عمل جماعي يرسم صورة واسعة وعلمية لأشكال الإسلام السياسي

عمل جماعي يرسم صورة واسعة وعلمية لأشكال الإسلام السياسي

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
23/04/2018

*عرض كتاب: "الإسلام السياسي المتعدّد؛ التيارات والمذاهب والأيديولوجيات"

يقترح هذا العمل الجماعي الذي أعدّه اثنان من الجامعيين المشهورين في الوقت الحاضر في المجال الأكاديمي، نبيل مولين، صابرين مرفين، رسم صورة واسعة وعلمية لأشكال الإسلام السياسي الحالي المختلفة؛ إذ يتناول كتاب "الإسلام السياسي المتعدّد؛ التيارات والمذاهب والأيديولوجيات"، الذي جمع مساهمات ثمانية باحثين يبحثون في كلّ من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشمال إفريقيا، القضايا التاريخية والمعاصرة وتطورها، ووجودَ أشكال الإسلام السياسية الكبيرة، المؤثرة اليوم في العالم، ويتيح اكتشاف السياقات الوطنية والمحلية التي يتطور فيها الإسلام السياسي المتعدد، وهي عوامل أساسية في الوتيرة التي تميّز أيّة حركة مناضلة، لكنّه يرسم أيضاً خطاً عامّاً من التأمّل الذي يتيح للقارئ أن يكتشف ملامح السديم الإسلاموي المعاصر، وأن يميّز بسهولة الخطوط المشتركة والفوارق التي تميّز هذه الأشكال المختلفة المتعدّدة للحركات الإسلامية. 

الإسلام السياسي السنّي

المقالة الأولى؛ التي كتبها أوغستين جومير، هي نصّ تأطيرٍ تاريخي يتناول جميع المفاتيح الضرورية لفهم نشأة الحركات الإسلامية على أساس كل حالة على حدة، يتتبع المؤلف بدقة أشكال ظهور الإسلام السياسي، من خلال فكر المُصلحين المسلمين الكبار في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ ففي هذه الفترة بالفعل، التي كانت فيها بوادر سقوط الإمبراطورية العثمانية أكثر وضوحاً، كلّ يوم، بدأت النهضةُ الإسلامية. فبدعم الحاجة إلى إجراء إصلاحِ الإسلام من أجل تكييفه مع تحدّيات الحداثة والضغط الفكري، والسياسي، والاقتصادي، والدّيني، لأوروبا، حاول مفكّرون مسلمون أمثال: محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، إعادةَ التفكير في دينهم ككل، وتبلورت المناقشات بشكل أساسي حول مؤسسة الخلافة وقوّتها في الإسلام، فيما كان النموذج المهيمن هو نموذج الدولة/الأمة الأوروبية، وهكذا أدّى تداخلُ مفردات جديدة مرتبطة بالعلوم السياسية والإلهام اللغوي الأوروبي إلى بلبلة اللغة العربية.

حاول مفكّرون مسلمون، أمثال رشيد رضا إعادةَ التفكير في دينهم ككل

رشيد رضا وعلي عبد الرازق والاهتمام بالواقع السياسي

شيئاً فشيئاً، فُرضت فكرةُ ضرورة العودة إلى الأصل، إلى النصوص المقدسة ولممارسات الأسلاف المتدينين، وباعتبار أنّ الفقه أصبح جامداً وغير متماشٍ مع التحولات الاجتماعية الجارية، والمتأرجحة بين رفض الغرب والإعجاب الكامل بالنجاحات الأوروبية، تمنَّى هؤلاء العلماء الإصلاحيون أن يخرج العالمُ العربي من السبات، من دون تقليد أعمى لأوروبا، هذه العودة إلى المصادر ساهمت، بلا شكّ، في إحياء اللغة العربية وتجديدها، وفي إثراء المناقشات الفكرية، وبعد إلغاء الخلافة (1924)، عكس الجدل بين رشيد رضا وعلي عبد الرازق هذا الاهتمام المتجدد في الواقع السياسي؛ بل وفي هذا السياق أيضاً ظهر لفظ السلفية، وهو مصطلح يشير إلى السلف الصالح، وبعد أن استخدم، للمرة الأولى، كاسمٍ لمطبعة في القاهرة، أصبح تدريجياً مصطلحاً يطلق على بعض الحركات الأرثوذكسية الإسلامية.

 محمد عبده

الظاهرة الإسلامية: قراءتان

مقالات نبيل مولين، ثمّ مقالات ستيفان لاكروا (Stéphane Lacroix)، تقدّم قراءتين للظاهرة الإسلامية السنيّة في العالم العربي، تتيحان متابعة النقاش الذي بدأه أ. جوميير. صفة الوهابية التي تستعمَل اليوم بشكل كبير من قِبل مشنّعيها، تجب مساءلتها في ضوء تاريخ الحركة المسماة بالوهابية؛ هل الوهابية هي القالب الأيديولوجي للجهادية؟ هذه الحركة التي ولدت من الوعظ الديني أصلاً لم تتبلور إلا عندما تحالف مؤسّسها محمد بن عبد الوهاب مع محمد بن سعود، عام 1744، باقتراح العودة إلى طهارة الأصول، سرعان ما وعى واعظ منطقة نجد بشبه الجزيرة العربية، للضرورة المطلقة للتحالف والتضامن مع زعيمٍ سياسي، من أجل وضع المفاهيم التي تؤسس قاعدة فكره، موضعَ التنفيذ.

كحركةٍ أولى في تنظير المفاهيم الأساسية للإسلاموية نشأ الإخوان المسلمون في عام 1928 على يد حسن البنا

ازدهار السلفية

شهد النصفُ الأوّل من القرن التاسع عشر استعادة الإمبراطورية العثمانية السيطرة على شبه الجزيرة العربية، من خلال محمد علي، قبل أن تكتسب الحركة الوهابية جولة ثانية، بعد أن نظّر علماؤها مبدأ التحالف والبراءة، للحفاظ على السيادة على الأراضي التي يسيطر عليها سعود، وجعلها متجانسة على المستوى الديني، لكن سرعان ما وجدت الحركة نفسها ممزّقة بين البراغماتية السياسية والتطبيق الصارم للمبادئ التي ينادي بها عبد الوهاب، ولم تحقّق الوهابية تحوّلها إلّا في منتصف القرن العشرين؛ حيث بدأت تتطور تدريجياً من عقيدة مِسيانية (رسولية) إلى دينِ دولة، العلماءُ هم الذين يقرّون الحاكم شرعاً، ويجعلون من طاعة سلطته مبدأ مطلقاً لبقاء الدولة.

تميّزت الستينيات ببداية توسّع الوهابية خارج الحدود العربية، وفي ذلك الوقت أيضاً برزت السلفية بشكل أكثر وضوحاً: السلفية المسالمة، والسلفية السياسية، والسلفية الجهادية التي ازدهرت، كما يقول مولين، إلى أن وصلت إلى أشكالها الحالية.

في الستينيات برزت السلفية بشكل أكثر وضوحاً

فكر البنا وانتقاد الدوائر الإسلامية

دراسة الإخوان المسلمين من قبل ستيفان لاكروا تتيح لنا الاقتراب من الإسلام السياسي السنّي من زاوية مختلفة تماماً، كحركةٍ أولى في تنظير المفاهيم الأساسية للإسلاموية، نشأ الإخوان المسلمون، عام 1928، على يد حسن البنا، وبحكم تبنّيه مقاربة إصلاحية محافظة، وَجد خطابه صدى لدى الجماهير الإسلامية الخاضعة للضغط الاستعماري والوعظ المسيحي، وكان الغرض من ظهور الحركة إقامة دولة إسلامية، ناتجة عن عملية إصلاح طويلة تنطلق من القاعدة، لكنّ هذا المفهوم الذي لا يجعل من الخلافة العنصر الأول، وهو شرط أساسي مطلق لأسلمة المجتمعات، سرعان ما كلّف الحركةَ انتقاداً شديداً من قبل الدوائر الإسلامية، وهكذا أدركت جماعة الإخوان المسلمين أيضاً أهمية النضال الشامل الذي يستثمر كلّ مجالات الحياة.

انتعاش الحركة على يدِ قطب والقمع الذي أطلقه عبد الناصر ضدّها سرعان ما أجّجا تطرّفاً في الخطاب

قطب ومعالم في الطريق

عام 1948، توترت العلاقات بين النظام الملكي المصري والإخوان، وتمّ اغتيال البنا عام 1949، لكنّ انتعاش الحركة على يدِ سيد قطب والقمع الذي أطلقه عبد الناصر ضدّ الحركة، سرعان ما أجّجا تطرّفاً في الخطاب، هذا التطرف نظّر له سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق"؛ الذي يعتقد أنّ الخطاب (البيان) لم يعد كافياً، وأنّه يجب الانتقال إلى الحركة؛ ففي حين عدّ البنا أنّ الإخوان المسلمين يجب أن يتحرّكوا في منطقة عازلة بين الدولة الإسلامية والدولة الكافرة، دافع سيد قطب عن فكرة أنّ أيّ كفرٍ خطر، وأنّه –بالتّالي- تجب محاربة العدوّ الداخلي، وقد تمّ إعدامه عام 1966، لكنّ أفكاره ظلّت حيّة، وانتشرت منذ أواخر الستينيات، خارج دوائر الإخوان.

المناضل الإخواني المسيّس

بيد أنّ جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين رفض أيديولوجية التكفير، وقرّروا عام 1984 الانخراط في السياسة، هذا القرار التاريخي سمح بظهور شخصية جديدة، هي "المناضل الإخواني المُسيّس"، وبعد العودة القوية للجناح المحافظ، ابتداءً من عام 2000، ثم انتخاب محمد مرسي في مصر عام 2012، بدأ مع وصول السيسي إلى السلطة، عام 2013، انحدار الحركة إلى الجحيم، وقد أدّى القمع الذي طال الجهاديين المصريين ببعض فروع حزب الإخوان المسلمين إلى الشروع في بعض الإصلاحات، كالتي قامت بها حركة النهضة في تونس.

قام أسامة بن لادن بتنظير الجهاد العالمي، بهدف الدفاع عن الأمة

الجهادية

الدراسة الأخيرة حول الإسلام السياسي العربي السنّي؛ هي دراسة مولين  التي تتناول الجهادية، إذ يتطرّق الكاتب، وهو من إصدارات المركز الوطني للبحث العلمي CNRS، إلى المسألة من خلال الإشكالية الأبديّة للخلافة، كشهادة للأهمية الرمزية لهذه المؤسسة الخيالية للعصور الوسطى. وبالعودة إلى التاريخ الحديث للإسلاموية، يضع مولين التحوّل، عام 1979، أثناء الحرب في أفغانستان، الصراع مع السوفييت أعطى، للمرة الأولى، أرضية محتملة لتطبيق المذهب الوهابي.

ابن لادن والجهاد العالمي

في نهاية الصراع، قام أسامة ابن لادن بتنظير الجهاد العالمي، بهدف الدفاع عن الأمة، المستهدفة بالهجمات الداخلية والخارجية المستمرة، بعد سلسلة من الهجمات، بما في ذلك هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ارتفعت الأصوات في المعسكر الجهادي للمطالبة بنقلة نموذجية في ممارسة الجهاد، وجاء الحلّ على يد أبو بكر ناجي، مع كتيّب بعنوان "إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمرّ بها الأمة".

ثلاث خطوات لإعادة بناء الخلافة

هذا البيان الذي أُلّف عام 2003-2004، أي في الوقت نفسه تقريباً الذي ألِّف فيه كتيّب "أبو مصعب السّوري"، مُنظر القاعدة، الذي يعدّه جيل كيبيل، من جانبه، مفكراً للجهادية الحالية، يعتبر أنّ كلّ ميلاد دولة يولد من عنف أصلي. وأنّه من الضروري إعادة تنظيم العمل الجهادي الذي قامت القاعدة بتصديره، وهناك ثلاث خطوات يجب اتباعها: يجب تثبيط همّة ومعنويات العدو، وإجهاده من أجل التعجيل بسقوط نظامه، ثمّ إدارة ممارسة الوحشية في فترة الفوضى فور سقوط النظام، وأخيراً، بعد إخضاع السكان من خلال ممارسة العنف الشديد، يصبح من الممكن إعادة بناء الخلافة، وهي الطريقة التي يبدو أنّ الدولة الإسلامية تبنّتها.

الإسلام السياسي الشيعي

أربع مقالات تتناول الإسلام السياسي الشيعي وأشكاله المختلفة، وتقترح مرفين عودة تاريخية حول الالتزام السياسي للشيعة الإثني عشرية في العراق وإيران، ثم العلويّين في سوريا، في المقال الأول عن الشيعة الإثني عشرية، تُذَكّرنا مرفين بأنّ الشيعة، خلال القرن التاسع عشر، حاولوا، مثل السنّة، أن يقاوموا الضغط الأوروبي، ومن أجل ذلك، أنتجوا مراجعات لمبادئِهم الرئيسة.

في إيران ألهمتْ الثورةُ الإسلامية (1979) ومبدأ الخميني في ولاية الفقيه أشكالاً أخرى من المشاركة السياسية

بعد انتصار الحركة الأصولية على الحركة الإخبارية، لقي انخراط رجال الدين في السياسة التشجيع، وطُلب من المؤمن أن يلتزم بشخصية مرجعية، وجري تاريخ الشيعة الإثني عشرية في مجالَين جغرافيَّين وسياسيَّين رئيسَين: إيران والعراق، دون أن يَظهر هذان المسرحان كمشهدين سياسيّين معزولين عن بعضهما؛ ففي إيران حدث أوّل "انفجار أيديولوجي" (على حدّ تعبير يان ريتشارد) في الأعوام ما بين 1905-1911، لصالح الثورة الدستورية؛ لقد جرت المناقشات حول الشكل الذي يجب أن تتّخذه السلطة في مواجهة غياب الإمام الخفيّ، وفي العراق انخرط رجال الدين في السياسة أثناء الثورة ضدّ تحوّل الإقليم إلى ولاية بريطانية (1923). وأمام التحوّل الواضح للشباب عن الدين، أسّس محمد باقر الصدر حزبَ الدعوة العراقي (1957)، ووضع الأساس الأيديولوجي لفكر الدولة الإسلامية، وفق التصورات الشيعية.

أعدِم الصدر، عام 1980. وفي إيران ألهمتْ الثورةُ الإسلامية (1979) ومبدأ الخميني في ولاية الفقيه أشكالاً أخرى من المشاركة السياسية، المتنافسة في غالب الأحيان، وبعد وصول خامنئي إلى السلطة (1989)، أصبحت مؤسسة المرجعية ذاتها إشكالية؛ حيث لم يُعَدّ هذا الأخير مرجعاً، بينما خصمه علي السيستاني، رجل دين عراقي، أصبح مرجعاً.

أسّس الصدر حزبَ الدعوة العراقي ووضَع الأسس لفكر الدولة الإسلامية وفقاً للتصورات الشيعية

الشيعة أكثر انقساماً ممّا هو معتقَد

يُظهر المقال أخيراً؛ أنّ وراء القِراءات الكلاسيكية التي تُظهر هلالاً شيعياً خطيراً ومُهدِّداً وموحَّداً خلف إيران، أنّ الشيعة في الواقع أكثر انقساماً بكثير مما هو معتقد، وغالباً ما تكون متجذرة في القضايا السياسية الوطنية، ويتجلّى ذلك في الإخفاق شبه الفوري للتعبئة الشعبية للشيعة، عام 2011، كانت المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا تجد إلّا صدى ضعيفاً للغاية في الأيديولوجية الشيعية لتعبئة الفاعلين الدينيين على نطاق واسع، كما كان الحال في غالبية الدول السنيّة.

وصول عائلة الأسد إلى السلطة

يقدّم المقال، حول الطائفة العلوية، مفاتيح تاريخية أساسية لفهم وصول عائلة الأسد إلى السلطة في سوريا، بالتذكير أنّ تسمية العلويّة إشكالية في حدّ ذاتها، يعود المقال إلى أصل هذه المجموعة المرتبطة بالشيعة، فباعتبارهم من أتباع آل الخصيبي، وهو قريب من الإمام الشيعي الحادي عشر، صُنّف العلويون منهجياً "متطرفين غلاة"، من قِبل السنّة، لم يتبنَّ العلماء والسكان الحضر مصطلح "العلوي" إلّا في القرن التاسع عشر، وقد استفاد العلويّون الذين تمركزوا في الجزء الغربي من سوريا، على ساحل البحر الأبيض المتوسط​​، في زمن الانتداب الفرنسي، من وضعهم كأقلية، قبل أن تُدمج أراضيهم في الدولة السورية (1943)؛ ففي عام 1963، كان ثلاثة من الضباط الأربعة الذين دبّروا الانقلاب الذي أوصل حافظ الأسد إلى السلطة، من العلويّين، وبممارسة سياسة الزبائنية سرعان ما رسّخت عائلة الأسد نفسها كملاذ وحيد لحماية وجود هذه الأقلية، خاصة بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011.

الزيديّة والوصول إلى السلطة بالتمرّد

الباحث سامي دورليان؛ تتناول مقالته الخصائص العقائدية للحركة، التي تتمثّل صفتها الرئيسة في الاشتراط من الشخص الذي يرغب في الوصول إلى السلطة أن يصل إليها بالتمرد (الدعوة والخروج)، الشيعة الزيديّة التي نهضت في اليمن منذ القرن العاشر في شكلها الهداوي، أدرجت في حركتها عدداً من العناصر اللاهوتية التابعة للمعتزلة. وبعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 شنّت السلطةُ الحاكمة في اليمن عمليات عسكرية ضدّ حركة حزب الحق، الذي يرأسه حسين الحوثي؛ حيث يعارض هذا الأخير بشدة سياسة الولايات المتحدة في العالم العربي، ومن هذا الحزب أيضاً انبثق الشيعة المعروفون بـ "الحوثيين"؛ الذين يخوضون حالياً حرباً ضدّ الحكومة المركزية والمملكة العربية السعودية.

الإمام رجل أعمال حقيقي

المقالة الأخيرة عن المذهب الشيعي؛ هي مقالة ميشال بويفين (Michel Boivin)، وتتناول سياسة الإمامة الإسماعيلية، باختصار يحاول الباحث أن يُظهر كيف نظّم الشيعة الإسماعيليون أنفسهم حول هيكل محدّد، شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN)، المنخرطة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، ومن هذا المنظور أصبح الإمام رجل أعمال دينيّ حقيقي، يتمثل اهتمامه الرئيسي في الحفاظ على تماسك المجتمع ورعاية رفاهيته (الرفاهية، في دستور شبكة الآغا خان للتنمية).

الصوفية والإباضية

اختار مؤلّفو الكتاب إدخال مادّتين عن الصوفية؛ فالصوفية التي غالباً ما ينظر إليها باعتبارها تيّاراً سلمياً معتدلاً، تمثّل "الإسلام الجيد"، أظهرت مع ذلك العديد من مظاهر النضال الإسلامي، أو حتى الإسلاموي.

المثال الأوّل: هو باكستان، وهي الحقل الذي يُعدّ أليكس فيليبون (Alix Philippon) أحدَ الأخصائيين القلائل فيه، في فرنسا: خلال حرب أفغانستان (1979-1989)، انضم العديد من الروّاد الصوفيّين إلى صفوف المجاهدين، الالتزام الإسلامي الأكثر إثارة للانتباه بين الصوفيّين الباكستانيين هو "حركة باريلوي"؛ هؤلاء تسيّسوا منذ عام 1948 من خلال جمعية علماء باكستان، ويسعى مناضلو هذه الحركة إلى إقامة دولة إسلامية (نظام المصطفى، أي نظام مشابه لنظام نبي الإسلام في المدينة المنورة).

انخراط بعض الحركات الصوفية في السياسة

المثالُ الثاني؛ هو الذي تناوله لُولُوّة الراشد: انخراط النقشبندية في السياسة العراقية، بعد تعبئتها في العراق في عهد صدام حسين، في التسعينيات، أصبحت النقشبندية أداة ترويجية وطنية للدين ضدّ صعود السلفية والإخوان المسلمين، وأداة للهيكلة والإشراف على ممارسات الدين السنّي، القادرة على منافسة الطائفة الشيعية، وبعد سقوط نظام صدّام حسين، عام 2003، حشد نائبه عزّة الدوري إبراهيم، المصطلحات النقشبندية لإنشاء جيش رجال الطريقة النقشبندية، الذين شاركوا في القتال ضدّ الجنود الأمريكيين، وبتمسّكهم بشوفينية عربية معادية للشيعة والأكراد، قام أعضاؤها بعد عام 2011، بإنشاء تحالف ضدّ الطبيعة، مع جهاديّي القاعدة، ثم لعبوا دوراً رئيساً في قرار الاستيلاء على الموصل إلى جانب الدولة الإسلامية (2014).

بالتالي، لا يتناغم التصوّف بشكل منهجيّ مع الإسلام الزاهد والمعتدل، كما نعتقد في كثير من الأحيان، هناك العديد من الحركات الصوفية التي انخرطت في المجال السياسي، وفي بعض الأحيان إلى جانب الجماعات الإسلامية.

في عهد صدّام حسين أصبحت النقشبندية أداةً ترويجية وطنية للدين ضد صعود السلفية والإخوان المسلمين

الإباضية والإمامة

أخيراً، يكرِّس أ. جومييه صفحاتٍ قليلة للإباضية، هذا الفرع الثالث من الإسلام الذي غالباً ما يكون غيرَ معروف؛ أصل الإباضية يجب البحث عنه في صراعات الأيام الأولى للإسلام حول شكل السلطة بعد اغتيال عثمان.

إنّ المثل الأعلى للحُكم الإباضي هو الإمامة، لكن في الواقع سرعان ما تبنّت السلطات المنتمية للإباضية نمط الخلافة الأسريّة، كما هو الحال في المغرب العربي مع سلالة "الرُّستميّين" في عُمان، عرف مثال الإمامة سلالة أكبر، لا سيما بعد مقاومة هؤلاء الإباضيين للاستعمار البرتغالي والبريطاني؛ لأنّ الاعتماد على الإمامة في وجه القوى الاستعمارية، نمط مهمّ لإثبات الشرعية، وهو ما كان متناغماً مع التاريخ البدائي للحركة.

الحدّ من الخصوصية لمواجهة الاستعمار 

في المغرب العربي يتجمّع المجتمعُ الإباضي، الذي يُدعى الآن "المِزابيون"، أو بني مِزاب (أو المِزاب)، بشكل رئيس في إقليم مِزاب، لقد بنى أعضاء هذه الأقلية في هذه المجموعة الدينية هويّتهم المجتمعية على هذا الانتماء المشترك في الطقوس الإباضية؛ حيث يمثل تفرّد هذا المذهب الإسمنت ضدّ الضغوط السنية العربية.

يبدو، مع ذلك، أنّ الانخراط في السياسة والنضال في مواجهة الاستعمار الفرنسي دفَع الأباضيين إلى الحدّ من خصوصيّاتهم العقائدية، من أجل مواجهة الخطر الاستعماري مع المسلمين الآخرين.

مفاتيح موثوقة للبحث

مقالات هذا الكتاب، التي كتبها خبراء مهمون، تقدّم نظرة ثاقبة للمشهد المعقد لأشكال الإسلام السياسي في جميع أنحاء العالم، وهي مرفقة بالسير الذاتية للشخصيات المهمّة، ومقتطفات من النصوص المهمّة، فضلاً عن معجم وقائمة بببليوغرافيا، تعطي مفاتيح موثوقة للقارئ الراغب في مواصلة بحثه حول هذا الموضوع.

عن lesclesdumoyenorient



الصفحة الرئيسية