عيد الأضحى في سوريا: طقوس فرح إجبارية لنسيان ذكريات الحرب

أحد الطقوس الشائعة في أول أيام عيد الأضحى ( وعيد الفطر أيضاً) هو ذهاب الناس -من المسلمين- في سوريا، لزيارة القبور، بعد تأديتهم صلاة العيد في الجامع. وهذا الطقس، رغم أبعاده الدينية، إلا أنه يحمل معاني إنسانية، فالناس في مناسبة العيد الذي هو "دعوة للفرح"، تذهب للمقابر لتلقي التحية على من غيّبهم الموت، والذي غالباً ما يكون "موتاً طبيعياً".

الناشطة السورية نيفين الحوتري لـ"ـحفريات": "أجواء العيد كما هي في السنوات السابقة حزينة، بسبب الظروف التي تحيط بنا

لكنّ الموت في زمن الحرب يأخذ أبعاداً تراجيدية أكثر من أي وقت. في سوريا، بعد الثورة، وبعد الحرب التي لم تنطفأ نارها إلى هذا اللحظة؛ لم يعد هناك "موت طبيعي"، إذ بات للموت ألف قصة وقصة، لشباب وأطفال ونساء، وعجائز؛ قُتلوا تحت نيران القصف الجوي، أو بمواجهة الرصاص الحي، أو في أقبية السجون، تحت التعذيب الممنهج. هذا الموت الذي بات متعدد الوجوه والأشكال، ربما أعفى الناس اليوم، للذهاب إلى للمقابر، وتحديداً من جرى تهجيرهم من مناطقهم، وأحيائهم، فهم لم يتركوا فقط بيوتهم ومتاجرهم، وشوارعهم، وساحاتهم العامة، بل تركوا خلفهم مقابر، إما مدمرة، أو مهجورة. لتتسع مساحة المقبرة أكثر وأكثر في ذاكرة الناس. فالذاكرة بشكل أو بآخر هي مقبرة الماضي، لكن مع استمرار القتل والتهجير، والتشريد، يتحول الماضي الذي يحتوي على تفاصيل أو أحداث انتهت في زمنٍ ما؛ إلى "ماضٍ مستمر"، ومن بحيرةٍ "ماؤها راكد"، إلى "نهر جارف".

سوق البزورية يكون مزدحماً طوال الوقت
أغلب المسلمين في عيد الأضحى، يذهبون لشراء أضحية العيد، فمنهم من يشتري خروفاً، أو بقرة أو جملاً، حسب  القدرة المادية لكل عائلة، ويجري ذبحها، وتوزيع لحمها على الفقراء والمساكين. وهذا الطقس يتّبعه كل المسلمين في دول مختلفة بالعالم العربي، ومنها سورية. لكنّ طقس العيد لا يمكن اختصاره في هذه الطقوس الدينية، وحسب، فهناك طقوس وعادات مشتركة ومتشابهة بين البلدان العربية، فيما يخص عيد الأضحى، إلا أنّ كل بلدٍ يحمل نكهته المحلية الخاصة، التي تختلف بين بلد وبلد آخر، وحتى بين مدينة ومدينة أخرى. ففي سوريا، وفي دمشق تحديداً، أول ما يلفت النظر في الأيام العشرة التي تسبق أول يوم العيد، هو الأسواق التجارية الشهيرة في المدينة، وخصوصاً أسواق المدينة القديمة، كسوق الحميدية، وسوق الحرير، وسوق البزورية. فالناس تذهب إلى تلك الأسواق ليس فقط لشراء حاجياتها، بل حباً في التمشية في هذه الأسواق بالتزامن مع اقتراب العيد.

اقرأ أيضاً: العيديّة.. متى ظهرت؟ وما أبرز أشكالها عبر التاريخ؟
سوق البزورية يكون مزدحماً طوال الوقت، إذ يذهب الناس إلى هناك لشراء السكاكر والموالح، والبهارات اللازمة لعمل الحلويات، من محلات العطارة هناك، إذ إنّ أغلب العائلات في سوريا، ما زالت محافظة على طقس تحضير الحلويات في البيت، مثل المعمول المحشي عجوة (تمر)، أو محشي جوز أو فستق حلبي. كما أنّ الأسواق المشهورة ببيع الملابس تظل محلاتها مفتوحة 24 ساعة في الأيام التي تسبق موعد العيد، مثل شارع الحمراء، والصالحية، وشارع القصاع، والغساني، وباب توما.

أوضاع اقتصادية متردية
لكن أغلب هذا الطقوس باتت من الماضي لشرائح كبيرة من المجتمع، بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، وقلّة العمل، ونزوح الكثير من الناس ممن دمرت آلة الحرب الأحياء والمناطق التي يعيشون فيها. ومن يعيش داخل المدينة، يعاني من ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، باستثناء شرائح قليلة من الطبقة المتوسطة العليا أو ممن لم يخسروا عملهم، أو تجارتهم.
أما باقي المدن السورية، وخصوصاً المدن التي تعرضت للقصف والدمار، فهي تعاني من مشاكل اقتصادية ومعيشية صعبة بشكل يومي، فيمر العيد على الأهالي هناك، بوصفه عبئاً على الأهالي التي تحاول بشتى السبل أن تدخل البهجة إلى قلوب أطفالها.

المصور الفوتغرافي أنس الشامي: هنا في مدينة الباب لم أرَ سوى إرجوحة أطفال واحدة في كل المدينة

تواصلت "حفريات" مع المصور الفوتغرافي أنس الشامي، الذي هُجّر هو وعائلته من الغوطة الشرقية، وتحديداً من مدينة دوما، إلى مدينة الباب في حلب الشمالي في العام الماضي. يقول الشامي: "بالنسبة للصعوبة التي تواجهها الأهالي هنا، أولاً قلة فرص العمل؛ هناك الكثير من الناس في الشمال السوري، تعاني من قلة فرص العمل، وبالنسبة لمدينة الباب أو مدينة أعزاز، البيوت هنا، إجاراتها غالية الثمن، والتي تترواح ما بين الـ50 و 200 دولار في الشهر. وتعتبر هذه المشكلة من أبرز المشاكل التي تواجهها الناس هنا. لا يوجد فرحة عيد هنا، لأنّ الناس مهجرة، والعائلات تفرقت، فكل جزء من عائلة هنا، تفتقد لبقية أفراد عائلتها التي تعيش في مناطق يسيطر عليها النظام. فمظاهر العيد معدومة".

اقرأ أيضاً: عيد الأضحى.. زمن التسامح الإبراهيمي
يضيف الشامي: "على سبيل المثال هنا في مدينة الباب لم أرَ سوى إرجوحة أطفال واحدة في كل المدينة. أذكر عندما كنا في الغوطة، كان هناك مظاهر للأعياد، كان هناك مراجيح للأطفال، واحتفال بالعيد، رغم كل القصف الذي كان يحدث. عندما كنا في الغوطة الشرقية، ورغم كل المآسي، كنا في العيد نخرج لزيارة أقربائنا وأصدقائنا، وهذا لوحده كان يشعرنا بفرحة العيد، رغم أننا لم نكن بمقدرونا الذهاب لأماكن للتنزه أو الترفيه، لأن هذه الأماكن لم تكن موجودة. حتى الأطفال كانت تخرج من بيوتها لشراء لعبة، وتعود ثانية لبيوتها".

 أسعار المواشي واللحوم باهظة
وبسؤال الشامي إذا ما كانت الناس قادرة على شراء أضحية العيد هذا العام، أجاب: بالنسبة للعيد هذا العام، هناك جمعيات " تضحي" وتوزع لأغلبية المدنيين، أما كأشخاص أو أفراد عاديين، فإنّ قدرتهم المادية لا تسمح لهم بشراء أضحية العيد، إذ إنّ أسعار المواشي واللحوم غالية الثمن هنا. كما أنّ الأوضاع المادية للناس سيئة جداً، فهنا أقل عائلة تدفع إيجار بيت مع فواتير الكهرباء والماء 150 دولاراً، أي 90,000 ليرة سورية. (سعر الدولار يعادل 600 ليرة سورية تقريباً)، طبعاً هذا المبلغ لا يشمل الأكل والشرب والمصاريف اليومية الضرورية. وإذا كان هناك شخص واحد يعمل، ليصرف على عائلة كاملة، فكيف ستكون حياته؟ المصاريف والالتزامات كبيرة، والوارد قليل".

اقرأ أيضاً: تكحيل الأضحية وخطف الخروف.. أغرب عادات الشعوب في عيد الأضحى
أما الناشطة السورية نيفين الحوتري، والتي هُجرت العام الماضي من الغوطة الشرقية أيضاً، إلى مدينة إدلب، فتقول لـ"حفريات": "أجواء العيد كما هي في السنوات السابقة حزينة، بسبب الظروف التي تحيط بنا. أغلب العائلات السورية تحتفل بالعيد كواجب فقط، بينما كل الظروف المحيطة لا تسمح بجو مناسب للاحتفال".
وتتابع: "أفراد العائلة الواحدة متفرقون، والأسواق تعاني من ركود بسبب الوضع الأمني والاقتصادي. هناك عائلات مهجرة لم يزرها العيد منذ سنوات، وهناك عائلات في المخيمات وغيرها تنتظر العيد، لتستلم الأضحية وتسعد صغارها".
وتختم الحوتري كلامها: "رغم كل ذلك لازال الكثير منا متمسكاً بفرص السعادة، ويسعى لإضفاء جو مختلف على العائلة في هذه الأيام".

الأقسام: