علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!

3022
عدد القراءات

2018-06-24

في أواخر عام 1999؛ أي الأيام الأخيرة للقرن العشرين، وضمن استفتاء لكتّاب ومثقفين أجرته صحيفة "القدس العربي"، عن أبرز من شكّلوا توجهات الأدب والفنون في القرن العاصف من الكتّاب والمثقفين العرب، جاءت مساهمتي، في ذلك الاستفتاء عن أبرز من أراهم علامات في الثقافة العراقية والعربية، على نحو هذا بعض ما فيه: في القصة القصيرة: محمد خضير، في الرواية: نجيب محفوظ عربياً، وفؤاد التكرلي عراقياً، وفي الشعر: بدر شاكر السياب عراقياً وأدونيس ومحمود درويش عربياً، ...إلخ، القائمة التي لم أعد أتذكر تفاصيلها، لكنها تنتهي بجواب عن سؤال: ما هو أبرز كتاب قرأته في القرن العشرين؟ وبدا غريباً من بين الأجوبة التي امتدت على ثلاث حلقات، وغطّت ستّ صفحات، جوابي حين أشار إلى "الأطروحة الفانتازية" لمؤلفه الكاتب والمترجم، والناقد إن شئت، علي الشوك.

بغداد في أربعينيات القرن الماضي كانت قد دقت بقوة باب الحداثة فحققت صلة حقيقية مع المعرفة الغربية

هو كتابٌ عن الحداثة الغربية في القرن العشرين، علماً وأدباً وفكراً وفناً، دون أن يغفل ذلك النسيج النادر من مزاوجة النص بالصورة الدالة والمعبرة، كتابٌ يعبر الزمن مثلما يعبر أشكال التعبير ويمزج بين استجابات المعرفة العلمية الصرفة، وغرائبيات النفس البشرية التي ميّزت فنون الربع الأول من القرن العشرين وآدابه، وصولاً إلى تجليات ما بعد الحرب العالمية، وتأثيراتها في ولادة أشكالٍ جديدةٍ من التعبير الفني في مجالات السينما والشعر والرواية.

"الأطروحة الفانتازية" لمؤلفه الكاتب والمترجم، والناقد علي الشوك

بدا الكتاب، دون أن أنسى حجمه غير التقليدي (أقرب إلى الألبوم المصور في طبعته الأولى- وزارة الإعلام، بغداد، 1970)، وغلافه الساحر بالرسوم والتصميم، بالنسبة إليّ جنة فكرية حقيقية لطالما سعيت بالوصول إليها، ففيه العلوم حيث أدرس في الجامعة، والأدب حيث متعة اللغة وسحرها، وهو ما كنت في أولى مراحله عبر عدد من النصوص الشعرية التي كتبتها ونشر بعضها في منابر صحافية وثقافية تعنى بأدب الشباب، فضلاً عن مقالات قصيرة في نقد الثقافة والمجتمع نشر بعضها في منابر ثقافية طلابية جامعية، وضمن أفق من التفكير المستقبلي الذي لا يتعاطى مع المعرفة كونها مغلقة بأسيجة الواقع الحديدية؛ بل هو "المثال" الذي سعيت إليه شخصياً: كتاب عن الحرية الفردية وجمالياتها وعنفوانها الروحي وتمردها، يضعه كاتبٌ يساريٌ، بل ماركسي، وهو ما كان يهزّني بعمق كخيارٍ ثقافي وإنساني شخصي. فضلاً عن جانب في شخصيته يجسد هذا الملمح الفريد الذي كان يقارب التناقض بحسب الصورة التقليدية السائدة للمثقف اليساري والماركسي في خمسينيات القرن العشرين حتى سبعينياته، واقعيٌ، ناقدٌ بغضب للحداثة الغربية وحريتها.

انتماء شخصي لنهج الشوك

هكذا وجدت كتاب "الأطروحة الفانتازية"، وقد صار مؤونة روحية فذة، مثلما كتابه "الموسيقى الإلكترونية" الذي سيكون مرجعاً بارزاً في كتاب دفعت به إلى سلسلة "الموسوعة الصغيرة" وقدّم إليه العازف والأديب والناقد (رحل في عمّان 2000) أسعد محمد علي، وكان من المؤمل أن يصدر في نهاية العام 1990، غير أنّ احتلال الكويت، وبدء فرض العقوبات على العراق، ألغى إصدار السلسلة مع بدء سياسة التقشف في كل الميادين، ومنها الثقافية.

ذلك الغنى الثقافي الذي كانت عليه بغداد بتدخل من مؤسسات دولة ساعية بجد إلى التحديث

ومنذ عام 1982، ومن خلال تراكم تجربتي في متابعة النغم الغربي المعاصر ونقد أشكاله عبر سلسلة من المقالات، تنتظم في حقيقتها مع الفكرة التاريخية والعلمية، التي كانت قد قام عليها كتاب "الموسيقى الإليكترونية"، بل إنّ النماذج التي عرضتها في مخطوطة كتابي، بدت تطبيقاً للإطار التاريخي والنظري الذي قدمه الشوك في جهده الرائد، وتواصلاً معه يمتد إلى التجارب الأحدث التي لم يدرسها الرجل.

كتابه "الموسيقى الإلكترونية"

بغداد المهذبة المنفتحة

يعيدنا الكاتب والمترجم والناقد، الأستاذ علي الشوك، إلى جوهر فكرة الاغتراب التي مثّلها أولئك التنويريون الحالمون بتحديث بلادهم ومجتمعهم، حين يتحدث عن علاقته بالموسيقى التي كانت جوهرية في تكوينه الثقافي، فهو عاند بيئته الثقافية والاجتماعية في خياره الحالم والفريد.

"علاقتي المباشرة بالموسیقى بدأت في 1943، عندما كنت في الصف الثاني المتوسط؛ حیث خلّفت مرحلة الطفولة منذ عام، وأصبحت أشعر بأنني بدأت أنفتح للحیاة ولعالم الثقافة، كان أبي متديناً، لا يسمح بدخول أيّ شيء موسیقي إلى البیت، فكنت أجد ضالتي الموسیقیة في بیت عمي حسن المتوفى، وكنت أجد في أبنائه خیر صحبة؛ اثنان منھما أصبحت لي علاقة موسیقیة بھما، أمین اقتنى عوداً، وأصبح يتلقى دروساً على يد سلمان شكر(1)، وصرت أنا وأخوه عدنان نتلقى دروس العود على يد أمین، وأصبحنا على معرفة بتقنیة العزف البدائیة، ثم تقدمنا في ذلك، واعترف بأنّ عدنان كانت لديه أصابع أبرع من أصابعي"(2).

يعيدنا علي الشوك إلى جوهر فكرة الاغتراب التي مثّلها أولئك التنويريون الحالمون بتحديث بلادهم ومجتمعهم

مضت المغامرة الجميلة إلى شوط أبعد حين اقتنت المجموعة (الأخوة وأبناء العم) غرامافوناً من طراز "صوت سیده" (His Master's Voice)، ثم تتسع لتصبح متعددة الجنسيات "أصبح جارنا جواد مھراد، ابن الدبلوماسي الإيراني، عضواً في فريقنا، ونافذتنا على الموسیقى الغربیة؛ لأنه كان يتعلم العزف على آلة الكمان في معھد الفنون الجمیلة على يد الأستاذ الروماني ساندو آلبو، وكان ينقل إلینا أخبار الشريف محیي الدين حیدر، سید العازفین على العود، ومدير معھد الفنون الجمیلة، وفیما بعد عزف لي تلمیذه سلمان شكر مقطوعاته المذھلة: "كابريس"، "الطفل الراكض"، و"لیت لي جناحاً"، وھي ما تزال مسجلة لديّ على الشريط الكھرمغناطیسي، مع عزف الشريف نفسه أيضاً، وكنا نعلم منذ تلك الأيام، سنوات الأربعینيات من القرن العشرين، القیمة الفنیة العالیة لھذه المعزوفات، التي ألّفھا الشريف محیي الدين حیدر تذكرة بموسیقى باغانیني، وفرانز ليست".

اقرأ أيضاً: الموسيقى.. فلسفة تتجاوز التاريخ

لنلاحظ في السطور أعلاه المقتبسة من "قصتي مع الموسيقي" لعلي الشوك، ذلك الغنى الثقافي الذي كانت عليه بغداد بتدخل من مؤسسات دولة ساعية بجد إلى التحديث، وضدّ توجهات اجتماعية واسعة مناهضة لذلك:

- إيراني يدرس الموسيقى الرفيعة في بغداد، دراسة أكاديمية على يد أستاذ روماني.

- عراقي (سلمان شكر) يدرس على يد أستاذه التركي (الحجازي الأصول) الشريف محي الدين حيدر.

- معهد الفنون الجميلة التابع للدولة العراقية، يديره التركي حيدر، والأخير يقيم صلة معرفية- نغمية مع الثقافة والألحان الغربية (باغانيني وفرانز ليست).

- الصلة التربوية والثقافية بين الأجيال: التلميذ علي الشوك، يسمع عبر أستاذه سلمان شكر، معزوفات أستاذ الأخير: الشريف حيدر يعزف لتلميذه بين الأصول العربية والشرقية للنغم.

- التقدير العالي لدروس الأستاذ وموسيقاه "ما تزال مسجلة لديّ على الشريط الكھرمغناطیسي".

لاحقاً سيدخل علي الشوك مستوى جديداً في تذوق الموسيقى ومعرفتها: "صرنا نقتني الأسطوانات الموسیقیة الغربیة من مخزنین للموسیقى، ھما "مخزن سیروب" في شارع الرشید عند عقد النصارى، و"مخزن إسكندريان" في الشارع المؤدي إلى باب الشیخ".

اقرأ أيضاً: نجيب المانع: فيلسوف النغم والأدب العميق

لنتوقف عند دلالات عميقة يتضمنها السطران المبهران أعلاه:

- بغداد في أربعينيات القرن الماضي، كانت قد دقت بقوة باب الحداثة، فحققت صلة حقيقية مع المعرفة الغربية عبر موسيقاها الرفيعة، ممثلة بوجود متاجر لبيع الأسطوانات الموسيقية، يذكر الشوك اثنين منها.

- الدأب والمثابرة في العلاقة مع تحديث منابع الثقافة الشخصية لجيل تلك الأيام؛ فالموسيقى المقتناة أسطواناتها ترد ضمن باب "الموسيقى الجادة" أو المتداولة شعبياً بكونها "كلاسيكية".

هوامش:

_______________________________________________________________

(1) عانى الأستاذ شكر كثيراً من قسوة أبيه حين حطّم العديد من آلات العود التي كان فيها ابنه الشاب يحاول دراسة الموسيقى (علي عبد الأمير، كتاب "رقصة الفستان الأحمر الأخيرة"، دار المتوسط 2017، ص 60، "سلمان شكر: أحلام الوتر الطروب وكوابيس مجتمعه).

(2) علي الشوك "قصتي مع الموسیقى"، صحيفة "المدى" ملحق "عراقيون" 24 أيلول (سبتمبر) 2016.

اقرأ المزيد...

الوسوم: