علي بكر: "داعش" قد ينقل "خلافته" حال مقتل البغدادي

15506
عدد القراءات

2018-10-11

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الخبير المصري في شؤون الجماعات الإسلامية الدكتور علي بكر إنه رغم الضربات المتلاحقة التي تلقاها "داعش" في سوريا والعراق فإنه ما يزال قادراً على الاستمرار من خلال تكتيكات حرب العصابات وقدرته على التأقلم، بعد أن تخلى "مؤقتاً" عن إستراتيجية السيطرة المكانية لـ"خلافته".

"داعش" ما يزال قادراً على العمل والتحرك في عدد من المناطق خارج العراق وسوريا

وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّ التنظيم كان يحرص على ترسيخ أفكاره ومعتقداته، خاصة بين صغار السنّ، حتى يضمن بقاءه فكرياً وتنظيمياً بعد خروجه من أي منطقة خضعت لسيطرته، وما يزال قادراً من جهة أخرى على تجنيد عناصر في مناطق بعيدة عن سيطرته.
وأكد، الكاتب في مجلة السياسة الدولية، أنّ رفع مستوى الحريات أو التعليم لا يضمنان الوقاية من الإرهاب، ذاهباً إلى أنّ فكر الإسلام السياسي داخل المجتمعات "أشبه بالداء المزمن الذي يصيب الجسد؛ ولا يمكن الشفاء منه تماماً على المدى القريب، لكن يمكن التعايش معه والحد من أعراضه".

وهنا نص الحوار:

قدرة على التأقلم

داعش ما يزال يسيطر على عدد من المناطق

يرى كثير من الخبراء أنّ تنظيم داعش، رغم هزائمه الأخيرة، مايزال قادراً على الاستمرار، ما مدى اتفاقك مع هذا الرأي؟
رغم حالة التراجع التي شهدها التنظيم في العراق وسوريا، نتيجة الضربات القوية التي تعرض لها، ما أفقده 98% من المناطق التي كان يسيطر عليها، إلا أنّه ما يزال يسيطر على عدد من المناطق، خاصة بعدما تمكّن من جمع العديد من مجموعاته، وبدأ يستعيد نشاطه العملياتيّ، وذلك عبر شنّ هجمات خاطفة، بعد أن صار يعتمد على تكتيك حرب العصابات، وذلك عقب إعادة انتشار مقاتليه في البادية السوريّة، الممتدّة حتى الحدود العراقيّة، كنقطة انطلاق لشنّ الهجمات، من خلال العمل على الاستفادة من البؤر والإمكانيات التي كان قد أمّنها لنفسه في السابق.
يضاف إلى ذلك أنّ "داعش" ما يزال قادراً على العمل والتحرك في عدد من المناطق، خارج العراق وسوريا، عبر فروعه الخارجية، التي تشهد نشاطاً ملحوظاً، والتي من أهمها: فرع "ولاية خراسان" في أفغانستان، و"ولاية غرب إفريقيا" (بوكو حرام سابقاً) في نيجيريا، وكذلك بعض فروع التنظيم في اليمن وليبيا والقوقاز، وهو ما جعل بعض الأصوات داخل التنظيم تنادي بضرورة نقل مقر الخلافة الداعشية إلى إحدى المناطق التي تسيطر تلك الفروع، خاصة ولاية خراسان، حال الإعلان عن مقتل البغدادي، أو القبض عليه بشكل رسمي.

اقرأ أيضاً: 3 أسباب وراء ظهور داعش وستظهر تنظيمات أكثر توحشاً

فقد تقريباً كلّ معاقله الرئيسة، ما دفعه إلى إعادة انتشار مقاتليه في البادية السوريّة

ما هي أهم الآليات التي مكّنت التنظيم من مواجهة الضغوط المتصاعدة والتأقلم معها؟

من المؤكد أنّ تنظيم داعش أثبت أنّ لديه القدرة على البقاء والتأقلم مع الحياة، عقب الهزائم والانكسارات التي يتعرض لها، وهو ما يعود إلى عدد من الآليات التي يستخدمها، والتي يمكن تحديد أبرزها في النقاط الآتية:
التخلي عن السيطرة الترابية: من الواضح أن تنظيم داعش تخلّى، خلال الفترة الأخيرة، وبشكل كبير، عن مبدأ ضرورة السيطرة الترابية أو المكانية، الذي يتمثل في السيطرة على قطعة محددة من الأرض بشكل كامل، والتواجد فيها عسكرياً وتنظيمياً، وهو ما كان يسهّل استهدافه، من خلال الغارات الجوية، وهو ما دفعه إلى التحوّل إلى الاعتماد على الناشط التنظيمي فقط، من خلال التواجد بشكل عملياتي وتنظيمي في مناطق محددة، لكن دون السيطرة عليها، أو التواجد فيها بشكل مستمر، وهو النهج الذي تتبعه القاعدة وفروعها المختلفة منذ نشأتها، وهو ما يعد من أهم العوامل التي ساعدته على البقاء حتى الآن، ويتضح هذا التحول بشكل كبير في النشاط الحالي لتنظيم داعش في سوريا، بعد أن فقد تقريباً كلّ معاقله الرئيسة، ما دفعه إلى إعادة انتشار مقاتليه في البادية السوريّة الممتدّة للحدود العراقيّة، كنقطة انطلاق لشنّ هجماته الخاطفة.

"داعش" أثبت أنّ لديه القدرة على البقاء والتأقلم رغم الهزائم التي يتعرض لها

إعادة الانتشار: معظم المجموعات الداعشية التي تعرضت للهزيمة العسكرية في العديد من المناطق، تمكّنت من إعادة تنظيم صفوفها من جديد، ومن ثم استعادة جزء كبير من قوتها العسكرية والتنظيمية، على غرار فرع داعش في ليبيا؛ الذي استطاع القيام بأكبر عملية إعادة الانتشار في الجنوب، بعد أن طرد من معقله في سرت، مطلع كانون الأول (ديسمبر) العام 2016؛ حيث تمكّن من العمل على شكل مجموعات تتحرّك على شكل قوافل، وهو ما ساعده على استعادة نشاطه الإرهابيّ مجدداً، وشنّ عدد من الهجمات الإرهابية.
توفير مصادر للتمويل: من الصعب على المجموعات الداعشية الهاربة من معاقلها الاستمرار في نشاطها، دون وجود مصادر للتمويل يمكن الاعتماد عليها؛ حيث تحرص هذه المجموعات على خلق مصادر متنوّعة للتمويل خلال فترة الاختفاء والكمون، على غرار ما قامت به مجموعة أبو الوليد الصحراوي؛ حيث تمكّنت من العمل في المجالات التي كان ينشط فيها تنظيم القاعدة، مثل؛ التهريب عبر الحدود، خاصّة تهريب البشر، فضلاً عن تهريب السلع والبضائع والأدخنة والمشتقات النفطية والمخدرات، وهو ما مكّنه من توفير موارد مالية جيدة، تمكّنه من الإنفاق على عملياته العسكرية.

تخلّى "داعش" عن مبدأ السيطرة المكانية واختار أخفّ الضررين بأولوية البقاء على حساب التمدّد

تفعيل الخلايا النائمة: من الواضح؛ أنّ تنظيم داعش كان يعمل على إيجاد خلايا نائمة تابعة له، في المناطق التي يخرج منها، أو التي كان ينشط فيها، سواء على شكل أفراد أو مجموعات؛ حيث كان يحرص، خلال سيطرته على تلك المناطق، على ترسيخ أفكاره ومعتقداته بشكل كبير بين السكان، سيما صغار السنّ، وذلك حتى يضمن بقاءه فكرياً وتنظيمياً بعد خروجه، لو بشكل غير علنيّ؛ حيث يمكنه استخدام تلك العناصر، إذا ما أراد العودة مجدداً إلى هذه المناطق، على غرار العناصر التي تمّ اكتشافها في مدنية سرت الليبية، والتي كانت تمثّل، بالنسبة إليه، ركيزة يمكن الاعتماد عليها إذا ما قرّر العودة.

أخفّ الضررين

أقدم على هذا التحول مرغماً

هل سينجح التنظيم في تحوير فكرة السيطرة على الأرض لدى أتباعه والمؤمنين به بعد أن بنى إستراتيجيته على ذلك؟

من المؤكد أنّ تنظيم داعش أقدم على هذا التحول مرغماً، من أجل مواجهة الضغوط التي تعرّض إليها، للبقاء على قيد الحياة، وهو ما يحاول تفسيره بأنه أقدم على ذلك من باب الضرورة، واختيار أخفّ الضررين؛ حيث إنّ الأولوية حالياً للبقاء، وليس للتمدّد والبقاء، سيما أنّه يدرك أنّ مقوماته الفكرية تسمح له بإبقاء فكرة الخلافة لأعوام طويلة في عقول الشباب المتطرف.

اقرأ أيضاً: 3 مراحل يستخدمها الإرهابيون لتجنيد الشباب
وبالتالي؛ يمكن القول: إنّ الضغوط التي تعرّض لها "داعش" منحته قدراً من المرونة في التعامل، حتى تجاه المجموعات القاعدية التي يختلف معها، فكرياً وتنظيمياً، على غرار مجموعة "أبو الوليد الصحراوي"، التي حاولت تهدئة مخاوف تنظيم القاعدة، بعد عودته إلى المنطقة، في كانون الثاني (يناير) العام 2018، من خلال تصريحه بأنّه استعداد للتعاون معها لمواجهة قوة الساحل المشتركة.
وفي الصومال؛ اضطرّ تنظيم داعش، الذي أعلن عن نفسه في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2015، بعد انشقاق القيادي عبد القادر مؤمن عن حركة "شباب المجاهدين"، مع 200 من أتباعه تقريباً، إلى الهروب إلى بعض المناطق الساحلية، مثل منطقة "عيل مدو" شمال شرق الصومال، بعد هجوم الحركة على مواقعه، العام 2014، وذلك لتجنب ضربات شباب المجاهدين والطائرات الأمريكية بدون طيار.

اقرأ أيضاً: "داعش" حلم موجود داخل الملايين ولن يموت

البيئة الحاضنة بالنسبة إلى عناصر "داعش" هي البيئة التي تقدّم له مقومات البقاء على الحياة

ذكرت أنّ "داعش" اعتمد على تفعيل علاقات اجتماعية في معاقله الأولى، مع أنّ الشائع أنّه لم يكن يؤمن بما يسمّى البيئة الحاضنة؟

البيئة الحاضنة بالنسبة إلى تنظيم داعش، تتمثل في المناطق التي كان يتواجد فيها من قبل، وما يزال له فيها عناصر ومؤيدون، يمكنهم تقديم المساعدة للتنظيم بأشكال مختلفة متعددة، ومن جهة أخرى؛ فإنّ مبدأ الضرورة الذي يتّبعه التنظيم مؤخراً، يجيز لعناصره التعاون من الأفراد والقبائل، سيما الذين يرتبط معهم بعلاقات اجتماعية، وبالتالي؛ فالبيئة الحاضنة بالنسبة إلى عناصر "داعش" هي البيئة التي تقدّم له مقومات البقاء على الحياة، وليس التمدّد والانتشار، وهو ما جعل مقاتليه عقب الخروج من معاقلهم يستفيدون بشكل كبير من المناطق التي كانوا ينشطون فيها فكرياً، ليس من خلال التواجد فيها واللجوء إليها للحصول على الدعم والمساندة فحسب، بل والاستفادة من شبكة العلاقات الاجتماعية التي كانوا يتمتعون بها من قبل، مثل علاقات القرابة أو المصاهرة أو الانتماء القبلي، وهو ما يسمح لهم بالحصول على قدر من المساعدة، مثل: الإيواء، والدعم المادي والمالي واللوجستي، وهو ما يسمح لهم بالعودة لممارسة نشاطهم من جديد.

هل ترى أنّ اللجوء إلى مناطق جغرافية صعبة قد يعطي التنظيم حصانة من القضاء عليه أو على الأقل تحجيم قدراته؟
لجوء تنظيم "داعش"، أو بعض فروعه، إلى المناطق الجغرافية الصعبة، يعدّ الخيار الأفضل بالنسبة إليه للحفاظ على عناصره وهيكله التنظيمي من الانهيار الكامل، سيما أنّه، في ظلّ مثل هذه التضاريس، لا تمكن مهاجمته بسهولة، والاحتماء من الضربات المحتملة، وكذلك الاستفادة منها في التدريب وبناء المعسكرات، على غرار ما قام به فرع تنظيم داعش في الصومال؛ حيث لجأ للمناطق الجبلية الوعرة، وهو ما جعل عناصره قادرين على تجنّب الضربات التي تعرض لها؛ حيث تمكّن من تحويل تلك المناطق إلى بؤر آمنة، أصبحت محطّ أنظار الدواعش الفارّين من سوريا والعراق.

"القاعدة" في صدارة المشهد

يخشى العالم في هذه المرحلة من عودة قوة تنظيم القاعدة على أنقاض تنظيم داعش؛ ما رؤيتكم في هذه المسألة؟
تنظيم القاعدة لا يحتاج إلى انهيار "داعش" كي يعود إلى الساحة؛ حيث تمكّن التنظيم من العودة بقوة، واستعادة صدارته للمشهد الجهادي، خلال الأعوام الأخيرة، رغم تواجد "داعش"؛ حيث تمكّن من أن يصبح التنظيم الأقوى في المنطقة؛ بسبب تعدد مجموعاته وانتشاره وتحالفاته المتعددة، وقدرته على تأمين مصادر تمويل جيدة، وهو ما جعله يمثل تحدياً كبيراً للمجتمع الدولي، هذا ما كشفه التقرير الذي رُفع إلى مجلس الأمن الدوليّ، في السابع من شباط (فبراير) العام 2017؛ الذي أشار إلى أنّ المجموعات القاعدية حول العالم، خاصة في اليمن والصومال وغرب إفريقيا وجنوب آسيا، تشكّل خطراً كبيراً، لقدرتها على شنّ هجمات إرهابية في مناطق مختلفة، خاصّة في ظلّ قوّة ونشاط الفروع.

عمل التنظيم على ترسيخ أفكاره ومعتقداته سيما بين صغار السنّ حتى يضمن بقاءه فكرياً وتنظيمياً بعد خروجه

كما أشار التقرير بشكل واضح إلى قوة فروع التنظيم؛ حيث إنّها أصبحت تمثل العصب الرئيس والقوة الحقيقة له، سيما في ظلّ تعدّدها وانتشارها، وامتلاكها أعداداً كبيرة من المقاتلين؛ فـ"جبهة النصرة" ذراع "القاعدة" في سوريا، المعروفة حالياً باسم "هيئة تحرير الشام" تملك عدداً كبيراً من المقاتلين، يتراوح بين 7 و11 ألف مقاتل، بينهم آلاف الأجانب، فضلاً عن سيطرتها على مدينة إدلب.
أما تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي؛ الذي يعدّ من أكثر الفروع انتشاراً، أصبح عابراً للحدود، نظراً إلى نشاطه الممتدّ عبر حدود أكثر من دولة، ويستطيع شنّ هجمات إرهابية قوية؛ مثل الهجوم الذي استهدف القوات الأممية في مالي، شهر تشرين الثاني (نوفمبر)العام 2017، وأسفر عن مقتل خمسة جنود من قوات حفظ السلام، وجرح ثلاثة.

اقرأ أيضاً: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي
كما أنّ تنظيم القاعدة في اليمن قد أثبت مقدرته الفائقة على البقاء في مواجهة الضربات المتعددة والمتلاحقة، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وأما حركة "شباب المجاهدين" الصومالية، التي تعدّ ذراع القاعدة في شرق إفريقيا، فقد تمكنت من السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي الصومالية، هذا إلى جانب امتلاك التنظيم عدداً من المجموعات القاعدية في ليبيا، بالتالي؛ فإنّ امتلاك القاعدة مثل هذه الفروع والمجموعات وبتلك المواصفات، يمنحه القدرة على البقاء لفترة طويلة من الزمن، وشنّ هجمات إرهابية في مناطق متعددة من العالم.

مرض الإسلام السياسي

الإسلام السياسي، كـ"فكرة"، من الصعب أن تموت

يطرح البعض نماذج دينية توصف بالتسامح (كالصوفية) لتكون بديلاً عن الإسلام السياسي المتطرف؛ هل أنت مع وجهة النظر هذه؟

من الصعب تصوّر إحلال الصوفية كبديل للإسلام السياسي؛ نظراً إلى أنّ الإسلام السياسي، كـ"فكرة"، من الصعب أن تموت، وهو ما يجعل هذه التيارات داخل المجتمعات، أشبه بالداء المزمن الذي يصيب الجسد؛ حيث لا يمكن الشفاء منه تماماً على المدى القريب، لكن يمكن التعايش معه والحد من أعراضه.

تنظيم القاعدة لا يحتاج إلى انهيار "داعش" ليعود إلى الساحة وتمكن من استعادة صدارة المشهد الجهادي

في المقابل؛ فإنّ النهج الصوفيّ بطبعه، غالباً، ما يدعو إلى الابتعاد عن العمل السياسيّ؛ حيث إنه بشقّيه، الإداري والروحي، ينتج قيماً سياسية، بعضها إيجابيّ مثل: التسامح، والتماسك، والتعاون، والاستمرارية، لكنّها في المقابل؛ لا تدفع بقوّة باتجاه المشاركة السياسية الفعّالة، خاصة أنّ الصوفية تبتعد عن الأعمال الدنيوية، وتنأى بالفرد عن الارتباط بها، فضلاً عن التدخل في السياسة، التي ينظر إليها الكثير من أبناء الصوفية على أساس أنّها لعبة غير شريفة يجب الابتعاد عنها، بالتالي؛ يمكن للتيار أو النهج الصوفي أن يلعب دوراً مهمّاً في مواجهة التطرف والإرهاب، وترسيخ مبدأ الوسطية والاعتدال، لكن من الصعب أن يكون بديلاً لفكرة الإسلام السياسي.

يرى البعض أن رفع مستوى الحريات سيعمل على تحجيم مدّ الجماعات الجهادوية، لكن كيف يمكن تفسير ظهور مجندين إرهابيين في بيئات مماثلة؟
من المؤكّد؛ أنّ انتشار التطرف والإرهاب بأشكاله وجماعته المختلفة هو نتيجة لتضافر مجموعة من العوامل، وليس لعامل بعينه، مثل: الحرية، أو الوضع الاقتصاديّ، أو الواقع السياسيّ، وبالتالي؛ فإنّ زيادة مستوى الحريات بمفرده، أو معالجة أيّ عامل آخر بمفرده، لا يمكن له أن يقضي على الإرهاب، خاصة أنّ التعلّم، في بعض الأحيان، لا يمثل عائقاً أمام الشباب في الانخراط في التنظيمات المتطرفة.

من الصعب تصوّر إحلال الصوفية بديلاً للإسلام السياسي نظراً إلى أنّه "فكرة" من الصعب أن تموت

هناك دراسة للبنك الدوليّ، تحت عنوان "العدالة الاجتماعية والاقتصادية لمنع التطرف العنيف"، كشفت أنّ تنظيم داعش لم يأت بمقاتليه الأجانب من بين الفقراء والأقل تعليماً، بل العكس هو الصحيح؛ حيث استندت الدراسة إلى بيانات شخصية لـ3803 من المقاتلين الأجانب، وبحسب الدراسة؛ فإنّ معظم الشباب الذين انضموا إلى التنظيم من بلدان مختلفة، في الفترة بين 2013 إلى 2014، حاصلون على درجات تعليمية؛ حيث إنّ 43,3 % منهم قد أنهوا المرحلة الثانوية، و24,5% قد وصلوا إلى المرحلة الجامعية، في حين أنّ 13,5% فقط يقتصر مستواهم التعليمي على المرحلة الابتدائية، ونسبة الأمية بين هؤلاء المنضمين بلغت 1,3% فقط.

اقرأ أيضاً: استدعاء الصوفية لمواجهة التطرف محاولة تجاوزها الزمن
وهو ما يشير إلى أنّ مواجهة التنظيمات المتطرفة، أو القضاء عليها، يحتاج إلى مواجهة شاملة، تقوم على الوقاية الفكرية؛ وهي منع وصول الأفكار المتطرفة لأعداد جديدة من الشباب، وبالتوازي معها؛ سياسية الترشيد الفكري التي تقوم على إقناع الشباب المتطرف بالتخلّي عن أفكاره، لكن من المؤكد أنّ هذه الإستراتيجية تحتاج إلى أجواء من الحرية السياسية، وتحسين الوضع الاقتصاديّ.

مآلات الصراع في سوريا

ونحن على أعتاب تصفية أزمة إدلب، هل ترى أنّ الصراع في سوريا على وشك الانتهاء، أم أنّ هذا الهدف ما يزال بعيداً؟
الحديث عن انتهاء الصراع في سوريا ما يزال مبكراً؛ سيما في ظلّ تعدّد المجموعات المسلحة، وتدخّل بعض القوى الإقليمية في دعم هذه التنظيمات، خاصة تركيا؛ التي تسعى إلى تجميع الفصائل المسلحة تحت تنظيم واحد، هو "الجبهة الوطنية للتحرير"، ومنحه الغطاء السياسيّ، والضغط على هيئة تحرير الشام لحلّ نفسها، والانخراط في الجبهة، وهو ما جعل "الهيئة" ومعها التنظيمات الأخرى، تدرك مدى خطورة موقفها خلال الفترة القادمة، سيما أنّ خياراتها ضيّقة ومحدودة للغاية،  وهو ما سيجعل من الانخراط في الجبهة الوطنية الخيار الافضل، وهو ما يعني مواجهة جديدة بين تلك التنظيمات والنظام السوري، بالتالي؛ فإنّ أزمة إدلب ربما تمثل نهاية التواجد القاعديّ بشكل منظّم، لكن ليست نهاية العمل المسلح.

اليمن، ومنطقة الساحل والصحراء وشمال أفريقيا، خاصة ليبيا، وجهات مفضلة للإرهابيين

كيف يمكن أن تؤثر مآلات الصراع في سوريا على بؤر الصراعات الأخرى؟

شهدت الأعوام الأخيرة انتقال المقاتلين من بؤرة إلى أخرى، للمشاركة في القتال، وهو ما يعرف بظاهرة "المقاتلين الجائلين"، المرتبطة بتعدّد بؤر الصراع، وهذه الظاهرة لا تعدّ حديثة؛ حيث ظهرت مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، عقب انتهاء الحرب الأفغانية السوفيتية، وبداية الحرب الأهلية في أفغانستان (1992)؛ حيث رفض العديد من المقاتلين الأجانب، الذين كانوا يعرَفوا وقتها بـ"المجاهدين"، المشاركة في تلك الحرب، ومن ثم التوجه إلى بؤر صراعات أخرى؛ حيث توجهوا إلى الشيشان والبوسنة وكشمير والصومال وغيرها من المناطق، من أجل المشاركة في الصراعات القائمة هناك، وإقامة معسكرات تدريب للتنظيمات التابعِين لها.

التركيز على مستوى الحريات أو أيّ عامل آخر بمفرده لا يمكن أن يقضي على الإرهاب

ومؤخراً؛ بدأت ظاهرة "المقاتلين الجائلين" تطرح نفسها على الساحة، مع تزايد الضغط على تنظيم داعش  في العراق وسوريا، وغيره من التنظيمات الإرهابية؛ فطبقاً لـتقرير "مجموعة سوفان"، في آذار (مارس) 2016؛ وصل عدد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى العراق وسوريا، من أجل الالتحاق بالتنظيمات، ما بين 27 ألفاً و31 ألفاً، معظمهم من الدول العربية، والعديد من هؤلاء لن يعودوا إلى بلادهم، إنما سيتجهون إلى بور صراع جديدة، سواء بقرار فرديّ، أو بتكليف من التنظيم الذي ينتمون إليه، سيما أنّ المنطقة أصبح بها العديد من مناطق الصراع، المهيأة لاستقبال "المقاتلين الجائلين".
وهو ما يجعل اليمن، إلى جانب منطقة الساحل والصحراء وشمال أفريقيا، خاصة ليبيا، وجهة مفضلة للعناصر الإرهابية، سواء من داعش او القاعدة.

اقرأ أيضاً: "الداعشية" تفقد مشروعية نفسها تحت سقف التأويل
خاصّة؛ أنّ تلك العناصر تفضّل الانتقال إلى المناطق التي تتسم بالهشاشة الأمنية، على غرار ليبيا، بعد أن أعاد التنظيم نشر مقاتليه في الجنوب الليبي، الذي ظهر بشكل واضح منذ أيلول (سبتمبر) 2017؛ حيث تمركز في المناطق غير المسيطر عليها أمنياً، وهي التي تفصل بين قوات "البنيان المرصوص" برئاسة فايز السراج، وقوات "الجيش الوطني"، بقيادة خليفة حفتر.
وهو ما جعل تلك المنطقة، على سبيل المثال، محطّ أنظار الدواعش الفارين من سوريا والعراق، وهو ما أيّدته تصريحات وزير الخارجية الجزائري، عبد القادر مساهل، في كانون الأول (ديسمبر) 2017، التي أشار فيها إلى أنّ "تنظيم داعش دعا عناصره للتوجه إلى الدول بعض المناطق في إفريقيا".
وبناءً على ذلك؛ يمكن القول: إنّ تلك المناطق التي سوف ينتقل إليها عناصر داعش والقاعدة، سوف تشهد تصاعداً كبيراً في العنف خلال الفترة القادمة، ما يمكن أن يجعلها بؤر توتر تخلق موجات متتالية من العنف والإرهاب.

اقرأ المزيد...

الوسوم: