علماء شكلوا علامة فارقة في تاريخ الأزهر..هل تعرفهم؟

8946
عدد القراءات

2018-07-26

بينما تخوض الدولة المصرية حرباً ضروساً مع التطرف والإرهاب، كثيراً ما تتعالى صيحات تنادي بتطوير المؤسسة الأقدم والأعرق، الأزهر الشريف، حاملاً لواء الدعوة الإسلامية وقلعة الوسطية في العالم الإسلامي، وقد يحمّلها البعض وزر التأسيس لتلك الثقافة الغريبة، وهي بريئة من تلك التهمة.

وفي هذا السياق، قد يتغافل كثير ممن يدعون الأزهر إلى مزيد من الاستنارة والتقدمية، عن أنّ تاريخ الأزهر حافل بتلك المشاهد التي أكدت وسطية واستنارة الكثيرين من شيوخه، الذين أرادوا تحريك المياه الراكدة في مسيرته، وكانت لهم صفحات مشرقة جديرة بأن تروى.

بدا حرص الأزهر على الابتعاد عن التعصب واضحاً في كونه لم يحدّد مذهباً محدداً لشيخه بل توالى على مشيخته الشافعي والمالكي والحنفي

بدا حرص الأزهر على الابتعاد عن التعصب الفكري والمذهبي واضحاً في كونه لم يحدّد مذهباً محدداً لشيخه؛ بل توالى على مشيخته، الشافعي والمالكي والحنفي، لكنّ اللافت، وهو موضوع هذا المقال، أنّ الغالبية من علمائه الذين تولوا منصب المشيخة لم يكن لهم انحياز فقهي محدّد؛ بل دعوا جميعاً إلى توحيد تلك المذاهب أو التسامح مع تعددها؛ للحيلولة دون تحوّل المذهب إلى قيد فكري وعقلي.

كان أول هؤلاء المشايخ، الذين لم يعرف لهم مذهب فقهي محدد، الشيخ أحمد الدمنهوري، الذي تولّى المشيخة في الفترة من 1768 إلى 1778، حاول الرجل التوفيق بين كلّ المذاهب، وقد تفقه فيها جميعاً على يد شيوخ الأزهر، لكن كانت له اهتمامات علمية وفنية متنوعة تكشف ثقافة وعلماً موسوعياً تميز به علماؤنا الأوائل؛ فمن أهم كتبه "حلية اللبّ المصون" في البلاغة، و"رسالة عين الحياة في استنباط المياه"، وهي رسالة في علم الجيولوجيا، "القول الصريح" في علم التشريح في الطب، "القول المفيد لمعاني درّة التوحيد"، "عقد الفرائد" في الهندسة، و"الدرة القويمة في الصنعة الكريمة" في الكيمياء.

اقرأ أيضاً: النيابة العامة تحاكم شيخاً أزهرياً بسبب تصريحاته المسيئة للمسيحيين

أمّا العلّامة الشيخ المصلح حسن العطار، الذي تولى مشيخة الأزهر في الفترة من عام 1830 لأربعة أعوام، فقد كان من أعلام الإصلاح الذين لا يقلّون عطاءً عن رواد النهضة في مصر.

تلقّى تعليمه على أيدي نخبة من العلماء منهم؛ الشيخان الأمير والصبان، وقد تخصّص في علم المنطق، وكان له علم واسع بالفلك والطب والكيمياء والهندسة والموسيقى، كما كان شاعراً أريباً، وقد وصفه الجبرتي بأنه: "قطب الفضلاء، وتاج النبلاء ذو الذكاء المتوقّد، والفهم المسترشد الناظم الناثر الأخذ من العلوم العقلية والأدبية بحظّ وافر".

يعدّ الرجل بحقّ من رواد النهضة الفكرية في مصر؛ حيث تتلمذ على يديه جيل من الروّاد، كرفاعة الطهطاوي ومحمد عياد الطنطاوي.

كان أول من أنشأ جريدة "الوقائع" المصرية، وتولى رئاسة تحريرها، أفاد من علوم الحملة الفرنسية، وارتحل إلى الشام وأوروبا، وألمّ باللغتين؛ التركية والفرنسية، كان نموذجاً للعالم الأزهري متعدّد الثقافات.

ألّف "حاشية ابن العطار في التهذيب" (المنطق)، ورسالة في كيفية العمل بالإسطرلاب، وديوان شعر، فضلاً عن مقالات في الطبّ والجراحة.

اقرأ أيضاً: الشيخة أم السعد أشهر امرأة في عالم قراءات القرآن الكريم

كان يقول دائماً: "إنّ بلادنا لا بدّ من أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها"، كما جمع إلى العلم والتنوير الموقف الوطني الناصع، فكان من قادة العمل الوطني المقاومين للحملة الفرنسية، وقد تولّى مشيخة الأزهر بعد إلحاح من العلماء والطلاب، بل وبتدخل شخصي من الوالي محمد علي الذي كان يجلّه كثيراً، رغم خصومته مع جلّ العلماء، وقد حرص الشيخ العطار، بالمقابل، على حسن العلاقة مع الوالي محمد علي، وكان في تقديره أنّ الاحتفاظ بعلاقة متوازنة مع الوالي، يفيد الأزهر ومطالبه في الإصلاح، خصوصاً أنه كان يريد إقناع الوالي بإدخال العلوم الحديثة للأزهر بغية الإصلاح.

أمّا الشيخ علي محمد الببلاوي؛ فقد تولى مشيخة الأزهر، بين عامَي 1902 و1905.

تلقّى تعليمه على أيدي كبار علماء الأزهر؛ الأنبابي وعليش والأسيوطي، وقد باشر التدريس في الأزهر والمسجد الحسيني، وعيّن ناظراً لدار الكتب المصرية، ثم نقيباً للأشراف، وشيخاً للمسجد الحسيني، ومن أهم مؤلفاته: "إعجاز القرآن"، و"فضل النصف من شعبان".

كان الشيخ مناصراً للثورة العُرابية، وصديقاً لشاعرها أحمد سامي البارودي، وقد فصل من نظارة دار الكتب بسبب ذلك.

اقرأ أيضاً: نقاد وقراء يفككون عالم عرّاب القراءة أحمد خالد توفيق

تجاوب مع حركة الشيخ محمد عبده الإصلاحية؛ ما استجلب ضيق الخديوي عباس منه، وقد قدم الشيخ استقالته احتجاجاً على عدم التجاوب مع خطته الإصلاحية.

برز أيضاً، ضمن تلك الكوكبة؛ فضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي تولّى المشيخة مرتين، ولم يمكث في الفترة الأولى سوى عام واحد، من 1928 وحتى 1929، حيث استقال احتجاجاً على محاولة الحكومة حرمان شيخ الأزهر من بعض الأوقاف الخاصة به.

أما الفترة الثانية من ولايته؛ فقد دامت 10 أعوام كاملة، في الفترة بين 1935 إلى 1945.

كان الشيخ ممّن دعوا إلى توحيد المذاهب، وقد تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده، وتأثر بمنهجه الإسلامي.

برز ضمن تلك الكوكبة الشيخ مصطفى عبد الرازق شقيق الدكتور علي عبد الرازق  صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"

حصل على العالمية، وعمل بالقضاء الشرعي في السودان؛ حيث عيّن رئيساً للمحكمة الشرعية العليا، شكل لجنة لتنظيم لائحة الأحوال الشخصية، ودعا إلى فتح باب الاجتهاد، وتوحيد المذاهب، طريقاً لتوحيد الأمة، وقد عرف بتسامحه الشديد.

من أهم كتبه: "الأولياء والمحجورون في الفقه"، و"تفسير جزء تبارك"، و"وجوب ترجمة معاني القرآن" (بحث علمي).

كان عالماً تقدمياً، عدّل في نظام هيئة كبار العلماء، تلك الهيئة التي تختار شيخ الأزهر؛ حيث وضع لها شروطا صارمة، وصفها البعض بالصعوبة، حرصاً على النهوض بمستوى تلك الهيئة خطيرة الشأن.

أنشأ مراقبة للبحوث والثقافة الإسلامية تختصّ بالعلاقات الإسلامية والبعوث ومراقبة الكتب التي تهاجم الدين.

برز ضمن تلك الكوكبة أيضاً: الشيخ مصطفى عبد الرازق، شقيق الدكتور علي عبد الرازق؛ صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، ولم يقل الشيخ مصطفى عن شقيقه تقدمية واستنارة، وكان أيضاً من تلامذة الإمام محمد عبده، عيّن مدرساً بالقضاء الشرعي بعد أن حصل على العالمية بتفوق، قاده طموحه العلمي إلى الانتظام بالدراسة في السوربون، لدراسة الفلسفة والآداب، من أهمّ كتبه "الترجمة الفرنسية" لرسالة التوحيد للشيخ محمد عبده والإمام الشافعي والبهاء الزهير.

جاهر عبدالرازق  بآرائه التقدمية لإصلاح المنظومة التعليمية والفكرية بالأزهر ما جلب عليه حنق بعض التقليديين

دعا الأزهر إلى الانفتاح على الغرب والإفادة من تجربة فرنسا السياسية والقانونية، كما جاهر بآرائه التقدمية لإصلاح المنظومة التعليمية والفكرية في الأزهر، ما جلب عليه حنق بعض علماء الأزهر التقليديين، وكان الرجل الوحيد الذي اختير شيخاً للأزهر، رغم أنّه لم يكن من بين أعضاء هيئة كبار العلماء، ولم يسبق له أيضاً التدريس في المعاهد الدينية، كما تقضي لوائح الأزهر، لكنّ التوافق على اختياره شيخاً للأزهر، بين الحكومة والملك، دفع الأخير إلى إصدار أمر ملكي بمساواة تدريسه في الجامعات المصرية بالمعاهد الدينية.

أسس قاعة للمؤتمرات بالأزهر حملت اسم أستاذه الإمام محمد عبده، كما اهتم بالطلاب المبتعثين، وهيّأ لهم مدينة سكنية بعد أن ألغى الأروقة، كما صرف لهم مرتبات شهرية.

اقرأ أيضاً: رحيل عالم مصري أنقذ مئات الملايين حول العالم

وتمتدّ سلسة الإصلاح، لتضمّ أعلاماً أخرى، كـ: محمد مأمون الشناوي، وعبد المجيد سليم، وإبراهيم حمروش، ومحمد الخضر حسين، ومحمود شلتوت، وصولاً إلى الدكتور أحمد الطيّب، الذي يمضي على مسيرة هؤلاء الأعلام، في وقت صعب ومعقّد للغاية، تبتذل فيه الكثير من المعاني والخطوات، لكن مسيرة الأزهر تبدو مستمرة نحو الاستنارة والإصلاح، وإن عاندتها جبال الجهل والتعصب والإغراض.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا تخسر أمريكا "معركة القلوب والعقول" دائماً؟

2019-07-17

استُخدم تعبير "معركة القلوب والعقول" أول مرة للإشارة إلى الإستراتيجية والبرامج التي استخدمتها حكومتا فيتنام الجنوبية والولايات المتحدة لكسب "دعم" الشعب الفيتنامي (الجنوبي) والمساعدة في هزيمة تمرد "الفييت كونغ" المسنود من قبل قوات فيتنام الشمالية (الشيوعية).

اقرأ أيضاً: رغم فشل فرماجو في مكافحة الفساد.. أمريكا تستأنف دعمها للجيش

واستخدم الرئيسُ الأمريكي ليندون جونسون (الذي تعمقت حرب فيتنام خلال رئاسته) عبارة "قلوب وعقول" نحو 28 مرة، وكانت المرة الأولى التي استخدم فيها هذه العبارة ضمن كلمة له في 16 كانون الثاني (يناير) 1964، وكانت آخر مرة في 19 آب (أغسطس) 1968.

كانت الولايات المتحدة تنظم روافد تصب في نهر معركتها الأساسية ومن تلك الروافد كانت الهيئات الثقافية والإعلامية

في 4 أيار (مايو) 1965 قال: "يجب أن نكون مستعدين للقتال في فيتنام، ولكن النصرَ النهائي سيعتمد على كسب قلوب وعقول الناس الذين يعيشون بالفعل هناك. من خلال المساعدة على جلب الأمل لهم والكهرباء ولخدمة قضية الحرية في جميع أنحاء العالم".

لم تخسر أمريكا "معركة القلوب والعقل" تلك وحسب، بل خسرت معركتها العسكرية أيضاً، ولكن السؤال كان لماذا خسرت المعركة "السلمية" قبل العسكرية؟

لنلاحظ أنّ تلك التجربة ستتكرر في حروب كبيرة لاحقة دخلتها الولايات المتحدة: أفغانستان، العراق والحرب على الإرهاب، واستخدمت فيها الاستراتيجية ذاتها، وخسرت في جميعها "معركة القلوب والعقول"، ذلك أنّ السبب سيتكرر وإن تبدّلت الأمكنة والسياسات والظروف والثقافات.

يمكن إرجاع الأسباب في ذلك إلى:

1. كانت الولايات المتحدة تتعاون مع أطراف محلية (فيتنامية، أفغانية وعراقية) "فاسدة" وشبه أمية، وكل رأس مالها هو في صلتها بالمقاول الأمريكي؛ فالعسكري دائم البحث عن نجاح سريع، لذا كانت تقدم له كل معلومة ترضي بحثه هذا؛ حتى لو كانت معلومة غير صحيحة.

2. تسند الوظائف المتعلقة بـ "معركة القلوب والعقول" (الصغيرة جداً) إلى شخصيات أمريكية فاشلة في مهام (كبيرة) كنوع من الترضية.

اقرأ أيضاً: لأول مرة.. أمريكا تنشر طائراتها في قطر على وقع التوتر مع إيران

3. كانت أمريكا تفتقر إلى الدراسات المعقمة عن ثقافة المجتمعات التي تقصد كسب تعاطفها، ولا تبحث فعلياً عن حلول جوهرية تأخذ بعين الاعتبار تلك الجوانب الاجتماعية-الثقافية العميقة، وإن حصل ذلك إنما يكون مرتبطاً بشخصية القائد (مثال ذلك ما حققه لفترة وجيزة الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأمريكية في العراق ثم في أفغانستان، فهو متخصص بالبحوث الاجتماعية وكان يستعين بمستشارين على درجة من تقدير المعرفة والعلوم).

4. تكرر الإستراتيجية ذاتها دون مراجعةٍ نقدية جدية، ودون تمحيص أسباب فشلها في تجارب سابقة.

الميدان يكشف الحقائق

في تقرير سري خلال الحرب الأفغانية في العام 2007 جاء بعنوان "كيف تخسر الولايات المتحدة المعركة من أجل القلوب والعقول؟"، كشف عن ردود أفعال القرويين الأفغان غير المتحمسين لمحاولات الجيش الأمريكي بناء جسور الثقة معه "لا أحد يريد أن يفعل أي شيء معنا"، يقول واضع تقرير المهمة بحزن، لكن قادته الأعلى كانوا يكتبون غير ذلك، ويتحدثون عن "نجاحات منقطعة النظير في التعاون مع الشعب الأفغاني" اعتماداً على تجمعات خادعة كان ينظمها متعاقدون محليون يقبضون الكثير من المال مقابلها، بينما التقريرُ "الحقيقي" كان يصف زيارة الجنود الأمريكيين لقرية أفغانية نائية بأنّها أشبه بـ "الوقوع في كمين، فأبواب البيوت ونوافذها أغلقت ولا أحد يقبل الحديث إلينا".

اقرأ أيضاً: في أي سياق جرى تعيين مارك إسبر وزير دفاع أمريكا الجديد؟

وفي العراق كان هناك مثال آخر على فشل معركة قلوب وعقول أخرى؛ فالعراقيون الذين انتظروا نهاية نظام صدام الذي أذلّهم خوفاً وجوعاً، صدّقوا وعود الرئيس بوش حين قال "هناك جيش للبناء سيسير إلى جانب الجيش المسلح وسيعوض العراقيين كل ما فاتهم من فرص تطور يستحقونها".

في الحقيقة كان هناك شيء من "جيش البناء" ذاك، لكنّ القادة العسكريين والسياسيين لاحقاً أوكلوا مهمامه إلى مستشاريهم من العراقيين والعرب الأمريكيين الذين تعاقدوا وبأجور خيالية معفية من الضرائب مع الجيش الأمريكي قبل الغزو وبعده، وبرعوا في صفقات فاسدة نهبت من خلالها الأموال العراقية والأمريكية على حد سواء، كما خلص موظفٌ كبير عيّنه الرئيس بوش هو مفتش حملة الإعمار الأمريكي ستيوارت بوين.

وحتى الجهود الأمريكية التي أنعشتها قيادة الجنرال بترايوس لإعادة بناء البنى التحتية في العراق (كجزء من معركة كسب القلوب والعقول)، تراجعت أمام فساد العقود الأمريكية والعراقية وعلى نحو واسع، ناهيك عن اعتماد الكذب الواسع والمنظم الذي مارسته الهيئاتُ الأمريكية في العراق عن "قدرة الحكومة العراقية (حكومتي المالكي 2006- 2104) وصلابة عودها أمنياً واقتصادياً".

روافد جافة!

كانت الولايات المتحدة تنظم روافدَ تصب في نهر معركتها الأساسية، ومن تلك الروافد كانت الهيئات الثقافية والإعلامية. ولو أخذنا العراق كمثال لعرفنا كيف كانت تلك الروافد جافةً عاجزة عن أي خدمة حقيقية رغم المال الكبير الذي أنفق عليها، ذلك أنّها كانت تعتمد شخصيات أمريكية وعراقية فاشلة، أمية وفاسدة أيضاً. وآخر التجارب الفاشلة، تمثلت في اختيار الدبلوماسي الأمريكي السابق (طرد من الخارجية أيام إدارة أوباما) ألبرتو فرنانديز من قبل عتاة اليمين المسيحي المقرب من إدارة ترامب ليكون رئيساً لشركة "بث الشرق الأوسط" الممولة من المال العام الأمريكي.

اقرأ أيضاً: أمريكا تكشف عن توجهات تتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية.. هل تعرفها؟

وعلى الرغم من كون فرنانديز يتحدث العربية ويفترض معرفته بثقافة المنطقة التي تتوجه إليها مؤسسته وصولاً إلى كسب تفهم شعوبها، إلا أنه اختار الولاء العقائدي لليمين المسيحي المتشدد الذي أوصله للموقع الجديد على حساب الجانب المهني الساعي لإنجاح "معركة القلوب والعقول"؛ ففي الشهر الأول لوجوده وافق على نشر مقالٍ في موقع "الحرة" بعنوان "تحية مستحقة للصهيونية" مع أنّه يعرف جيداً تعارض ذلك مع ثقافة شعوب المنطقة، وهو عملٌ لا يقبله أي منطق يتوافق مع فكرة كسب تعاطف العرب والمسلمين وتقريب وجهات نظرهم مع السياسة والمواقف الأمريكية.

تسند الوظائف المتعلقة بمعركة القلوب والعقول إلى شخصيات أمريكية فاشلة في مهام كبيرة كنوع من الترضية

كتب فرنانديز مبكراً عنواناً عريضاً لفشل جديد في "معركة القلوب والعقول"، مثلما أكّد كلّ التجارب الفاشلة السابقة في الاعتماد على شخصيات جاهلة وفاسدة، فهو اختار مديرةً لحملة صحافية واسعة ضمن المؤسسة لم تعمل في الصحافة يوماً واحداً، على الرغم من أنّ صحافيين أكفاء تقدموا للوظيفة ذاتها وفشلوا بحسب لجنة اختبار أُسقط بين يديها حين وجدت أن الرئيس فرنانديز يريد المنصبَ للمرشحة إيّاها، حتى وإن كان ما وافقوا عليه ضد قانون العمل الأمريكي ويمكن أن يعرّضهم للمساءلة القانونية، لكنهم اختاروا الخديعةَ تجنباً لغضب الرئيس الموتور بـ"حماس مستحق للصهيونية" أفقده كل بصيرة، وهو ما تمثل بإقصاء عشرات الصحافيين حتى ممن كانوا شاركوا في تأسيس القناة ونشرها كعلامةٍ ثقافية أمريكية ضمن المدار العربي، كما جعله يغلق عينيه أمام مؤشرات التراجع المتواصلة في مستويات المشاهدة والمتابعة للقناة وبرامجها المكرسة لخطاب يعتمد جناجين: نقد الإسلام والسخرية من ثقافات شعوب المنطقة كما يفعل "قرقوزان" لم يعرف لهما أي علاقة بالإعلام العربي ضمن برنامج يحمل اسميهما "سام وعمّار"، فضلاً عن الترويج للسياسة الإسرائيلية بما يفوق خطاب وسائل الإعلام في تل أبيب ذاتها.  

اقرأ أيضاً: فصائل عراقية توجه رسائل تهديد لأمريكا

لنلاحظ كم تشابهت الأسباب المؤدية إلى فشل "معركة القلوب والعقول" من فيتنام وصولاً إلى العراق وموقعة اليميني المتشدد فرنانديز والحرب على الإرهاب، ففي الميدان الأخير، وعلى الرغم من أهميته القصوى في تفكيك خطاب الإرهاب والعنف وجذورهما، هناك حملاتٌ أمريكية متشابهة لكن تقوم بها هيئات مختلفة حتى وإن كانت لخدمة قضية واحدة، فثمة حملةٌ مسؤولة عنها قناة الحرة ذاتها ضن موقع "إرفع صوتك"، وأخرى تتولاها وزارةُ الخارجية، وأخرى مسؤولة عنها وزارةُ الدفاع ضمن "التحالف الدولي للحرب على داعش" ورابعة مشتركة مع دولة عربية أو أكثر. كلها فيها إنفاقٌ ضخم من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين فيما الحصيلة تكاد تكون صفراً.

للمشاركة:

كيف سعى حزب الله لتصدير الثورة الإيرانية خليجياً؟‎

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-07-16

يعد حزب الله اللبناني أبرز وكلاء إيران لاختراق دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال استثمار لبنانيين يعملون في دول الخليج، إضافة إلى استثمار أبناء الأقلية الشيعية العربية في دول مجلس التعاون، والمنتشرين في معظم دول الخليج بنسب متفاوتة، تتركز غالبيتها في المنطقة الشرقية بالمملكة  العربية السعودية والبحرين، إضافة إلى نسب أقلّ في الكويت والإمارات وقطر.

اقرأ أيضاً: هل تصنّف ألمانيا حزب الله اللبناني منظمة إرهابية؟

وتحفل سجلات القضاء والمحاكم في السعودية والبحرين والكويت، إضافة إلى الإمارات، بالعديد من القضايا، التي ما يزال بعضها منظوراً فيه، حول نشاطات غير مشروعة، تستهدف تقويض الأمن الوطني للدول المذكورة، من خلال ضبط "خلايا" تمّ تشكيلها من قبل مواطنين وعناصر إيرانيين، وعناصر تابعين لحزب الله اللبناني، تحت مسمّيات مختلفة: "حزب الله/ الحجاز"، و"حزب الله/ البحرين"، وبيّنت تحقيقات مع عناصر تلك الخلايا وجود شبكات معقدة، قاسمها المشترك تخطيط وتمويل من الحرس الثوري الإيراني، وتنفيذ ودعم لوجستي ومالي من حزب الله اللبناني، وتدريبات عسكرية في معسكرات بإيران والعراق، ولدى حزب الله في لبنان، واستغلال لظروف العراق بعد عام 2003، بوصفه ساحة تدريب، واستثمار زيارات الأماكن الدينية المقدسة في النجف وكربلاء، إضافة إلى المشهد وقم الإيرانيتين، في عقد الاجتماعات ووضع الخطط التي تستهدف دول مجلس التعاون.

ازداد الاستهداف الإيراني لدول الخليج بعد التطورات التي شهدها العراق منذ 2003 إضافة للتحولات باليمن وما يجري بسوريا ولبنان

ورغم أنّ دول الخليج تقع في إطار الاستهداف الإيراني، إلا أنّ هذا الاستهداف يتفاوت في حجمه وسعة انتشاره وتأثيره من دولة لأخرى، والذي ازداد بعد التطورات التي شهدها العراق منذ عام 2003، إضافة إلى التحولات في اليمن، وما يجري في سوريا ولبنان، وإعلان القيادة الإيرانية أنّها تسيطر على أربع عواصم عربية، هي: بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء.

إنّ المخاوف الأمنية من انكشاف العلاقات المباشرة بين الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية الإيرانية مع التنظيمات "الشيعية" المعارضة في دول مجلس التعاون الخليجي، دفعت إيران لإيجاد وسيط "طرف ثالث" يقوم بتلك المهمة، فكان حزب الله اللبناني الأكثر وفاءً للقيادة الإيرانية وولاية الفقيه، وهو ما أعلنه زعيم الحزب، حسن نصر الله، مراراً، وبأنّ موازنة الحزب كلّها تأتي من إيران؛ حيث قام الحزب بهذه المهمة في علاقاته بالتنظيمات الشيعية الخليجية، ارتباطاً بـ "سهولة" الحركة بالنسبة إلى كوادر وعناصر تلك التنظيمات من وإلى لبنان، وفتح مكاتب تنسيق لتلك التنظيمات في الضاحية الجنوبية، تحت حماية حزب الله، وتوفير معسكرات التدريب والأسلحة.

اقرأ أيضاً: عقوبات بريطانية جديدة على حزب الله اللبناني

ومن خلال متابعة نتائج تحقيقات معلنة في السعودية والبحرين والكويت، فإنّ دور حزب الله اللبناني في تنفيذ إستراتيجية تصدير الثورة الإيرانية إلى دول مجلس التعاون، يتخذ عدة أشكال أبرزها:

أولاً: بناء علاقات مع المراجع الدينية الشيعية العربية، والترتيب لعقد مؤتمرات لها في العراق، النجف وكربلاء، ومؤتمرات في لبنان، تستثمر المناسبات الدينية للطائفة الشيعية، وتؤكّد على ضمان ولاء تلك المراجع للولي الفقيه الإيراني، علي خامنئي، وتعمل على الحيلولة دون ظهور أية مرجعية شيعية عربية معارضة لمبدأ ولاية الفقيه "الإيرانية"، وقد نجحت جهود حزب الله اللبناني، بالتعاون مع القيادة الإيرانية، في عزل العديد من المراجع الشيعية العربية، خاصّة الرافضين لولاية الفقيه، المختلَف عليها في أوساط المراجع الشيعية؛ من خلال تشكيل مجالس دينية ترعى أبناء الطائفة الشيعية في كلّ دولة، تسمى "المجلس العلمائي"؛ وهي مجالس بمهمات سرية تنفّذ أجندة إيرانية، وظاهرها رعاية أبناء الطائفة الشيعية في كلّ دولة، بما في ذلك الإفتاء في المعاملات والتجارة، وجمع أموال "الخمس"، وتأمينها للقيادة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة تهرّب إيران الأسلحة لحزب الله اللبناني

ثانياً: شكّل الحزب قاعدة إيرانية متقدمة في توفير الدعم اللوجستي للأحزاب والتنظيمات الشيعية والسنّية الموالية لإيران، من خلال توفير ملاذات آمنة ومعسكرات تدريب لها في لبنان، وقد أسهمت تطورات العراق، بعد عام 2003، وإنشاء الحشد الشعبي العراقي، في توسيع أدوار حزب الله اللبناني، وتبادل عمليات التدريب في قواعد الحشد الشعبي العراقي، داخل العراق، وفي لبنان؛ حيث يتم استقطاب العناصر الخليجية وإرسالها إلى لبنان والعراق، ومن هناك إلى إيران لتلقّي التدريب.

اقرأ أيضاً: هل يكرس حزب الله اللبناني فكرة العبودية؟

ثالثاً: يدير حزب الله اللبناني، وبأموال إيرانية، شبكة إعلامية وثقافية واسعة، من خلال العديد من المواقع الإخبارية والصحف، إضافة إلى فضائيته المعروفة "المنار"، والتي تتعاون بشكل وثيق مع الفضائيات الإيرانية الرسمية الناطقة بالعربية، مثل: "العالم"، و"الميادين"، والعديد من المحطات الفضائية "الشيعية" العراقية، والتي تكاد تبثّ مضموناً إعلامياً واحداً، يستهدف بثّ رسائل حول قوة إيران وانتصاراتها، ولا تخلو تلك المضامين من إثارة الصراعات المذهبية، وإعادة إنتاج مفردات وقواميس المظلومية التاريخية، والتبشير بقرب "الفرج" والنصر.

أوجدت إيران حزب الله اللبناني كوسيط بينها وبين التنظيمات الشيعية المعارضة في دول مجلس التعاون الخليجي

وقد وقع الجهد الإعلامي لحزب الله، خاصة من خلال محطة "المنار"، في تناقضات مكشوفة؛ إذ تمّ اعتبار ما جرى في البحرين عام 2011 "ثورة"، فيما تمّ اعتبار الثورة السورية، خاصة مع انطلاقة مراحلها الأولى (قبل عسكرتها)، بأنّها "تمرّد"، وتتعامل "المنار"، حتّى اليوم، مع تطورات السودان والجزائر، بما يخدم المشروع الإيراني.

رابعاً: رغم اتخاذ القيادة الإيرانية، ومعها حزب الله، موقفاً معادياً للمنظمات الحقوقية الدولية، المعنية بالحرية والديمقراطية، "والتي تحفل بإدانات واسعة ومتكررة للقيادة الإيرانية، ومدى التزامها بمنظومات حقوق الإنسان"، إلا أنّ الحزب عمل على تمويل العديد من تلك الهيئات في دول الخليج، خاصة في مملكة البحرين، وقام عبر مؤسسات بتقديم تدريب للعاملين فيها على كيفية إعداد التقارير الدورية حول حالة حقوق الإنسان في الدول المستهدفة، وبثّ تقاريرها؛ حيث تكون مصدراً لتقارير المنظمات الدولية.

للمشاركة:

لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟

2019-07-16

يعتكفون في مساجدهم لطلب العلم الشرعي، يتمدّدون تحت أعين الأنظمة، ينهمكون بحماس لافت في أنشطتهم الاجتماعية والدعوية، عبر مؤسسات تحظى عادة بشرعية قانونية، عمر بعضها يتجاوز القرن من الزمن، يتابعون هزائم الإخوان والجهاديين، بتعاطف أحياناً وشماتة أحياناً أخرى.

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات

تحدّثهم أنفسهم بأنّهم وحدهم من تفوق على الأنظمة السياسية والحركات، والتيار الذي استطاع أن يعيش ويتمدّد ويبقى، ليقدّم الأرضية العقدية والفكرية، حتى لمن فشل من الإخوان والجهاديين؛ فهل يعود شعورهم بالتفوق فقط إلى نجاتهم من سخط المجتمعات والأنظمة وتجنّبهم السقوط في مستنقع السياسة أو مصير شركائهم؟
لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟ لا شكّ في أنّ الإجابة تبدو مركّبة، وأكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون، لكن أيضاً قد تكون البساطة والوضوح في السلفية سببين مهمّين لجاذبيتها، رغم ارتباطها في الأغلب بانتهاكات تبدو  مستوعبة اجتماعياً للحقوق والحريات، سواء في قمع النساء أو السيطرة الاجتماعية الحادة، عبر الفهم المتطرف لمفهوم الحسبة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّ تلك الجاذبية لها وجه آخر، خاصة لدى الشباب، خاصة الذين يشعرون بالتهميش، أو المسحوقين تحت مطارق العيش، أو المهاجرين، أو المقموعين سياسياً، والذين يجدون في السلفية الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤمّن دائرة الراحة الفورية وسط هذا التّيه.

اقرأ أيضاً: هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟
يبدو السلفيون عادةً قادرين على منازعة أيّة سلطة سائدة؛ سواء سلطة الأسرة، أو الأب، أو النخب، أو الدولة، أو القيم الثقافية الشائعة، إضافة إلى رفض الذوبان في العولمة بالتشديد على النقاء العقدي، وكما يقول محمد علي أدراوي، في كتابه عن السلفية في فرنسا: "تكمن القوة الأساسية للسلفية في مقدرتها على أن تقول نحن أفضل منكم".
نجد أبعاد هذا الشعور بالتفوق في ستّ محددات في السلفية:

تتميز السلفية أنّها ليست ثورية على نحو صريح فلا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً

1- أنّها ليست ثورية على نحو صريح؛ أي إنّها لا تتحدى أيّة حالة راهنة تحدياً مباشراً، بزعمها القدرة على قلب الأوضاع، عبر تبنّي أيديولوجية وافدة، كالماركسية مثلاً؛ بل هي تزعم أنّها تبني نظاماً أخلاقياً مثالياً لتطهير البنى الموجودة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وهي مثل كثير من الحركات الإصلاحية الأخرى، محطمة للتماثيل الدينية، أو تقاليد الوثنية، باسم المحافظة.
2- هي أيضاً تستمد تمكينها من زعمها بالتفوق الفكري في المعرفة، أو ما يسمى في أدبياتها "العلم الشرعي"، الذي يُختزَل عادة في الفهم الخاص للتفسير والحديث، والالتحاق بالفرقة الناجية عندهم لا يعني الحصول على مرتبة التفوق الأخلاقي على الآخرين فقط؛ لكن يعني أيضاً اكتساب معرفة أعلى بالإسلام، وهي المعرفة التي يظنون أنّ على كلّ مسلم أن يمتلكها، وزيادة على ما تقدم؛ القدرة على الوصول المباشر إلى النصّ، الذي يجعل المرء قادراً على تحدّي المؤسسات الدينية الرسمية، التي تستند عادة إلى الفقه بمذاهبه المعروفة، إضافة إلى النسخة الشعبية السائدة للإسلام، وكلاهما مرتبطان بهيكل السلطة المهيمنة، أو الثقافة السائدة.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
3- تزوّد السلفية أتباعها بهوية قوية، تترك في نفوسهم شعوراً بالأمان، في مواجهة رياح العولمة والتغريب العاصفة، فهم بارزون ومتمايزون؛ كونهم مختلفين في المظهر (اللحية، والثوب القصير للرجال، والنقاب للنساء)، ويبدو السلفيون الجدد -كما يرى أوليفييه روا- مهووسين بالحدود.

اقرأ أيضاً: إخوان العتيبي.. تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية
4- تسمح السلفية لأتباعها أن يتماهوا بسهولة أكثر بكثير مع الأمة الواسعة، وهو الأمر الذي يعزز ادعاءاتها، وهذا على النقيض من الإخوان الموجهين توجيهاً سياسياً بشكل أكبر منه اجتماعياً.
5- السلفية فاعلة نشيطة، في الوقت الذي تبدو فيه لدى المراقب ساكنة مستكينة، فهي تستحثّ أتباعها طوال الوقت، عن طريق التحفيز والتلقين المستمرين، عبر حلقات ما يسمى "العلم الشرعي"، والدعوة إلى المشاركة بفعالية في الرسالة السلفية، ونشر أفكارها؛ فهي تمتلك وظيفة اجتماعية نشطة، لا من باب إظهار تفوق المرء فقط، ولكن لإظهار وممارسة هذا التفوق أيضاً في المجال العام والخاص، باستخدام الولاء والبراء، أو بتعبير أقوى حتى مما سبق؛ عن طريق المشاركة في الجهاد، عند السلفية الجهادية.

اقرأ أيضاً: إخوان العتيبي.. تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية
6- السلفية، مثل كلّ الحركات الدينية، وعلى النقيض من الأيديولوجيات السياسية، تمتلك خبرة هائلة من الغموض والمرونة، مع أنّها تدّعي الوضوح والصلابة في عقيدتها؛ فهي رغم صراعها من أجل النقاء في الممارسة، طيّعة وقابلة للتشكّل، ويسمح غموضها للموالين لها بأن يكونوا من الناحية السياسية مساندين للأنظمة، وأن يقوموا أيضاً برفضها في آن واحد.

تسمح السلفية لأتباعها بالتماهي بسهولة مع المحيط خلافاً للإخوان الموجهين سياسياً أكثر منه اجتماعياً

تبدو كلّ تلك الخصائص دوافع في البنية السلفية، تدفع أصحابها للشعور بالتفوق على كلّ شركاء الحالة المتطرفة؛ حيث يبدو التيار السلفي، سواء في مشايخه أو أحزابه، مثالاً حيّاً لتلك الخصائص، التي جعلتهم حتى الآن في منعة من عداء الأنظمة، التي استخدمت بعضهم في ترسيخ سلّم اجتماعي، والتقاط الأنفاس في ظلّ المواجهة المستعرة بين الأنظمة والمجتمعات من جهة، والإخوان والجهاديين من جهة أخرى، ويبقى السؤال: هل تبقى الحركات السلفية بمأمن من غضب الحكومات والمجتمعات طويلاً، أم ستدرك المجتمعات والحكومات معاً أنّ من قدّم البنية المعرفية والتربوية لعناصر الإخوان والجهاديين في الحقيقة، كانت هي الحركات السلفية التي لا يخفي أيّ من قيادات الإرهاب دورها في تنشئته وإعداده لدوره هذا، أو الطريق الذي اختاره لحياته؟ بمعنى آخر؛ بعد الفشل الواضح للإخوان والجهاديين هل حانت ساعة السلفيين؟!

للمشاركة:



لماذا حظرت البرتغال دخول الإيرانيين إلى أراضيها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

حظرت دولة البرتغال دخول الإيرانيين، بشكل مؤقّت، إلى أراضيها منذ أيام، لأسباب أمنية لم يُكشف النقاب عنها.

وقال وزير خارجية البرتغال، أوجوستو سانتوس سيلفا، أمس، في تصريح نقلته وكالة "رويترز": إنّ بلاده علقت إصدار تأشيرات دخول للمواطنين الإيرانيين "لأسباب أمنية"، مضيفاً أنّ "هذه الخطوة ليس لها صلة بالعلاقات بين البلدين".

وردّاً على سؤال من عضو في البرلمان، قال سانتوس سيلفا، في الاجتماع الذي بثّه التلفزيون: "نعم، علّقنا ذلك لأسباب أمنية، سأقدّم توضيحاً لاحقاً، لكن ليس علانية".

وزير خارجية البرتغال يعلن أنّ بلاده علّقت إصدار تأشيرات دخول للمواطنين الإيرانيين لأسباب أمنية

وأضاف: "البرتغال لا تتهاون في مسألة الدخول إلى أراضيها"، دون أن يذكر متى تمّ اتخاذ القرار.

وقال عضو البرلمان، جواو جونكالفيس بيريرا: "تلقينا معلومات بأنّ إصدار التأشيرات للإيرانيين معلّق منذ أسبوعين أو ثلاثة، وأردنا فقط تأكيد ذلك".

ولم يذكر مصدر تلك المعلومات، أو ما إذا كان مواطنون إيرانيون قد شكّوا في الوضع.

وقال الوزير سانتوس سيلفا، في ردّ على أسئلة الصحفيين بعد الاجتماع: إنّ "هذه الخطوة ليس لها صلة بطبيعة علاقات البرتغال الثنائية مع طهران".

ونقلت وكالة الأنباء البرتغالية، عن الوزير قوله: إنّه "تعليق مؤقّت، ونأمل استئناف إصدار التأشيرات قريباً جداً".

وعام 2018؛ شهدت العلاقات بين طهران وعواصم أوروبية كبرى توتراً على خلفية التمويل والتخطيط لهجمات إرهابية ضدّ معارضين في داخل تلك البلدان.

وأعلنت فرنسا، في نهاية حزيران (يونيو)، إحباط مخطط لتفجير مؤتمر سنوي حاشد يقام في العاصمة باريس، ويضم الآلاف من المعارضين الرافضين لسياسات طهران، إقليمياً ودولياً، فضلاً عن شخصيات دولية بارزة.

واتّهمت باريس، في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتورط في تنفيذ المخطط الذي جرى إحباطه، في الوقت الذي جمّدت فيه لاحقاً أصول إدارة الأمن الداخلي في دائرة الاستخبارات بالسفارة الإيرانية.

وفي منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2018؛ أعلنت الدنمارك استدعاء سفيرها في إيران، كما توعّدت طهران بفرض عقوبات، نتيجة التخطيط لهجوم إرهابي ضدّ معارض إيراني يقيم على أراضيها، متهمة وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتورّط في المخطط الإرهابي.

 

للمشاركة:

ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:



حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

مختار الدبابي

لم يمض على النشاط العلني لحركة النهضة أكثر من ثماني سنوات حتى طالتها تغيرات نوعية، وهو أمر كان متوقعا، فالإسلاميون تقويهم المظلومية والمطاردة الأمنية، لكن العلنية تربكهم، وها هي الآن تقودهم إلى انقسامات وحرب مواقع تخرج ولأول مرة إلى العلن.

والسبب أنهم وجدوا أنفسهم حزبا يصارع على السلطة، ويقاتل أفراده ليحصلوا على مواقع متقدمة في البرلمان ومؤسسات الدولة، تمكنهم من استعادة الوجاهة والنفوذ. انتهى الحزب الرباني الذي يصدع الرؤوس بشعار الإسلام هو الحل، وتطبيق الشريعة، وإشاعة القيم الإسلامية في المجتمع، إلى حزب مدني يصارع داخله لأجل السلطة.

وإذا كانت الجماعة قد نجحت في تطويق عاصفة المؤتمر العاشر بسبب التطورات السياسية التي كانت تضع حركة النهضة على صفيح ساخن بعد موجة الاغتيالات، فإن الخلافات في زمن السلم والدعة والمقار الفخمة لم تستطع أن تخنقها لا باسم الدين ولا باسم الإخوة، وخرجت إلى العلن تصريحات قوية لقيادات مهمة ونوعية مثل عبداللطيف المكي الذي يوصف بأنه قائد تيار المعارضة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وكذلك عبدالحميد الجلاصي، وهو أحد مهندسي عودة النهضة إلى النشاط السري في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأيضا سمير ديلو، الوزير السابق في الترويكا، الذي قال إنه يشعر بالاختناق ويفكر جديا في الاعتزال.

وقصة هذه الثورة العاصفة أن الحركة أجرت انتخابات داخلية لتصعيد مرشحيها في الانتخابات التشريعية بشكل ديمقراطي وحر، لكن جاء المكتب التنفيذي، أي ذراع الغنوشي الذي اختاره بنفسه بعد أن تحدى رغبة مجلس الشورى في أن يتم تصعيده بالانتخاب، وهدد بالاستقالة في حادثة مشهورة، ورمى بنتائج الانتخابات عرض الحائط وأعاد تشكيلها، ووضع رؤساء قوائم تتماشى مع توجه الغنوشي في الانفتاح على كفاءات من خارج التنظيم، وخاصة من الكفاءات النسوية والحرص على أن يكنّ غير محجبات.

وبعد أن صعد الجلاصي والمكي في مواقع متقدمة بقوائم الحركة بتونس العاصمة، جاء التنفيذي وأرسل الأول إلى محافظة نابل، والثاني إلى محافظة الكاف ليترأسا قوائم هناك، في تحد لإرادة الناخبين بالعاصمة والكاف ونابل، وهو ما رفضه الجلاصي والمكي معلنين أنهما لن يترشحا للانتخابات، والأمر نفسه لأسماء أخرى غير معروفة إعلاميا تم انتخابها ثم جاء التنفيذي وأزاحها تماما مثل النائبة الحالية عن سيدي بوزيد حياة عمري، وهي شخصية ذات وزن في محافظتها خاصة بسبب درجتها العلمية وإشعاعها الخارجي في المؤتمرات ذات الاختصاص.

وأيا كانت التفاصيل وردود الفعل الغاضبة، فإن أهم ما يمكن استنتاجه أن الحركة التي باتت بمثابة الغول في المشهد السياسي، ويكافح الجميع لاسترضائها والتحالف معها، ستتحول بالتدريج إلى حزب شبيه بنداء تونس، وستخرج عنه استقالات قد تكون في البداية محتشمة ويلجأ أصحابها إلى التكتم، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة خاصة بسبب الحضور الطاغي للإسلاميين على مواقع التواصل، حيث تشتعل التسريبات والردود وأنباء الاستقالات.

وما يجري كان متوقعا، لأن حركة النهضة منذ بدايتها تكونت كتنظيم براغماتي يراوح بين هويات مختلفة ومتناقضة، محلية زيتونية، وخارجية إخوانية، وسرعان ما يتم التبرؤ من تلك الهويات مع أول ضغط.

والمعركة الحالية ستكون فاصلة، فهي معركة بين المتمسكين بالجماعة، وبين الغنوشي الذي يحفر بعمق وبسرعة لتقويض الهوية القديمة، والتخلص من رموزها بأشكال مختلفة، مثل إحالة “أمراء” سابقين للحركة كالصادق شورو والحبيب اللوز إلى الدعوي، وقد وضعهم بشكل فعلي في الثلاجة، ولم يعد لهم ظهور إعلامي أو حركي فما بالك بالتأثير، ما يفتح الطريق أمام سيطرة تامة للرجل الأول الذي قرر أخيرا الترشح للبرلمان، ولا يعرف إن كانت مناورة داخلية أم أن الرجل يريد أن يخرج إلى الأضواء بشكل أكبر، إذ قد يحصل على رئاسة البرلمان في سياق توافقات مستقبلية مع حزب الشاهد، أو مجموعة أحزاب أخرى.

وما يلاحظ بشكل جلي أن ماكنة الغنوشي تريد أن تتخلص من الوجوه القديمة، وأن تجلب وجوها بلا ماض ولا سوابق، وقادرة على اختراق المجتمع والتموقع في المسؤوليات دون شكوك حولها، ولذلك تقول تسريبات إن رهان رئيس حركة النهضة منصب بدرجة أولى على ضم شخصيات عامة إلى قوائم الحركة، بينها رياضيون وفنانون، وتكنوقراط من أبناء شخصيات ذات وزن كرجال الأعمال ورؤساء الجمعيات الرياضية، مثل مرشحة النهضة لقيادة بلدية باردو في قلب العاصمة، وهي ابنة رئيس جمعية رياضية ذات شعبية في المنطقة، ما سهل لمرشحة النهضة الفوز وفتح أمامها الطريق لرئاسة البلدية، تماما مثل سابقتها التي كانت عضوا في اللجنة المركزية للتجمع المنحل ثم التحقت بالنهضة.

ولا يخفي مقربون من “النهضة الجديدة”، التي يركبها الغنوشي، تأكيدهم أن استعادة خطاب المظلومية والتغني بالماضي لم يعودا يقنعان أحدا في الشارع التونسي، الذي يحتاج إلى اختراق عبر استقطاب عناصر اجتماعية ناجحة وتقريبها من الحركة ثم ترشيحها ودعمها بقوة للفوز، ما يسمح بكسب جمهور جديد مغاير للجمهور القديم الذي فات وقته، وبدأت رموزه تلوح بانتفاضة علنية في وجه “الشيخ” الغنوشي.

يراهن رئيس حركة النهضة على أن موجة الاحتجاج ستنتهي حين يغلق ملف النقاش حول المرشحين، وتصبح القائمات أمرا واقعا، ومثلما حصل بعد المؤتمر العاشر، فإن الضجة مرت سريعا، ثم تحولت إلى نقاشات لتبرئة الذمة على مواقع التواصل، إلى أن سكتت تماما.

لكن هل ستنتهي انتفاضة الديمقراطية الداخلية إلى القبول بالمربع الأول، مربع الشورى الذي يستمع فيه إلى “الكوادر” من باب النصيحة والمقترح ويأخذ ما يريد، أما العامة (المنخرطون والأعضاء والقيادات المحلية والوسطى) فتكفيهم الديمقراطية الشكلية يرشّحون ويترشحون ويتنافسون، ليأتي الشيخ ويعيد تشكيل القوائم حسب حساباته وعلاقاته وتعهداته لرجال أعمال ونافذين بوضع أبنائهم على قوائم النهضة، مقابل دعم معنوي داخل الدولة العميقة لتقبل بالحركة التي ما تزال صورتها مثيرة للريبة والتوجس برغم كل التنازلات.

أعتقد أن انتفاضة القوائم الانتخابية لن يخرج منها الغنوشي قويا مثلما دأب على ذلك في السابق، هذه المرة الصدمة كانت أقوى لأنه سلب خيار المنتخبين واستهان بالديمقراطية المحلية التي يتغنى بها النهضاويون ويزايدون بها، خاصة أن المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.

فهل يرضخ جمهور النهضة للعبة، وهل ينجح الغنوشي في إقناع أوساط الدولة العميقة بأنه تغير شخصيا وفي طريقه لبناء “نهضة” جديدة تكون تحت الطلب لإرضاء رجال الأعمال المحليين والشخصيات النافذة، وخاصة إرسال رسائل للغرب أن النهضة تتغير ومستعدة لتنازلات أكبر، المهم القبول بها.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

العراق.. "عاصوف" الصحوة الدينية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

رشيد الخيّون

عرضت فضائية (إم. بي. سي)، مسلسل «العاصوف»، بجزئين، الأول ما يخص الحياة قُبيل الصَّحوة الدِّينية بالمملكة العربية السعودية، والثّاني ما يخص زمن «الصَّحوة الدِّينية»، التي محت العلاقات الاجتماعية الطَّبيعية النَّامية آنذاك، لتحولها إلى تشدد أخذ يطغى على أجواء المدرسة والشَّارع، عبر الوعد بنظام ديني والوعيد بعذاب الآخرة.
كان الممثل ناصر القصبي، يُفكر منذ فترة بمثل هذا العمل، الذي يُسجل لتلك الحقبة، حتى سنح الظَّرف بتحقيق عمله، ولشدة أثر الصَّحوة سمَّي العمل بـ«العاصوف»، ومعناه الرِّيح الشَّديدة. فكانت الأفكار الصَّحوية تعصف في العقول، «عاصوف» شمل المنطقة ككلِّ، اعتمد على حوادث كبرى في(1979): الثَّورة الإيرانية التي بثت الرُّوح في الإسلام السِّياسي صاحب الصَّحوة، وحادثة جهيمان العتيبي(أعدم 1980)، بتلفيق مهدي منتظر تمت مبايعته داخل الحرم، ثم ختمت تلك السَّنة بالحرب الدِّينية الأفغانية، التي منها تفرعت الجماعات المتطرفة شرقاً وغرباً.
كان شيوخ وشباب الصَّحوة يُحددون نوع الملابس، ويفرضون ما يُسمع في الكاسيت والرَّاديو وما يُشاهد في التلفزيون، والثّقل الأكبر وقع على المرأة. مَن يُشاهد المسلسل المذكور بجزئيه خلال رمضان(2018) و(2019)، يدرك شدة انفلات القوى الدِّينية على المجتمع. كانت الظَّروف لا تسمح بالمجابهة، ومَن واجهه الصَّحوة عرض نفسه للمخاطر، فالزَّمن زمنهم، وهذا ما عبر عنه المتصدي ضدهم آنذاك غازي القُصيبي(ت2010) في بيت أسمعه لأحد أزلامها: «يا أَيُّها الرَجُلُ المُرخي عِمامَتَهُ/هَذا زَمانُكَ إِنّي قَد مَضى زَمَني»(البيت لجرير)، وهو أبلغ تعبير عن المرحلة واحتكارها مِن قِبل الصَّحويين.
كان الوضع بالمنطقة، يسير لصالح ثقافة الإسلام السِّياسي، فحدث تغيير كبير على أفكار وممارسات النَّاس. أخذت الثّقة تنعدم داخل الأسر، والعلاقات بين الأخوات والإخوان تُحدد بالفتاوى والوصايا. هذا ما بدأ يدب بالعراق من أواسط السبعينيات، حتى توج بالحملة الإيمانية في السنوات الأولى مِن عَقد التسعينيات، فحصل «الصَّحويون» عبرها على شرعيتهم، وأخذ رموزهم يشتمون الفلسفة والفلاسفة ورجال التَّنوير علانية مِن على المنابر، ويفتون بجواز الغش في الامتحانات المدرسية غير الدينية، ويهاجمون غير المحجبات مِن النِّساء، بعد أن بدأ «الإخوان» ومعممو الدَّعوة بالإفتاء لحجاب طالبات الجامعة، كأبرز مظهر مِن مظاهر الصَّحوة.
بدأت الصحوة الدينية داخل العراق، بنشاط «الإخوان المسلمين» (تأسسوا بالأربعينيات) و«الدعوة الإسلامية» (تأسست1959)، في الجامعات والمدارس والمحلات العامة، بشكل سري حينها، فما أن يُكسب «إخواني» أو دعوي مِن داخل الأُسرة إلا ويضع شروطه على أسرته، معتبراً التدين المعتاد جاهلية، على هدي سيد قطب (أعدم1966)، الذي تثقف بكتبه الشِّيعة والسُّنة مِن الأحزاب الدِّينية. مع الإلحاح في فرض الحِجاب على الزَّوجات والأخوات وبنات العم، وزواجهنَّ مِن «صحويين»، إلى منع جهاز التلفزيون في الدَّار، كذلك لا يُسمع في السيارة غير المواعظ وأدبيات عاشوراء.
أخذ النَّاس يضطربون في علاقاتهم، حتى أخذ التدين «الصَّحوي» يغرس الكراهية عبر الطَّعام والمعاشرة، مثل القول بـ«نجاسة» الإنسان، وعدم الترحيب بغير المسلم، والنَّظر إلى بناء الكنيسة بأنه ضد الإسلام. أخذ النَّاس يلتفتون إلى التمييز طائفياً بينهم البين. ظهر في بدايات الصَّحوة التعامل بالبنك الإسلامي، فشاع كتاب «البنك اللاربوي»، الذي مجرد تغيير في أسماء الفائدة لتصبح حلالاً، على اعتبار أن البنوك الرَّسمية ربوية.
أخذت تطغى الأسماء والكُنى الدِّينية على الآباء والمواليد. تحولت الأعراس، بين أُسر القوى الدِّينية، إلى جلسات صامتة، لا فرق فيها بين تقاليد العرس والمآتم. جاء التفكير بالمواكب الحُسينية الجامعية، كدعوة مظهرها تنقية طقوس عاشوراء، وباطنها أجواء لممارسة العمل الحزبي. كذلك نشطت الزيارات المشتركة إلى الأضرحة، خارج المعتاد، والسَّفرات الدينية، على شكل معسكرات، مع إعفاء اللحُى للشباب والحِجاب للشابات. كانت السُّلطة السَّابقة توجت تلك الصَّحوة بحملتها الإيمانية، وأما اللاحقة فجعلتها رسمية، وصار للفساد في ظلها ألف وجه.
كانت القوى الدِّينية تضغط اجتماعياً، ويُكلف كلّ منتمٍ القيام بدوره في أسرته، وبين أصدقائه، والبداية بالدَّعوة إلى التَّدين، ثم التوجه إلى الكسب الحزبي. انتقاد كلّ شيء اجتماعي ليس على أسلوبهم. أخذ المجتمع يُصبغ بصبغة العسكرة الدِّينية، كنوع الحِجاب الواحد، غير الحجاب التقليدي مثل العباءة العراقية المعروفة، والتَّركيز على عبارة التَّحية، ومنها يميزون بين المتدين وغير المتدين.
أما أهم ما وصلت القوى الدِّينية بصحوتها، فهو رخص الحياة، «في سبيل الله والدِّين»، والحقيقة كانت في سبيل الجماعة، بعد إغراء الشَّباب بنيل «الشَّهادة». كم مِن ضحية صحوتهم وضحية النِّظام سمي بـ«الشَّهيد السّعيد»!
للجواهري(ت1997)، ما يُغني عن التصريح بالأماني، في الخلاص مِن عبث هذه الصَّحوة على الدِّين والوطن: «لنا فِيك يا نشء العراق رغائبُ/ أيسعفُ فيها دهرُنا أم يمانعُ»(الثورة العراقية). غير أن النشء الذي نخاطبه تبدأ معه ثقافة الصَّحوة أو تشويه العقل مِن الطُّفولة، فأي رغائب لنَّا فيه؟!
أقول مَن مِن الفنانين سيُبادر إلى عمل لـ«عاصوف» عراقي، فإذا كانت الصَّحوة التي كشف عنها «عاصوف» الفنان السعودي القصبي بدأت بالزَّوال، إلا أن «عاصوف» الصَّحوة الدِّينية ببلاد الرافدين، جنوباً وشمالاً، مازال يهب بشدة، بقوة شرسة لديها المال والسلاح والسلطة أيضاً، يصعبُ ترقيع فتوقها في الثَّقافة الدِّينية والدُّنيوية، وكل جماعة تنفث سمومها، عبر فضائيات وصحف وأمكنة عبادة!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية