"عليَّ الحرام"..هكذا أخفقت "المحرمات" في تحقيق الأمن الاجتماعي

الحرام مفهوم ممتدّ من عصور كثيرة إلى يومنا هذا، عرّفه الإمام الرازي في كتابه "مختار الصحاح"، فقال: هو "ضدّ الحلال وهو ما لا يحلّ"، وبالنظر إلى التعريف الفضفاض، يتبدّى سؤال حول إن كان كافياً أن يكون الحرام ضدّ الحلال، فقط، فما الحلال إذاً؟

وإذا كان الحرام يأخذ صفة التشريع، في إطار ضيّق ومقنَّن ومحدود، لماذا بات الحرام هو العنوان الأبرز للدين، بما يمكن أن يكون الدين قد جاء من أجل التحريم أساساً، وانطلق من واقع البيئة العربية تأسيساً، حتى غدا اليوم السمة الغالبة على مجتمعاتنا العربية الإسلامية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يحقق هذا غاية المنع والتحريم وهي تحقيق الأمن الاجتماعي؟ وماذا لو لم تتحقق هذه الغاية؟

"الحرام" تحوّل من تشريع إلى مقدّس وفي هذا خطورة كبيرة حيث يصبح الدين قائماً على "المحرمات" أكثر من الحلال

في مجتمعاتنا المعاصرة، تبدو فكرة "الأمن الاجتماعي" فكرة ملتبسة ومليئة بالقلق، نظراً إلى واقع الحال الذي وصلت إليه المجتمعات، من غياب للأمن بسبب الحروب والأزمات، فماذا فعلت "المحرَّمات"، وهل تبدو هذه الفكرة بذرة لإعادة صياغة رؤيتنا حول الدين ومحرماته؟

قدر كبير من الأسئلة الحرجة التي تنتظر إجابات جادة وحقيقية، للوقوف على منهجية ثابتة لـ "الحرام"، فيقول الدكتور يوسف القرضاوي: "من فلسفة الإسلام أن يحصر الحرام والمنكر في نطاق ضيّق، لكنّه مع ذلك يجعل كل ما يؤدي لحرام فهو حرام، وكلّ ما أعان على حرام فهو حرام، {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}"، هنا يضع القرضاوي محدداً رئيساً للحرام، لكنّه ما يفتأ تتفلت منه عناوين الحرام التفصيلية، أو الطرق الفرعية التي تسبّب اللبس، وتفتح شهية "المحرّمين".

العقل الذي حرّم مصافحة المرأة قبل تحريم قتلها واستعاد منطق الوأد بشكله المعاصر هو عقل مأزوم

فيما يقول الشيخ حسين أحمد شحادة: "إنّ قضية – المحرمات في الإسلام – من أهم قضايا العقيدة والتشريع والأخلاق، وهي تعالج الجوانب الحسية والنفسية من حياة الإنسان، ولذلك تعرض إلى جميع جوارحه فتحرم على كلّ حاسة من حواسه، ما يضبط صورتها ومعناها ووظيفتها، فلا خطر على روح الإنسان أشدّ من تزوير وظائف كيانه وبنيانه الذي خلقه الله في أحسن تقويم"، هكذا في فهم "شحادة" يصبح الإنسان جسداً حراماً بكليته، فاتحاً الطريق لتلامذته، وتلامذة تلامذته، وهكذا، لأن يطلقوا جملة من المحرمات تأسيساً على هذا المنهج التحريمي، وحتّى لا نقع في فخّ المغالطات، فإنّ في قول "شحادة" منطقية معتبرة، لكنّها غير ممنهجة، بحيث تكبح جماح العقل التحريمي.

في المأثور الشفاهي العربي، نوع من القَسَم" أو "الأيمان" خلقه العقل التحريمي العربي، وهو أن يقول أحدهم "عليَّ الحرام".. إلّا فعلت كذا.. و"عليّ الحرام" من زوجتي ومن ديني، إلّا فعلت كذا..، وحين نعلم أنّ الدين لا يجيز الحلف إلّا بعظيم ومقدّس، فإنّ "الحرام" يتحوّل من فكرة تشريعية مهمة إلى مفهوم مقدّس، الأمر الذي ينطوي على خطورة كبيرة، بحيث يصبح الدين متمثلاً "الحرام"، وقائماً على "المحرمات" أكثر مما يتمثل الحلال، بحيث صار استسهال التحريم فوق قاعدة الدين والشرع، التي تقول إنّ "التحليل والتحريم من حق الله -عزّ وجلّ- وحده، فلا يحلّ لأحد أبداً أن يحلل، أو أن يحرّم، فذلك من خصائص الربوبية لله عزّ وجلّ" كما ورد في فتاوى ابن باز.

الأمن في تعريف علم الاجتماع هو التحرّر من الخوف بينما الحرام في عرف الفقهاء هو التخويف

ومما أورده مختصر ابن كثير "المجلد 2 الصفحة 137": أنّ عدي بن حاتم، وكان نصرانياً، دخل على النبي -عليه الصلاة والسلام- وسمعه يقرأ قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، فقال: يا رسول الله، ما اتخذناهم أرباباً، لم نسجد لهم، قال: "ألم يحلّوا لكم الحرام، ويحرّموا عليكم الحلال، فأطعتموهم؟ قال: بلى، قال: فذلك عبادتكم إياهم". وفي هذا الأثر دليل على أنّ "الحرام" ما إن يتحوّل إلى ممارسة "سلطوية دينية"، حتى يخرج عن غايته، وما إن يستسهله العلماء، والناس على حدّ سواء، حتى يفقد أثره وجدواه، ولعلّ هذا ما يفسّر ويجيب عن سؤال: لماذا لم تنتج "المحرّمات" الأمن الاجتماعي؟ إذا كان التحريم غايته، كما سلف، هي الحرص على الأمن الاجتماعي؟

هل جاء الدين، وجاء الرسول، بالسيف والخوف والتحريم، ليحقق الأمن للناس واجتماعهم، أم جاء ليتمّم فضائل ومكارم الأخلاق؟

في عقلنا العربي، الذي انبنى وتأسّس على الحرام والمحرمات، ثم تبعته أفكار المجتمع المأزوم بالتحريم، بمنهجيات "العيب" والمرفوض والـ "لا يجوز"، ثمة بؤرة مظلمة داخله، متعلقة بمعالجة مسألة الأمن، وهي: أنّ الأمن في تعريف علم الاجتماع هو التحرّر من الخوف، بينما الحرام في عرف الفقهاء هو التخويف، لذا يرى بعض الباحثين أنّه لا يمكن أن يتحقق التحرّر من الخوف بممارسة التخويف وإنتاج مزيد من الخوف، إنّما بتفعيل ديناميكيات الوعي والعلم والمعرفة، لكن العقل الذي أنتج حكم تحريم المطبعة، والعقل الذي خوَّف المجتمع من صوت المرأة، والعقل الفقهي الذي يزلزل منابر الفضائيات بتحريم مصافحة المرأة، قبل تحريم قتلها، أو استعادة منطق الوأد بشكله المعاصر تجاهها، هو عقل مأزوم، لا يمكن أن ينتج أمناً اجتماعياً.

الأقسام: