عمر في مرآة العقاد: سريع البكاء إذا جاشت نفسه بالخشوع

16136
عدد القراءات

2018-10-15

كتاب "عبقرية عمر" الذي وضعه الأديب المصري عباس محمود العقاد، ضمن سلسلة العبقريات التي أنجزها، ليس سرداً لسيرة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولا عرضاً لتاريخ عصره، وإنما هو وصف له، ودراسة لأطواره، ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة من هذه الخصائص لعلم النفس، وعلم الأخلاق، وحقائق الحياة. وقد صدر الكتاب في عدة طبعات، من بينها طبعة المكتبة العصرية، وجاء في 222 صفحة، يستشهد فيه العقاد بما قاله النبي عليه السلام في عمر: "لم أرَ عبقرياً يفري فريه.".
وير العقاد أنها "كلمة لا يقولها إلا عظيم عظماء، خُلق لسياسة الأمم وقيادة الرجال".

كان العقاد مفتوناً بعمر، رضي الله عنه، حيث كان الذين يعرفون عمر أهيب له من الذين يجهلونه

وقد كان عمر، رضي الله عنه، قوي النفس بالغاً في القوة النفسية، كما يصفه الأديب المصري، ولكنه على قوته البالغة "لم يكن من أصحاب الطمع والاقتحام، ولم يكن ممن يندفعون إلى الغلبة والتوسع في الجاه والسلطان".
يوصف عمر، رضي الله عنه، بالعبقرية إذا نظرنا إلى أعماله، ويوصف بها إذا نظرنا إلى تكوينه الذي جعله مستعداً لتلك الأعمال مضطلعاً بتلك القدرة.
كانت نظرة إليه – قبل السماع بعمل من أعماله – توقع في الروع أنه من "معدن في الرجال غير معدن السواد، وأنه جدير بالهيبة والإعظام، خليق أن يُحسب له كل حساب".
وكان العقاد مفتوناً بعمر، رضي الله عنه، فـ "قد كان الذين يعرفون عمر أهيب له من الذين يجهلونه".
وفي صفاته التي جرى ذكرها أنه "كان طويلاً بائن الطول، جسيماً صلباً يصرع الأقوياء ويروض الفرس بغير ركاب. يتكلم فيسمع السامع منه قدر ما رأى من نفاذ قول وفصل خطاب".

كتاب "عبقرية عمر" للأديب المصري عباس محمود العقاد

من شدة رقة الخليفة

ومن شدة رقة الخليفة الثاني أنه "كان سريع البكاء إذا جاشت نفسه بالخشوع بين يدي الله، عز وجل، وأثر البكاء في صفحتي وجهه حتى كان يُشاهَد فيهما خطان أسودان."
ولد ابن الخطاب بعد عام الفيل، وبعد مولد الرسول محمد، عليه السلام، بثلاث عشرة سنة. كما يذكر السيوطي في "تاريخ الخلفاء". وكان منزل عمر في الجاهلية في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية العاقر وبه منازل بني عدي بن كعب، نشأ في قريش وامتاز عن معظمهم بتعلم القراءة. وعمل راعياً للإبل وهو صغير، وكان والده غليظاً في معاملته، كما يذكر د. عاطف لماضة في كتابه "الفاروق مع النبي".

اقرأ أيضاً: "التفكير فريضة إسلامية" للعقاد: الدين والفكر هداية متبادلة
ويرى العقاد أنه لا تناقض في خلائق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وليس معنى ذلك أنه أيسر فهماً من المتناقضين، "بل لعله أعضل فهماً منهم في كثير من الأحوال. فالعظمة على كل حال ليست بالمطلب اليسير لمن يبتغيه، وليست بالمطلب اليسير لمن ينفذ إلى صميمه ويحتويه."
إنما الأمر الميسور في التعريف بهذا الرجل العظيم أنّ "خلائقه الكبرى كانت بارزة جداً لا يسترها حجاب. فما من قارئ إلا ويعلم أنّ عمر بن الخطاب كان عادلاً، وكان رحيماً، وغيوراً وفطناً وكان وثيق الإيمان، عظيم الاستعداد للنخوة الدينية".
لم يكن عادلاً لسبب واحد
وفي نظر العقاد، فإن الفاروق لم يكن عادلاً لسبب واحد بل لجملة أسباب:
كان عادلاً، لأنّه ورث القضاء من قبيلته وآبائه، فهو من أنبه بيوت بني عدي. وكان عادلاً لأنه قوي مستقيم بتكوين طبعه. وكان عادلاً لأنّ آله من بني عدي قد ذاقوا طعم الظلم من أقربائهم بني عبد شمس. وكان عادلاً، بتعليم الدين الذي استمسك به وهو من أهله، بمقدار ما حاربه وهو عدوه، فكان أقوى العادلين، كما كان أقوى المتقين والمؤمنين.

الفاروق  كان على نحو من الأنحاء مؤسساً لدولة الإسلام قبل ولايته الخلافة بسنين، بل كان مؤسساً لها منذ أسلم

كان عادلاً لأسباب كأنه عادل لسبب واحد لقلة التناقض فيه؛ وربما كان تعدد الأسباب هو العاصم الذي حمى هذه الصفة أن تتناقض في آثارها، لأنه منحها القوة التي تشدها.
وفضلاً عن ذلك، كما يذكر العقاد، كانت الرحمة من صفات عمر التي وازنت فيه العدل أحسن موازنة. فما عُهد فيه أنه أحب العدل لغضه من الأقوياء المعتدين، كما كان يحبه لنجدته الضعيف المُعتدى عليه.
إنّ العرب يشتقون الرحمة من الرحم أو القرابة، وهو اشتقاق عميق المغزى يهدينا إلى نشأة هذه الفضيلة الإنسانية العالية، ومودة عمر بن الخطاب لرحمه وذوي قرباه لا تنحصر دلائلها في رحمته لأخته الشاكية الثائرة. فإنّ المرأة قد تُرحم لضعفها في موقف شكواها ويأسها ولو كانت بعيدة الآصرة، إنما يدل على مودته لذوي قرباه ذلك الحب الذي كان يضمره لأبيه بعد موته، مع شدته عليه وغلظته في زجره وتأديبه. فكان يطيل الحديث عنه، وينقل أخباره، ويُقسم باسمه إلى أن نُهي عن ذلك.

اقرأ أيضاً: "سارة" عبّاس محمود العقاد: رواية الفتنة والغموض والأسرار
على أنّ عمر كان يرحم في أمور يحول فيها النفور الديني دون الرحمة عند كثيرين.
فمن ذلك أنه رأى شيخاً ضريراً يسأل على باب، فلما علم أنه يهودي قال له: ما ألجأك إلى ما أرى؟
قال: أسألك الجزية والحاجة والسن!
فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت المال يقول: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب.. ووضع عنه الجزية.
عباس العقاد

فرض عمر لكل مولود لقيط مائة درهم
وقد فرض عمر لكل مولود لقيط مائة درهم من بيت المال، كما فرض لكل مولود من زوجين، هي رحمة قد يحجبها النفور من الزنى وثمراته في نفوس أناس ينفرون فلا يرحمون.
ويعلق العقاد على هذه المآثر كلها قائلاً: نحن إذاً بإزاء صفة كبيرة إلى جانب صفة كبيرة: "الرحمة إلى جانب العدل، وكلتاهما من البروز  والوثاقة وعمق القرار بمثابة العنوان الذي يدل على صاحبه، أو بمثابة العنصر الأصيل الذي يلازمه ويلابسه ولا يفارقه في جملة أعماله".

اقرأ أيضاً: كيف دافع طه حسين عن الإسلام في رده على أندريه جيد؟
وإذا كان لكل شخصية إنسانية مفتاح صادق يسهل الوصول إليه أو يصعب على حسب اختلاف الشخصيات. ففي رأي العقاد أنّ "شخصية عمر من أقرب الشخصيات العظيمة مفتاحاً لمن يبحث عنه، فليس فيها باب معضل الفتح وإن اشتملت على أبواب ضخام".
والذي نراه أنّ "طبيعة الجندي" في صفتها المثلى هي أصدق مفتاح "للشخصية العمرية" في جملة ما يؤثر أو يروى عن هذا الرجل العظيم.
فعمر هو الشجاع، الحازم، الصريح، الخشن، المطيع، الغيور على الشرف، السريع النجدة، المحب للنظام، المؤمن بالواجب والحق.
أرأيته وهو يرعى المراتب فينزل درجة من سلالم المنبر بعد أبي بكر، لأن الخليفة الأول أحق منه بالتقديم؟
ثم هناك عمر بن الخطاب الذي عشّر الجنود، أي جعلهم عشرات عشرات، ثم قسمهم إلى كتائب وبنود. وهناك عمر بن الخطاب الذي لم يدر قط تدبيراً كبيراً أو صغيراً في شؤون الدولة إلا بنظام لا يختل أو على أساس لا يحيد.
ويذكر العقاد حادثة جرت في مجلس عمر، إذ كان زياد بن سمية يتكلم وهو يومئذ شاب. فأحسن كعادته في مجال الخطابة والمشورة. فأُعجب به عمر وهتف به: لله هذا الغلام!
لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه.
أنبئ بموته في منام
كان عمر يتفاءل بالأسماء، وينظر في الرؤى والمنامات، ويروى عنه في روايات متواترة أنه أنبئ بموته في منام، وأنه رأى كأنّ ديكاً ينقره نقرتين، وفسروا له الديك برجل من العجم يطعنه طعنتين.
نهج عمر طريقه في الإسلام كما نهج طريقه إلى الإسلام: كلاهما طريق "عُمَريّ" هو أشبه به وهو أقدر عليه، وكلاهما طريق صراحة وقوة لا يطيق اللف والتنطع، ولا يحفل بغير الجد الذي لا عبث فيه.
قال في بعض عظاته: "لا تنظروا إلى صيام أحد ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا ائتمن أدى، وإذا أشفى – أي همّ بالمعصية – ورع".
وكان يعجبه دين الرجل القوي الشجاع الذي ينتصر بدينه في ميدان الحياة، وليس بدين الواهن المهزوم الذي تركته الدنيا فأوهم نفسه أنه هو تاركها.
من تمام العلم بإسلام عمر؛ أن نعلم فضل إسلامه مع من لم يكن من أهل الإسلام، فإنّ الحق الذي يتبعه الرجل مع أهل دينه وحدهم لحق محدود، يدخل في باب السياسات القومية؛ أكثر من دخوله في باب الفضيلة الإنسانية. وإنما يُصبح جديراً باسم الحق، حين يتبعه الرجل مع أهل دينه ومع الخارجين عليه.

علي بن أبي طالب: أبكي على موت عمر، إنّ موت عمر ثلمة في الإسلام لا تُرتق إلى يوم القيامة

وعمر ولا ريب كان أشد المسلمين في إسلامه.
فلو كان الإسلام ظالماً بطبيعته لمن لم يدخلوا فيه، لكان عمر أشد المسلمين ظلماً لهم وقسوة عليهم. لكنه كان في الواقع أشد المسلمين رعاية لعهدهم مذ كان أشد المسلمين غيرة على دينه وعملاً بأدبه.
كان عمر، في نظر العقاد، مسلماً شديداً في إسلامه، فلم تكن شدته في إسلامه خطراً على الناس، بل كانت ضماناً لهم ألا يخافه مسلم ولا ذميّ ولا مشرك في غير حدود الكتاب والسنة.
كان يحب ويكره كما يحب الناس ويكرهون، ولكن لا ينفعك عنده أن يحبك ولا يضيرك عنده أن يكرهك إذا وجب الحق ووضح القضاء.
قال يوماً لأبي مريم السلولي قاتل أخيه: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح!
فقال له أبو مريم: أتمنعني لذلك حقاً؟ قال: لا قال: لا ضير! إنما يأسى على الحب النساء.
وحسبك من إسلام يحمي الرجل من خليفة يبغضه وهو قادر عليه. فذلك المسلم الشديد في دينه، والذي يشتد فيأمنه العدو والصديق.
مؤسس دولة الإسلام قبل ولايته
عمر كان على نحو من الأنحاء مؤسساً لدولة الإسلام قبل ولايته الخلافة بسنين، بل كان مؤسساً لها منذ أسلم، فجهر بدعوة الإسلام وأذانه، وأعزها بهيبته وعنفوانه.
وكان مؤسساً لها يوم بسط يده إلى أبي بكر، رضي الله عنه، فبايعه بالخلافة، وحسم الفتنة.
وقد وضع لقُواده دستور الحرب، أو دستور الزحف من الجزيرة العربية إلى تخوم أعدائها، كأحسن ما يضعه رئيس دولة لقُواده وأجناده.
وقد كان يقول، ويعني ما يقول، ويعمل بما يقول.

اقرأ أيضاً: الحلاج: تصادمَ مع السلطتين الدينية والسياسية فتوضأ بدمه
إنّ الأكثرين يحسبون أنّ الرجل الذي يعجب به الناس لا يعجب هو بأحد، وأنّ البطل الذي يقدسه عشاق البطولة لا يعشق البطولة في غيره، وأنّ التطلع إلى الأعلى صفة ينطبع عليها الصغار ليرتفعوا بعض الارتفاع ويحسنوا الخدمة والعون للكبار.
فارق عمر، رضي الله عنه، الدنيا والمختلفون فيه ينقصون، والمتفقون على حمْدٍ يزيدون، ثم هم يزيدون في حمْدهم إياه وثنائهم عليه.
بكى عليٌ يوم موته، فسئل في بكائه فقال: "أبكي على موت عمر، إنّ موت عمر ثلمة في الإسلام لا تُرتق إلى يوم القيامة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: