عندما يلقي التعليم الديني بظلاله على حياتنا العلمية

عندما يلقي التعليم الديني بظلاله على حياتنا العلمية

مشاهدة

20/06/2018

يقوم "التعليم" الحقيقي على الأخذ والرد، بين الأستاذ والتلميذ، الذي لا يقتصر على أن يسأل الثاني ويجيب الأول، بل يمتد إلى حوار ونقاش لا حد له، وبالتالي فهو يتجاوز "التعاليم" التي تقوم بالأساس على التلقين والتصديق، و"التعلم" الذي يتكئ على ما يقوم به الفرد من جهد في سبيل جمع المعلومات، وتحصيل المعارف، وكسب الخبرات، معتمداً على نفسه بلا معلم، يقف أمامه ويراه، ويسمع منه.

لكلّ من هذه المفردات أو المصطلحات مساره ومجاله وطريقته، ولا ضير في هذا، لكن المأساة التي تكمن في حياتنا؛ هي هذا الخلط الواضح الفاضح بين "التعليم" و"التعاليم"؛ فالمادة الدراسية تطرح أمام تلاميذنا وطلابنا في المدارس والجامعات، ليس على أنها مجرد موضوعات وتصورات وآراء وأفكار واقتراحات ومعلومات، بل على أنّها شيء مقطوع به، أو يقيني، وأنّ دور من يتلقاها أن يصدقها، أو على الأقل أن يتفاعل معها، وكأنّها "تعاليم" دينية، عليه أن يصدقها، ويعتقد فيها، ويؤمن بها إيماناً جازماً، إن كان يريد لنفسه أن يمضي في مساره التعليمي الشكلي أو الظاهري بنجاح.

حتى عهد قريب كان المجتمع العربي لا يرى في الطبيعيات والإنسانيات علماً كما في ثقافة الأمم المتقدمة

ربما يعود هذا إلى الظلال الكثيفة التي رماها التعليم الديني على التعليم المدني في بلادنا، فصار المدرّس ينهض بدور الشيخ الواعظ، وتحوّلت المدارس إلى أشبه بالكتاتيب التي كان "العريف" يقوم فيها بتحفيظ الأطفال بعض سور القرآن والأحاديث المنسوبة إلى الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وقواعد الإملاء والنحو، التي كانت تقتضي في مراحل متقدمة أن يحفظ الطفل ألفية ابن مالك عن ظهر قلب.

وحتى لقب "عالم" الذي كان يطلق في الزمن الذي ولّى على معلمي الفقه والتفسير مثلاً، صار له حضور في واقعنا المعيش، يمتد إلى ما هو أبعد من مدرسي المعارف الدينية، فحتى وقت قريب كان الناس في العالم العربي لا يرون في دارسي الطبيعيات، مثل؛ الكيمياء والفيزياء والأحياء والرياضيات ومعلميها، ودارسي الإنسانيات، من لغة واجتماع واقتصاد وغيرها، ومعلميها، علماء بالمعنى الذي تبلور واكتمل في ثقافة الأمم المتقدمة منذ وقت بعيد.

لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فرغم الاعتراف بأنّ الدارسين والفاهمين في العلوم الطبيعية والإنسانية "علماء"، ببعض ما تعنيه الكلمة، فإنهم ظلوا، في المخيلة الشعبية أو عند عموم الناس، أشخاصاً يؤدون واجبات معزولة، بينما منتجو الخطاب الديني، يشتبكون كل لحظة مع ما يطلبه الناس، بل ويلحون في طلبه، بلا كلل ولا ملل.

العقل البسيط يربط كلمة دين بالألوهية بطريقة أوسع وأعمق من ربط كلمة علم بها

فالناس يستخدمون نتاج العلم الطبيعي بطريقة غير مباشرة، ولا يشغلون أنفسهم بالربط بين الأدوية التي يتعاطونها لشفاء أسقامهم وبين علم الكيمياء، ولا يهتمون بمعرفة أثر علم الفيزياء على ما يستخدمونه من أجهزة كهربائية في بيوتهم، ولا يتوقفون كثيراً أمام العلاقة بين علم الأحياء وتطور الأغذية التي يلتهمونها، لكنهم يعرفون مباشرة أنّ الفتوى والوعظ يصدران عن رجل يسمى "عالم الدين"، أو "الشيخ"، أو "رجل الدين"، كما هو موجود رسمياً في التجربة المسيحية، وموجود بحكم الواقع، وليس نصاً، في التجربة الإسلامية.

وحين يردد الناس الآية القرآنية التي تقول: {إنما يخشى اللهَ من عبادِهِ العُلَمَاءُ}، فإنّ أذهانهم تنصرف في تعيين من يخافون الله من بين أهل العلم على أنهم شيوخ الدين، قبل غيرهم، وربما هم وحدهم دون البقية؛ فالعقل البسيط يربط كلمة "دين" بالألوهية، بطريقة أوسع وأعمق من ربط كلمة "علم" بها، وبالتالي فإنّ ما يعرفون في الدين هم أولى الناس بمعرفة الله وخشيته، مع أنّ أهل العلوم البحتة أمامهم كل لحظة من معجزات الله في خلق الإنسان في أحسن تقويم، وصنع الطبيعة في أكمل وأجمل صورة، ما هو أكثر قدرة على الإقناع وخلق اليقين من التوقف أمام بلاغة آية، أو بعض الأدعية والرقائق والقصص التاريخية للأنبياء والأولياء.

حضور الدين ولو شكلياً يجعل الطلب على الفتوى أكبر بكثير من الرغبة في توجيه أسئلة إلى علماء

وحضور الدين في حياة الناس بغزارة، ولو من الناحية الشكلية المظهرية، يجعل الطلب على الفتوى الدينية أكبر بكثير من الرغبة في توجيه أسئلة إلى علماء، ينعزلون في معاملهم أو يجيلون النظر في الكتب والمراجع أو يطوفون بين الناس، أو مع الطبيعة في دراسات ميدانية، ومن ثم يحتل "علماء الدين" مرتبة أعلى، لا سيما في ظلّ اعتقاد عموم الناس بأنّ لديهم الإجابة عن كافة تساؤلات الحياة، ومن ثم يذهبون إليهم ليسألوهم عن أشياء لا يملك الإجابة الصحيحة فيها سوى أصحاب التخصص العلمي الدقيق، وبدلاً من أن يحيل منتجو الفتوى الدينية إلى المختصين ليجيبوا الناس، يستولون هم على آذانهم، مستمرئين ما هم فيه، وهو ما يعطيهم حظوة ومكانة، ويدرّ عليهم، إن أرادوا، دخلاً وفيراً.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحدث في الجامعات المصرية؟

إنّ من يتابع البرامج الدينية التلفزيونية سيجد أنّ الناس في بلادنا يطلبون الفتوى في كلّ شيء، حتى لو كان ليس بينه والمسائل الدينية صلة، أو كان لا يحتاج إلى إقحام الدين بهذه الطريقة، وكأنّ الله لم يخلق للإنسان عقلاً، وتركه كالهوام يرتع في البرية، وفق ما تمليه عليه غريزته، وأمام إغراق كلّ التفاصيل والأمور البسيطة بالتصورات الدينية، ينفتح المجال العام أمام التعليم الديني، بل هو التعليم المستمر أو التكاملي في حياتنا، أما التعليم المدني؛ فإنّ الناس يتوقفون فيه عند حدود معينة من أعمارهم، ما عدا العلماء، والباحثين، والكتّاب، ومحبّي الثقافة العامة.

لا أعني بهذا أنّ تعلم الناس أمور دينهم أمر فيه شرّ؛ بل الشرّ يكمن في إهمالهم العلوم الأخرى، والإقبال على القشور في تعليم الدين وترك اللباب، وإتيان علماء الدين في كلّ مسألة، مهما كانت خفيفة طفيفة في حياتهم الغارقة في التفاصيل والمواقف الصغيرة والعابرة، ومنها الكثير مما يتطلب إعمال العقل، والنظر في آراء ومقترحات أهل التخصص في كل مسألة.

يحتل علماء الدين مرتبة أعلى في ظل اعتقاد عموم الناس أنّ لديهم الإجابة عن تساؤلات الحياة كافة

وقد ألقى التعليم الديني بظلاله على علومنا المدنية، حتى أنّ المدرس يسأل طالبه، ورب الأسرة يسأل نجله: هل حفظت الدرس؟ ولا يسأله: هل فهمت؟ وما هو رأيك فيما سمعت أو قرأت؟ وهل كنت تتوقع أن تعرف شيئاً مختلفاً؟

فعرفاء الكتاتيب، ومدرّسو العلوم الدينية، يشغلهم الحفظ، ليس للنص فحسب، إنما بالكثير من الآراء والقواعد الفقهية التي تركها الأوّلون، والتي يعاملها الغافلون معاملة النص المقدس في بعض الأحيان، ومع الأيام صار واضعو مناهج التعليم في مدارسنا يأخذون موضع هؤلاء، فيصبح ما ألفوه أشبه بالنص، الذي يجب حفظه، وتأتي الامتحانات وتقييمها لتكرس هذا الاتجاه الذي لا يبني عقولاً، وبالتالي لا ينهض بأمم.

اقرأ أيضاً: مدنية التعليم.. أول الطريق لمحاربة الإرهاب

كما أنّ دارسي العلوم الطبيعية والتطبيقية في مدارسنا وجامعاتنا ينشغلون بحفظ قوانين العلوم، ويتعاملون معها كمعطيات لا تقبل الجدل ولا النقاش، رغم أنّ التطور العلمي يعيد صياغة، وربما إبدال وإلغاء قوانين سابقة كانت سائدة، ويعتقد دارسوها أنّها اليقين أو الحقيقة، ولا يهتم أغلب دارسي هذه العلوم بطرق التفكير العلمي التي قادت إلى الوصول لتلك القوانين، قدر عنايتهم بمنطوقها وفحواها، والأمثلة المضروبة على تطبيقاتها، وبالتالي تحولت الأغلبية الكاسحة منهم بالتدريج إلى "حفظة" شأنهم شأن متلقي العلوم الإنسانية.

صار التعليم السائد ببلادنا في الغالب الأعم تلقينياً أشبه بالتعاليم الدينية والوصايا التاريخية القديمة

وفي ركاب هذا، صار "التعليم" السائد ببلادنا، في الغالب الأعم، أشبه بـ"التعاليم" الدينية والوصايا التاريخية القديمة، ومنها تعاليم الكاتب دوا خيتي لابنه بيبي، يرجع تاريخها إلى الأسرة الفرعونية الثانية عشرة، وهي مواعظ ووصايا حوتها أربع برديات ولوحتان وعدد من الشقفات تتحدث عن وظيفة الكاتب ومساوئ الحرف اليدوية، وينصح فيها الرجل ابنه بالتواضع والاعتدال، وتجنب الفخر والشره، وهناك تعاليم كاي جمني، وزير الملك سنفرو، التي تعود إلى الدولة الفرعونية الوسطى، وتشمل مجموعة من المبادئ الأخلاقية والسلوكية التي تنظم التعامل بين الناس، وتعاليم أمينيموبي التي تشرح أهمية التقوى، ووصايا أمنمحات التي هي أشبه بمواعظ وحكم سياسية.

وفي حياة الأمم الأخرى، يتحدثون عن تعاليم بوذا وزرادشت، ومبادئ الطاوية وغيرها، كما نتحدث نحن عن تعاليم اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي تضيق عند البعض لتخصّ المبادئ والقواعد العامة والأساسية، وتتسع عند آخرين لتشمل كل شيء في حياة الناس.

وكثير من هذه التعاليم لها من العمومية والرسوخ والديمومة ما لا يجب أن يمتد إلى "التعليم" الذي يقتضي أن يخضع كل شيء، بلا قيد ولا شرط، للتفكير العلمي الذي يعتمد على النسبية، ويؤمن بالتراكم، ويضع الأمور موضع شكّ ومساءلة مستمرَّين، ويعلي من شأن النقد والإبداع.

الصفحة الرئيسية