التي تُمثّل نكتة سياسية طويلة (استعارة كبرى) تهدف إلى تسخيف وتقويض النظام الشيوعي بوجه خاص، وكل نظام شمولي بوجه عام، بغض النظر عن هويته السياسية أو الاقتصادية أو الأيدولوجية. ولا ريب في أنّ ما تكفّلت به هذه الرواية وحدها على صعيد هزَّ الصورة الوردية للمجتمع الاشتراكي، قد فاق من حيث التأثير والفاعلية أضعاف ما كان يمكن أن تتكفّل به العديد من أسلحة الدمار الشامل - التي لم تُستخدم لحسن الحظ - في ذروة الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي.

النكتة بوجه عام ومن منظور علم النفس الجماعي تعد أحد أبرز مؤشرات المزاج الشعبي العام سياسياً واقتصادياً واجتماعياً

سجّلت النكتة العربية منذ اندلاع "الربيع العربي"، مستويات قياسية غير مسبوقة، شكلاً ومضموناً وتسويقاً؛ إذ علاوة على أنّها غدت عابرة لكل الخطوط الحمراء، فقد تجاوزت مرحلة الترويج الطوعي بقصد الترفيه غير الربحي، ودخلت مرحلة التسويق التجاري المدفوع سلفاً. وهي تستأثر بالعديد من المواقع الإلكترونية التي يؤمّها الملايين من المتابعين ويُعيدون إنتاجها عبر كل وسائل التواصل التي يملكونها. ومن البديهي القول بأنّ مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية في العديد من الأقطار العربية، تُمثّل الوقود النووي للنكتة السياسية في المقام الأول وللنكتة الاجتماعية في المقام الثاني، دون التقليل من أهمية المحفّزات الخارجية، مالياً ومعنوياً!
ورغم مشاعر الألم والمرارة والإحباط والعجز والحزن والغضب التي تثوي في البنية العميقة للنكتة العربية الراهنة، إلّا أنّ كُلّاً من الباحث والناقد والمحلل لا يسعهم التغاضي عن تنامي حسّ الدعابة وخفة الظل واللوذعية في الخطاب العربي الساخر من جهة، وفي شخصية المواطن العربي من جهة ثانية. وقد يكون من تمام التنكيت والتبكيت في هذا المقال، ضرورة الإشارة إلى أنّ الزوايا الأربعة في مربع النكتة العربية الآن، مشغولة بالسياسي والمواطن في الأعلى وبالزوج والزوجة في الأسفل؛ حيث لا يمر يوم دون أن تتفتّق قريحة الساخر المعلوم المجهول، المفرد والجمعي، عن التشهير بواقع العلاقة التي تقوم بين الأربعة على الخيانة والاستغفال، وتعداد المساوئ، وكأنّ العلاقة بينهم أصبحت محصورة بمفردات وآمال وطموحات وإحباطات غرف النوم!

للمشاركة:



قانون أسترالي جديد يتعلق بتنظيم داعش..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

تتّجه الحكومة الأسترالية إلى اتّخاذ المزيد من الإجراءات القانونية، بما يتعلّق بمواطنيها الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي.

واقتربت الحكومة الأسترالية من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر التنظيم المتطرف، ممّن يحملون جنسيتها إلى أراضيها، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

الحكومة الأسترالية تقترب من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر تنظيم داعش الإرهابي

ويمنح التشريع الجديد المثير للجدل، والذي ناقشه البرلمان الأسترالي، اليوم، وزير الداخلية، بيتر داتون، صلاحية تفعيل "أوامر إقصاء" لمنع الإرهابيين المشتبه بهم من العودة إلى الديار.

ويستند القانون الجديد إلى تشريع مشابه مطبق في المملكة المتحدة، يقوم بموجبه قاضٍ باتخاذ قرار حول مسألة تطبيق أمر بالإقصاء.

وقال داتون أمام البرلمان، مطلع تموز (يوليو) الجاري: إنّ "القانون يستهدف 230 أسترالياً توجّهوا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم داعش، وما يزال 80 منهم في مناطق تشهد نزاعاً مستمراً".

وبرزت مخاوف من أن يكون المقترح الأسترالي غير دستوري، ويمنح الوزير كثيراً من النفوذ، وطالب حزب العمال المعارض بإحالته إلى لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية لمزيد من الدراسة.

ويعدّ مشروع القانون أحد الإجراءات العديدة المثيرة للجدل التي يناقشها البرلمان في الأسبوع التشريعي الأول له منذ إعادة انتخاب الحكومة المحافظة، في أيار (مايو) الماضي.

وتتضمّن المقترحات الأخرى؛ إلغاء قانون "ميديفاك"، الذي يسمح بنقل طالبي اللجوء والمهاجرين الموقوفين في مخيمات في المحيط الهادئ إلى أستراليا للعلاج.

وأبدت المعارضة، حتى الآن، رفضها إلغاء القانون، وقال زعيم حزب العمال أنتوني البانيز: إنّه لا يعتقد أنّ الحكومة قدمت حججاً مقنعة.

وأضاف: "هناك قرابة الـ 90 شخصاً نُقلوا إلى أستراليا بموجب قانون ميديفاك، و900 نقلتهم الحكومة بنفسها قبل وجود القانون".

ودانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان سياسة كانبيرا المتشددة، إزاء قرابة 900 لاجئ ما يزالون على جزر ناورو وماناوس، التابعة لباباوا غينيا الجديدة.

غير أنّ أستراليا دافعت عن سياساتها الإنسانية في طبيعتها، قائلة: إنّ مئات الأشخاص قضوا غرقاً في البحر أثناء محاولتهم الوصول لأراضيها، وبأنها تسعى إلى ردع الناس عن القيام بمثل تلك الرحلات.

 

 

للمشاركة:

الانشقاقات تعصف بحزب العدالة والتنمية.. أسماء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

كشفت مصادر صحفية الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي، المحتمَل انشقاقهم عن الحزب الحاكم في المرحلة المقبلة، لينتقلوا إلى حزب علي باباجان الجديد.

وأوضح علي بايرام أوغلو، الكاتب الصحفي بجريدة "قرار"، المقربة من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو؛ أنّ الأسماء المؤكد انشقاقها عن الحزب للانضمام إلى حزب وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ورئيس الجمهورية السابق عبد الله جول، من داخل حزب العدالة والتنمية هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش، وفق ما نقت صحيفة "زمان" التركية.

كاتب صحفي يكشف الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية المتوقَّع انشقاقهم عن الحزب

ويعدّ بشير أتالاي الاسم الألمع داخل حزب العدالة والتنمية، خاصة أنّه من الدائرة المقربة للغاية من رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، وعمل نائباً له (2011-2014)، كما عمل قبلها وزيراً للداخلية (2007-2011).

أما سعد الله أرجون؛ فقد شغل منصب وزير العدل، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، كما أنّ نهاد أرجين أيضاً كان وزيراً في حكومة أردوغان، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، أما هاشم كيليتش؛ فقد كان رئيساً للمحكمة الدستورية في الفترة بين عامَي 2007-2015، والشخص الذي منع حلّ حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية عام 2008.

يذكر أنّ وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، تقدّم باستقالته من حزب العدالة والتنمية بشكل رسمي، ونشر بياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد فيه سياسات حزب العدالة والتنمية وأردوغان في الفترة الأخيرة، بصيغة شديدة اللهجة، كما كشف نيّته تأسيس حزب سياسي جديد ينافس حزب العدالة والتنمية، مع مجموعة من أصدقائه، دون أن يكشف هويته، إلا أنّ كواليس حزب العدالة والتنمية تؤكّد أنّه يسير مع رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، لتأسيس الحزب الجديد، ليكون غول رئيساً شرفياً للحزب.

على الجانب الآخر؛ شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكوكية من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وسط ادعاءات بأنّه كذلك سيؤسس حزباً منشقّاً عن حزب العدالة والتنمية، والتي لم ينفها خلال اللقاء المباشر الذي شارك فيه قبل أيام، وإنما قال: "كنت أتمنى أن يكون تحرّكي أنا وباباجان معاً، لكنّ السيد علي قرر الابتعاد"، كما وجه انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية وأردوغان، محمّلاً إياه المسؤولية الكاملة عن السياسات والإجراءات التي تمت خلال رئاسته للوزراء، وأنه لم يكن بيده أيّة صلاحيات.

الأسماء المؤكّد انشقاقها عن الحزب، هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش

وكان داود أوغلو قد أثار ضجة كبيرة، عندما قال إنّه عرض على أردوغان ترسيخ وتدعيم النظام البرلماني بدلاً من البحث عن أنظمة أخرى، ثم كشف السبب الحقيقي الذي دفع أردوغان وحلفاءه إلى إقالته من رئاسة الوزراء، في أيار (مايو) 2016، قائلاً: "كان يجب إبعادي من رئاسة الوزراء من أجل تنفيذ سيناريوهات من قبيل انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، والدفع بالبلاد إلى انتخابات متتالية، وتحقيق نقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي المغلوط".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تخفّف آلام اليمنيين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أطلقت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، عيادات طبية متخصصة في العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، بغية علاج المصابين بأمراض مستعصية، والجرحى الذين سقطوا بنيران ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران.

وافتتح الهلال الأحمر، ضمن المساعدات الإنسانية الإماراتية للقطاع الصحي اليمني، عيادتَين متخصّصتَين في المستشفى الجمهوري التعليمي، فرع عدن، لاستقبال وعلاج جرحى حرب الحوثي من المدنيين والعسكريين.

الهلال الأحمر الإماراتي يطلق عيادات طبية متخصصة في عدن بغية علاج الجرحى والمرضى

وتعالج العيادات الطبية في عدن الجرحى المصابين بالمخّ والأعصاب والعظام والمسالك البولية، فضلاً عن تقديم جراحة عامة، والتعامل مع الحالات الطارئة، بحسب الدائرة الصحية بألوية الدعم والإسناد في الجيش اليمني.

وكانت دولة الإمارات قد قدّمت، الشهر الماضي، بواسطة ذراعها الإنساني الهلال الأحمر حزمة مساعدات للشعب اليمني، تمثلت في مشروعات طبية وإغاثية وخدمية.

وأصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الاماراتية تقريراً بالأرقام عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، حيث بلغ إجمالي المساعدات 20.57 مليار درهم إماراتي (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



"الإخوان" المصريون وثورة 23 تموز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

إبراهيم الصياد

على رغم مرور 67 عاماً على ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر، إلا أن الجدل في شأنها لم ينقطع بين نُخب المثقفين أو حتى بين المواطنين العرب العاديين الذين ما زالت صورة جمال عبدالناصر تتصدر باحات منازلهم. يتمحور الجدل حول علاقة عبدالناصر بجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن الثابت تاريخياً ومن خلال شهادات محايدة مصرية وغير مصرية أن الرجل كان متديناً لكن ليس معنى هذا أنه كان متصالحاً مع هذه الجماعة، لسببين. الأول أن "الإخوان" ليسوا أوصياء على الدين أو التدين على رغم أن مظهرهم يوحي بعكس جوهرهم، إذ أثبت تاريخهم أنهم يعدون نموذجاً لمن يستغل الدين ويجعله سُلَّماً لكي يحقق مآرب سياسية ومنها طبعاً الوصول إلى السلطة. وهذا ما عرفناه بعد قيام الثورة في مصر عام 1952 حين ساوَمَ "الإخوان" قادة حركة الجيش للحصول على مكاسب سياسية مقابل تأييدهم للحركة. بعبارة أخرى إنهم لا يتحركون من منطلقات وطنية ولكن طوال تاريخهم منذ مؤسس جماعتهم حسن البنا تحكمهم أهداف نفعية.

السبب الآخر أن علاقة عبدالناصر بالـ "إخوان" مرَّت بمراحل تقارب في محاولة لفهم توجهاتهم وشهدت محاولة تباعد عندما اكتشف حقيقتهم وسوء مقصدهم. بدأت العلاقة مقبل قيام الثورة عندما حاول تنظيم "الضباط الأحرار" أن يستفيد من بعض عناصر "الإخوان" في ذلك الوقت لصالح الاتجاه نحو التغيير المرتقب. وبالتالي لم يكن عبدالناصر في يوم من الأيام كادراً تنظيمياً في الجماعة كما يحاول خصومه داخلها الترويج لتشويه الرجل. ويمكن القول إن نزوعه البراغماتي هو الذي جعله يقرأ عن هذه الجماعة ويدرس توجهاتها. اصطدم ناصر بأفكار الجماعة التي وصفها في أحد خطاباته بأنها "مستغلة" وأرادت أن تجعل من نفسها "وصية" على ثورة 1952. ويقول خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة في كتابه "والآن أتكلم" أن عبدالناصر كان يساير تنظيم "الإخوان" فقط ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.

وتشير الوقائع بوضوح إلى أن عبدالناصر كان مع "الإخوان" ترتيباً وليس تنظيماً، بمعنى أنه تنقَّل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتمياً فكرياً إلى أحدها. لم يكن له أي علاقة فكرية بجماعة "الإخوان" حتى قامت حرب 1948 وبعدها قرر عبدالناصر إنشاء تنظيم "الضباط الأحرار". وتؤكد الدراسات التاريخية لهذه الفترة أن عبدالناصر قطع صلته بـ "الإخوان" وما يسمى "النظام الخاص" التابع لها سراً، وعارضَ توجهاتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال. والثابت أن الجماعة كانت على اتصال ما بعدد غير قليل من أعضاء "الضباط الأحرار"، لكنها لم تكن سنداً لثورتهم، فالقصة برمتها تلخَّصت فى رغبة التنظيم فى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة، عبر مساندة مستترة لهم؛ إذا نجحوا تمت الاستفادة منهم وإذا فشلوا لا يخسرون شيئاً.

وبعد نجاح حركة الجيش وتحولها إلى ثورة شعبية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، اكتشف مجلس قيادة الثورة أن الجماعة تريد أن تركب الحكم من خلالهم، فكان الصدام العنيف بين الطرفين بعد أن رفض مرشد "الإخوان" آنذاك حسن الهضيبي إصدار بيان تأييد صريح للثورة، على رغم أن ذلك كان مطلب "الضباط الأحرار". هكذا، بدأت تزداد تدخلات "الإخوان" في شؤون الحكم، في محاولة للسيطرة على دفة السلطة في البلاد. وتركَّز أهم الخلافات بين التنظيم والثورة، في إجراء محادثات مباشرة مع الإنكليز بشأن الجلاء، وتجنيد "الإخوان" لأفراد في الجيش والبوليس، ورفض طلب عبد الناصر حل التنظيم السري، ورفضه مطالبات الهضيبي بإصدار قانون لفرض الحجاب والتصديق على قرار مجلس قيادة الثورة قبل إصدارها، إضافة إلى تراجع الجماعة عن تعيين وزراء من جانبها في الحكومة، فضلاً عن دورها في أزمة آذار (مارس) 1954 التي دارت رحاها بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

لعب تنظيم "الإخوان" على الحِبال كافة، فنجده يتفاوض مع جمال عبد الناصر، ويساند اللواء محمد نجيب ثم يشعل التظاهرات فى الشارع، ثم يتصدَّر مشهد الداعين إلى التهدئة. وهو في هذا كله، كان لا يبحث سوى عن مكاسب خاصة ولم تكن تعنيه مصر أو الثورة من قريب أو بعيد.

وأصبح الصراع علنياً بين عبد الناصر و"الإخوان" في 14 كانون الثاني (يناير) 1954 عندما صدر قرار بحل الجماعة، إذ تبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف التنظيم، طالَت المرشد ذاته، حسن الهضيبي، حتى جاء حادث المنشية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، حين أطلق أحد التابعين لجماعة "الإخوان" النار على جمال عبد الناصر غير أن رصاصاته طاشَت ولم تصبه وتمت محاكمة الجاني وأُعدِم مع عدد من أعضاء الجماعة. وأنهى هذا الحادث المستقبل السياسي لجماعة "الإخوان المسلمون" بعد ثورة العام 1952 ولم تقم لهم بعدها قائمة حتى تحالَفَ معهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وتلك قصة أخرى.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

لماذا نفكر بدلاً من إيران؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

فاروق يوسف

العالم كل العالم وبضمنه العالم العربي حريص على أن لا تنشب حرب جديدة في المنطقة، بسبب سياسات إيران وطريقة تعاملها مع أزمتها.

لا يتعلق ذلك الحرص بالخوف من إيران بل عليها. فليس هناك مزاح في حسابات الربح والخسارة في مسألة من ذلك النوع.

إيران بعكس مناصريها لا تمني نفسها بالانتصار في تلك الحرب. كيف تنتصر والعالم كله ضدها؟ ذلك سؤال يقع في هامش غير مرئي.

لا يريد المجتمع الدولي تكرار جريمة حرب العراق عام 2003 التي أدت إلى غزوه واحتلاله وتدميره وإعاقة قيام دولة مدنية فيه حتى الآن.

كما أن الطرف الخاسر في الحرب يراهن على استعمال قدراته الحربية التدميرية قبل أن يتحقق من هزيمته. فهو لن يستسلم بيسر.

الحرب التي ستقع في منطقة استراتيجية بالنسبة للطاقة سيكون لها أثر سلبي على الاقتصاد العالمي وهو ما يمكن أن يلحق الضرر باقتصاديات بلدان صغيرة، لا علاقة مباشرة لها بالحرب.

في كل الأحوال فإن الحرب ستكون ضارة للجميع. غير أن ضررها الأكبر سيقع على إيران، على شعبها بالأخص.  

إيران هي الطرف الذي ستدمره الحرب. ميزان القوى يؤكد ذلك. وإذا ما كان مناصرو إيران يعتقدون أن هناك قوى خفية ستعين إيران في حربها وستبعد عنها الدمار فإن النظام الإيراني يعرف جيدا أن لا وجود لتلك القوى.

لذلك فإن على إيران تقع مسؤولية التفكير في البحث عن حلول للخروج من الأزمة التي هي فيها من غير الوصول إلى حافة الحرب.

اللعب الإيراني على الوقت لا معنى له أبداً.

فما من أمل في أن تتراجع الولايات المتحدة عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها. كما أن أحدا في العالم لا يملك القدرة على مد طوق النجاة لها في ظل الإصرار الأميركي على أن المفاوضات المباشرة هي البديل عن الحرب. وهو حل مثالي بالنسبة للجميع.

وإذا ما كانت إيران لا ترى في المفاوضات حلا عادلا لأزمتها فإنها كمَن يهدد العالم بالحرب التي لا يرغب في وقوعها أحد.

ما يحدث على الجانب الإيراني يمكن اعتباره نوعا من المراوغة السياسية التي لا علاقة لها بما يفكر فيه خصوم النظام الإيراني الذين يشعرون أن تلك المراوغة لا تمت بصلة إلى أصل الصراع.

في حقيقة ما يفعله فإن النظام الإيراني لا يرغب في أن يتراجع عن سياساته التي أدت إلى نشوب الأزمة مع المجتمع الدولي. ما يفكر فيه ينحصر بين تفجيره لمشكلات جانبية ورغبته في أن يرى الآخرين وهم يبحثون عن حل لتلك المشكلات.

اما أزمته الجوهرية فإنه لا يفكر في مواجهة أسئلتها.

هل ومتى ستقع تلك الحرب؟ كيف يمكن تفادي وقوعها؟ ما المطلوب لكي لا تقع؟ ما حجم الأرباح والخسائر فيما إذا وقعت تلك الحرب؟ ما الذي نخسره من أجل أن لا تقع قياسا لما نربحه؟

تلك أسئلة ينبغي أن يجيب عليها الإيرانيون وهم الملومون إذا تأخروا في البحث عن إجابات لها. فالوقت ينفد. كما أن سلوك النظام الإيراني الطائش في الخليج قد لا يؤدي إلى تأخير اندلاع شرارة الحرب بل بالعكس قد يؤدي ذلك السلوك إلى إفساد الرغبة العالمية في تحاشي وقوع الحرب.  

ليس من الصائب أن يفكر الآخرون في حل سلمي لأزمة إيران فيما يصر النظام الإيراني على اللعب بالنار.

الصحيح أن يُترك الإيرانيون عزلتهم ليتصرفوا وفق ما تمليه عليهم تقديراتهم. فإن شاءوا الخروج بسلام من الأزمة فما عليهم سوى الدخول من باب المفاوضات المفتوحة أمامهم. أما إذا أصروا على الاستمرار في العابهم الشيطانية من خلال التهديد بضرب الأمن في الخليج فإن ذلك يعني أنهم يضعون العالم أمام احتمال الحرب الكريه الذي لابد منه.

الخوف على إيران له حدود. وهي حدود تنتهي حين يكون الأمن العالمي في خطر.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يتهاوى "حزب الله"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أمل عبد العزيز الهزاني

من الطبيعي أن كل حصار على إيران، وكل تضييق عليها، وتهديد أموالها وتجارتها، يؤثر بشكل مباشر على جماعاتها المسلحة بأسمائها المختلفة ومواقعها الجغرافية؛ «حزب الله»، جماعة الحوثي، فصائلها في العراق... إلخ.
التل اختل، ولم تعد الموارد المالية تقدم ما يكفي من معاشات لعناصرها الميليشياوية لتفتح بيوتها وتطعم أطفالها. لكن «حزب الله» اللبناني تحديدا، أقوى الأذرع الإيرانية وأكثرها خبرة وتسليحاً وانتشاراً، لم يكن يعتمد على ما تقدمه إيران من أموال، واستخدم مرجعيته إليها في رسم استراتيجية عملياتية تعمل في الخارج في دول ذات علاقة جيدة بالنظام الحاكم في إيران مثل فنزويلا، أو دول رخوة أمنياً تنتشر فيها التجارة المحرمة من عصابات لها شبكات نقل وتوزيع مثل كولومبيا والبيرو والأرجنتين.
الأنظمة الحاكمة المتقاربة تمهد لبعضها كما كان نظام هوغو تشافيز الذي منح «حزب الله» جزيرة لإقامته، وإدارة عملياته المالية في أميركا اللاتينية؛ وغسل عوائدها لتبدو نظيفة على هيئة عملات محلية. إضافة إلى الرئيس مادورو الذي تربطه علاقة قوية بإيران ومنح الحزب مناجم للتنقيب عن الذهب. باختصار، «حزب الله» يدير شركته الكبرى ومصادر تمويله من القارة الأميركية الجنوبية وليس من أي مكان آخر.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمل في الجهة الأخرى المقابلة لنا من العالم، بإداراتها المتخصصة في أميركا اللاتينية، من أجل تحجيم النفوذ الإيراني من خلال ملاحقة عناصر «حزب الله». تعتقد واشنطن، وهذا صحيح، أن حصار إيران يجب أن يكون متكاملاً، لأن الأطراف التي تعمل لصالح النظام الحاكم في طهران كانت ولا تزال أهم أدوات قوته وتأثيره، بل إنها أساس التهديد الموجه للدول العربية والعالم. الإدارة الأميركية بدأت في ملاحقة عناصر ما يسمى «وحدة النخبة» في «حزب الله»، وهي الجهة المسؤولة عن عمليات الحزب خارج لبنان، وكشفت عن أسماء قيادات عليا كانت تنشط منذ عقود من المكسيك في أميركا الوسطى وحتى الأرجنتين جنوباً، مثل سلمان رؤوف سلمان الذي عرضت الولايات المتحدة مكافأة بلغت 7 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عنه، كونه مشتبهاً به في تنفيذ عمليات إرهابية دموية في الأرجنتين وله وجود ونشاط في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا. بحسب التقارير فإن عوائد «حزب الله» من تجارة المخدرات وغسل عوائدها يصل إلى مليارات الدولارات.
حكاية «حزب الله» في تلك المنطقة البعيدة حكاية طويلة بدأت منذ سنوات، وتعززت إبان فترة حكم محمود أحمدي نجاد. بدأت بهجرة وتوطين عناصر لبنانية من الحزب، وتمكينهم من خلال شراء ذمم بعض السياسيين والعسكريين وتوطيد علاقاتهم مع العصابات الثورية في كولومبيا والمكسيك.
العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة ترمب لا يقع تأثيرها على إيران الدولة فقط، بل على مراكز القوى التي تتبعها. وبعد فرض العقوبات، تقلصت قدرة شركة «حزب الله» لغسل الأموال في الخارج عن العمل، فهو المصدر الرئيسي لتمويل عمليات الحزب وليس مبلغ الستين مليون دولار الذي يقدمه علي خامنئي للحزب كل عام.
العقوبات أوجعت طهران لأنها أضعفت النشاط التجاري لـ«حزب الله»، وقلصت من حركة إدرار الأموال عبر شبكته الدولية العابرة للمحيطات. لذلك كنا نقول ولا نزال، إن الضغط بالعقوبات هو الطريق إلى خلخلة بنيان إرهابي تشكل منذ عقود، وهو السبيل الأنجع والأقل تكلفة والأشمل والأقوى تأثيراً. جاء قرار الإدارة الأميركية بمتابعة وملاحقة نشاط «حزب الله» في الخارج متزامناً مع قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وكلما انكشفت أسرار «حزب الله» في القارات المتباعدة أدركنا أكثر خطر اتفاق باراك أوباما النووي على السلم الدولي، لأنه نظر بتواضع إلى زاوية واحدة في مشهد كبير، وتجاهل أن هذا الاتفاق من الهشاشة ليس فقط أنه أفرج عن مليارات الدولارات لصالح حكومة مارقة، بل إنه تغاضى عن نشاطها في التجارة المحرمة ومهد لها الاستقرار والتمكين في مناطق ليس من السهولة سبر أغوارها.
القوى الكبرى تحشد عسكرياً في منطقة الخليج لتأمين الممرات الدولية وحركة الملاحة، ورصد التحركات اليائسة من إيران لاستفزاز دول المنطقة وحلفائها، لشن حرب تمنح إيران هدفها وهو خلق فوضى وفتح أبواب لتدخلات قوى أخرى لدول وجماعات، ووقف عجلة التنمية في دول الخليج، وتنشيط تجارة وتهريب السلاح، وكلها أمور يبرع فيها الإيرانيون ولهم فيها سوابق.
ما يحصل اليوم هو عمل تكاملي لخنق الرأس وبتر الأطراف، يستوجب التعاون الدولي خاصة الاستخباراتي، ومزيداً من العقوبات الدولية على حركة الأموال من الدول اللاتينية المتماهية مع نظام طهران. إن ضعف «حزب الله»، هو ضعف قلب النظام الإيراني.
عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية