عندما حرّضت هدى شعراوي المرأة على كسر أغلالها

عندما حرّضت هدى شعراوي المرأة على كسر أغلالها
صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
10838
عدد القراءات

2017-10-14

 

في المقدمة التي وضعتها لمذكرات هدى شعراوي، تقول الأديبة المصرية أمينة السعيد إنّ "شعراوي هي بلا منازع قائدة حركة تحرير المرأة في العالم الإسلامي قاطبة. ولقد قضت ما لا يقل عن خمسين عاماً من حياتها وهي في صراع مرير من أجل رفع الظلم عن المرأة المسلمة عموماً، والعربية بوجه الخصوص وكانت البادئة برفع الحجاب، والمناداة بالمساواة الكاملة بين الجنسين، لتمكين نصف الشعب العربي من الخروج عن عزلته الاجتماعية والانطلاق إلى عالم البناء والإنتاج.... لقد خاضت هدى شعراوي مجال السياسة الذي لم تكن تجرؤ على الاقتراب منه امرأة قبلها".

وتتحدث شعراوي في مذكراتها عن دورها ودور المرأة المصرية في ثورة 1919، التي أعقبت نفي سعد زغلول ثم بعد عودته من المنفى. وتذكر، على وجه الخصوص، كيف أنّها فازت بأكثرية الأصوات في انتخاب "اللجنة المركزية للسيدات" التي شكلت بمساعدة اللجنة المركزية للوفد المصري في النضال من أجل الاستقلال. ثم انتخبت رئيسة لتلك اللجنة.
وكان من أبرز ما قامت به تلك اللجنة، التي تحولت فيما بعد إلى "الاتحاد النسائي المصري"، إصدار بيان يحدد بوضوح مطالب المرأة المصرية، وهذه المطالب هي كما جاءت في البيان:
1 ـ مساواة الجنسين في التعليم وفتح أبواب التعليم العالي وامتحاناته لمن يهمها ذلك من الفتيات تشجيعاً لنبوغ من لها مواهب خاصة، وتسهيلاً للتكسب لمن تحتاج منهن، ورفعاً لمستوى العقلية العامة في البلاد.
2 ـ تعديل قانون الانتخاب باشتراك النساء مع الرجال في حق الانتخاب ولو بقيود في الدور القادم، كاشتراط التعليم أو دفعها نصاباً معيناً على ما لها من المُلك. ولا يكون من الإنصاف الاعتراض على اشتراك هذه الطبقة من النساء لا سيما وقانون الانتخاب يجعل للرجل الأمي والخالي من المُلك حقاً في أن ينتخب وينتخب.
3 ـ إصلاح قوانين الزواج وذلك: أ ـ بسن قانون يمنع تعدد الزوجات إلا لضرورة كأن تكون الزوجة عقيماً أو مريضة. ب ـ بسن قانون يلزم المطلق أن لا يطلق زوجته إلا أمام القاضي الشرعي.

ولدت هدى، واسمها نور الهدى محمد سلطان، في مدينة المنيا في صعيد مصر في 23 حزيران (يونيو) 1879. تلقت التعليم في منزل أهلها، وتزوجت مبكراً في سن الثالثة عشرة من ابن عمتها علي الشعراوي الذي يكبرها بما يقارب الأربعين عاماً، وغيّرت لقبها بعد الزواج من هدى سلطان إلى هدى "شعراوي" تقليداً للغرب، وكان أحد شروط عقد زواجها أن يطلق زوجها زوجته الأولى، وفي السنوات اللاحقة أنجبت هدى بنتاً أسمتها بثينة وابنا أسمته محمد.
ارتبط اسم هدى شعراوي في الربع الأول من القرن الماضي بالنضال على جبهتين: جبهة النضال لتحرير المرأة، وجبهة النضال من أجل استقلال مصر. وتميزت في الجبهتين بجرأة نادرة وبكفاحية غير مسبوقة في عالم المرأة المصرية والعربية في ذلك التاريخ، وباستقلالية في الموقف لم تتردد، بالاستناد إليها، في التعارض والتناقض مع سعد زغلول، زعيم الحركة الاستقلالية وهو في عز مجده، كما يذكر كريم مروة؛ إذ انتقدت موقفاً له من الإنجليز اعتبرته تنازلاً غير مبرر وغير مقبول من زعيم البلاد أمام المستعمرين. وتروي شعراوي في مذكراتها تفاصيل طريفة عن جرأتها في النقاش والاختلاف مع سعد زغلول، وعن تعامل الزعيم المصري معها بكثير من الاحترام.

ارتبط اسم هدى شعراوي في الربع الأول من القرن الماضي بالنضال على جبهتين: تحرير المرأة، واستقلال مصر

تُخبر مذكرات شعراوي أنها كانت في التاسعة من عمرها عندما ختمت القرآن. لكنها لم تستطع، كما تقول، قراءة أي كتاب غير القرآن. ثم تعلمت اللغة التركية وعملت بدأب على تثقيف نفسها. فكانت تشتري الكتب من الباعة المتجولين خلسة؛ لأن تعليم المرأة وتمتعها بالثقافة والمعرفة كانا من الأمور غير المرغوبة في الأسر المحافظة. لكنها مع ذلك تابعت كفاحها من أجل التعلم ومن أجل امتلاك المعرفة. وقد أضافت إلى امتلاكها اللغة التركية لغة جديدة هي اللغة الفرنسية، ثم فيما بعد اللغة الإنجليزية.

وفي لحظة مفصلية من تاريخها ومن تاريخ العمل على تحرر النساء، وفي العام 1921 أثناء استقبال المصريين الزعيم المصري سعد زغلول، قامت هدى شعراوي بخلع الحجاب وداسته بقدميها.

وتكريماً لها، وتقديراً لدورها في العمل على إنصاف المرأة، والمساهمة في الجهد الوطني لتحرير بلادها من قبضة الهيمنة الاستعمارية، أطلق اسم هدى شعراوي على العديد من المؤسسات والمدارس والشوارع في مختلف مدن مصر، كما حازت عدة أوسمة ونياشين من الدولة المصرية.
وفي 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، صدر قرار التقسيم في فلسطين من قبل الأمم المتحدة. وبعد ذلك بأسبوعين وفي 12 كانون الأول (ديسمبر) 1947، أصيبت هدى شعراوي بالسكتة القلبية وهي جالسة تكتب بياناً في فراش مرضها، تطالب فيه الدول العربية بأن تقف صفاً واحداً في قضية فلسطين.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف قرّر المتصوف الهندي أوشو: بتواجد الحب تتواجد الكراهية؟

2019-12-12

ترنو تعاليم المتصوف الهندي أوشو إلى تعميق حواس التأمل، والوعي، والحب، والاحتفال، والشجاعة، والإبداع. كما تركز على تلك الصفات التي كان يُنظر إليها على أنّها مقموعة ومكبوتة نتيجة الالتزام بالنظم العقائدية الثابتة، والتقاليد الدينية والتنشئة الاجتماعية. وهو يعتقد أنّه بتواجد الحب ستتواجد الكراهية.

بتواجد الحب ستتواجد الكراهية، وعليك أن تجد هدفاً لتسقطها عليه. كلما أحببت أكثر تصاعدت كراهيتك أكثر، هذا هو الثمن

ولد تشاندرا موهان جاين في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1931 وتوفي في 19 كانون الثاني (يناير) 1990، وهو معروف أيضاً باسم أتشاريا راجنيش من العام 1960 وصاعداً، وبهاجوان شري راجنيش بين عامي 1970 و1980، وأوشو منذ عام 1989.
يعدّ أوشو متصوفاً ومعلماً روحياً لديه أتباع من كل أنحاء العالم. كان أستاذاً في الفلسفة، سافر إلى جميع أنحاء الهند خلال عقد الستينيات كمتحدث عام. انتقاداته الصريحة للاشتراكية، والمهاتما غاندي والأديان المنظمة أثارت الجدل حوله.
دعا أوشو إلى موقف أكثر انفتاحاً تجاه العلاقات الجنسية، مما أكسبه لقب "معلم الجنس" في الصحافة الهندية ولاحقاً العالمية.
في عام 1970 استقر راجنيش لبعض الوقت في بومباي، حيث أصبح معلماً روحياً بين تلاميذه المعروفين بالسنياسيين الجدد. أعاد تفسير كتابات التقاليد الدينية، وكتابات الصوفيين والفلاسفة من مختلف أنحاء العالم. انتقل إلى بونه في عام 1974 حيث أنشأ أشرم (صومعة) استقطبت أعداداً متزايدة من الغربيين.
ولد تشاندرا موهان جاين في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1931

عدد كبير من سيارات الرولز رويس
في منتصف عام 1981 انتقل راجنيش إلى الولايات المتحدة؛ حيث أنشأ أتباعه مجتمعاً متعمداً (عرف لاحقاً باسم راجنيشبورام) في أوريغون. في غضون عام دخلت البلدية في نزاعات مع سكان المجتمع (في المقام الأول على استخدام الأراضي) مما أدى إلى تصاعد العداء بين كلا الجانبين. العدد الكبير من سيارات الرولز رويس التي تم شراؤها لاستخدامها من قبل أتباع أوشو كانت محل انتقادات أيضاً. انهارت بلدية أوريغون عندما كشف أوشو أنّ قيادة البلدية ارتكبت عدداً من الجرائم الخطيرة، بما في ذلك هجوم بيو-إرهابي (تلوث الغذاء) على مواطني ذا دليس. ألقي عليه القبض بعد ذلك بوقت قصير، ووجهت إليه تهمة انتهاك قوانين الهجرة. تم ترحيل أوشو من الولايات المتحدة بموجب صفقة ادعاء. منعته واحدة وعشرون دولة من الدخول إلى أراضيها، وعاد أخيراً إلى بونه، حيث توفي هناك.

تستطيع أن تحب بلدك وتكره بلداً آخر، تحب ديانتك وتبغض أخرى، لأنك ببساطة يجب أن توازن الحب مع الكراهية

ومن بين كتاباته الغزيرة والمتنوعة، يبرز حديثه عن الحب والكراهية في كتابه "التحدي الكبير" الذي يقول فيه:

بعض العشاق يشعرون بأنه لا وجود لهم كأشخاص منفردين، الحب فقط هو الحاضر. من السهل تمييز هذه الوجودية الكلية للحب؛ لأنّ الحب شيء مُرضٍ وجميل، لكن الإحاطة بوجود الكره أمر صعب لأنه حال غير مُرضٍ.
العشاق، المحبون بعمق، لا يجدون أنهم "يحبون"، الحب لم يعد نشاطاً أو فعلاً، لكنهم عوضاً عن ذلك قد أصبحوا الحب.

حين تحب أحداً تصير حباً
حين تحب أحداً تصير حباً، حين تكره تصير كرهاً، ولكن إن استطعت أن تُبقي على نفسك كما أنت فلن تحب أو تكره بالطرق العادية. لذلك ندرج على قول عبارة "وقع في الحب"، ظاهرة الحب هي عبارة عن سقوط، والوقوع في الحب يعني أنك قد فقدت إدراكك لذاتك بسببه.
العشاق يغضبون ممن لا يعيش حالة الحب، أنت لا تستطيع التواصل معهم لأنهم فقدوا منطقهم، لم يعودوا "هم"، تحولت كل طاقتهم إلى حب، يأتلفون معه كلياً، ليس فيهم من يدرك ليشهد على ظاهرة الحب.
الأمر مشابه في الكراهية، الحب والكره متماثلان؛ لأنهما أخذ وتحويل لذات الطاقة؛ جاذبية الحب ونفور الكراهية. حين تكون في الحب مشدوداً إلى أحدهم فأنت تفقد جوهرك، تفقد نفسك ويصبح الشخص الآخر هو المحور أو الجوهر، حين تكره أحدهم فأنت تنفر منه، تفقد مركزيتك وإدراكك لذاتك، يصبح هو المركز.

اقرأ أيضاً: القرآن رائع ونموذج للسلوك الإنساني.. هكذا قال عضو الكونغرس الأمريكي
تذكر، ليس باسترجاع وليس بعد انتهاء الأمر ولكن في ذات لحظة الحدوث، عندما يأتي الغضب، أغلق عينيك، تجاهل الحالة الخارجية، وكن واعياً لما يدور في داخلك الآن.
طاقتك بأكملها تحولت إلى كراهية، إذا ركزت على مراقبة ذلك فسوف ترى جزءاً من الطاقة يتحول إلى وعي، عمود من الوعي ينتصب وسط فوضى الكراهية أو الحب، كلما ارتفع أكثر فوق حالتك الداخلية، تضاءلت الفوضى وانكمشت، عندها ستلاحظ وجودك، أنّك "أنت" من بقيت في الداخل وليس الكره.
تتحول إلى ذات، إلى مركز، ولن يعود الآخر مركزيتك مجدداً، لا جاذباً ولا منفراً.
على هذا التأمل أن يحصل لحظة الحدث، بعدها ستكون شخصاً مختلفاً تماماً، ليس أنّك هزمت الكراهية، ليس أنّك تحكمت بحالتك العقلية، بل أنّك صرت الآن وعياً، نوراً لذاتك، وبسبب النور تستحيل العتمة.

الكره يحتاج لا وعيك
أنت الآن شخص واع، والكره يحتاج لا وعيك كحجر أساس له، هو مستحيل مع الوعي.
هذه قاعدة مهمة يجب فهمها بوضوح: الكره يحتاج لاوعيك، من اللاوعي يتغذى ومنه يحصل على طاقته وقوته، لذلك لا تنشغل بالكره، انشغل بوعيك.
كن أكثر وعياً تجاه أفعالك وأفكارك، تجاه أمزجتك نحو ما يحصل حولك. الكائن الواعي لا يغمره شيء… لا الحب.. لا الكراهية.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
عندما يصبح الإنسان مركز ذاته، حين يصل إلى مرحلة متقدمة من تبلور الوعي، سيختفي الانجذاب نحو الآخر، سيختفي النفور، لكن هذا سيخلق مشكلة أعمق، يعني أنك لن تقدر على تجاوز الكراهية ما لم تتجاوز الحب، الجميع يود تخطي الكراهية وليس الحب، لكن هذه الرغبة تضعنا في موقف مستحيل، لأن الكره جزء من ظاهرة الانجذاب والنفور.
كيف تستطيع أن تحب؟ كيف تكون منجذباً لكل شيء؟ نحن نحاول أن نحب بطرائق متعددة، لكن الطريقة الأسهل هي أن تكره شخصاً وتحب آخر، السهل هو أن تجعل أحدهم عدوك والآخر صديقاً.
ستكون مرتاحاً، تستطيع عندها أن تحب، أن تكون مشدوداً إلى (أ) ونافراً من (ب)، هذه طريقة، الطريقة الأخرى معقدة أكثر، أن تكره ذات الشخص الذي تحب، نحن نفعل هذا الأمر يومياً، نحب في الصباح، نكره في الظهيرة، ثم نعود لنحب مساءً.
التواتر بين الحب والكراهية
كل عاشق يعايش هذا التواتر بين الحب والكراهية بشكل مستمر، الانجذاب والنفور. صدق فرويد حين قال: عليك أن تكره عين الشخص الذي تحب، لا مفر من ذلك.
يزداد وضوح معنى هذا القول كلما أقصينا أنفسنا أكثر فأكثر عن أولئك الذين نحمّلهم كراهيتنا، أهداف نفورنا وبغضنا.
تستطيع أن تحب بلدك وتكره بلداً آخر، تحب ديانتك وتبغض أخرى، لأنك ببساطة يجب أن توازن الحب مع كراهية في الكفة الثانية.
في الماضي كان سهلاً أن تحافظ على هذا التوازن، اليوم هنالك الناشطون الإنسانيون ودعاة المثالية، هؤلاء يدمّرون أهداف الكراهية القديمة، قريباً قد يتحد العالم بحيث تصبح هناك أمة واحدة وعرق واحد، ومع تطور كهذا سيُجبر الكل على حب وكره هدف واحد.

إن أحببت فسوف تكره
هذه الازدواجية هي الحال الطبيعي، إن أحببت فسوف تكره.
بعض الأشخاص يستمرون بإلقاء العظات "أحبوا العالم بأسره!!" لكننا لا نستطيع أن نحب العالم ما لم نجد عالماً آخر لنكرهه، أنا لا أعتقد أنّ سكان الأرض يمكن أن يتحدوا حتى نكتشف أعداءً لنا على كوكب آخر، حالما نجد عدواً في مكان ما - ونحن نسعى جاهدين لذلك -عندها سيتوحد سكان الأرض.
لا يمكن أن يتوحد هذا الكوكب إلا عند وجود كوكب آخر نحاربه، مجرد إشاعة عن وجود عدو قد تؤدي ذات الغرض.
لاينوس باولينغ – عالم حائز على جائزة نوبل – اقترح ذات مرة أنها ستكون فكرة جيدة إن نشرنا إشاعة عن طريق الأمم المتحدة عبر أصقاع العالم، إشاعة تقول بأنّ المريخيين على وشك مهاجمة الأرض، وأن تُدعم هذه الإشاعة من قبل علماء مختلفين حول العالم، آنذاك سيتوقف الاقتتال الناشب على الأرض.
أرى بأنه محق، فكما هي طبيعة البشر الآن قد يتأتّى من إشاعة كهذه نتيجة جيدة، الكذب قد يساعد، الحقيقة لم تساعد حتى الآن.
بتواجد الحب ستتواجد الكراهية، وعليك أن تجد هدفاً لتسقطها عليه، إذاً فكلما أحببت أكثر تصاعدت كراهيتك أكثر، هذا هو الثمن.
تذكر، إما الحب والكراهية معاً، وإما أن تعيش دون أي منهما.

لا يمكن أن يتوحد هذا الكوكب إلا عند وجود كوكب آخر نحاربه، مجرد إشاعة عن وجود عدو قد تؤدي الغرض

الكره سيختفي ليس بقيامك بعمل ما، بل بكونك أكثر إدراكاً، أكثر وعياً، أكثر تيقظاً، كن كائناً واعياً، وستصير مركز ذاتك من دون أن يقدر أي كان على تحريكك من مركزيتك.
حالياً يستطيع أي كان القيام بهذا، البعض بالحب، البعض بالكراهية، لكنهم متقلقلون، يستطيع أي كان تحريكهم بعيداً عن مركزيتهم، لأنها ليست مركزية حقيقية، هو مركز زائف تقبع فيه بانتظار أن يزيحك أحد ما عنه ويبعدك.
الوعي يعني المركزية، مركزية داخلية مستمرة، مع تحقيقها يختفي الحب، تختفي الكراهية وعندها فقط ستشعر بالسلام.
أعراضهما متشابهة فعلياً، الكره العميق سيبقيكَ أرقاً، الحب العميق سيحرمك النوم، كلاهما سيجعل ضغط دمك مرتفعاً، كل الأعراض متماثلة، القلق، التعب، الإرهاق، الملل من الأشياء العادية، كلاهما يبقيانك متوتراً، كلاهما مَرَض.
عندما أقول مَرض (Disease) فأنا أعني الكلمة بحرفيتها: (dis-ease) عدم ارتياح، أنت لن تكون مرتاحاً مع الحب أو الكراهية، راحتك تكمن فقط في زوالهما من داخلك، لا الحب لا الكراهية، عندها ستبقى في ذاتك، وحيداً في وعيك، تتواجد من دون أحد آخر، الآخر أصبح غير مهم لأنك أنت المركزي.
بعدها سيأتي التعاطف، التعاطف هو الحدث اللاحق للمركزية، التعاطف ليس حباً ولا كراهية، هو ليس انجذاباً ولا نفوراً، هو بُعد آخر مختلف كلياً، إنه كونك نفسك وتحركك وفق نفسك، العيش تبعاً لنفسك.
قد تجذب الكثيرين، قد تنفّر الكثيرين، لكن هذا ليس إلا إسقاطهم، مشكلتهم هم.
تستطيع أن تضحك من الأمر وستبقى حراً.

للمشاركة:

سجال منسي حول علمنة مصر: حقائق محمود عزمي وأوهام طه حسين

2019-12-04

في تموز (يوليو) 1926 أجابت الجمعية الأطباء عن فتوى طلبتها جمعيّة الرابطة الشرقيّة بخصوص سؤال ما هو اللباس المناسب للرأس من الناحية الصحيّة، مؤكدةً على أنّ الطربوش ليس لباساً صحيّاً، وفي اليوم التالي لصدور القرار زار الكاتب محمود عزمي (1889- 1954) مجلة المصور لابساً القبعة بديلاً عن الطربوش.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
وقال عزمي للمحررين شارحاً التغيير المفاجئ الذي لاحظوه: "أما وقد أصدرت هيئة الأطباء قرارها في الطربوش صراحة وفي القبعة تلميحاً فقد أصبح من المحتم لبس القبعة التي تتوافر فيها الشروط التي استلزمها الأطباء للباس الرأس الصحيّ، على أنّه يمكن الاحتفاظ بالطربوش لارتدائه في الحفلات والسهرات ولبسه للفنانين في أعمالهم، ويكفي أنّ قماشه يخلو من المسام وثقله يدفئ الرأس أكثر من اللازم ويسبب عرقاً كثيراً خاصة في الصيف فيؤذي العينين".

 

ولم يكتفِ باقتناعه بالقبعة على حساب الطربوش التركيّ بل خاض معارك من خلال مجلتي "الكشكول" و"المصور" لتحريض النخبة على خلع الطربوش الذي اُعتبر زيّاً وطنيّاً. وهو موقف يكشف عن استقلاله الفكريّ وتمسّكه بالتفكير العلميّ واستخفافه بالإجماع الوطني الذي ليس بالضرورة على حق، وسيكون لذلك الاستقلال تبعات فائقة الأهمية لحظة تأسيس مصر الحديثة بالشكل الذي عليه الآن.
إدراك اللحظة الفارقة
حين أرادت النخبة الوطنيّة المصريّة وضع دستور للبلاد بعد الحصول على استقلالها الجزئي من بريطانيا عام 1922، تمثل التحدي الأكبر في إعادة صياغة النسيج الوطنيّ بين المسلمين والأقباط الممزّق ثقافيّاً، بحكم تشبع المخيال الشعبي لكلا الطرفين بالتصورات الاستشراقية عنه والتوصيفات الغربية له؛ فمثلما اختلق الخطاب الاستشراقي نقاءً عرقيّاً ثابتاً للأقباط لم يدنسه المسلمون بالمشاركة، أطّر التوصيفُ الغربي الإسلامَ في دائرة التخلف والبربرية، وهو ما استدعى رداً إسلاميّاً بتمجيد الذات وتاريخها وتحديد هويتها بالتناقض مع الغرب "المسيحيّ" كما تشير صبا محمود في كتابها "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ".

 

استمر طه حسين في حجاجه ضد محمود عزمي مدججاً بأوهام القرن العشرين بأنّ الدين في طريقه إلى الزوال

وعلى هذه الأرضية المُلغّمة ثقافيّاً تشيّد البناء الدستوريّ والسياسيّ لمصر الحديثة، لذا كان التحدي الأكثر صعوبة يكمن في كيفية التخلص من التفاوتات التاريخية وجعل المواطنة أساس العلاقات المسيحيّة/ الإسلاميّة، في وقت مال فيه ممثلو الأكثرية المسلمة في لجنة إعداد الدستور عام 1923 لتكريس التراتبية الدينية وتحصين الامتيازات الإسلاميّة الراسخة والنص عليها دستوريّاً.
محمود عزمي المعروف بالتزامه التام بالعلمانية مفْصَلَ نقداً لاذعاً لفشل اللجنة الدستورية في معالجة التفاوتات الدينية، وأدرك على خلاف كل معاصريه، بما فيهم عقل لامع كطه حسين، أنّ التفاوتات الدينيّة ليست في طريقها إلى زوالٍ كما توقع معدّو الدستور الذين رأوا أن يثبّتوا مواد تنص على التمييز الديني على اعتبار أنّ المجتمع المصري لم يكن متطوراً بما يكفي آنذاك، حتى يقبل بعلمانية صريحة هو في نظرهم في طريقه إليها حتماً، وبالتالي سيجبر التطور الاجتماعي المشرعين على تغيير الدستور.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
أدرك عزمي أنّ المادة التي تنص على أنّ "الإسلام دين الدولة" وتكرِّس التراتب الدينيّ ستجعل الدولة تعمل لصالح الأكثرية المسلمة على حساب الأقلية المسيحيّة، بالإضافة إلى أنّ تثبيت مكانة رسميّة للإسلام في بنية الدولة سيحول الطوائف الدينيّة إلى طوائف سياسيّة، وهو ما حدث لاحقاً حين تحول المواطنون المسيحيون إلى ما يعرف بـ"الشعب القبطي".
إجماع الحالمين
كانت الحماسة الوطنية على أشدها بعد ثورة 1919 التي كان شعارها "الدين لله والوطن للجميع" وعلى ضوء تلك الوطنيّة المندلعة رفضاً للتدخل الاستعماريّ بين المسلمين والمسيحيين رفض مؤسسو البناء الدستوريّ الحديث النص على أي نوع من التمثيل السياسيّ أو الإداريّ للأقباط، وكان عزمي المزوّد بذهنٍ نشط يحفر خلف الإجماع السياسيّ ليكشف عن معضلةٍ تتشكل ببطء ستفرض نفسها لاحقاً على مجمل المعجم السياسيّ المصريّ وهي أزمة الانقسام الدينيّ.
وحيداً وقف ضد المخيلة الوردية للآباء المؤسسين لمصر الحديثة المكونة من آمال المساواة ووعد المواطنة، وأعلن أنّ تمثيل الأقليّات من شأنه أن يقاوم العواقب المترتبة على ما كان نظاماً غير عادل بالفعل، واخترق جدار الإجماع القائم بتأكيده على أنّ مصر ممزقة دينيّاً في الواقع، ومن شأن تجاهل اعتماد وسائل قانونية تعالج الانقسام الديني أن يقضي على علمانية مصر في مهدها.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
وحاجج عزمي بأنّ ارتكاز قوانين الأحوال الشخصية إلى الدين أكبر دليل على فشل المشروع الوطني؛ فالدولة ستديم من خلاله التفاوت بين المسلمين والمسيحيين واليهود، مع وضع المسلمين في مكانة أعلى تسمح لقوانينهم أن تكون مرجعاً وحكماً على قوانين الطوائف الأخرى.
وفي استشعار لافت، آنذاك، لمخاطر التقسيم الديني الذي ترعاه الدولة ويحرص عليه الأزهر والكنيسة معاً، طالب عزمي بإلغاء قوانين الأسرة المرتكزة إلى الدين تماماً، وتأسيس قوانين علمانية تطبق بشكل موحد بصرف النظر عن الانتماء الديني للمرء.
رأى طه حسين أنّ "الإسلام دين الدولة" يحمل قيمة رمزية في الواقع

حملة طه حسين
واجه عزمي حملة بالغة الشراسة على أطروحاته الجريئة في ذلك الوقت اتهمته بتبني تصور سكونيّ للمجتمع المصري الذي في طريقه لينبذ الانقسام الدينيّ ليتوحد كمجتمع عضويّ متلاحم بحكم سيرورة التاريخ القاضية بزوال دور الدين في المجتمع وانتصار الحداثة!

حداداً على وفاة محمود عزمي قررت الأمم المتحدة تنكيس أعلامها لمدة أسبوع، وأوقفت جميع لجان المنظمة أعمالها

وتُوجت الحملة بهجوم عاصف من طه حسين على دعوة عزمي بتمثيل الأقليّات سياسيّاً كحل براغماتيّ لهيمنة الإسلام على الدولة، وسخّف حسين من تحذيرات عزمي بشأن التداعيات المستقبليّة ذات الطابع الكارثيّ المترتبة على وضع مادة في الدستور تنص على أنّ "الإسلام دين الدولة" وهو ما ستعاني منه البيئة السياسيّة في مصر حتى اللحظة.
واثقاً من يقينه بأنّ المكونات التي وحدت المصريين جميعاً هي اللغة والثقافة والتاريخ، بأكثر مما فعل الدين، اعتبر طه حسين أنّ "الإسلام دين الدولة" ليست شيئاً سوى "نص أفلاطونيّ لا قيمة له في الواقع" بل يحمل قيمة "رمزيّة وسطحيّة". فيما استغل عزمي هذه المقولة المسرفة في التفاؤل، وردّ على طه حسين متسائلاً لماذا لا ينص الدستور على تمثيل الأقليّات سياسيّاً واعتبار ذلك مسألة رمزيّة و"أفلاطونيّة" ستزول مع الزمن؟!
استمر طه حسين في حجاجه ضد محمود عزمي، مدججاً بأوهام القرن العشرين بأنّ الدين في طريقه إلى الزوال، وبأنّ قوانين الأسرة من الوارد وبالإمكان أن تندرج، مع مرور الزمن، تحت قانون علمانيّ مشترك؛ فالدين برأيه سيقتصر دوره بصدد الأحوال الشخصيّة، في قادم الأيام، على الصلات الزوجيّة بصورة "طقسيّة" كما هو الحال مع المسيحيّة في أوروبا. وهو ما كان يعتبره عزمي "ميتافيزيقا علمانيّة لا أساس لها".  

 

نهاية مجيدة
اختارت وزارة الخارجيّة المصرية محمود عزمي ليمثل مصر في لجنة حرية تداول الأنباء الفرعيّة التابعة للمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ بالأمم المتحدة عام 1949، وقدم في حزيران (يونيو) من العام نفسه مشروعاً لتنظيم حرية تداول الأنباء يقضي بحماية المراسلين الأجانب.
واُنتخب بسبب مواقفه المدافعة عن حرية الصحافة رئيساً للجنة حرية الأنباء عام 1952، كما يقول هاني نسيرة في كتابه محمود عزمي: رائد حقوق الإنسان في مصر، وأقرت اللجنة فور ترأس عزمي لها عهد الشرف الدولي للصحفيين، ورفعته إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ليتم إقراره في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1952، ووافقت عليه الجمعية العامة.

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
كما انتخب محمود عزمي رئيساً للجنة حقوق الإنسان في آذار (مارس) سنة 1953 وأُعيد انتخابه كذلك في آذار (مارس) سنة 1954، وفي أيار (مايو) سنة 1954 صدر مرسوم بتعيينه رئيساً لوفد مصر الدائم في الأمم المتحدة، وودع الحياة في تشرين الثاني (نوفمبر) من ذات العام وهو يرد على كلمة مندوب إسرائيل في مجلس الأمن حول احتجاج تل أبيب على احتجاز مصر السفينة "بات جاليم" بعد أن اعتدت على نقطة حراسة مصرية في ساحل البحر الأحمر.
ومن فوق منبر مجلس الأمن وقف عزمي يرد على مزاعم مندوب إسرائيل قائلاً: إنَّ مصر على حق وإنّها كانت ولا تزال تؤْثِر روح التسامح، وعلى استعداد دائم لتحقيق العدالة" وحين احتدم النقاش بينه وبين المندوب الإسرائيليّ أصيب بأزمة قلبية أودت بحياته.
وحداداً على وفاته قررت الأمم المتحدة تنكيس أعلامها لمدة أسبوع، وأوقفت جميع لجان المنظمة أعمالها لدقيقة واحدة، وألغت الوفود العربية جميع حفلاتها لمدة أسبوعين، وخصّصت الجمعيّة العموميّة جلسة رثاء لأول حقوقي عربيّ استمعت فيها إلى كلمات 33 مندوباً أشادوا فيها بجهوده.

للمشاركة:

القرآن رائع ونموذج للسلوك الإنساني.. هكذا قال عضو الكونغرس الأمريكي

2019-11-28

حالة متفرّدة تلك التي تمكّن عضو الكونغرس الأمريكي الراحل، بول فيندلي، من خلقها؛ إذ في الوقت الذي شغل فيه موقعاً لا يتنازع اثنان على أهميته، فإنّه قد فهم نفسية المتلقي العربي إلى حدّ يبعث على الدهشة، فاختار لغة وطروحات جعلت من شعبيته أمراً مؤكداً.

اقرأ أيضاً: نزع أوهام القداسة: ما بين ترجمة القرآن الكريم وارتداء البدلة
الرجل، المولود عام 1921، في إلينوي- أمريكا، كان يستخدم أدوات الباحث والأكاديمي، لا للخروج بنتائج خلاقة في عالم البحث والفكر، بل ليبعث لدى المتلقي العربي طمأنينة حول أنّ كلّ ما يفكر فيه من طروحات ذات طابع وجداني انفعالي وشعبوي، في مرات كثيرة، مثبت بالعلم والبحث، وعلى مبدأ "شهد شاهد من أهلها"، وأيّة خلطة نجاح مضمونة أكثر من هذه لتكون نجماً لا يشقّ له غبار في العالم العربي؟

لعلّ من أشهر تلك العبارات والمتلازمات اللفظية التي تفنّن فيندلي في تطويعها وقولبتها، لا تكون لقمة سائغة فحسب، بل ليسيل لها لعاب العربي المتعطش لمن يثبت وجهات نظره بتفوقه دينياً وأخلاقياً: "وجود الإسلام في أمريكا اليوم قوي، بل أقوى من الوجود اليهودي"، وقوله "الحركة الإسلامية ستنتصر في نهاية المطاف"، و"القرآن رائع وممتاز ونموذج للسلوك الإنساني في كلّ لحظة"، و"المسلمون عانوا كثيراً بسبب الصور الزائفة التي انتشرت عن الإسلام في الولايات المتحدة والغرب، ومعظم الأمريكيين يربطون خطأ الإسلام بالإرهاب، وذلك نتاج الجهل؛ فالأمريكيون لم يروا نسخة واحدة من القرآن ولم يقرؤوا أية آية، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتسيء أكثر للإسلام، حتى أصبحت الولايات المتحدة أرض الخوف بالنسبة للمسلمين".

ظاهرة بول فيندلي قد لا تحمل بُعداً فكرياً وبحثياً متفرداً بقدر ما تحمل براعة الإمساك بدفّة الخطاب والإعلام

المقتطفات الآنفة قد لا تبتعد ولو أمتاراً معدودة عن الطروحات التي يطرحها معظم العرب في منازلهم وجلساتهم الخاصة، فما الذي كان متوقعاً حين يُدلي بها عضو الكونغرس السابق، بول فيندلي؟ لا سيما حين كان يستحضر مقتطفات من حوارات جرت بينه وبين ستة رؤساء أمريكيين حول ملاحظات من هذا القبيل، وأخرى مرتبطة بالقضايا العربية العالقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وهي الممارسة التي تدغدغ وجدان العربي؛ ذلك أنّ أول من يتبادر لذهنه فيما يتعلق بنموذج: "قال لي، وقلت له"، الصحفي المصري، محمد حسنين هيكل، الذي بنى مجداً صحفياً لافتاً على هذه الممارسة حول ما قيل له وما قاله، وما استطاع سماعه في الكواليس، وما شاهده بأمّ عينه في الاجتماعات المغلقة، بعيداً عن أنّ هذا النمط قريب للنفس الإنسانية لا سيما تلك التوّاقة دوماً لسماع الحكايات واستقائها من "رأس النبع"، فإنّ هذا النمط يقع موقعاً مميزاً في نفس المتلقي العربي، وهو ما التقطه بول فيندلي بمهارة لافتة، ولم يفتأ يستخدمه حتى النهاية.

ولعلّ الدالة الأبرز على نجاعة ما اختاره فيندلي لتثبيت موطئ قدم راسخ له لدى العالم العربي هو في استذكار كم من مفكر عربي ناقش الأمور ذاتها التي ناقشها فيندلي، عن صورة العرب والمسلمين في الغرب، وإشكالات القضية الفلسطينية في الأوساط السياسية الغربية التي يمسك اللوبي الصهيوني بعنقها، لكن أيّاً منهم تقريباً لم يحظ بالدهشة ذاتها التي قوبلت بها طروحات بول فيندلي، لا لشيء، سوى كونه من "أهلها" الذين شهدوا، فكان له ما أراد، وما وضعه نصب عينيه بعد أن تفرغ للكتابة عقب خروجه من عالم السياسة كوظيفة، ولربما فكرة كونه أمريكياً (غربي بالمجمل)، أسهمت في قدر لا يُستهان به كذلك من حيث إحاطته بهالة من القدسية فيما يتعلق بالتصريحات والرؤى والروايات والسرديات التي يسوقها ضمن كتبه ومحاضراته وحواراته.

المتلقي العربي كان مأخوذاً برواية فيندلي ورأيه في الإسلام والمسلمين وصورة العرب الحقيقية بعكس ما يجري ترويجه في الغرب

حسبنا هنا أن نستذكر جانبين: الأول محاضرة كان قد قدّمها فيندلي في الإمارات العربية المتحدة، وهناك تجلّى الأسلوب والمنهج تماماً (راجع النماذج اللغوية المذكورة أعلاه حول رأيه في الدين الإسلامي والقرآن الكريم)، والثاني ما ذكره هو عن حكاية انجذابه للثقافتين العربية والإسلامية، حين ذهب للتوسط في إطلاق سراح إيد فرانكلين، الذي سُجِنَ في عدن بتهمة التجسّس، بعد أن رآه رجال الأمن في المطار يلتقط الصور للمنشآت، فظنّوه جاسوساً، لكنّه (فيندلي) عادَ به محرّراً وعاد للغرب بحكاية (قدّمها في الحقيقة للعرب) حول عظمة الدين الإسلامي وأخلاق المسلمين! ما يكاد المتأمل يجزم به هو أنّ المتلقي العربي بالمجمل لم يقف لدى سؤال: هل كانت رواية الموقوف البريطاني منطقية؟ ما مدى صحتها؟ هل دفاع فيندلي عنه كافٍ لتصديق أنّ تصوير منشآت في مطار دولة تعاني من القلاقل السياسية محض تصرف عفوي؟ وما يمكن الجزم به أكثر: المتلقي العربي كان مأخوذاً برواية فيندلي اللاحقة، وهي الأهم في وجهة نظره، عن رأيه في الإسلام والمسلمين وصورة العرب الحقيقية بعكس ما يجري ترويجه في الغرب، إلى حدّ لم يُجرِ فيه تدقيقاً على شيء، لا منطقية الحكاية ولا تفاصيلها ولا حقيقة ما حدث في عدن وكيف تنازلت السلطات هناك، على حين غرّة، عن تزمّتها في قضية الموقوف لديها بتهمة التجسّس. حسبُنا هنا أن ننظر لحجم الزخم الشعبوي في عبارة كهذه "فتحت عيني على ثقافة مستندة إلى الشرف والكرامة وقيمة كلّ إنسان، علاوة على التسامح وطلب العلم، وهي معايير عرفت فيما بعد أنها متأصلة عميقاً في الدين الإسلامي، إنّها أهداف كانت ستلقى استحسان أجدادي المسيحيّين"، وعبارة أخرى يقول فيها: "اكتشافي للإسلام عبر إلهام مفاجئ، مثل اكتشاف صندوق كنوز في الزاوية المظلمة في العليّة، بل كان فهمي له كالدرر تتبدّى الواحدة بعد الأخرى مع مرور الزمن".

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
لا يمكن القول تماماً؛ إنّ فيندلي كان شعبوياً؛ إذ تحمل هذه اللفظة دلالات أقرب للسلبية عربياً، لكن من الممكن تماماً قول إنّ فيندلي من بين أذكى الشخصيات التي فهمت أسرار اللعبة الإعلامية جيداً، وكيف بوسعك أن تكون نجماً لدى العالم العربي؛ إذ لم يحدث مثلاً أن زلّ لسان فيندلي بمثل ما زلّ به لسان جورج غالاوي مثلاً، حين عايرَ الفلسطينيين بالمساعدات التي تقدّمها إيران.

لقد كان الرجل على درجة عالية من الذكاء والتمرّس؛ حيث لم يترك متسعاً لأيّ انتقاد كان أن يتسلّل لظاهرته، بل هو في مزيد من نقشه الصورة باقتدار ترافع عن البؤساء والفلاحين والسود وجميع مهيضي الجناح، ما لم يترك متسعاً للمتلقي العربي ليشكّك، ولو مرة، في انحيازه المستميت لطرفه، بل هو راح يتقرّب من العربي والمسلم بطرق شتى لا تخلو من ألمعية لافتة في فهم نفسيّة ما يتوق إليه المتلقي العربي، حين تحدّث إليه عن خلفيّته الزراعية  البسيطة، وحين حدّثه عن خسارته موقعه في الكونغرس، عام 1982، بسبب مواقفه المؤازرة للفلسطينيين، وما إلى ذلك.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
هو نفسه، يتحدّث عن ردّة الفعل حياله (تحديداً كتاب "من يجرؤ على الكلام") بنبرة ملؤها الدهشة، حين يقول: "أحدث الكتاب تغييرات عميقة في حياتي، وفتحَ أمامي أبواباً جديدة مثيرة، فهو أسهم في مجيء المسلمين إليّ وذهابي إليهم، وعام 1989، شكّلت الحماسة لفكرة كتابي حافزاً لمجموعة من الرجال والنساء اندفعوا إلى مساعدتي على تأسيس مجلس المصالح القومية "CNI"، وهو منظمة مقرّها في واشنطن، وتضمّ زهاء خمسة آلاف أمريكي يسعون إلى تبنّي سياسات أمريكية متوازنة في الشرق الأوسط"، كما يتحدّث بالدهشة ذاتها حين دعاه أحمد ديدات، عام 1989، للحديث، ورافقته زوجته إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا، ناعتاً تلك الرحلة بـ "واحدة من رحلات عدة شاركتني فيها لوسيل، على طريق استكشاف الإسلام".

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى استفدنا من جهود اليابانيين في دراسة القرآن الكريم؟

السؤال الآخر الذي قد يتبادر للذهن: كيف احتفى الفلسطينيون ببول فيندلي؟ في الحقيقة، كان الرئيس الراحل، ياسر عرفات، من أكثر من برع بلعبة الاحتفاء بأيّ منحاز لقضية شعبه، ممن لم يكونوا فلسطينيين، عرباً كانوا أم أجانب، لكن هل بقي زخم الاحتفاء ذاته؟ قد تكون الإجابة المؤسفة: لا؛ ذلك أنّ ما يمكن الانتباه إليه جلياً أفول نجم الزمن الذي سطعت فيه الدبلوماسية الفلسطينية عالمياً بشكل لافت، ويكفينا هنا استذكار الفنزويلي كارلوس، الذي أضاع عمره وحريته لأجل القضية الفلسطينية، لكن أحداً لا يذكره حالياً، ولا يبذل الجهود لتحريره، وإن كان من الضروري بمكان التنويه لأنّ تجربته مختلفة عن فيندلي؛ إذ بقدر ما كان كارلوس مندفعاً و"مجنوناً" ويهجس بالنجومية الثورية، فإنّ فيندلي كان ذكياً وبارعاً في انتقاء لغته والقوالب الفكرية، وتلك المتعلقة بوسيلة التواصل مع الجمهور، فكان لا يعدم الحيلة في الكتابة وإلقاء المحاضرات وإجراء الحوارات، والقفز بخفة وبراعة لافتَين بين حبل الكلام الذي يحمل طابع الشعبوية مرات، وبين الصبغة الأكاديمية والبحثية التي يجتهد في إسباغها؛ لإكساب طرحه مزيداً من العمق.

موقف فيندلي كان مدروساً إلى حدّ كبير، وهذا لا يُشكّك به، ولا بإيمانه بحقوق المستضعفين، والفلسطينيين على رأسهم، لكنّه يشير لحجم الألمعية اللافتة في إدارته ظاهرته طوال الأعوام التي شهدت نزالاته في الكونغرس، ومن ثم ما تلاها من أعوام تفرّغ فيها للكتابة، فقدّم كتباً متتالية منها: "الخداع: مواجهة الحقائق بشأن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية"، و"لا صمت بعد اليوم: مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أمريكا"، و"أمريكا في خطر"، وغيرها، والتي كانت تدور في فلك واحد عموماً، لكنّها تشير بوضوح قد لا يشهد خلافاً إلى أنّ التفكير لديه وما يتأتى عن هذا التفكير من عطاء ونتاج كان ممنهجاً مدروساً، ولم يكن هكذا، أي كيفما اتفق؛ لذا، فظاهرة بول فيندلي قد لا تحمل بُعداً فكرياً وأكاديمياً وبحثياً متفرداً كثيراً، بقدر ما تحمل براعة يُشهد لها في الإمساك بدفّة الخطاب والإعلام، وتحديداً ذاك الذي يتعطّش العربي والمسلم لسماعه.

 

للمشاركة:



إسرائيل تفسد فرحة مسيحيي غزة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

منع الاحتلال الصهيوني المسيحيين في قطاع غزة من زيارة مدينتي بيت لحم والقدس للاحتفال بعيد الميلاد هذا العام.

وأخطرت سلطات الاحتلال المسيحيين في قطاع غزة، أمس، أنّه لن يكون بوسعهم السفر إلى مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة لحضور احتفالات عيد الميلاد.

وأرجعت الحكومة الإسرائيلية قرار تعديل سياستها الخاصة بالسماح للمسيحيين في غزة بزيارة بيت لحم إلى "أسباب أمنية".

وأعلن مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية؛ أنّه لن يُسمح للمسيحيين من سكان قطاع غزة بزيارة الأماكن المقدسة في بيت لحم والقدس، خلال فترة أعياد الميلاد المجيدة الوشيكة، وفق ما أوردت "بي بي سي".

وأضاف: "تمّ اتخاذ هذا القرار بسبب معارضة جهاز الأمن العام للقيام بهذه الزيارات".

هذا وقد انتقدت جماعات حقوقية في دولة الاحتلال الإسرائيلي القرار، كما دعا عدد من قادة الكنيس إسرائيل إلى التراجع عن القرار.

دولة الاحتلال الإسرائيلي تقرّر منع مسيحي غزة من زيارة بيت لحم أثناء احتفالات عيد الميلاد

بدورها، نددت حركة "حماس"، أمس، بـ "عنصرية" إسرائيل ضدّ المسيحيين في قطاع غزة، بعد أن قررت حرمانهم من المشاركة في احتفالات أعياد الميلاد بمدينتي القدس وبيت لحم، حيث توجد المواقع المسيحية المقدسة.

وقال عضو مكتب العلاقات الدولية بـ "حماس"، باسم نعيم، في بيان: إنّ "هذه السياسة الممنهجة، والتي تتكرر في كلّ عام تعكس عنصرية هذا الكيان، وتكذب كلّ ادعاءاته بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان".

واتخذت إسرائيل، العام الماضي، قراراً مشابهاً، ثم تراجعت عنه في اللحظات الأخيرة بعد تدخلات دولية.

ويعيش نحو ألف مسيحي، أغلبهم من طائفة الروم الأرثوذكس، في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس.

وتبدأ هذه الاحتفالات الأسبوع المبقل لدى الطوائف المسيحية في القدس وبيت لحم، وتستمر حتى كانون الثاني (يناير) المقبل.

 

 

 

للمشاركة:

هل ينهي الرئيس الجزائري الجديد التظاهرات؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

دعا الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون، أمس، الحراك الشعبي إلى حوار "جاد" لمصلحة البلاد، وتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء شعبي.

وقال الرئيس المنتخب، في أول مؤتمر صحفي عقده الجمعة: "أتوجه مباشرة للحراك المبارك وأمدّ له يدي لحوار جاد من أجل جمهورية جديدة".

وأضاف: "أنا مستعد للحوار مع الحراك مباشرة، ومع من يختاره الحراك، حتى نرفع اللبس بأنّ نيتنا حسنة، لا توجد استمرارية لولاية خامسة"، ردّاً على من وصف ترشحه بأنّه استمرار لحكم الرئيس المستقيل، بوتفليقة، وفق "فرانس برس".

ووعد تبون بتعديل الدستور في الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية "حتى يشعر الشعب بالصدق"؛ حيث سيعرضه للاستفتاء، بدل تمريره عبر تصويت البرلمان، كما فعل بوتفليقة في كلّ التعديلات التي أجراها.

عبدالمجيد تبون يدعو الحراك الشعبي إلى حوار ويتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء

كما التزم بإعادة النظر في قانون الانتخابات "لفصل السياسة نهائيا عن المال"، و"استرجاع نزاهة الدولة ومصداقيتها لدى الشعب".

وأصبح تبون (74 عاماً) رئيساً جديداً للجزائر، خلفاً لعبد العزيز بوتفليقة، الذي استقال تحت ضغط الشارع، إثر فوزه في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، الخميس الماضي.

وبحسب النتائج التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حصل المرشح عبد المجيد تبون، على نسبة 58.15٪؜ من الأصوات.

وتظاهر جزائريون بوسط العاصمة، أمس، تعبيراً عن رفضهم لتبون، الذي مدّ يده للحراك الرافض لنتائج الانتخابات التي اتسمت بنسبة مقاطعة قياسية.

وكان الحراك نفسه رفض مبادرة أولى لبوتفليقة، قبل استقالته، بتنظيم حوار شامل لإعادة النظر في الدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة.

وقد أمضى تبون حياته موظفاً في الدولة، وكان دائماً مخلصاً لبوتفليقة، الذي عينه رئيساً للوزراء لفترة وجيزة، قبل أن يصبح منبوذاً من النظام.

ويعدّ أول رئيس من خارج صفوف جيش التحرير الوطني الذي قاد حرب الاستقلال ضدّ المستعمر الفرنسي ١٩٥٤-١٩٦٢).

واتسم الاقتراع الرئاسي بمقاطعة قياسية من الحراك الشعبي الذي دفع بوتفليقة للاستقالة في نيسان (أبريل)، بعد 20 عاماً في الحكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 39.83٪؜، أي ما يقارب عشرة ملايين ناخب من أصل أكثر من 24 مليوناً مسجلين في القوائم الانتخابية.

تظاهر جزائريون بوسط العاصمة، خلال اليومين الماضيين، تعبيراً عن رفضهم لتبون ولنتائج الانتخابات

وهي أدنى نسبة مشاركة في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الجزائر كلّه، وهي أقل بعشر نقاط من تلك التي سجلت في الاقتراع السابق، وشهدت فوز بوتفليقة لولاية رابعة في 2014.

واعترف المرشحون الخاسرون بالنتيجة، معلنين عدم طعنهم فيها أمام المجلس الدستوري، الذي يفترض أن يؤكد النتائج النهائية لسلطة الانتخابات، بين 16 و25 كانون الأول (ديسمبر).

وحلّ في المركز الثاني؛ المرشّح الإسلامي عبد القادر بن قرينة، بنسبة 17.38 بالمئة من الأصوات، الذي أكّد منذ بداية الحملة الانتخابية أنّه "الرئيس القادم للبلاد".

ودعت الأحزاب الإسلامية الكبيرة، مثل "حركة مجتمع السلم" المقربة من الإخوان المسلمين، و"جبهة العدالة والتنمية" القريبة من السلفيين، إلى عدم المشاركة في الانتخابات.

وحلّ رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، ثالثاً، ولم يحصل سوى على 10.55 بالمئة من الأصوات، أي أقل من آخر انتخابات خاضها ضدّ بوتفليقة في 2014، حيث حصل على اكثر من 12 بالمئة من الأصوات وندّد، حينها بـ "تزوير شامل للنتائج".

وحصل المرشح الرابع، عز الدين ميهوبي، الذي وصفته وسائل الإعلام بمرشح السلطة، على 7.26 بالمئة من الأصوات، بينما جاء النائب السابق، عبد العزيز بلعيد، أخيراً بـ ٦.٦٦ بالمئة من الأصوات.

وفرض قائد الجيش الذي كان حاكم البلاد الفعلي خلال الأشهر الماضية إجراء انتخابات؛ بهدف الخروج من الأزمة السياسية والمؤسساتية، على حدّ قوله، ورفض الحديث عن مسار "انتقالي"، وهو ما تقترحه المعارضة والمجتمع المدني لإصلاح النظام وتغيير الدستور.

وفي ردّ الفعل الأول من الخارج؛ دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، السلطات الجزائرية لبدء "حوار" مع الشعب.

وقال من بروكسل: "أخذت علماً بالإعلان الرسمي عن فوز السيد تبون في الانتخابات الرئاسية الجزائرية من الجولة الأولى".

ومن القاهرة؛ قدّم الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن "التهنئة الخالصة إلى الرئيس المنتخب متمنياً له التوفيق والسداد في مهامه".

 

 

 

 

للمشاركة:

ترحيل إخواني جديد من الكويت إلى مصر.. تفاصيل القبض عليه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

ألقت السلطات الأمنية في الكويت القبض على طبيب أسنان مصري مرتبط بخلية الإخوان، التي سلمتها الكويت لمصر في تموز(يوليو) الماضي، وذلك عقب عودته من تركيا إلى الكويت.

وأفادت صحيفة "الرأي" الكويتية؛ بأنّ الإخواني طبيب الأسنان على علاقة بأعضاء الخلية الذين ضبطتهم الكويت وحققت معهم ثم رحلتهم إلى مصر بموجب اتفاق أمني بين البلدين.

وأضافت الصحيفة: "الطبيب كان قد غادر الكويت مع آخرين إلى تركيا ودول أخرى لدى انكشاف أمر الخلية، ومكث هناك نحو 4 أشهر، إلى أن تمّت طمأنته من قبل بعض المواطنين المتعاطفين مع التنظيم بأنّ ملفه لم يعد تحت الرقابة كما كان من قبل، وأنّ بإمكانه العودة وترتيب بعض الأمور المتعلقة به ثم السفر لاحقاً إلى أيّة جهة أخرى، إن شعر بأنّه مستهدف".

الإخواني غادر الكويت مع آخرين إلى تركيا بعد انكشاف أمر الخلية وعاد بعد طمأنته بأنّ ملفه لم يعد تحت الرقابة

وذكرت الصحيفة؛ أنّ الطبيب اعترف في التحقيقات التي أجرتها السلطات الأمنية الكويتية بعلاقته بأعضاء خلية "الإخوان" الذين ضبطتهم الكويت، وأنّه شارك في تأمين الدعم المالي لعناصر التنظيم في مصر، سواء عبر التحويلات أو عبر تزويد مسافرين بالمال.

 كما رجّحت مصادر على صلة بالتحقيقات أن يكون الرجل على صلة قرابة من الدرجة الأولى بأحد المتهمين في أعمال عنف بينها حرق كنائس في مصر.

بدورها، أفادت صحيفة "الرأي" بأنّه تم ترحيل إسلام إلى القاهرة، أمس، رغم تدخل عدد من النواب الحاليين والسابقين المنتمين إلى "الإخوان" بغية إبقائه موقوفاً في الكويت، أو ترحيله إلى تركيا، أو أيّة دولة أخرى غير مصر، إلا أنّ الردّ كان واضحاً بأنّ الكويت تلتزم بالاتفاق الأمني المبرم مع مصر، وأنّ موضوع الأمن والاستقرار "خط أحمر" لا وجود معه لوساطات أو تسويات.

وكانت السلطات الأمنية الكويتية قد اعتقلت، في إطار ملاحقاتها المستمرة ومتابعاتها، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ثلاثة عناصر من تنظيم "الإخوان المسلمين" على علاقة بالخلية قبل محاولتهم السفر إلى تركيا، هم: خالد محمود المهدي، وإسلام عيد الشويخ، ومحمد عبد المنعم.

 

للمشاركة:



أكراد إيران بين كمين طهران وفخ واشنطن

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-15

ترجمة: مدني قصري


إنّ مصير الأكراد الإيرانيين البالغ عددهم ستة ملايين، على الرغم من تأثرهم بشدة بموجة القمع الأخيرة، لا يثير سوى القليل من الاهتمام، وقدر أقل من التضامن.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
ليست أرقام السكان الأكراد في بلدان إقامتهم الأربعة الرئيسية سوى تقديرات فقط. لكن عدد أكراد إيران قد لا يقل عن عدد أكراد العراق، وهو أقل مرتين إلى ثلاث مرات من عدد الأكراد في تركيا ... فيما يمثل الأكراد ثلاثة أضعاف عدد الأكراد في سوريا. على الرغم من هذا الوزن الديموغرافي النسبي، إلا أنّ الأكراد الإيرانيين غائبون فعلياً عن المعالجة الإعلامية "للمسألة الكردية" وعن التعبئة السياسية حول هذه القضية. هذه اللامبالاة الواسعة النطاق مقلقة للغاية سيما وأنّ ألواناً من التمييز تضرب هؤلاء السكان في إيران.

تاريخ طويل من المقاومة

في إيران، تحديداً في كانون الثاني (يناير) 1946، تم إعلان "جمهورية كردية" لأول مرة، وعاصمتها مهاباد. وقد قاد هذه الجمهورية الفتيّة التي تلقت الدعمَ الكامل من الاتحاد السوفييتي، الحزبُ الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDKI). وقد رحب بها الآلاف من أفراد عشيرة البرزاني المطاردين المضطهدين بسبب القمع الذي كانوا يتعرضون له في العراق. ومع ذلك، فإنّ إعادة تأسيس سلطة الشاه ما فتئت أن أنهت هذه "الجمهورية"، التي احتلتها طهران وأقصت حُكامها. بعد عشرين عاماً، انقلب الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) في العراق، المرتبط عضوياً بعائلة البرزاني، على حلفائه في الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI، من أجل ضمان دعم الشاه لتمرّده على بغداد. بعد إضعافه نتيجة لهذه الخيانة، أعاد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، هيكلة نفسه عام 1973 حول شخصية عبد الرحمن غاسملو. وقد ساهم البشمركة (المقاتلون الأكراد) من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية بنشاط فعال في حرب العصابات ضد نظام الشاه، الذي أطاح به آية الله الخميني في عام 1979. لقد قبلوا بأن يكونوا راضين عن حُكم ذاتي بسيط داخل إطار الجمهورية الإسلامية، لكن هذا لم يُثنِ الخميني عن قمع انفصالهم، باسم "الوحدة الوطنية" التي أضحت مهددة في عام 1980 بغزو إيران من قبل عراق صدام حسين.

نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين

بعد أن أُجبِر غاسملو على المنفى إلى فيينا قام مغاوير أرسِلوا من إيران باغتياله عام 1989. وفي عام 1992، قام قتلةُ مأجورون من الجمهورية الإسلامية بتصفية الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا. لذا ظل التشكيل التاريخي للأكراد الإيرانيين، بعد هاتين التصفيتين، يعاني من أجل الحفاظ على وجود سري في إيران، ويعاني من نزاعاته الداخلية. كما تلقى معارضة من قبل حزب الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، الفرع الإيراني الذي أسسه حزب العمال الكردستاني (PKK) في عام 2004، والذي كان قد أسِّس قبل ربع قرن في تركيا. وقد لعبت السلطات الإيرانية لعبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، بمهارة ضد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، سيما منذ عام 2012، عندما أصبحت طهران تراهن على حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري لإضعاف المعارضة الثورية لنظام الأسد. بالمقابل، وافق حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له على التضحية بأكراد إيران للاستثمار بكثافة في المسرح السوري؛ حيث ساد وقفٌ لإطلاق النار من 2013 إلى 2015 في تركيا.

تمييز الدولة المتعدّد

الأكراد في إيران مستهدفون من قبل الجمهورية الإسلامية بواقع سلسلة مزدوجة من التمييز، بصفتهم أكراداً في نظام قائم على مركزية مهووسة متغطرسة، من ناحية، وبصفتهم من الطائفة السنّية في نظام منحاز للأغلبية الشيعية بشكل منهجي، من ناحية أخرى. اللغة الكردية، المحظورة في المدارس العامة، لا يُسمح بتدريسها إلا في مؤسسات خاصة، والتي تخضع هي نفسها لترخيصٍ مسبق من الدولة. يتم قمع النضال الكردي بشكل منهجي، سواء في المناطق الحدودية للعراق، أو في خراسان، في الشمال الشرقي من البلاد. إنّ ما يقرب من نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في البلاد، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين. الأكراد، وهم من الأقليات العرقية والدينية، يعانون من عقبات خطيرة أمام وصولهم إلى العمل والسكن والممتلكات والقيادة السياسية والإدارية. المحافظتان الكرديتان، تقعان من حيث التنمية، في الرتب الأخيرة للمحافظات الإيرانية الثلاثين، مع بلوشستان.

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح

هذا الوضع المؤسف في إيران نفسها، ترافقه في كردستان العراق، تدخلاتٌ دموية من قبل النظام الإيراني ضد كوادر وقواعد الأحزاب الكردية الإيرانية. وتقدر المصادر الكردية أيضاً بـ 35 قتيلًا، على الأقل، عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود. وتشير صحيفة "لوموند" الفرنسية في هذا الصدد إلى شهادة كردية عن تدخل الحرس الثوري وتورطه، إلى جانب الشرطة العاملة في بقية البلاد. هذا البعد المأساوي للمسألة الكردية يثير اليوم القليل من الاهتمام والتضامن. صحيح أنّ الزعماء الحاليين للأكراد في إيران ليس لديهم الشبكات الدبلوماسية التي عرضتها الاشتراكية الدولية في ذلك الوقت على غاسملو وخلفه. لكن هذا الصمت الصارخ هو في الأساس نتيجة لقرار من حزب العمال الكردستاني، وهو قوي للغاية في الشتات الكردي، الذي أخضع كل دعايته لضرورة دعم "روج آفا" السورية، باستثناء المكونات الأخرى للشعب الكردي.

في حين يقع مصير الأكراد في العراق أو تركيا أو سوريا غالباً في قلب الأحداث، فإنّ مصير مواطنيهم في إيران نادراً ما يتم ذكره. ومع ذلك، فبينما تتفاقم التوترات بين واشنطن وطهران، فإنّ وضعهم الجغرافي السياسي يجعلهم رهاناً رئيسياً.
في صباح يوم 8 أيلول (سبتمبر) 2018، أصابت سبعة صواريخ إيرانية من طراز Fateh-110 مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) في كيسندجك، بالقرب من أربيل، مما أسفر عن مقتل 18 من أعضائه وإصابة 50 آخرين. تباهى الحرس الثوري بقيامه بهذه الضرية، بدعوى أنّه "عاقب [...] الإرهابيين الذين ينفذون باستمرار هجمات ضد حدود جمهورية إيران الإسلامية"، ووعد بـ "إنهاء أنشطة المخالفين قريباً". ومع ذلك، بعد تسعة أشهر، جلس دبلوماسي مخضرم من إيران، سيد محمد كاظم سجادبور، على طاولة واحدة مع وفد من عدة حركات مسلحة إيرانية كردية للتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

من هي هذه الجماعات المسلحة الإيرانية؟ لماذا حملت السلاح؟ هل تستفيد هذه الجماعات من النجاح السياسي العسكري للأكراد في سوريا والعراق؟ ما هي العلاقات التي تربطها بإيران والولايات المتحدة، بالنظر إلى التوتر المتزايد بين القوتين المتنافستين في الأشهر الأخيرة؟
في قلب سياسات تمييز طهرانية
على غرار الأكراد في تركيا والعراق وسوريا يخضع أكراد إيران لسياسات تمييزية تنفذها طهران، على الرغم من التسامح النسبي الذي يمنحه النظام لهم، وخاصة في المسائل الثقافية – بعض وسائل الإعلام تبث باللغة الكردية، كما تحظى تقاليد الملابس والموسيقى الكردية ببعض التسامح.
على الرغم من التعتيم الإعلامي السائد في الجمهورية الإسلامية، فإنّ هذه التمييزات يتم توثيقها بانتظام من قبل المنظمات غير الحكومية، أو الأمم المتحدة. في تقرير نُشر في 16 آب (أغسطس) 2019، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران، جافيد رِحمن، إنّ الأكراد يمثلون ما يقرب من نصف المحتجزين في السجون بِتُهَم انتهاكهم للأمن القومي، وفي معظم الأحيان، تصدر في حقهم أحكام بعقوبات أشد من غيرهم.

بالإضافة إلى ذلك، يتم إهمال المحافظات ذات الغالبية الكردية عن عمد من قبل السلطة، وهي في المرتبة الثانية والثالثة في المناطق الأقل نمواً في إيران.
بالإضافة إلى هذا التهميش الاقتصادي، فإنّ التمييز ضد الاثني عشر مليون كردي إيراني هو أيضاً تمييز اجتماعي ثقافي. اللغة الكردية غير معترف بها رسمياً من قبل طهران التي حظرت تعليمها في المدارس. كما يتم رفض بعض الأسماء الكردية الأولى (الشخصية) من قبل إدارة الحالة المدنية، في حين أنّ ممارسة مصادرة الملكية القسرية التي تنفذها الدولة الإيرانية لصالح المواطنين الشيعة - الأكراد في الغالب من السنة – غالباً ما تُرفَض وتدان من قبل منظمات غير حكومية، مثل منظمة العفو الدولية (تقريرها السنوي 2017/2018).

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح وفقاً لتقاليد تمرّد ممتد عبر مئات السنين، ولعل أشهرها في تاريخ إيران المعاصر هو تمرد جمهورية مهاباد، عندما أنشأ المتمردون في عام 1946 دولة كردية مستقلة قبل أن يدمرها الجيش الإيراني. وتشكل خمس مجموعات مسلحة كردية إيرانية، وهي وريثة هذه الحركات مع تطورها على مدى الديناميات الجيوسياسية الإقليمية، رأس الحربة للمعارضة المسلحة للسلطة في طهران.
المجموعات المسلحة النشطة
تقيم خمس حركات داخل إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي (ARK) في العراق، ومن هذا الإقليم تُعِدّ عملياتها، وتخطط لهجماتها على الحدود، أو في المحافظات الحدودية (خاصة تلك الموجودة في أذربيجان الغربية وكردستان وكردستان وكرمنشاه). فهذه الحركات هي أخشى ما تخشاه طهران بشكل متزايد بسبب الاختيار المثالي للوكيل (الوسيط) الذي تمثله للولايات المتحدة في حالة التصعيد العسكري مع إيران.

اقرأ أيضاً: هل يفسد الأكراد التحالف التركي القطري الدافئ؟
الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI هو أكبر هذه المجموعات، أو على الأقل المجموعة التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام من قبل طهران. يديره مصطفى الهجري منذ عام 2010 ، بعد مرور عشر سنوات من توقف النشاط العسكري، استأنف القتال ضد إيران في نيسان (أبريل) 2016. لدى الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI عدة آلاف من البيشمركة (المقاتلون الأكراد العراقيون والإيرانيون). هؤلاء المقاتلون المجهزون والمدربون جيداً يقومون بشكل أساسي بمهاجمة ومضايقة القوات الإيرانية، مع تناوب المناوشات والكمائن. هناك مجموعات خاصة، مجتمعة تحت لواء "نسور زاغروس" تسمح لها بإجراء عمليات كوماندوز في عمق الجهاز الإيراني. هذا الهيكل المتنقل والفعال يجعل من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI الشخصية الرائدة في العمليات العسكرية التي يقوم بها الأكراد الإيرانيون ضد نظام الملالي.
في مواجهة استئناف الأعمال العدائية هذه، لم يتأخر رد طهران طويلاً: في وقت مبكر من كانون الأول (ديسمبر) 2016، استهدف هجوم مزدوج بالمتفجرات مقرَّ الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في كيساندجاك، في كردستان العراق، مما أسفر عن مقتل العديد من البيشمركة والموظفين المحليين. وفي 8 كانون الأول (سبتمبر) 2018 ، كان هذا المقر نفسه هدفاً لضربة صاروخية. وحتى وقت قريب، قصفت المدفعية الإيرانية مراراً مواقع المتمردين في الجبال العراقية.
روابط مع حزب العمال الكردستاني
يشكل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، النسخة الرمزية لحزب العمال الكردستاني (PKK)،  ثاني أكبر قوة سياسية عسكرية. الحزب من أجل حياة حرة الذي تأسس في عام 2004، يمثل المنافس المباشر ولكنه ليس عدواً للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI ، ولا يتمتع بالكثير من النجاحات العسكرية والدبلوماسية التي يتمتع بها زملاؤه في قوات الدفاع الشعبية ( HPG )، الذراع المسلح لحزب العمال الكردستاني PKK) في العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) في سوريا. مع وجود جناح مسلح قوي يضم حوالي 3000 رجل ، وهي وحدات كردستان الشرقية (YRK) ، يظل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) متحفظاً نسبياً ونادراً ما يقاتل القوات الإيرانية.

يتناقض هذا التحفظ مع الهجمات شبه اليومية التي شنها الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)  في عام 2010. وربما يفسر ذلك العملية الواسعة التي شنها الجيش الإيراني في عام 2011 ضد مواقعه في جبال زاغروس. تعمل القوات الإيرانية منذ شهرين على دفع YRK (وحدات كردستان الشرقية) إلى الخلف على الجانب العراقي من الحدود ، مما تسبب في خسائر غير معروفة، لكنها خسائر فادحة للغاية، ما جعل الجانبين يوقعان في صيف 2011 ، اتفاقاً على وقف إطلاق النار.
حتى الآن، لا يزال هذا الاتفاق ساري المفعول، وقد أضحت المناوشات بين وحدات كردستان الشرقية YRK وقوات الأمن الإيرانية نادرة، ويبدو أنّها ناتجة عن أفراد معزولين بدلاً من رغبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK في استئناف الكفاح المسلح. تزعم الحركات الكردية العراقية والإيرانية المعادية - دون أي دليل - أن طهران سوف تدعمه مستقبلاً حتى "تغلق" الحدود ضد خصومها الأكراد المتمركزين في كردستان العراق.
التنازل عن دولة مستقلة؟
ثلاث حركات أخرى تُكمل قائمة الجماعات المسلحة: كومالا، وحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) والحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، المنبثق من انقسام في عام 2006 للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I). لكن دورها السياسي العسكري لا يزال محدوداً للغاية.

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟

إذا كانت أيديولوجيا الجماعات الكردية مختلفة، من القومية إلى اليوتوبيا الثورية، فإنّه يبدو أن جميعها متوافقة حول استحالة تأمين دولة كردية مستقلة منفصلة عن إيران. هدفها بالتالي هو تحقيق وضع مشابه لوضع كردستان العراق: منطقة تتمتع فيها هذه الجماعات الكردية بالحكم الذاتي داخل دولة فيدرالية، والاعتراف بهويتها، واحترام حقوقها الاجتماعية والسياسية. وقد تتجلى هذه الإرادة المشتركة في إنشاء مركز تعاون للأحزاب السياسية في كردستان الإيرانية في عام 2018 بمبادرة من الحزب الديمقراطي الكردستاني. الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، الذي يُعتبر حزبًا "للأجانب" بسبب قربه من حزب العمال الكردستاني التركي، لم تتم دعوته للانضمام إلى برنامج التعاون هذا.
فبسبب نشاطهم العسكري والدور الذي يمكن أن يلعبوه في حالة نزاع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تم التعامل مع هذه الحركات في مناسبات مختلفة من قبل كلا الطرفين.

جهات فاعلة تتودد وتشترط

اللقاءات بين الأميركيين والأكراد الإيرانيين التي ظلت سرية في البداية ما فتئت أن تسربت أنباؤها من خلال الصحافة المتخصصة. فهكذا، من 11 إلى 17 يونيو 2018، ذهب الأمين العام للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، مصطفى هجري، إلى واشنطن، بدعوة من الأمريكيين. وخلال إقامته، استقبله العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي ووزارة الدفاع، بما في ذلك المسؤول عن القضايا الإيرانية.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
اهتمام الأمريكيين بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I) واضح وبديهي: في آب (أغسطس) 2017، قبل تعيينه مستشاراً للأمن القومي، نشر جون بولتون افتتاحية دعا فيها الإدارة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق مع الأقليات العرقية في إيران، وفي مقدمتها الأكراد، وعرب خوزستان والبلوشيس، من أجل إنشاء شبكة من الحلفاء الإقليميين ضد إيران. في نفس العام، أشار تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، المؤثر، إلى أنّ الولايات المتحدة تدعم الأكراد الإيرانيين من أجل زعزعة استقرار النظام الإيراني من الداخل. في الواقع، ليس هناك شك في أنّ الأكراد الإيرانيين يشكلون "الكتائب" الأرضية في الحرب ضد إيران؛ لأن الأكراد السوريين كانوا هُم الكتائب الميدانية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ويعني ذلك، فوق كل شيء، حرمان إيران من السيطرة على حدودها الغربية التي تتواصل من خلالها مباشرة مع حزب الله اللبناني، والنظام السوري، وميليشيات الحشد الشعبي، وما إلى ذلك، والتي تتم من خلالها بشكل أساسي حركة انتقال الأسلحة.

إدراكاً منها للدور المزعزع للاستقرار الذي قد يضطلع به الأكراد الإيرانيون في حال حدوث المواجهة مع الولايات المتحدة، استحوذت إيران أيضاً على هذا الموضوع، وفتحت في النرويج في أيار (مايو) 2019 جولة من المفاوضات مع ممثلين من مركز تعاون الأحزاب السياسية لكردستان الإيرانية. وكدليل على التهديد المحتمل الذي تمثله هذه الجماعات في نظر طهران، فهو الاجتماع الأول من نوعه منذ عام 1979. فبقيادة الإيراني سيد محمد كاظم سجادبور، مستشار وزير الخارجية الإيراني، حاول الإيرانيون في هذا الاجتماع إقناع الأكراد بوقف الأعمال القتالية، وعدم الانخراط مع الأمريكيين في حالة حدوث صراع. بالمقابل، طالب الأكراد باحترام حقوقهم ودراسة تشكيل منطقة يتمتعون فيها بالحكم الذاتي على غرار منطقة العراق. بالطبع، كان الإيرانيون سيردون بالإيجاب.

35 قتيلًا، على الأقل، هو عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود

من هذه المقاربات الأمريكية والإيرانية، خرج الأكراد مرتابين متشككين. وقد أوضح العديد من مسؤوليهم، شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أنّهم طالبوا من الولايات المتحدة مقابل دعمهم لها، حمايتهم. ومع ذلك، فلم ترفض هذه الأخيرة طلبهم وحسب، بل والأكثر من ذلك، فإنّ الإعلان المفاجئ بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا في كانون الأول  (ديسمبر) 2018 لم يطمئن الأكراد فيما يتعلق بولاء الأمريكيين إزاء حلفائهم. علاوة على ذلك، فيما يتعلق بالمفاوضات مع الإيرانيين، أبدى الأكراد الكثير من الحذر والارتياب بسبب اغتيال الأمين العام بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا عام 1989 على أيدي أجهزة الاستخبارات الإيرانية بعد أن دعوه إلى مفاوضات السلام. إن عناد الإيرانيين بعدم منحهم المزيد من الحقوق ما انفك يزيدهم قناعة بعدم رغبة طهران في التوصل إلى حل وسط.
من تاريخهم، يتذكر الأكراد بأنّهم لا يستطيعون الاعتماد بشكل كامل على مُحاور أو شريك: المقولة القائلة بأنّ "الأكراد ليس لديهم أصدقاء بخلاف الجبال" مقولة بليغة تماماً في هذا الصدد. إذا بقيت نهاية المفاوضات مع الأمريكيين والإيرانيين سرية، تظل الحقيقة هي أنّ المصادمات بين المقاتلين الأكراد والقوات الإيرانية على الحدود قد انخفضت بشكل كبير في صيف عام 2019. دون أن نستنتج أنّ "اتفاق السلام" بين طهران والجماعات المسلحة الكردية قد حدث بالفعل، وهذا التراجع في المصادمات ربما يكون مرادفاً لإرادة الأكراد في الظهور كمراقبين بدلاً من جهات فاعلة، في الوقت الذي يتطور فيه الوضع: أياً كان هذا الوضع فإنّ التعاون الكردي، الذي تم التعبير عنه في اللحظة الأخيرة، سيكون موضع ترحيب بالتأكيد من جانب واشنطن وطهران.


إميل بوفيير: باحث في العلوم السياسية، متخصص في المواضيع التركية والكردية
مصدر الترجمة عن الفرنسية:
orientxxi.info/magazine و lemonde.fr

للمشاركة:

الكشف عن أسرار اتفاقية أردوغان- السراج يُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

فيما أثارت الاتفاقات الأخيرة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية انتقادات إقليمية وأوروبية واسعة، وبعد غموض كبير أحاط مضمون ما تمّ التوقيع عليه طوال الأسابيع الماضية، تمّ الكشف اليوم عن كافة البنود والتفاصيل التي حرص الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان على إبقائها سرّية وبعيدة عن مُتناول الإعلام، والتي اتضح أنها تنتهك القانون الدولي على نحوٍ كبير ولا تُراعي حقوق الدول المُجاورة من جهة، فيما تُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل من قبل تركيا من جهة أخرى، خاصة وأنها ممتدة بحيث تشمل الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية كذلك، في ظل ضعف موقف وإمكانات الطرف الليبي الذي وقع الاتفاقية.
يأتي ذلك بينما دعا برلمان البلاد، وجامعة الدول العربية كذلك، إلى سحب الاعتراف الدولي من حكومة الوفاق التي يرى خبراء أن ليس لها قوة حقيقية لا للدفاع عن طرابلس ولا لتنفيذ بنود الاتفاق مع أردوغان، وهي بحاجة ماسة للدعم التركي الذي سيتحول لقوة احتلال لاحقاً.
واليوم الأحد، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في تصريحات للصحفيين في مقر البرلمان التركي، إنه لطالما كانت هناك اتفاقيات تعاون عسكري وأمني مع ليبيا في الماضي، مشابهة للاتفاقية الأخيرة.
ويؤكد مراقبون سياسيون أنّ اتفاقية أردوغان- السراج، تسعى لإشعال المتوسط عبر حرب إقليمية واسعة، حيث قال زعماء تكتل الاتحاد الأوروبي إن الاتفاق لا يتوافق مع القانون البحري. كما وتعتبر مصر واليونان وقبرص الاتفاق محاولة تركية صارخة للهيمنة في المياه المتنازع عليها.
وليبيا في صراع أيضاً مع اليونان بشأن تراخيص الاستكشاف البحرية الصادرة عن أثينا للمياه جنوب جزيرة كريت، الواقعة بين تركيا وليبيا.
وفي وقت تكثر فيه الخلافات بشأن تقسيم مناطق النفوذ في البحر المتوسط، الذي يُعتقد أنه غني بموارد الغاز الطبيعي، أفادت هيئة البث الإسرائيلي اليوم الأحد بأن أنقرة أعربت عن استعدادها للتفاوض مع إسرائيل بشأن نقل إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
وقال مصدر تركي إن بلاده تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لبحث هذه المسالة.
ولفتت الهيئة إلى أن هذا الموقف التركي يأتي بعكس تصريحات سابقة مفادها أن أنقرة لن تسمح بمد أنابيب غاز إسرائيلية إلى أوروبا عبر المياه التي تقول أنقرة إنها تتبع لها.
وقدّم رئيس البرلمان التركي مصطفى سينتوب اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع ليبيا إلى البرلمان للموافقة عليه بعد تفعيل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في الأسبوع الماضي، حسبما ذكرت صحيفة "حرييت".
ويشمل الاتفاق، الذي تم توقيعه في نهاية نوفمبر، الأمن والتدريب العسكري وصناعة الدفاع ومكافحة الإرهاب والاستخبارات والتخطيط العسكري وإنشاء مكتب للتعاون الأمني والدفاعي في حال طلب ذلك، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرج.
من جهة أخرى، نشرت الجريدة الرسمية التركية اليوم الأحد مرسوما يفيد بمنح تركيا إعفاء من الحصول على تأشيرة الدخول للسائحين الليبيين دون 16 عاما وأكثر من 55 عاما.
ووفقا لما نقلته وكالة "بلومبرج" للأنباء فإن الحد الأقصى للإعفاء هو 90 يوما كل 180 يوما.
وفي ظلّ أنباء متواترة عن انهيارات لقوات حكومة الوفاق الليبية وتوقعات بدخول قريب للجيش الوطني الليبي للعاصمة طرابلس، الأمر الذي يعني بالتالي انهياراً سريعاً لاتفاقية السراج-أردوغان، التقى كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، في قطر، حيث بحثا معه سُبل الدعم العسكري السريع، على الرغم من نفي أنقرة ذلك.
كان الرئيس التركي قال الأسبوع الماضي إن بلاده قد ترسل قوات إلى ليبيا إذا طلبت الحكومة التي يتزعمها فائز السراج وتتخذ من طرابلس مقرا لها، وذلك في أعقاب الاتفاق الأمني والعسكري بين الطرفين.

وانتشرت اليوم عبر العديد من المواقع الإخبارية نسخة عن مذكرة التفاهم التي وقعها فايز السراج مع أردوغان، والتي أكدت في كثير من بنودها على أهمية السرّية الكاملة في التعاون بين الجانبين، وهي تشمل في المجالين الأمني والعسكري:
- إنشاء قوة الاستجابة السريعة ضمن مسؤوليات الأمن والجيش في ليبيا لنقل الخبرات والتدريب والاستشارات والدعم المادي والمعدات من قبل تركيا.
- إنشاء مكتب مشترك للتعاون الأمني والدفاعي في تركيا وليبيا مع عدد كافٍ من الخبراء والموظفين عند الطلب.
- توفير التدريب، والمعلومات الفنية، والدعم، والتطوير، والصيانة، والإصلاح، والتعافي، والتخلص، ودعم الموانئ والمشورة، وتخصيص المركبات البرية والبحرية والجوية والمعدات والأسلحة والمباني والعقارات (قواعد التدريب).
- تقديم خدمات التدريب والاستشارات فيما يتعلق بالتخطيط العسكري المشترك وأنشطة نقل الخبرات والتدريب والتعليم وأنظمة الأسلحة واستخدام المعدات التي تغطي مجالات نشاط القوات البرية / البحرية / الجوية ضمن هيئة قواتها المسلحة داخل حدود الطرفين، بناءً على دعوة من الطرف المتلقي.
- التدريب والتعليم الأمني والعسكري.
- المشاركة في التمارين / التدريبات أو التدريبات المشتركة.
- الصناعة الخاصة بالأمن والدفاع.
- التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات في تنفيذ العمليات المشتركة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الأراضي والحدود البحرية والجوية ومكافحة الإرهاب والتهريب والتخلص من الذخائر المتفجرة والعبوات الناسفة وعمليات الإغاثة الطبيعية في حالات الكوارث.
- التعاون في المجالات المختلفة وتبادل الزيارات بين الأطراف.
- الهيكل التنظيمي لقوات الدفاع والأمن، وهيكل المعدات ووحدات الدفاع والأمن وإدارة شؤون الموظفين.
- تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العملياتي.
- التعاون اللوجستي والمنح والأنظمة اللوجستية .
- الخدمات الطبية والصحية العسكرية .
- الاتصالات والإلكترونيات وأنظمة المعلومات والدفاع الإلكتروني.
- عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية ومكافحة القرصنة.
- تبادل المعرفة حول قانون أنظمة البحار والأنظمة القانونية العسكرية.
- رسم الخرائط والهيدروغرافيا (علم المسح ورسم المسطحات المائية).
- تبادل الموظفين للتطوير المهني.
- تبادل الموظفين الضيوف والمستشارين والوحدات.
- تبادل المعلومات والخبرات في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي في مجال الدفاع والأمن.
- الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية.
- التاريخ العسكري والمحفوظات والنشر والمتاحف.
- تبادل ومشاركة المعلومات حول الوعي بالمجال البحري.

وتسارعت التطورات الميدانية في محيط العاصمة الليبية، منذ إعلان قائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر عن بدء معركة الحسم لتحرير طرابلس من سطوة الميليشيات وعبث التنظيمات الإرهابية، وسط تقديرات غربية وأميركية بأن دخول الجيش الليبي إلى وسط العاصمة والسيطرة عليها بات وشيكا.
وكان المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة صرّح مؤخراً بأن المشير خليفة حفتر قائد "الجيش الوطني الليبي" يقترب من إحكام القبضة على طرابلس وربما تحقيق انتصار كبير، وذلك بفضل الدعم الروسي له.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

"المراجعات"... فكرة غائبة يراهن عليها شباب "الإخوان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

وليد عبد الرحمن

بين الحين والآخر، تتجدد فكرة «مراجعات الإخوان»، الجماعة التي تصنفها السلطات المصرية «إرهابية»، فتثير ضجيجاً على الساحة السياسية في مصر؛ لكن دون أي أثر يُذكر على الأرض. وقال خبراء في الحركات الأصولية، عن إثارة فكرة «المراجعة»، خصوصاً من شباب الجماعة خلال الفترة الماضية، إنها «تعكس حالة الحيرة لدى شباب (الإخوان) وشعورهم بالإحباط، وهي (فكرة غائبة) عن قيادات الجماعة، ومُجرد محاولات فردية لم تسفر عن نتائج». ففكرة «مراجعات إخوان مصر» تُثار حولها تساؤلات عديدة، تتعلق بتوقيتات خروجها للمشهد السياسي، وملامحها حال البدء فيها... وهل الجماعة تفكر بجدية في هذا الأمر؟ وما هو رد الشارع المصري حال طرحها؟ خبراء الحركات الأصولية أكدوا أن «الجماعة ليست لديها نية للمراجعات».

وقال الخبراء لـ«الشرق الأوسط»: «لم تعرف (الإخوان) عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى الأهداف»، لافتين إلى أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (محنة) للبقاء، وجميع قيادات الخارج مُستفيدين من الوضع الحالي للجماعة». في المقابل لا يزال شباب «الإخوان» يتوعدون بـ«مواصلة إطلاق الرسائل والمبادرات في محاولة لإنهاء مُعاناتهم». مبادرات شبابية مبادرات أو رسائل شباب «الإخوان»، مجرد محاولات فردية لـ«المراجعة أو المصالحة»، عبارة عن تسريبات، تتنوع بين مطالب الإفراج عنهم من السجون، ونقد تصرفات قيادات الخارج... المبادرات تعددت خلال الأشهر الماضية، وكان من بينها، مبادرة أو رسالة اعترف فيها الشباب «بشعورهم بالصدمة من تخلي قادة جماعتهم، وتركهم فريسة للمصاعب التي يواجهونها هم وأسرهم - على حد قولهم -، بسبب دفاعهم عن أفكار الجماعة، التي ثبت أنها بعيدة عن الواقع»... وقبلها رسالة أخرى من عناصر الجماعة، تردد أنها «خرجت من أحد السجون المصرية - بحسب من أطلقها -»، أُعلن فيها عن «رغبة هذه العناصر في مراجعة أفكارهم، التي اعتنقوها خلال انضمامهم للجماعة».

وأعربوا عن «استعدادهم التام للتخلي عنها، وعن العنف، وعن الولاء للجماعة وقياداتها». وعقب «تسريبات المراجعات»، كان رد الجماعة قاسياً ونهائياً على لسان بعض قيادات الخارج، من بينهم إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة، الذي قال إن «الجماعة لم تطلب من هؤلاء الشباب الانضمام لصفوفها، ولم تزج بهم في السجون، ومن أراد أن يتبرأ (أي عبر المراجعات) فليفعل». يشار إلى أنه كانت هناك محاولات لـ«المراجعات» عام 2017 بواسطة 5 من شباب الجماعة المنشقين، وما زال بعضهم داخل السجون، بسبب اتهامات تتعلق بـ«تورطهم في عمليات عنف». من جهته، أكد أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «(المراجعات) أو (فضيلة المراجعات) فكرة غائبة في تاريخ (الإخوان)، وربما لم تعرف الجماعة عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو على مستوى السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى أهداف الجماعة ومشروعها»، مضيفاً: «وحتى الآن ما خرج من (مراجعات) لم تتجاوز ربما محاكمة السلوك السياسي للجماعة، أو السلوك الإداري أو التنظيمي؛ لكن لم تطل (المراجعات) حتى الآن جملة الأفكار الرئيسية للجماعة، ومقولتها الرئيسية، وأهدافها، وأدبياتها الأساسية، وإن كانت هناك محاولات من بعض شباب الجماعة للحديث عن هذه المقولات الرئيسية». محاولات فردية وقال أحمد بان إن «الحديث عن (مراجعة) كما يبدو، لم تنخرط فيها القيادات الكبيرة، فالجماعة ليس بها مُفكرون، أو عناصر قادرة على أن تمارس هذا الشكل من أشكال (المراجعة)، كما أن الجماعة لم تتفاعل مع أي محاولات بحثية بهذا الصدد، وعلى كثرة ما أنفقته من أموال، لم تخصص أموالاً للبحث في جملة أفكارها أو مشروعها، أو الانخراط في حالة من حالات (المراجعة)... وبالتالي لا يمكننا الحديث عن تقييم لـ(مراجعة) على غرار ما جرى في تجربة (الجماعة الإسلامية)»، مضيفاً أن «(مراجعة) بها الحجم، وبهذا الشكل، مرهونة بأكثر من عامل؛ منها تبني الدولة المصرية لها، وتبني قيادات الجماعة لها أيضاً»، لافتاً إلى أنه «ما لم تتبنَ قيادات مُهمة في الجماعة هذه (المراجعات)، لن تنجح في تسويقها لدى القواعد في الجماعة، خصوصاً أن دور السلطة أو القيادة في جماعة (الإخوان) مهم جداً... وبالتالي الدولة المصرية لو كانت جادة في التعاطي مع فكرة (المراجعة) باعتبارها إحدى وسائل مناهضة مشروع الجماعة السياسي، أو مشروع جماعات الإسلام السياسي، عليها أن تشجع مثل هذه المحاولات، وأن تهيئ لها ربما عوامل النجاح، سواء عبر التبني، أو على مستوى تجهيز قيادات من الأزهر، للتعاطي مع هذه المحاولات وتعميقها».

وأكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «الجماعة لم تصل لأي شيء في موضوع (المراجعات)، ولا توجد أي نية من جانبها لعمل أي (مراجعات)»، مضيفاً: «هناك محاولات فردية لـ(المراجعات) من بعض شباب الجماعة الناقم على القيادات، تتسرب من وقت لآخر، آخرها تلك التي تردد أنها خرجت من داخل أحد السجون جنوب القاهرة - على حد قوله -، ومن أطلقها صادر بحقهم أحكام بالسجن من 10 إلى 15 سنة، ولهم مواقف مضادة من الجماعة، ويريدون إجراء (مراجعات)، ولهم تحفظات على أداء الجماعة، خصوصاً في السنوات التي أعقبت عزل محمد مرسي عن السلطة عام 2013... وتطرقوا في انتقاداتهم للجوانب الفكرية للجماعة، لكن هذه المحاولات لم تكن في ثقل (مراجعات الجماعة الإسلامية)... وعملياً، كانت عبارة عن قناعات فردية، وليس فيها أي توجه بمشروع جدي». وأكد زغلول، أن «هؤلاء الشباب فكروا في (المراجعات أو المصالحات)، وذلك لطول فترة سجنهم، وتخلي الجماعة عنهم، وانخداعهم في أفكار الجماعة»، مضيفاً: «بشكل عام ليست هناك نية من الجماعة لـ(المراجعات)، بسبب (من وجهة نظر القيادات) (عدم وجود بوادر من الدولة المصرية نحو ذلك، خصوصاً أن السلطات في مصر لا ترحب بفكرة المراجعات)، بالإضافة إلى أن الشعب المصري لن يوافق على أي (مراجعات)، خصوصاً بعد (مظاهرات سبتمبر/ أيلول الماضي) المحدودة؛ حيث شعرت قيادات الجماعة في الخارج، بثقل مواصلة المشوار، وعدم المصالحة». وفي يناير (كانون الثاني) عام 2015، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن «المصالحة مع من مارسوا العنف (في إشارة ضمنية لجماعة الإخوان)، قرار الشعب المصري، وليس قراره شخصياً». وأوضح زغلول في هذا الصدد، أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (أزمة أو محنة) لبقائها، وجميع القيادات مستفيدة من الوضع الحالي للجماعة، وتعيش في (رغد) بالخارج، وتتمتع بالدعم المالي على حساب أسر السجناء في مصر، وهو ما كشفت عنه تسريبات أخيرة، طالت قيادات هاربة بالخارج، متهمة بالتورط في فساد مالي». جس نبض وعن ظهور فكرة «المراجعات» على السطح من وقت لآخر من شباب الجماعة. أكد الخبير الأصولي أحمد بان، أن «إثارة فكرة (المراجعة) من آن لآخر، تعكس حالة الحيرة لدى الشباب، وشعورهم بالإحباط من هذا (المسار المغلق وفشل الجماعة)، وإحساسهم بالألم، نتيجة أعمارهم التي قدموها للجماعة، التي لم تصل بهم؛ إلا إلى مزيد من المعاناة»، موضحاً أن «(المراجعة أو المصالحة) فكرة طبيعية وإنسانية، وفكرة يقبلها العقل والنقل؛ لكن تخشاها قيادات (الإخوان)، لأنها سوف تفضح ضحالة عقولهم وقدراتهم ومستواهم، وستكشف الفكرة أمام قطاعات أوسع».

برلمانياً، قال النائب أحمد سعد، عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، إن «الحديث عن تصالح مع (الإخوان) يُطلق من حين لآخر؛ لكن دون أثر على الأرض، لأنه لا تصالح مع كل من خرج عن القانون، وتورط في أعمال إرهابية - على حد قوله -». وحال وجود «مراجعات» فما هي بنودها؟ أكد زغلول: «ستكون عبارة عن (مراجعات) سياسية، و(مراجعة) للأفكار، ففي (المراجعات) السياسية أول خطوة هي الاعتراف بالنظام المصري الحالي، والاعتراف بالخلط بين الدعوة والسياسة، والاعتراف بعمل أزمات خلال فترة حكم محمد مرسي... أما الجانب الفكري، فيكون بالاعتراف بأن الجماعة لديها أفكار عنف وتكفير، وأنه من خلال هذه الأفكار، تم اختراق التنظيم... وعلى الجماعة أن تعلن أنها سوف تبتعد عن هذه الأفكار». وعن فكرة قبول «المراجعات» من قبل المصريين، قال أحمد بان: «أعتقد أنه يجب أن نفصل بين من تورط في ارتكاب جريمة من الجماعة، ومن لم يتورط في جريمة، وكان ربما جزءاً فقط من الجماعة أو مؤمناً فكرياً بها، فيجب الفصل بين مستويات العضوية، ومستويات الانخراط في العنف». بينما أوضح زغلول: «قد يقبل الشعب المصري حال تهيئة الرأي العام لذلك، وأمامنا تجربة (الجماعة الإسلامية)، التي استمرت في عنفها ما يقرب من 20 عاماً، وتسببت في قتل الرئيس الأسبق أنور السادات، وتم عمل (مراجعات) لها، وبالمقارنة مع (الإخوان)، فعنفها لم يتعدَ 6 سنوات منذ عام 2013. لكن (المراجعات) مشروطة بتهيئة الرأي العام المصري لذلك، وحينها سيكون قبولها أيسر». يُشار إلى أنه في نهاية السبعينات، وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي، اُتهمت «الجماعة الإسلامية» بالتورط في عمليات إرهابية، واستهدفت بشكل أساسي قوات الشرطة والأقباط والأجانب. وقال مراقبون إن «(مجلس شورى الجماعة) أعلن منتصف يوليو (تموز) عام 1997 إطلاق ما سمى بمبادرة (وقف العنف أو مراجعات تصحيح المفاهيم)، التي أسفرت بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وقتها، على إعلان الجماعة (نبذ العنف)... في المقابل تم الإفراج عن معظم المسجونين من كوادر وأعضاء (الجماعة الإسلامية)».

وذكر زغلول، أنه «من خلال التسريبات خلال الفترة الماضية، ألمحت بعض قيادات بـ(الإخوان) أنه ليس هناك مانع من قبل النظام المصري - على حد قولهم، في عمل (مراجعات)، بشرط اعتراف (الإخوان) بالنظام المصري الحالي، وحل الجماعة نهائياً». لكن النائب سعد قال: «لا مجال لأي مصالحة مع (مرتكبي جرائم عنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها) - على حد قوله -، ولن يرضى الشعب بمصالحة مع الجماعة». 

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية