علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

4986
عدد القراءات

2019-07-09

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، علاء النادي، إنّ الإرث التاريخي والشعور بأنّ الجماعة الأم للإخوان المسلمين في مصر تعني الجذر والأساس، لعبا دوراً مهماً في تغذية مسارات جمودها وتحجرها، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي، وأنّ تكوين الجماعة لن يسعفها في المراجعة، ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك.

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
ولفت النادي إلى أنّ ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة، نافياً بعض الفرضيات الغربية بأنّ وجود الإخوان يمتص التوجهات العنفية لداعش وأخواتها، بدليل أنّ "تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة".

وهنا نصّ الحوار:

جمود الجماعة الأم

رسم الإخوان بأدائهم صورة باهتة في الوعي الجمعي ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك
لماذا تبدو جماعة الإخوان الأم في مصر أكثر جموداً عند مقارنتها بأفرع الجماعة الأخرى في دول مثل تونس والمغرب؟

لعب الإرث التاريخي، والشعور بأنّ الجماعة في مصر تعني الجذر والأساس، دوراً مهماً في تغذية مسارات الجمود والتحجر في مصر.
لقد ظلّ الإخوان في مصر مسكونين بوعي دفين، مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية التي مرت بها الجماعة، رغم أنّ الجماعة لم تدرس موضوعياً؛ هل نجحت فعلاً في التعاطي الناجع مع تلك التحديات، أم أنّها تجاوزتها بتأثيرات سلبية عميقة في مسارات الوعي والأفكار؟

ظلّ إخوان مصر مسكونين بوعي دفين مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية

تملّك إخوان مصر شعور بأنّهم المسؤولون عن حماية الجماعة ونقاء صورتها، وإثبات صوابية وصدقية خياراتها، وأنّ أيّ اجتهاد يحمل في طياته احتمالية دفع تكلفة من صورة الجماعة الرمزية، قد ينسحب على كلّ الإخوان في مختلف أماكن تواجدهم، عكس التنظيمات القُطرية التي يمكن للإخوان دوماً نسب نجاحاتهم للحركة، إذا كانت إيجابية، والتهوين من تأثيراتها بداعي الخصوصية والنزعة القُطرية في الحالات السلبية.
بعض التنظيمات القُطرية للإخوان تمتعت برحابة في تناول الأفكار الأكثر مرونة، وتداولها داخل محاضن التربية والتكوين لديها، عكس إخوان مصر الذين ظلوا على تشبث بقوالب نمطية متحجرة في التثقيف والتنشئة.
هذا الأمر يكون مع الوقت حالة جمعية مواتية لإمكانية التطور والقدرة على المرونة أو حالة ارتدادية متصلبة تنحاز دوماً للحدية والتقليد والقوالب النمطية المألوفة.
ما سرّ عدم إدراك هذه الجماعة لأخطائها، ومن ثم عدم الاعتراف بها، ومحاولة مراجعاتها وتصحيحها؟
امتلك إخوان مصر قيادات، وصفت دائماً بالتاريخية، اتّسمت في الغالب بالتقدم في العمر، ورسم صورة ذهنية حولها أقرب إلى الصورة الأبوية، التي تعطي لمواقفها وقراراتها وأفكارها ما يشبه الحصانة، ضدّ النقد وعدم المسّ بها في إطار التقييم؛ تلك الحالة لم تكن موجودة في بعض حالات التكوينات الأخرى، مما جعل السياسات والمواقف والأفكار خاضعة بصورة أكبر لإمكانيات التعاطي والنقد والتجاوز، دونما شعور بالعبء في ذلك، وهو عبء أخلاقي ثقيل لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

اقرأ أيضاً: الإخوان واستهداف أجيال بالتعليم الموجّه
إنّ أساسيات الجماعة في الجذر التكويني ضمّت عناصر تكبح التطور والتهيئة لأجواء الانفتاح، وقد ظلّت تلك العناصر، وإلى الآن، المكون الأساس في التنشئة؛ عبر مراحل الجماعة المختلفة، من اللافت أن تجد ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة.
أخطاء جديدة قديمة

عوض تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم اجترّ الإخوان ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية
هل ترى أنّ الجماعة ضمن الظروف الحالية ماتزال قادرة على التجنيد والاستقطاب؟

جماعة الإخوان، بشكلها التاريخي، لا يمكن أن تعود، لقد أثبتت كل التجارب والمحكات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء، والسير عكس خطى التطور التاريخي، وافتقاد كلّ مقومات التطور والتجديد، والحديث عن كونها جماعة ربانية كلام بلاغي، وليس شرعياً بالمناسبة، فلا توجد هناك عصمة أو قدسية لجماعة أو تنظيم؛ فهي بالأخير اجتهاد بشري تجري عليه أحكام السنن الكونية.

اقرأ أيضاً: "قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية
وبالمناسبة؛ إنّ رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات، فلم يفز الإخوان في الاستحقاقات بنسب كاسحة، كما أنّ قطاعات ممن أيدوهم انطلقوا من رهانات حياتية، وليس كما يتوهم الإخوان؛ قناعات قيمية ثابتة بهم، لقد رسم الإخوان، بأدائهم، صورة باهتة في الوعي الجمعي، ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك.
عدم الاعتراف بالفشل

رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات فلم يفوزوا يوماً باستحقاقات انتخابية بنسب كاسحة
بعد أحداث 30 يونيو؛ ظهر خطاب أشبه بالجماعات الجهادية داخل أجنحة إخوانية، هل تعتقد أنّ مثل هذه الخطابات كان مفاجئاً؟

الأكثر تأكيداً لفرضية أنّ جماعة الإخوان لا يمكنها العودة لمسارها التاريخي بلا قطيعة، أنّ الجماعة ما تزال تطرح أفكاراً حول صوابية مواقفها، وأنّها لم تفشل في مجال رسم الخطط والأفكار والقدرة على إثبات أنّها كيان سياسي قادر على إدارة دولة معاصرة. فعوضاً عن أن تصدر عن الإخوان تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم، اجترّوا ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية، واتهام الواقع المحيط والتذرع بمقولات إطلاقية قدرية ليس مجالها الواقع الحياتي ودنيا الناس.

أثبتت كل التجارب والمحكّات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء والسير عكس خطى التطور التاريخي

هذا يعود بالأساس إلى أنّ تكوينات التأسيس المعرفي لم تكن تحسم بإطلاق حول نبذ العنف والتطرف، بغضّ النظر عن السياق التاريخي، وظرف الجماعة السياسي، والغريب أنّ الإخوان لطالما انتقدوا الجماعة الإسلامية في العقود السابقة حول أفكارهم عن العنف، والمعروف أنّ تلك الأفكار نشأت جراء صراع سياسي احتدم بين الجماعة والنظام في ذلك الوقت.
إنّ إدانة العنف والتطرف قيمياً لا يمكن أن يرتبط بالظرفية التاريخية، وبالمناسبة لقد كتبت دراسة، منذ أكثر من 15 عاماً، حول الإخوان والتعددية، وطالبت ساعتها الإخوان بأن يحسموا مواقفهم الفكرية حول القبول بالأبعاد القيمية بأفكار التعددية والديمقراطية، والتخلي عن الكلمة السالبة لكلّ ذلك؛ عندما كان يذيل الإخوان موقفهم من تلك القضايا بكلمة ولكن، والتي كانت تنسف عملياً كل ما كان يسبقها من كلام عام ظاهره الإيجابية والقبول.

 

 

هل ترى أنّه، مع الوقت، يمكن لجماعة الإخوان أن تراجع نفسها مراجعات تاريخية علنية أمام مجتمعها وأعضائها؟
تاريخياً؛ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي وتكوين الجماعة لن يسعفها في ذلك ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك، لا توجد داخل الجماعة قيادة أو كتلة تاريخية تمتلك تلك المؤهلات، ومن يتصدر المشهد في الجماعة قيادات تاريخية عتيقة لا تمتلك من الشرعية سوى ما يرسم حول صلابتها في المحن وثباتها، وما إلى ذلك من مقولات، دون أي رصيد من قدرات في مجال الأفكار وإدارة الشأن العام.

اقرأ أيضاً: منشق عن الجماعة يفك أسرار صلات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان
أيّ تطور تاريخي يعني أنّ الإخوان سيكتبون في السطر الأول أنّ الجماعة، بشكلها التاريخي وأفكارها، قد انتهت وهذا ما لا يستطيع الإخوان قوله أو تصوره.
ما رأيك ببعض الطروحات الغربية عن أنّ الإخوان يمكنهم امتصاص الحالة العنفوية الإسلامية؛ وأنّ اختفاءهم من المشهد السياسي سيتبعه تغوّل "داعش" وأخواتها؟
هذه المقولة غير صحيحة؛ لأنّها من زاوية تربط أيّ انسداد سياسي محتمل بغياب الإخوان فقط، دون غيرهم، وهذا ليس صائباً، كما أنّ تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة، وفي بعض الأحيان؛ وهم في ظلّ تمتع بحالة من مشروعية التواجد، كما أنّ الكتل التصويتية التي حصل عليها الإخوان لا تؤشر إلى حصولهم على أغلبية كبيرة تهدّد تماسك الكيانية الاجتماعية، كما أنّ ربط العنف السياسي المحتمل بالحالة الإسلامية فقط غير صحيح، وهو ما يقلل عملياً من مقولة حصر العنف في الأفكار الإسلامية، وأهمية تواجد الإخوان ككابح يقلل من فرص ظهوره.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّل الإخوان إلى منظمات حقوق الإنسان؟
العنف والتطرف سياقان معقدان أكبر من حصرهما في تلك المقولات البسيطة، وتجاوزهما يحتاج إلى نظرة أكثر وعياً من هذا، كما أنّ ذلك يفترض ضمناً أنّ خطاب الإخوان متأسس بشكل مركزي حول قضايا الديمقراطية والتعددية والحريات، ومركزية تلك المقولات وحاكميتها للنسق الفكري للإخوان، وهذا غير موجود بالطبع.
كما أنّ التجارب أثبتت أنّ ما يحرك قناعات قطاعات عريضة ويحدد سلوكها واختياراتها وقناعاتها السياسية؛ هو ما يمسّ الشأن الحياتي ومعاش الناس، وليست مقولات قيمية، على أهميتها وجاذبيتها، وعدم الجدال حول شرعيتها الأخلاقية، حتى تلك المرتبطة بالشريعة الإسلامية وأحكامها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة

2019-10-08

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال وليد البرش، أحد مؤسسي حركة تمرد الجماعة، إنّ الإخوان المسلمين لن يجروا مراجعات حقيقية أسوة بالجماعة الإسلامية في التسعينيات؛ مبيناً في حواره مع "حفريات" أنّ ذلك عائد إلى أنّهم يعتقدون أنّ جماعتهم هي من تمثل الإسلام، وإيمانهم بالتقية التي طالما مارسوها؛ "فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قُبلة الحياة".

مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب مخالفة صريحة للنص الإسلامي الجامع

وأضاف القيادي السابق في تنظيم الجماعة الإسلامية، أنّ الإخوان إبان فترة حكمهم واعتقادهم بنجاح "أخونة الدولة المصرية"، أدركوا أنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم منهم، فسعوا إلى التخلص منها بتأييد "الجهاد" في سوريا والترويج له.
وأكد صاحب كتاب "من المنصة إلى المنصة" أن لا مستقبل للإسلام السياسي في بلاده، موضحاً أنّ مصر اليوم، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي، وأنّ "من يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل التمويل والتسليح، وتوفير ملاذات آمنة أو منبر إعلامي وتبرير فكري".
وهنا نص الحوار:

تحولات ومراجعات

*في كتابك الأخير؛ أوضحت كيف تحوّل تنظيم الجماعة إلى العنف، ثم راجع نفسه، ما المنطلقات التي دفعتها لتلك التحولات؟
المراجعات الفكرية التي أطلقتها الجماعة الإسلامية العام 1997، خرجت من منطلق شرعي؛ أنّ هناك أخطاء شرعية وقعت يجب التراجع عنها، مثل تعارض فكرة الانتماء للوطن مع الانتماء للدين، وفكرة الاستعلاء الإيماني وما يترتب عليه من تنفيذ الأفراد للأحكام بأنفسهم، بعيداً عن السلطتين القضائية والتنفيذية، وفكرة الطائفة الممتنعة التي تجيز قتال المسلمين، والتترس التي تجيز العمليات التفجيرية في أماكن المدنيين والحاكمية، وقد أزالت المراجعات هذه الإشكاليات وصحّحت هذه الأخطاء، وكان يجب استثمار هذا التصحيح كبداية ليقوم علماء الأزهر بتصحيح كلّ الممارسات الفقهية الخاطئة، التي ترسّخت عبر قرون كخطوة أساسية لتجديد الخطاب الديني.
* هلا ذكرت لنا أمثلة على هذه الممارسات الفقهية الخاطئة التي تحتاج إلى تصحيح؟
مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب "الغزو لنشر الإسلام"، وهو مخالف للنص الجامع الموضح لحقيقة الجهاد، في سورة "البقرة" (الآية 190): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومنها أنّ ممارسة الدعوة إلى الإسلام ومعانيه العظيمة بالتسامح والعفو وكفّ الأذى والهجر الجميل، يكون حال الاستضعاف، أما في حال القوة؛ فكلّ هذه المعاني منسوخة! وأحكام السبي واغتصاب النساء، وعدم الاعتداد بالحدود الجغرافية، وعدم اعتبار مصلحة الوطن كأحد المصالح الكلية التي يحرص الشرع على الحفاظ عليها.
* كنت أحد مؤسِّسي "تمرد الجماعة الإسلامية"؛ كيف ظهرت هذه الحركة؟ وأين هي الآن؟
لقد كانت حركة "تمرّد" قبساً من نور أضاء للحائرين من أبناء الجماعة الإسلامية الطريق، وأوضح لهم معالم الخروج من النفق المظلم الذي أدخلهم فيه قادة العنف وأمراء الدم، ولقد تميزنا عن باقي الحركات التي تبعتنا في معارضة الجماعة بوضوح الرؤية، ووضع خطة محددة تهدف لإعادة الجماعة إلى التصالح مع الوطن، ومراعاة الواجب الوطني، وانتهاج السلمية، وتفعيل المراجعات الشرعية المسماة "مبادرة وقف العنف"، وتحقيق ذلك عبر عدة وسائل، هي:

كان على الأزهر استثمار مبادرة وقف العنف لتجديد الخطاب الديني بتصحيح الممارسات الفقهية الخاطئة التي ترسّخت لقرون

- إخضاع الجماعة، أعضاء وتمويلاً، لرقابة القانون ولأحكامه.
- إخضاع أنشطة الجماعة للأزهر الشريف دراسة وترخيصاً.
- إلغاء مبدأ السمع والطاعة في الجماعة والمعروف باسم "نظرية الطوبة"، لتحرير إرادة الأفراد وعقولهم.
- التبرؤ من حزب بناء وتنمية الإرهاب.
- قطع الصلات مع كلّ من يضرّ الأمن القومي المصري.
ولقد نجحت الحركة، بفضل الله، في تحريك قيادات كانت قد سكنت للأمر الواقع؛ كالشيخ كرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، وبدري مخلوف، وغيرهم، وطرحنا مواضيع للنقاش والحوار بين أبناء الجماعة، كان مجرد التفكير فيها رجساً من عمل الشيطان.
*هل تؤمن أنّ هناك قيادات تاريخية معتدلة وأخرى متشدّدة في ظلّ تحولات علي الشريف الأخيرة؟
لا يوجد بين قيادات الجماعة معتدلون سوى أربعة: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، أما علي الشريف؛ فهو أول من اقترح ونفّذ قتل الأقباط لسرقة أموالهم (حادث نجع حمادي، عام 1981، قتل ثمانية صائغين أقباط وسرقة محالهم)، وكان قائد إحدى المجموعات الأربع التي ارتكبت مذبحة الشرطة بأسيوط 1981، والتي خلّفت 118 شهيداً من الشرطة.
*هل تعتقد أنّ جماعة الإخوان يمكن أن تجري مراجعات مماثلة؟
جماعة الإخوان لن تجري مراجعات حقيقية؛ لأنّها تعتقد أنّها تمثل الإسلام، وأعضاؤها يعانون من متلازمة احتكار الإسلام، ونظراً لاعتقادهم بالتقية وممارستهم لها كثيراً؛ فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة، كما حدث عندما كتب الهضيبي كتابه "دعاة لا قضاة" في السجن، وتبرّأ من أفكار سيد قطب، وكان الكتاب موجهاً للدولة، وليس لأعضاء التنظيم؛ لذا لا قيمة له لديهم سوى خداع الدولة فقط وإقناعها بعدولهم عن أفكار قطب.
مصر بعد ثورة يناير

* في كتابك "من المنصة إلى المنصة" تطرقت إلى تاريخ الإخوان مع العنف، كيف تصف مصر بعد ثورة يناير؟
نعم، قلت إنّ مصر أصبحت، بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم، وتمثلت مظاهر الجذب للإرهابيين فيما يلي: حين استتبع انهيار الشرطة، بعد ٢٥ كانون الثاني (يناير)٢٠١١، انهياراً كاملاً للأمن في سيناء؛ فقد تمّ اقتحام معظم أقسام شمال سيناء، والاستيلاء على أسلحتها ورفع علم "القاعدة" عليها، وإعلان سيناء إمارة إسلامية مستقلة، تحت اسم "ولاية سيناء".

الهدف الحقيقي للجماعة تفكيك مصر لصالح مشروعها وتحويلها لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي

كما تمّ إنشاء ثلاثة معسكرات في قرى رفح على مرأى ومسمع من الجميع، وقد سمح الفراغ الأمني بزيادة القدرات التنظيمية والتشغيلية للجماعات الإرهابية في المنطقة، نتيجة تدفق أعداد كبيرة من السلاح الثقيل من مخازن القذافي المنهوبة، عبر خطة لتكديسه في مصر لاستعماله وقت الحاجة إليه، ثم العفو عن قيادات الإرهاب، وإخراجهم من السجون، وعودة الباقين من أفغانستان، وبعدها ذهبوا لميدان التحرير وتلقوا البيعات، وتمّت إعادة طباعة كتب القاعدة والجهاد، في مكتبة إشبيلية، لصاحبها أحمد عشوش، زعيم السلفية الجهادية في مصر، وتوزيعها مجاناً لنشر الفكر الإرهابي.
وانتهزت الجماعة الإسلامية فرصة إعطاء النائب العام الإخواني ما عرف بالضبطية القضائية للمواطنين، فتقدمت بمشروع قانون لتقنين أوضاع اللجان الشعبية (الميليشيات العسكرية)، وبعد هذا نظّمت الجماعة استعراضاً عسكرياً في محافظة أسيوط لكوادرها المشاركين في اللجان الشعبية!

اقرأ أيضاً: الإخوان والقضية الفلسطينية.. هكذا يسرقون التاريخ!
وتقدّم الإسلاميون بمشروع العفو السياسي عن المتهمين في الجرائم السياسية، التي ارتكبت خلال الفترة من 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وحتى 11 شباط (فبراير) 2011، وكان الهدف السماح لقادة الإرهابيين بأن يتنعموا بمكاسب السياسة، وأن يحوزوا المناصب التشـريعية والتنفيذية التي لا يستطيعون الوصول إليها بسبب العقوبات التبعية للجرائم التي ارتكبوها، وكانت هذه هي مصر بعد 25 يناير.

محرقة منافسي الإخوان

*لماذا دعا الإخوان إلى "الجهاد" في سوريا؟
مخيلة الإخوان أوحت لهم أنّ القوى الوطنية والشعب المصري، ومؤسسات الدولة؛ كلّ هؤلاء أصبحوا تحت السيطرة، أو في طريقهم للخضوع للسيطرة الكاملة من الإخوان عبر ما عُرف بخطة "أخونة الدولة المصرية"، وأنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم من الإخوان، وأنّ تحالفهم مع الجماعة مجرّد تحالف مؤقّت.

نظراً لاعتقاد الإخوان بالتقية فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة

وكان الإخوان يعون جيداً أنّ دورهم في العفو عن قيادات الإرهاب وخروجهم من السجون وعودة الباقين من أفغانستان؛ هو تحضير لمارد الإرهاب إلى مصر، وأنّهم لن يهنؤوا بحكم البلاد طالما هؤلاء موجودون على الأرض المصرية؛ لذا خططوا جيداً لإبعاد هذه الذئاب الجائعة التي تستعدّ لنهشهم وخطف مقعد الرئاسة منهم عن مصر، والتخلص منهم، فكانت أكذوبة الجهاد في سوريا، وهي محرقة جديدة للتخلص من المنافسين الإسلاميين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان مخطط تقسيم الدول العربية إلى كيانات رخوة وسيطرة الإخوان عليها وفق مخطط الفوضى الخلّاقة يستدعي تدفّق الرجال إلى سوريا كوقود للحرب، وكانت الأكذوبة لجعل المنافسين الإسلاميين مجرد بنادق مستأجرة، تستعمل كوقود للحرب في سوريا.
*هل نجح مخطط الإخوان في التخلص من قادة الجماعات المنافسة لهم بإلقائهم في محرقة الجهاد في سوريا؟
نجح مخططهم نجاحاً عظيماً وابتلعت الجماعات المنافسة الطعم؛ والدليل على ذلك: مقتلة قادة الإرهاب المصريين في سوريا، وأبرزهم: أبو الفرج المصري، أحمد سلامة مبروك، وأبو هاني المصري، هاني هيكل، وأبو العلا عبد ربه، أحد قتلة د.فرج فودة، ومحمد عباس، وغيرهم، وكذلك التخلص من منظري الإرهاب بتصديرهم إلى سوريا، مثل: أبو اليقظان محمد ناجي، وأبو أيوب شريف هزاع، وأبو شعيب طلحة المسيّر، وغيرهم.

*إذاً، أنت تؤكد أنّ الإخوان استطاعوا السيطرة على شباب الجماعات الإسلامية وإرسالهم إلى ما يسمى "الجهاد" في سوريا؟!
نعم، استطاع الإخوان أن يسيطروا على عقول شباب الجماعات الإسلامية المنافسة وكلّ شباب لا ينطوون تحت لواء جماعتهم، من خلال الاحتلال العقلي، فحوّلوا الشباب إلى بنادق مستأجرة تنفذ دون تفكير، تقتل بدم بارد، تنفذ العمليات الانتحارية دون تردّد، وينقسم الاحتلال العقلي إلى أربع مراحل: الأولى "تقديس القادة"، وفي هذه المرحلة يتم إضفاء هالات من القداسة عليهم تجعل عقول الشباب تنبهر بهم، والثانية "السمع والطاعة"، وفي هذه المرحلة يحولون الشباب إلى أدوات لتنفيذ المخطط الذي رسموه وتصديق الأكذوبة التي روّجوها، والثالثة "الأوهام الثلاثة"، وتتمثل في:
1- وهم اضطهاد المسلمين في سوريا وانتشار المذابح فيها.
2- وهم تكفير النظام في سوريا ونعت الجيش السوري بأنّه جيش طائفي.
3- وهم وجوب الجهاد في سوريا لإقامة خلافة إسلامية تبدأ من الشام.

وأما المرحلة الأخيرة؛ فهي "الحرب الدائمة مع العالم": أي إنّهم في حالة جهاد مستمر وحرب دائمة مع العالم بغرض إدخال الناس في الإسلام، حتى لا يفكروا في العودة إلى مصر مرة أخرى.

*ماذا تقصد بـ "جهاد لندن"، و"جهاد السيارات الفارهة" اللذين تحدّثت عنهما في كتابك الأخير؟

الحكاية من أولها؛ أنّه بعد أن أفتى محمد العريفي في مؤتمر بالقاهرة بوجوب الجهاد في سوريا، وزعم أنّها أرض الجهاد، وذلك في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، حمل حقائبه وطار، لكن ليس إلى أرض الشام، بل إلى العاصمة البريطانية، لندن، ليقضي الصيف هناك! وقد فطن بعض الشباب العربي لهذا التناقض، فقاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح الشديد في شارع إكسفورد، وسط العاصمة البريطانية، أثناء خروجه من مطعم المأكولات السريعة "ماكدونالدز"، في الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش، من عصر الجمعة 21 حزيران (يونيو) 2013، وبرفقته ثلاثة أشخاص.

كتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة" لم يكن موجهاً لأعضاء التنظيم بل لمخادعة الدولة

أما جهاد السيارات الفارهة؛ فلو أنّك شاهدت حرارة وحماس الشيخ محمد حسان، وهو ينادي ويحرض على الذهاب لسوريا للجهاد، لظننت أنه سوف يجمع أمواله وأبناءه ويذهب للجهاد ولنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين بكى عليهم وأبكى مستمعيه، لكنّه لم يفعل.
وقصة مترجم داعش القرغزستاني، محمد يحيى، تفضحه؛ حيث التقى الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، محمد يحيى، الذي كان يعمل مترجماً لدى داعش، وقال إنّ سبب انضمامه للتنظيم جاء بعد فتوى أصدرها الداعية المصري محمد حسان بـ"الجهاد" في سوريا، وقال إنّه سافر من قرغزستان إلى مصر لطلب العلم في جامعة الأزهر، ومكث هناك سنة ونصف السنة، وتأثر بالشيخ محمد حسان وأفكاره، خاصة أنّه أصدر فتوى آنذاك تجيز "الجهاد" في سوريا، وأعطى كلّ طالب أشرطة تتضمن تسجيلات فيديو تظهر الجيش السوري في ممارسات بشعة ضدّ المواطنين السوريين، وقال للحضور: "يجب أن تذهبوا للجهاد في سوريا"، وتابع يحيى بأنّ "ذلك الكلام ملأ عقله، وأنّ محمد حسان أعطى كلّ شخص من الحضور 100 دولار، وأنّه اكتشف أنّ محمد حسان أرسل الشباب إلى سوريا ولم يرسل ابنه، ولم يذهب إلى هناك هو نفسه طبعاً، وإنما اشترى لابنه محمد سيارة فارهة ليتمتع بها".

مستقبل الإسلام السياسي

* كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي في مصر الآن خاصة الجماعة الإسلامية؟

لقد صدّعت جماعات الإسلام السياسي في مصر رأس الشعب بمقولتها: "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا"، وبمظلوميتهم، وببراءتهم من كلّ عنف أو إرهاب، وكانت 25 يناير وما بعدها من أحداث كاشفة، بل إن شئت الدقة "فاضحة" لحقيقتهم، فبين عشيّة وضحاها تحوّلوا من وجوه سمحة تحمل دوماً الابتسامة إلى وجوه تشهر أنيابها طوال الوقت، مما جعل الإطاحة بهم من الحكم سريعة، فلم يحتمل الشعب حكم الإخوان أكثر من عام، واقتنع أنّ الهدف الحقيقي لهذه الجماعات هو السيطرة على الوطن وتفكيكه لصالح مشروعهم وتحويل مصر لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي.

مصر أصبحت بعد "25 يناير" منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم

ونتيجة ذلك الرفض الشعبي أصبحت للدولة رؤية جديدة واضحة لهذه الجماعات (إخوان، وقطبيون، وجماعة إسلامية، وجهاد، وجبهة سلفية، وحسم، ...)؛ أنّها تمثل رغم اختلافها الظاهري ما يسمى بسلسلة الإرهاب، وبالتالي فمصر، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي الآن، تنظيماً وتسليحاً ودعماً سياسياً وغطاءً أيديولوجيّاً وإعلامياً، فمن يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل من يموله ويُسلّحه، أو يوفر له ملاذاً آمناً، أو منبراً إعلامياً وتبريراً فكرياً، وعليه فلا مستقبل للإسلام السياسي في مصر، فمصر ذاهبة للتطهّر من أدران هذه الجماعات.
*وماذا عن مستقبل الجماعة الإسلامية؟
الجماعة فقدت ثقة الشعب والدولة المصرية بالانقلاب على مبادرة وقف العنف 1997، وفقدت عقولها المفكرة بالإطاحة بكرم زهدي وناجح إبراهيم إلى خارجها، كما فقدت أيّ دليل على إمكانية تصحيح مسارها وقبولها النصح برفضها لحركة تمرد الجماعة وتشويهها.

اقرأ أيضاً: من الأرشيف البريطاني: كيف خدم "الإخوان" لندن؟
وأنا أرى أنّها بلغت من العمر أرذله؛ فهي في مرحلة الموت الإكلينيكي، نتيجة تضافر عوامل كثيرة، أهمها ارتفاع معدل السنّ لأعضائها، إضافة إلى ارتباط الصورة الذهنية للجماعة لدى الشعب بوجوه قبيحة، مثل: عاصم عبد الماجد، وطارق الزمر، ولم يتبقَّ منها سوى لافتة الحزب الذى سيتم حلّه في شهر آب (أغسطس) المقبل، وساعتها سيعلن موتها رسمياً، وهو ما اعترف به سمير العركي، القيادي بالجماعة، والهارب لتركيا، من أنّها تحتضر.

للمشاركة:

أحمد الشوربجي: خطورة أفكار قطب أنها لم تعد ملكاً للإخوان فقط

2019-10-03

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث المصري في الشأن الإسلامي، أحمد الشوربجي، إنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا؛ موضحاً في حواره مع "حفريات"، أنّ قطب "إن كان اشتُهر بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات؛ فحسن البنا هو أستاذه في ذلك".

اقرأ أيضاً: قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه
وأكّد الشوربجي أنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في الفهم المغلوط للقرآن، "وهي الحالة التي حذّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم"، لافتاً أنّ ثمّة تقصيراً يقع على عاتق المؤسسات الدينية في مواجهة مثل هذه الأفكار، مبرّئاً في الوقت ذاته "البخاري" من المساهمة في مأزق الإرهاب الذي يضرب منطقتنا، وألقى المسؤولية على الأجيال الجديدة، التي لم تخرج "بخارياً جديداً" يكمل دوره في تنقية السنة والتراث الإسلامي من المغالطات والأكاذيب.
وهنا نص الحوار:
وجهان لعملة واحدة

هل ترى أنّ هناك تمايزاً بين أفكار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب؟
هناك بالفعل أصوات من داخل جماعة الإخوان المسلمين، أو من خارجها، خاصة بعض من انشقّوا عنها، تدّعي أنّ هناك فارقاً كبيراً بين أفكار حسن البنا وسيد قطب، وأنّ مسيرة الجماعة تعثرت بسبب انحيازها لأفكار سيد قطب على حساب أفكار المؤسس الأول، حسن البنا، وأنّ الحلّ "في الرجوع لأفكار البنا".

أفكار سيد قطب التكفيرية في أصلها وعمقها لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا

وأكثر من يروّجون لهذه الأفكار، سواء داخل الجماعة أو خارجها؛ هم جيل السبعينيات، أو من يُطلق عليهم "أصحاب التأسيس الثاني للجماعة"، أو "الإصلاحيون"، جيل عبد المنعم أبو الفتوح ورفاقه، بقيادة المرشد الثالث للجماعة، عمر التلمساني، إضافة إلى مجوعة من القدامى، أمثال الدكتور كمال الهلباوي.
وفي اعتقادي؛ هؤلاء هم أكثر من يجب الحذر منهم، والانتباه لمراميهم، لأمرين هما غاية في الأهمية: الأول: أنّهم بهذه الادّعاءات يغسلون سمعة الجماعة، ومؤسّسها الأول، حسن البنا، ويطهّرونها من خطاياها وأوزارها، ويجمّلون تشوّهاتها، ويقيلونها من عثراتها؛ بإلقائها على مجموعة معينة أو شخص واحد، وكأنّ الجماعة لم تُنشَأ على الخطأ، ولم تقع في الأوزار، ولم تتلبس بالخطايا، قبل سيد قطب والقطبيين، وبذلك تظلّ صورة "البنا" بريئة نقية وصورة الجماعة مقدسة طاهرة.

اقرأ أيضاً: لماذا أعدموني؟.. نظرة في كلمات "قطب" الأخيرة
والحقيقة؛ أنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار "البنا"؛ فإن كان سيد قطب صاحب تنظيم 65، فحسن البنا هو صاحب مشروع العنف والإرهاب والتنظيم الخاص في الأساس، وإن اشتهر سيد قطب بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات، أو وقوفها تحت مظلة الكفر، على الأقل، فحسن البنا هو أستاذه في ذلك، فقد جعل الحاكمية ركناً من أركان الدين، وأصلاً من الأصول، لا فرعاً من الفروع، والدولة ليست إسلامية، والمجتمعات بعدت عن الدين، فكلّ أفكار "قطب" ليست إلا تجسيداً لأفكار "البنا"، وإعادة صياغة لها، وإلباسها ثوباً جديداً وعرضها للجميع.

لكن ما دليلك على ما تقول؟

دليلي على ذلك أمران، الأول: الاعتراف والشهادة والبحث والمقارنة، أما الاعتراف؛ فهو لسيد قطب ذاته، حين قال: إنّ كلّ ما يقوله وما يطرحه من أفكار تمثل حسن البنا؛ إذ كان يطرحها ويقول بها في السرّ، وليس في العلن، وأما الشهادة بذلك؛ فقد جاءت على لسان علي عشماوي، القيادي الميداني لتنظيم 65 في مذكراته.
لكنّ هناك قطاع من الجماعة، ربما بدهاء أو بسذاجة، جعل سيد قطب هو مسيح الجماعة، الذي يتحمّل أوزارها، وبالتالي تغافل الجميع عن حسن البنا، والحقيقة أنّ "البنا" هو المتن، وكلّ من جاء بعده بتنظير كان هامشاً لهذا المتن.
لماذا، إذاً، اشتهر سيد قطب بهذه الأفكار دون حسن البنا؟
ربما لاختلاف شخصية الرجلين؛ فالبنا رجل تنظيمي في الأساس، لديه قدرة على القيادة، وكاريزما التأثير في الأتباع، في حين أنّ سيد قطب كان رجلًا أديباً معنيّاً بالأفكار والكتابة والتنظير والتأطير، وبالتالي كان البنا يعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم، والجندية القائمة في الأساس على السرية، وإلقاء الأوامر والتلقين والشفوية والبعد عن التوثيق والكتابة قدر المستطاع، وصنع الدوائر العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، ولهذا لم يكتب "البنا" كتاباً، وإنّما نُقلت أفكاره وجمعت رسائله وخطبه وكلماته ورويت من قبل أتباعه.

البنا اعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم والجندية القائمة في الأساس على السرية

في حين اهتم سيد قطب بالكتابة، وتجسيد هذه الأفكار والتنظير لها بشكل مكثف وموثّق، وبفعل عاملين في غاية الأهمية، هما: شخصية الأديب "سيد قطب"، وصبّ هذه الأفكار في كتاب يتضمّن تفسيراً للقرآن الكريم، خرجت هذه الأفكار من حالة الجماعة والتنظيم والتخصيص إلى حالة العموم والشيوع، لتصنع حالة تعدت حدود الجماعة والتنظيم، فتسللت ودخلت إلى المساجد والمعاهد والمدارس والجامعات، وتبنّاها علماء ومفكرون ومثقفون، ونطقت بها أفواه لا علاقة لها بالجماعة، وأصبح من يتعرض لسيد قطب يتعرض لمفسّر للقرآن، ومدافع عن الإسلام، وأديب، وشهيد، وليس عن حامل لأفكار الإخوان والخوارج الجدد، ومجرم ترأّس تنظيماً للقتل والدمار.
تفسيرات مغلوطة

لماذا لم يقدّم أحد من العلماء المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه قطب كي يمحو تأثيره في الأجيال الحالية والقادمة؟
بلا شكّ إنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في هذا الفهم المغلوط للقرآن، وهي حالة تكفلت السنّة النبوية ببيانها، وتحذيرنا منها بوضوح تام، وذلك في الحديث الذي رواه ابن حبان، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وغيرهما، عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: بَلِ الرَّامِي"؛ فهناك ثلاث مراحل يمرّ بها المتطرف، حدّدها الحديث السابق، وهي: مرحلة "الاتصال"، ثم "الانتقال"، ثم "الانفصال".

طرح مواجهة التكفير موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين بل لإرادة وإدارة

فمرحلة "الاتصال" عبّر عنها الحديث بقوله: "قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ."
وهي مرحلة عبّر عنها الرسول بالجدّ والاجتهاد في الطاعة وظهور علامات التدين فقال: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتكم، وصيامه إلى صيامكم، وقيامه إلى قيامكم"، أما مرحلة "الانتقال" فهي التي عبّر عنها الحديث بقوله: "غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ"؛ أي غيّر معنى القرآن وتأويله، لا نصّ القرآن؛ فمعلوم أنّ النصّ القرآني ثابت مكتوب ومسطور ومحفوظ في الصدور فكيف يغيره؟ وهذا هو مكمن الخطر؛ أن يأتي بتأويل مغلوط للقرآن والسنّة، فيغير الدليل، ويأتي بأشياء تخالف إجماع الأمة والسلف وأكابر التابعين والمفسّرين. 
هنا تأتي مرحلة "الانفصال"، التي عبّر عنها الحديث بقوله: "خرج على جاره بالسيف، ورماه بالشرك"، فيقع التكفير والتفجير حتى لأقرب الناس للجار، دون اعتبار أيّة مودة، ودون مراعاة لأيّة حرمة.
أما لماذا لم يقدم أحد من علماء المسلمين المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه سيد، ويتميز بالتأثير بحيث يمحو به أفكار قطب على الأجيال الحالية والقادمة؛ فالحقيقة؛ أنّ هذا الطرح موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين، وإنما يحتاج فقط لإرادة وإدارة، إرادة لإنهاء هذه الأفكار وتعريتها وكشفها وأخذ التحصينات اللازمة منها، وإدارة لمعركة فكرية حقيقية على الأرض، لا في الفضاء.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
معركة يلزمها وجود جيش حقيقي مدرَّب ومسلح بالعلم والفكر وقوة الحجة والمنطق، جيش يقاتل بكافة أنواع الأسلحة الفكرية المكتوبة والمسموعة والمشاهدة، جيش يدخل بنفسه أو بسلاحه للمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد ويكون له حضور في الشارع.
فدولة مثل مصر، توجد بها مؤسسة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وتعاني منذ ما يزيد على تسعين عاماً من هذه الأفكار التي تؤدّي للدمار والخراب، والقتل وتشويه الدين هل هي عاجزة عن إنهاء هذه الأفكار؟!   
خرق إجماع

ثمة من يرى أنّ تفكيك أفكار سيد قطب يلزمه تفكيك تراث ابن تيمية، أم أنّ سيد حالة مستقلة وجديدة لا ترتبط بالأقدمين؟
كلا الرجلين خرق الإجماع العام، وجاء بمشروع فكري جديد، عارض به السابقين واللاحقين، وإن كنا نرحب بالجديد والتجديد، ولكن حينما يمسّ هذا الجديد عقائد الناس والحكم عليهم من جهة الكفر والإيمان، هنا المجهود الفردي والاجتهاد الشخصي، مع الخروج عن حالة الإجماع يمثل خطورة كبيرة.

إشكالية ابن تيمية وسيد قطب أنّهما "اكتشفا" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم وأنّ المجتمعات المسلمة في ضلال

فإشكالية ابن تيمية وسيد قطب من ناحية الأصل واحدة؛ أنّ كلاً من الرجلين "اكتشف" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم، وأنّ المجتمعات المسلمة بكلّ أطيافها وعلمائها لا تعرف الإسلام الحقّ؛ فابن تيمية يرى أنّ الناس لا تعرف التوحيد، وأنّ هناك خللاً في عقديتهم، وكذلك سيد قطب، كانت مشكلته التي يدور حولها منطلقة من المعنى ذاته؛ الناس لا يعرفون الإسلام، حتى أنّه يصرّح بأنّ الإسلام توقف منذ قرون، ولم يعد موجوداً، فالمجتمعات مسلمة اسماً لا حقيقة.
هذا من ناحية الشكل، أما مضمون المشروعَين؛ فبينهما اختلاف تام، حتّى أنّ أتباع ابن تيمية يتهمون سيد قطب بأنّه مبتدع من ناحية العقيدة، والحقيقة أنّ منهج سيد قطب في العقيدة هو المشروع الذي كان يحاربه ويقاومه ابن تيمية.
قطب والمراجعات

هل ترى أنّ أفكار سيد قطب هي التي تمنع الإخوان حالياً من الدخول في مراجعات فكرية؟
أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها؛ فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً من هذه الأفكار، وتتبناها؛ فقضية مراجعات الأفكار ليست هي العائق، وإن كانت مؤثرة، لكنّ العائق الأساسي هو مدى امتلاك الجماعة من أوراق القوة وأسبابها. 

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب

لكن، الجماعة ليست عصية على الدخول في مراجعات، وهي تاريخياً فعلت، بصرف النظر عن جوهر هذه المراجعات، لكنّ الفكرة ذاتها فكرة المراجعات كانت مطروحة ونفذتها الجماعة، المخرج والمنتج النهائي لهذه المراجعات هذا شيء آخر لكنّ المراجعات حدثت. 
ما الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية في هذا الشأن؟
الفارق؛ أنّ الجماعة الإسلامية خسرت المعركة تقريباً، هُزمت هزيمة ساحقة، لم تعد تملك من أوراق المواجهة ما يوحي بإمكانية حلّ المشكلة، كلّ القادة التاريخيين والأفراد تقريباً داخل السجون.
اليوم الموقف مختلف؛ فلا جميع قادة الإخوان في السجون، ولا كلّ أفرادهم في المعتقلات، ولا انتهت عناصر القوة بالنسبة إلى الجماعة.

أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً منها

هنا يصعب الحديث عن المراجعات، بينما يظلّ الحديث عن التفاوض هو الأقرب للطرح والتنفيذ، والتفاوض يمكن أن يخرج في شكل مراجعات، ويأخذ الاسم ذاته لكنّ الفارق بينهما من ناحية المعنى بعيد جداً.     
هل ترى أنّ تفسيرات السلف والخلف، بحاجة لمراجعة، أم الانقطاع الكامل عنها، وبدء الاجتهاد بتفسيرات جديدة؟
حينما يكون لديك كنز ثمين، لكن بداخله بعض العملات الزائفة، هنا تصبح مهمتك أن تنقب عن هذه العملة الزائفة لا أن تلقي بالكنز؛ فالانقطاع الكامل عن التراث إهدار لكنز ثمين، كما أنّه مستحيل من الناحية العملية.
أما الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن، فهذا -بلا شكّ- مطروح وبقوة، وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر؛ لأنّه ما كان كتاباً يناسب كلّ عصر إلا لأنّه كتاب لا تنقضي عجائبه، ولم تستنفَد أغراضه بعد. 
مهاجمة البخاري

كيف تنظر إلى دعوات هدم قدسية صحيحي البخاري ومسلم بدعوى الاكتفاء بنصوص القرآن الكريم؟
احترام البخاري على وجه التحديد، ومسلم وتقديرهما، واجب على كلّ من يحترم العلم ويقدّره؛ فكلاهما شرف لهذه الأمة، ونموذج يحتذى به في التجديد والاجتهاد.
الإمام البخاري نظر في الأحاديث فوجد فيها غثّاً ينسَب للرسول الكريم زوراً وبهتاناً، ولاحظ كثرة التحديث والأقوال، فماذا فعل؟ ندب نفسه للدفاع والذبّ عن رسول الله عليه السلام، فاجتهد وجاء بمنهج عبقري لم يسبقه إليه أحد، فوضع شروطاً لاعتبار الحديث صحيحاً مقبولاً من عدمه، فماذا كانت النتيجة؟

الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن مطروح وبقوة وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر

حصّل الرجل كلّ ما يستطيع تحصيله من أحاديث وأقوال تنسب للرسول الكريم، فوجدها ستمئة ألف حديث، وبدأ يختبرها وفق المنهج الذي وضعه، فلم يجد منها سوى 2600 حديث تقريباً هي التي يمكن نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل يعقل أن نقول إنّ الرجل جنى على الأمة؟
إنني أتعجب ممن يهيلون التراب على البخاري، أمجانين هؤلاء؟! الرجل عبقري بالمقاييس العلمية، والعباقرة يحفر له التاريخ مكانتهم.
وأقول لكل من يحاول النيل من البخاري، بنية صادقة، نية التجديد والشعور بأزمة حضارية؛ ليست المشكلة في البخاري، بل على العكس؛ المشكلة أنّه لا يوجد بخاريّ جديد، المشكلة أنّ هذه الأمة، بطولها وعرضها، توقفت عن إنتاج العبقريات، وعن النقد والفرز، فلم يأتِ بعد البخاري بخاري آخر، حتى تلميذه مسلم، بدل أن يزيد في شروط قبول الحديث، ويحطاط لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر، نزل بشروط قبول الحديث عن شيخه البخاري، وجاء من بعده من نزل حتى عن شروطه، وهكذا؛ بدل أن ترتقي الأمة في الشروط، نزلت بها، فظلّ كتاب البخاري هو الأعلى من حيث شروط قبول الحديث، وهنا يكمن عمق الأزمة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
باختصار؛ نحن نحتاج إلى بخاري آخر، ينظر أولاً في كتاب البخاري ويبحثه، وهل التزم بشروطه التي وضعها لنفسه في كلّ أحاديث كتابه، ثم يأتي بمنهج علمي جديد، أكثر صرامة لقبول الحديث؛ فالبخاري ليس أزمة الأمة، بل أزمة الأمة أنّها عقمت أن تلد بخارياً جديداً، وهو شيء لا يصدَّق، ومن ثم فتقدّمنا مرهون بولادة عبقريّ، بل عباقرة جدد، وإن ظللنا ننفي إمكانية ذلك، وأنّه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فنحن حقيقة ننفي إمكانية تقدّمنا ولو شبراً واحداً. 
الحاضر الغائب

هل يمكن أن تلخّص لنا أزمة تجديد الخطاب الديني، إذا كان ثمة أزمة، ورؤيتك للخروج منها؟
الخروج من هذه الأزمة يمرّ بثلاث خطوات محددة، الأولى: يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإطفاء؛ فحينما يشبّ حريق في بيت ما يكون التفكير في تجميله وتزيينه ضرباً من العته والجنون، والبيت العربي والمسلم الآن تلتهمه نيران التطرف والتعصب، وتحيطه من كلّ أرجائه، ومن ثمّ فالمهمة الأولى الآن؛ هي محاربة هذه الأفكار، وهدمها وإطفائها، فنحن لن نتقدم قيد أنملة واحدة، في أيّ اتجاه، من دون إنهاء هذه الأفكار التي تحارب وتهدم كلّ تقدم وكلّ تجديد.
تأتي بعد مرحلة الإطفاء، أو بالتزامن معها، ما يمكن أن نسميها مرحلة الانتقاء والغربلة للتراث، وهي مرحلة لها ضوابطها وشروطها التي تجعلها فاعلة وناجزة، بعدها مرحلة وضع النظريات الكلية؛ التي تساهم في مسيرة الإنسانية، وتقدّم الجديد للبشرية.

للمشاركة:

الكاتبة السويدية جولبارج باشي تحتفي بـ "الأبجدية الفلسطينية" فتتهم بمعاداة السامية

2019-09-23

أجرت الحوار: تغريد علي


قالت الأكاديمية والكاتبة السويدية جولبارج باشي: إنّ القضية الفلسطينية هي من أكثر القضايا عدالة حول العالم، وهو الأمر الذي دفع إلى تعرّض عدد من النشطاء والأكاديميين المؤيدين للقضية الفلسطينية، في الولايات المتحدة وخارجها، لحملات ممنهجة لتشويه سمعتهم وفقدان وظائفهم؛ بسبب عدم ولائهم لإسرائيل، حتى وصل الأمر إلى قتل عدد منهم، وجرى اتّهام بعضهم بمعاداة السامية، كما حصل مع كتابي"P for Palestine: A Palestine" Alphabet Book"، رغم أنّ معاداة السامية موجودة منذ آلاف السنين، وما تزال موجودة إلى اليوم، من قبل الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، الذين يدافعون عن الصهيونية كوسيلة لإبعاد اليهود عن أوروبا، ولإبقائهم في فلسطين.

المشروع الصهيوني بأكمله يرتكز على فرضية خاطئة بأنّ فلسطين "غير موجودة" وأنّ هذه الأرض المقدسة هي ملكية عقارية

وأضافت باشي، في حوارها مع "حفريات": بأنّ "كتاب "الأبجدية الفلسطينية" للأطفال، جوبه بمعارضة كبيرة من قبل الصهاينة، وكان ذنب الكتاب الوحيد أنّه حمل كلمة "فلسطين"، مع أنّه لم يشتمل على أيّة ألفاظ معادية للسامية، أو تعني الكراهية المتأصلة لليهود، والكتاب لا علاقة له بهذه الكراهية، وهدفه الدفاع عن القضية الفلسطينية وهويتها الثقافية والتاريخية، والتعريج على الكوفية الفلسطينية ومفتاح العودة والتراث الفلسطيني وغيرها؛ لربط الأطفال في الولايات المتحدة وحول العالم بالقضية الفلسطينية؛ كوطن مستقلّ للفلسطينيين الذين هم أصحاب الأرض الأصليين.

كتاب "الأبجدية الفلسطينية" للأطفال جوبه بمعارضة كبيرة من قبل الصهاينة

يذكر أنّ جولبارج باشي ولدت في إيران، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ونشأت في السويد، وتلقت تعليمها في جامعة مانشستر، ثم جامعة برستول، قبل أن تحصل على درجة الدكتوراه في دراسات الشرق الأوسط، من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وهي مؤلفة لأدب الأطفال، ولها عدة إصدارات باللغات؛ الفارسية والإنجليزية والسويدية، وكان لتجربتها كلاجئة، إبّان طفولتها خلال الحرب العراقية الإيرانية والحياة في السويد، تأثير كبير للاهتمام بأدب الأطفال، إلى أن تمّ إصدار كتابها الأول باللغة الإنجليزية، الذي يتحدّث عن الأبجدية الفلسطينية، وتمّ بيعه في غضون أيام، وهو الآن في طبعته السابعة خلال العام الحالي 2019.

اقرأ أيضاً: روائي فلسطيني يقيم حفلاً لتوقيع روايته على بسطته لبيع القهوة
وباشي؛ هي عضو في حزب الخضر السويدي، وسبق أن تمّ اختيارها كمرشحة عن الحزب في الانتخابات البلدية السويدية لمدينة كرامفورس، عام 2002، وكانت تشغل منصب المدير التنفيذي للجنة المرأة في الحزب، واشتهرت بإصدار عشرات الكتب التي تتحدث عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط ووضع المرأة في إيران.

هنا نصّ الحوار:

متى تمّ إصدار كتاب الأبجدية الفلسطينية "P for Palestine: A Palestine Alphabet Book"؟ وعن ماذا يتحدث؟

تمّ إطلاق الكتاب في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وأُطلقت حملة تبرعات لنشر وطبع الكتاب، خلال العام 2016؛ حيث قدمت الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة دعماً مالياً كبيراً، والذي كان له الدور الأساسي في نشر هذا الكتاب وصدوره، ويتحدّث الكتاب عن فلسطين، وتمّ جعل كلّ حرف من حروف الأبجدية الإنجليزية يدلّ على الثقافة والتاريخ الفلسطيني؛ فعلى سبيل المثال: تمّ اختيار الحرف (P) لكلمة فلسطين، وحرف (Q) لكلمة القدس، وحرف (A) لكلمة أريحا، والحرف (G) للتعبير عن مدينة غزة، وحرف (B) للدلالة على مدينة بيت لحم، والحرف (D) للدلالة على الدبكة الفلسطينية، و(I) للتعبير عن كلمة انتفاضة، كما أُقيمت عدة لقاءات للأطفال في مناطق مختلفة من مانهاتن في نيويورك لقراءة هذا الكتاب.

التحريض على العنف

تمّ إطلاق الكتاب في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2017
ما هو دافعك وراء إصدار هذا الكتاب؟ ولماذا اتُّهمتِ بالتحريض على العنف ومعاداة السامية؟

دافعي لتأليف ونشر هذا الكتاب؛ كان بسبب قلة وندرة كتب الأطفال المتخصصة باللغة الإنجليزية، التي تتحدث عن فلسطين بشكل خاص، مع وجود قصص للأطفال أودّ أن أرويها في هذه المرحلة من حياتي، كأم وأكاديمية، ولطالما تمنيت أن تكون هذه الكتب والمؤلفات متاحة منذ طفولتي، حتى اخترت لنفسي أن أكتب للأطفال وأجعلهم يقرؤون، وذلك بهدف أن يكون لهذه القصص تأثير إيجابي وتعليمي، على الأطفال وعائلاتهم؛ فبعض الناس قد يكتب مقتطفات موسيقية أو أغاني أو أفلاماً، وقد يستخدمون أساليب أخرى للتعبير عن فنّهم، لكنني اخترت لنفسي أن أكون كاتبة.

اقرأ أيضاً: وداد البرغوثي في قبضة احتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني
ولم يثر كتابي غضب الإسرائيليين؛ بل أثار غضب كلّ الصهاينة؛ لأنّه تحدّث عن فلسطين وثقافتها وتاريخها، وبدأت التعبيرات عن الغضب في شكل مضايقات على الإنترنت، وتهديدات بالقتل ومحاولات لحظر كتابي، والتسبّب في أضرار نفسية ومالية لي، حتى قبل الاطّلاع على كتابي من قبل الصهاينة، الذين يدّعون أنّني أقوم بمعاداة السامية والتحريض على العنف فيه.

ما الهدف الذي يسعى إليه الرافضون لنشر هذا الكتاب؟ ومَن وراء ذلك؟

هي محاولات يائسة من طرف أقلية عنصرية، تهدف إلى عدم ذكر اسم فلسطين أو قضيتها المركزية العادلة، ومنع أيّ طفل حول العالم، حتى إن لم يكن ذا أصول فلسطينية، من أن يعرف تاريخ هذه الأرض وثقافتها وحقيقتها، ومن هم أصحابها الأصليون؛ وذلك بهدف الاستمرار في حجب أيّة وسيلة نزيهة من شأنها توضيح القضية الفلسطينية بأيّة طريقة كانت، حتى جرى وصفي من قبلهم بأنني عنصرية؛ في محاولة لنزع الشرعية عني كمؤلفة وكاتبة.
الانتفاضة هي كلمة عربية وترتبط بالمقاومة الفلسطينية

لماذا أثار الكتاب غضب عدد من الإسرائيليين، خاصة عند ذكر كلمة "الانتفاضة"؟
بالنسبة إلى الانتفاضة؛ هي كلمة عربية وترتبط بالمقاومة الفلسطينية، التي استمرت لعقود في الكفاح من أجل الحصول على الاستقلال عن الاحتلال، وأصبحت هذه الكلمة مرتبطة بصور "العنف" من خلال الإصرار الصهيوني المطلق على إنكار وجود الفلسطينيين، وربط أيّ شيء يتعلق بهم بأنّه يدعو للعنف، حتّى الرسوم التوضيحية التي شملها الكتاب لأطفال صغار وهم يطلقون الطائرات الورقية ذات الألوان الجميلة على شاطئ بحر غزة، تمّ اتّهامي بأنّها رسومات تهدف إلى الترويج للإرهاب، وأرى أنّ الدفاع عن الفلسطينيين وحقوقهم لا علاقة له بالكراهية أو العنف ولا يتعارض مع ثقافات الشعوب الأخرى.

ما هي الأسباب الرئيسة وراء إلغاء احتفالية لعرض وإعلان الكتاب في مكتبة "هايلاند بارك"  بنيوجيرسي؟
بداية؛ قبلت دعوة وجهتها لي منظمة يهودية أمريكية، تُطلق على نفسها "صوت اليهود من أجل السلام"، في كانون الأول (ديسمبر) 2018، لقراءة كتاب "P for Palestine" في المكتبة العامة في هايلاند بارك في نيوجيرسي، وقد وافقت المكتبة، المموَّلة من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، على طلب من المنظمة لعرض وقراءة الكتاب، في أيار (مايو) الماضي؛ حيث اعترض بعض الصهاينة المتواجدين في المكتبة على عرض الكتاب، وبدؤوا بطرح الأكاذيب، في محاولة لتشويه صورة الكتاب، والحديث عن أنّه لا حقيقة لوجود الفلسطينيين على هذه الأرض، وأنّني كاذبة وأعمل على تزييف الحقائق، ما دفع المكتبة إلى إلغاء الفعالية المقررة.
ضغط من أجل إلغاء توقيع الكتاب

تمّ جعل كلّ حرف من حروف الأبجدية الإنجليزية يدلّ على الثقافة والتاريخ الفلسطيني
هل تعتقدين أنّ إلغاء مكتبة هايلاند بارك الفعالية كان يهدف إلى إحداث خلافات مذهبية بين اليهود والمسلمين في الولايات المتحدة؟

لا أظن ذلك؛ لأنّ الحدث جرى تنظيمه من قبل منظمة يهودية معادية للصهيونية، وكما تعلمون جيداً، بعد الفلسطينيين أنفسهم، فإنّ بعض المدافعين الأكثر نشاطاً وشجاعة عن القضية الفلسطينية هم يهود معادون للصهيونية، وهم يدفعون ثمناً باهظاً بسبب أنشطتهم حول العالم؛ لذا فإنّ فلسطين مسألة عالمية ومقياس لإنسانية الفرد، وليس كلّ من يدعم القضية الفلسطينية هم من المسلمين؛ لذلك فإنّ محاولة تحويل الخطاب حول القضية الفلسطينية إلى صراع بين المسلمين مقابل اليهود، هي طريقة كلاسيكية لتحويل الانتباه عن جذور القضية الفلسطينية السياسية والأيديولوجية.

كيف استطاع الكتاب نقل الصورة الحقيقية عن القضية الفلسطينية ومحاربة الأفكار الزائفة التي تحاك ضدّها؟
منذ ما يقرب من 7 عقود، كانت فلسطين مفقودة في وسائل الإعلام الأمريكية السائدة، أو مرتبطة فقط بصور العنف؛ لذلك عندما كتبت أول كتاب أبجدي للأطفال في العالم عن فلسطين، باللغة الإنجليزية، وأظهرت بشكل طبيعي فلسطين بطريقة واقعية، كان يُنظر إلى كتابي على أنّه هجوم على إسرائيل، وأنّه يحرّض على العنف ضدّ الآخرين، بالتالي، معاداة السامية، هذه الاتهامات البغيضة والكاذبة أثارت في الحقيقة عنفاً تجاهي؛ لأنني عطلت الصورة السلبية المعادية للفلسطينيين في وسائل الإعلام الأمريكية الناطقة باللغة الإنجليزية، في الولايات المتحدة بشكل عام، ولا سيما مدينة نيويورك، بعد أن دأبت إسرائيل على محو فلسطين بشكل متعمَّد من هذه الوسائل، وتحريف القضية الفلسطينية بشكل صارخ، مع إظهار صور سلبية انتقائية تصاحبها تقارير إخبارية ساخرة عنها، لذلك بات كلّ عمل يهدف لذكر فلسطين وقضيتها هو عمل تحريضي ويشكّل هجوماً على إسرائيل.

لماذا يتَّهم أيّ شخص يعمل لصالح القضية الفلسطينية في أمريكا بأنّه معادٍ للسامية، كما حصل مع كتابك؟
اعتقد أنّ المشروع الصهيوني بأكمله يرتكز على فرضية خاطئة، مفادها؛ أنّ فلسطين "غير موجودة"، وأنّ هذه الأرض المقدسة هي ملكية عقارية، منحت من الله لمجموعة عرقية ودينية معينة؛ أي اليهود الصهاينة فقط، وبالتالي؛ فإنّ اتهام المدافعين عن القضية الفلسطينية، أو منتقدي الجرائم الإسرائيلية، بأنّهم ضدّ الإنسانية ومعادين للسامية، هو تكتيك لإثارة الخوف والصمت وإخفاء الحقيقة حول واحدة من أكثر القضايا مركزية حول العالم؛ ألا وهي القضية الفلسطينية؛ لذلك تصاعدت الاتهامات على بعض الكتّاب والأكاديميين، الذين كانوا يعملون لصالح حرية الفلسطينيين، وجرى اغتيال اثنين منهم بدم بارد، هما من أكثر أدباء وكتّاب الأطفال والفنانين بلاغة في فلسطين؛ غسان كنفاني وناجي العلي.

للمشاركة:



فرار داعشيات فرنسيات من مخيم بسوريا.. وباريس تستنفر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان: إنّ "9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش الإرهابي، قد هربن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غرب سوريا".

وأكّد لودريان؛ أنّه سيتوجه إلى العراق قريباً، لبحث الإطار القضائي الذي يتيح محاكمة متشددين محتجزين في سوريا"، وفق ما نقلت "رويترز".

وزير الخارجية الفرنسي يؤكّد فرار 9 فرنسيات من المنتميات لـداعش الإرهابي من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد

وذكر الوزير الفرنسي، أمس؛ أنّه سيجري محادثات مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب، المحتجزين في مخيمات وسجون سورية.

يذكر أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، كان قد صرّح، أمس: بأنّ "القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستكون لها عواقب وخيمة على المنطقة، وستؤدي، لا محالة، إلى عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق".

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد حذّر، الأسبوع الماضي، من أنّ العدوان التركي على شمال شرق سوريا، سيحيي خطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

إدوار فيليب: القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستؤدي، لا محالة، إلى عودة داعش

وبدأت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها قبل نحو أسبوع هجوماً في شمال شرق سوريا، تسبّب وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، كما قتل أكثر من 120 عنصراً من الفصائل الموالية لأنقرة.

وأحصت تركيا، من جهتها، مقتل 4 جنود أتراك في سوريا، و18 مدنياً، جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

ودانت غالبية دول العالم العدوان التركي، وطالبت أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، باستثناء قطر التي أعلنت تأييدها لتركيا في العدوان على شمال سوريا ضدّ القوات الكردية.

 

للمشاركة:

بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:



كارثة صنعها الجميع في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

فاروق يوسف

"بغض النظر عما يُقال" تلك جملة تحد قالها الرئيس التركي اردوغان تعبيرا عن إصراره على الاستمرار في حملته العسكرية التي يهدف من خلالها إلى إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا وبالضبط على الأراضي التي سبق للأكراد أن أعلنوا فيها استقلالهم عن الدولة السورية.

ها هم يتخلون عن ذلك الاستقلال الذي تمتعوا به خمس سنوات وسط ضجيج الحرب التي خاضوها ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش الذي ما من قوة هزمته هناك مثلما فعل الأكراد. غير أنهم اليوم يجدون أنفسهم مضطرين إلى التذكير بأنهم جزء من الشعب السوري أن مدنهم ينبغي أن تكون تحت حماية الدولة السورية.

عاد الأكراد سوريين وفتحت مدنهم أبوابها للقوات السورية ولكن كل ذلك يجري برعاية روسية. وذلك إجراء ضروري من أجل أن لا يحدث أي تماس غير مقصود بين قوات الغزو التركي والقوات السورية ما دام اردوغان مصرا على مواجهة تبعات فعلته. وهي تبعات لا أعتقد أنها أقل خطرا من الإرهاب الوهمي الذي شكل تهديدا لأمن تركيا حسب المسؤولين الأتراك.

سوريا إذاً تمر اليوم بحلقة جديدة من مسلسل متاهتها التي يبدو أنها لم تكشف بعد عن جميع حلقاتها بالرغم من مضي أكثر من ثمان سنوات على بدء الحرب العبثية التي بدأت بانتفاضة شعبية سلمية لتصبح في وقت قياسي جزءا من لعبة الامم التي لا يمكن العثور على وسيلة للخروج منها. وفي كل ما جرى فإن هناك ما يسوغ توجيه اللوم إلى السوريين بالرغم من أنهم تحولوا مع الوقت إلى ضحايا بدرجات مختلفة.

المقصود هنا السوريون كلهم من غير استثناء، موالاة ومعارضة من غير أن يشمل ذلك التنظيمات الارهابية التي غزت سوريا بتمويل قطري ورعاية تركية فهي لا يمكن أن تكون مشمولة بأي التفاتة إنسانية.

فعلى سبيل المثال، كان الغزو التركي مناسبة لكي يصحو الأكراد ويتخلوا مجبرين عن أوهامهم في الانفصال عن سوريا وإقامة الدولة القومية وعادوا إلى الدولة السورية غير أن ذلك الموقف ليس مقنعا بالنسبة لزعماء أكراد كانوا على خلاف مع قوات سوريا الديمقراطية وسبق لهم أن اتهموها بالعمالة للنظام قبل أن يقع الغزو التركي بسنوات.

ذلك التمزق يعطي صورة عن الحال الذي عاشته سوريا في خضم صراعات فرقائها الذين ذهب كل فريق منهم إلى جهة حسب رؤية الطرف الذي يدعمه ويموله بالمال والسلاح.    

لقد تخلى الأكراد عن سوريتهم في اللحظات العصيبة ولكن ذلك لم يكن حكرا عليهم. فالسوريون الذين انتموا إلى التنظيمات "الجهادية" كانوا أيضا قد تخلوا عن سوريتهم بحجة مناهضة النظام والسعي إلى اسقاطه. تلك كذبة مررها الارهابيون ليشرعنوا من خلالها جرائمهم التي خرجت من دائرة الحرب على النظام لتدخل في دائرة الحرب على المجتمع.

كان من الواجب الأخلاقي والوطني أن يخلص السوريون، موالاة ومعارضة إلى مبدأ المواطنة قبل أن يقرروا الالتفات إلى مطالبهم والذهاب بها إلى المكان الذي يفقدهم القدرة على أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. ولكن المشكلة تكمن في أن مبدأ المواطنة لم يكن واضحا بالنسبة للكثيرين بسبب عنف النظام وسياساته القمعية العمياء.

اليوم يعتمد أردوغان في غزوته السورية على "الجيش الوطني السوري" وهو عبارة عن مجموعة من المرتزقة السوريين، في ارتكاب جرائم إبادة بشرية في قرى وبلدات سورية انما يضيف صفحة إلى الملف الأسود الثقيل الذي صار يضم صفحات الكارثة السورية.

لقد أخطأ الجميع وها هو أردوغان يستفيد من تلك الأخطاء من غير أن يلتفت إلى ما يُقال.

عن "ميديل ايست اون لاين"

للمشاركة:

أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية