عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!

صورة أحمد الديباوي
باحث في الفكر الإسلامي
9658
عدد القراءات

2018-08-08

في نهاية شباط  (فبراير) من العام 1932، كان طه حسين، عميد الأدب العربي، على موعد مع قضية أخرى، باسم الدين ظاهراً لكنها باسم السياسة باطناً، بعد قضيته الشهيرة التي اشتعل أوارها في العام 1926، على إثر كتابه "في الشعر الجاهلي"، الذي طبّق فيه أساليب النقد الأدبي الحديث على الشعر الجاهلي؛ فشكّك في صحة طائفة كبيرة من شعر الجاهليين، واعتبر قسماً كبيراً منه منحولاً، ذلك أنه لا يمثّل –من وجهة نظره– حياة العرب؛ السياسية والاجتماعية والعقلية والدينية في الجاهلية، وهو ما أثار عليه حفيظة المحافظين آنذاك، وبلغت المعركة شدتها بعد أن تناول مجلس النواب القضية، فاستغلّها حزب الوفد، كورقة سياسية للضغط على حزب الأحرار الدستوريين، الذي استمات هو الآخر في الدفاع  عن طه حسين من خلال جريدته "السياسة" ونوابه في المجلس.

اتّهم رشيد رضا الجامعة بأنّها منبر للعلمانية ومنبع للكفر والإلحاد والطعن في الإسلام

وظلّت القضية مثار مداولات ومناقشات بين الليبراليين والمحافظين، الذين نظروا إلى العميد طه حسين على أنّه من دُعاة الإلحاد والعلمانية، والانسياق وراء الأفكار النصرانية، كما اتخذوا تلك القضية مدخلاً للطعن في الجامعة المصرية، ولعب رشيد رضا دوراً كبيراً في إشعال الموقف؛ فاتّهم الجامعة بأنّها منبر للعلمانية، ومنبع للكفر والإلحاد والطعن في الإسلام، واستمرّت القضية تشغل الرأي العام والنخبة المثقفة، حتى خبتْ جذوتها، بأن حفظت النيابة العمومية التحقيق فيها إدارياً، ليأتي العام 1932 شاهداً على قضية جديدة، بطلها العميد، الذي كان في الجامعة المصرية كالشوكة في حلق حكومة إسماعيل باشا صدقي، رئيس الوزراء المستبدّ؛ إذ استقلّ العميد بالجامعة بعيداً عن سطوة الحكومة، فلم يجد صدقي ما يطعن به طه حسين إلا حين قدّم عضو مجلس النواب، عبد الحميد سعيد، رئيس جمعية الشبان المسلمين، استجواباً لوزير المعارف وقتها، حلمي عيسى باشا، بسبب تداول الصحف صورة فوتوغرافية يظهر فيها العميد وقد تحلّقت حوله طائفة من طالباته وطلابه بالجامعة، ليُطالب عضو مجلس النواب بإقالة طه حسين من منصبه كعميد لكلية الآداب؛ لأنه يروّج للاختلاط بين الجنسين والتبرّج بما يتنافى مع قيم ومبادئ الشريعة!

مجلة المنار وجذور الأصولية في مصـر

    واستمر الضغط متتالياً حتى استجاب وزير المعارف للاستجواب البرلماني، فاستصدر قراراً بعزل طه حسين من منصبه كعميد للآداب، ونقله إلى وظيفة مفتش في ديوان عام الوزارة، وهو ما جعل إسماعيل صدقي يظهر في صورة المنتصر الذي نجح، بطريق غير مباشر، في إبعاد العميد عن الجامعة؛ لأنه كان يقف حجر عثرة في طريقه، وقاوم محاولاته المكرورة للتدخل في شؤون الجامعة، وهدر استقلالها، ولم تترك الصحف الوفدية والدستورية الأمر دون دفاع عن طه حسين؛ ذلك أنّ حزبي الوفد والأحرار الدستوريين، كانا يجابهان حكومة صدقي بكل الطرق، فولجا باب الدفاع عن العميد، لا لشيء سوى لضرب حكومة صدقي، وتبيان تهافتها تجاه قضية كتلك التي أثارها بعض أعضاء مأجورين في مجلس النواب.

اقرأ أيضاً: رجل القانون محمد نور إذ ينتصر لفكر طه حسين

ولكن سطوة المحافظين كانت قوية بسبب سياسات صدقي باشا، واستغلال الأمر لصالح السياسة، وساعد على ذلك أنّ الأزهر لم ينسَ لطه حسين تاريخه معه مذ كان طالباً فيه؛ فأشعل الأمر هو الآخر مستخدماً طرفاً، قد يبدو محايداً لدى الجماهير وهو السيد رشيد رضا، الذي لم يكن يبادل طه حسين أي ودّ مطلقاً؛ بل كان يعتبره مثالاً للإلحاد وعنواناً للكفر والعمالة للنصرانية، فقام رضا بنشر مقال في مجلته "المنار"، تحت عنوان: "إصلاح عظيم في وزارة المعارف، إخراج الدكتور طه حسين منها، وخروج أحمد بك لطفي السيد من الجامعة المصرية"، وفيه بثَّ سموم بغضه للعميد؛ مجاملةً للأزهر.

السياسة لم تكن بمعزل عن كل قضية ثقافية تُثار باسم الدفاع عن الإسلام من تغوّل الفكر العلماني

وكان مما قاله: "لقد أوتي طه حسين من الحظ والتأييد أضعاف ما أوتي من العلم والتأديب، فهو يدعي التجديد ولم يأت بجديد، إلا أن خدم دعاة النصرانية بالصد عن الإسلام وبغيه عوجاً، وقلد بعض فلاسفة الإفرنج في الشك والتشكيك، وهو ضرب من السفسطة قديم.. ولعل سبب تأييد بعض كبار الملاحدة له أنهم رأوه مستولغاً مستهتراً لا يبالي في سبيل الشهرة بالإلحاد والإباحة ذمّاً ولا عاراً، وهم حريصون على نشر هذه الدعوة في الجامعة المصرية ليهدموا بمعاول المتخرجين فيها كل ما بقي للإسلام في مصر من هداية دينية وجنسية عربية، فهم أرادوا جعل الجامعة حرباً على الأزهر وما يتبعه من المعاهد الدينية وعلى دار العلوم أيضاً"!

رشيد رضا أداة في يد الأزهر

    كان رشيد رضا أداة في يد الأزهر–آنئذ– لضرب الجامعة المصرية، وهي المؤسسة التي لم يكن الأزهريون يألفون شكل التعليم بها، لا لشيء إلا لأنها كانت ركناً من أركان التنوير والليبرالية والبحث العلمي الحُرّ، فأخذ رشيد رضا يشنّع عليها بأنها تنشر الإلحاد والعُهر والتبشير بالصليبية، في سبيل هدفه لإضفاء النزعة الأصولية المحافِظة على مقومات الحياة في مصر، بعد إذ تخلّى عن أفكار أستاذه الإمام محمد عبده بعد وفاته، ونزع إلى الفكر الوهابي، واستعان بصلاته المعروفة بالوهابيين على اجترار أفكارهم، وباتت مجلته "المنار" منبراً دعائياً نشيطاً للدعوة الوهابية، ولعل ذلك كان البداية الحقيقية لدخول أفكار محمد بن عبدالوهاب إلى مصر قبل أن تنتشر وتفشو في منتصف سبعينيات القرن الماضي، لكن قوة الأفكار الليبرالية الحرة وقتها، والحكم الملكي، والاستعمار البريطاني، كل ذلك كان حاجزاً وحامياً من تغلغل الأفكار الوهابية في مصر.

اقرأ أيضاً: حكم جديد بإعدام طه حسين!

يبدو جليا مما سبق، أنّ السياسة لم تكن بمعزل عن كل قضية فكرية وثقافية تُثار باسم الدفاع عن الإسلام من تغوّل الفكر العلماني، كما كانوا، وما يزالون، يدّعون!

اقرأ المزيد...

الوسوم: