غاسبا نوي مخرج فيلم Climax: الجمهور لا يشغلني وفيلمي لا مكان له في أمريكا

5943
عدد القراءات

2018-10-11

ترجمة: محمد الدخاخني


أنْ تنعَت غاسبار نوي بأنّه استفزازيّ فهذا يعني أن تفترض، بشكل غير صحيح، بأنّه يأبه لردّ فعل المشاهد. إنّ الأرجنتينيّ الّذي أخرج فيلم الإثارة والانتقام المثير للجدل (2002) Irreversible، وما تضمّنه من مشهد اغتصاب مفصّل امتدّ لعشر دقائق، يقول إنّه لا يفكّر أبداً في الجمهور عندما يصنع فيلماً، فالتّركيز يكون دائماً على متعته الشّخصيّة. ويصادف أنّ مُتَعه، على ما يبدو، تُحَفّ من أحلك زوايا النّفس البشريّة.

في فيلمه الجديد،"Climax"، يركّز غاسبار نوي على الّليلة الأخيرة من بروفات فرقة رقصٍ بالرّيف الفرنسيّ (ووفقاً لنوي، يستند الفيلم إلى قصّة حقيقيّة).

في فيلمه الجديد "Climax" يركّز غاسبار نوي على الّليلة الأخيرة من بروفات فرقة رقصٍ بالرّيف الفرنسيّ

يقرّر الرّاقصون عقد حفلة متواضعة، يمكنهم فيها الاسترخاء والشّرب وتدخين السّجائر والاستماع إلى بعض الإسطوانات، ومغازلة بعضهم البعض. لكن،؛ يقوم شخص ما بوضع مخدر هلوسة قويّ، "إل إس دي"، في مشروب السّانجريا الّذي وزّع في الحفلة. وما يكون إلّا أن تَحتَدم منافسات الرّقص وينغمس الرّاقصون في الملذّات، في الوقت الّذي تنحدر فيه حلبة الرّقص إلى حمّام دم.

بالرّغم من أنّ إحساسي يقودني إلى أنّ المخرج البالغ من العمر 54 عاماً سيحبّ أنْ يُعتبر "Climax" فيلماً راقصاً، إلّا أنّ الفيلم مجرورٌ نحو الرّغبة الجسديّة دون توقّف، ولا شكّ أنّ الجنس كان موضوع انهماك عميق عند نوي في كافّة أفلامه. وعلى هذا الأساس، يجب أنْ يكون مصدرَ قلق بالنّسبة إليه أنّ تصوير الجنس على الشّاشة أصبح يخضع بشكل روتينيّ لما يمكن وصفه إيجابيّاً بأنّه تدقيق أخلاقيّ أو، على نحو أقلّ إيجابيّة، مراقبة أخلاقيّة من جانب النّاقد والمشاهد على حدّ سواء في الأعوام الأخيرة.

 

 

طبيعة تناقضية في المجتمع الغربي

"كنت محبّاً للأفلام الإيروتيكيّة، على غرار فيلم (Black Emanuelle1975) عندما كنت مراهقاً"، يقول نوي.

هو ضئيل البنية، كثّ الشّارب، حليق الرّأس، شخص متململ إلى حدّ ما، وعيناه لا تكفّان عن التّجوال في الغرفة.

يقول نوي:"اعتدتُ على شراء مجلات مثل مايفير وبلاي بوي، إلخ... وذلك من أجل الإثارة، بطبيعة الحال، وأيضاً بسبب جمال هاته الفتيات. وقد جعلتني هذه المجلات أريد أن أكبر وأصبح رجلاً، وكان ذلك بالنّسبة إليّ مثل مياه نقيّة قادمة من الجبل"

ويضيف: "في أيّامنا هذه يُشَيطَن حتّى تمثيل العري الأنثويّ أو الذّكوريّ. فمن نَواحٍ عديدةٍ، تعود المجتمعات الغربيّة إلى القرن التّاسع عشر أو تشقّ طريقها باتّجاه مزيد من الثّقافات القمعيّة ذات الأصول الدّينيّة".

يرى نوي أنّ هذا الاتجّاه يعبّر عن طبيعة تناقضيّة بالنّظر إلى القبول الإيجابيّ المتزايد لهويّات مجتمع الميم (المثليّات والمثليّون جنسيّاً ومزدوجو الميل الجنسيّ والمتحوّلون جنسيّاً).

ويردف: "من الأسهل الآن أنْ يكون النّاس مثليّين أو مزدوجي الميل الجنسيّ أو متعدّدي الميول الجنسيّة أو أيّ شيء، فالنّاس يتمتّعون بحرّيّة جنسيّة أكبر، لكن تمثيل الجنس أصبح إشكاليّاً".

غير أنّ ذلك لم يمنع نوي، عام 2015، من صناعة الفيلم الملحميّ الجنسيّ ثلاثيّ الأبعاد، Love (ويكتب العنوان على الملصق الدّعائيّ للفيلم بحروف كبيرة، LOVE، وبالّلون الأبيض في إشارة إلى عمليّة قذف المني) - والفيلم متوفّر حالياً على نتفليكس -، ويضمّ Love سلسلة من المشاهد الصّريحة المطوّلة. وعلى نحو مماثل يفصّل نوي في معالجته لموضوع العنف في فيلمه Irreversible وفيلمه الأوّل الّذي يدور حول قاتل، جزّار سفَاح (I Stand Alone, 1998).

اقرأ أيضاً: 14 فيلماً جسدت صورة الإرهابي في السينما المصرية.. تعرّف عليها

إلّا أنّه في "Climax" يتعاطى مع خبرات الهلوسة بتفصيل متوهّج، كما يلاحظ:"في الواقع، من غير المعتاد أن يقوم الرّاقصون بتعاطي المخدّرات. مثلاً، يغلب على من يعملون في صناعة الأزياء تعاطي الكوكايين، لكنْ عندما يتعلّق الأمر بالرّاقصين، فإنّهم يهتمّون فقط بأجسادهم وما يأكلونه وما يشربونه".

فيلم الإثارة والانتقام المثير للجدل (2002) Irreversible

التمثيل بوصفه رحلة ذهانية

ها هو يأخذ رشفة من زجاجة بها ماء جوز الهند، التي يبدو أنّها تؤثّر جيّداً وبوضوح على مخرجنا السّينمائيّ، وهو الّذي كان في وقت سابق يشرب زجاجات كاملة من الفودكا في جلسة واحدة. لقد وضع فريق عمله داخل العقليّة الفصاميّة "الذّهانيّة النّاتجة عن تعاطي المخدّرات"، كما يقول، من خلال إعداد "مجموعة من أفضل مقاطع الفيديو الّتي يمكن أن نجدها على الإنترنت لأناس في حالة نشوة من الكوكايين، أو حبوب الإكستاسي، أو مخدر الأسيد". وكان الرّاقصون متشجّعين لأخذ أيّة جوانب تجريبيّة تقدّم لهم من مقاطع الفيديو هذه والقيام بمحاكاتها في الفيلم.

قال أحدهم: "أريد أنْ أصرخ مامي، مامي، مامي"

وأراد آخر أن يتعرّى، ورغب ثالث فقط بأنْ يمارس الجنس... .

اقرأ أيضاً: واقع الحشيش وصور الحشاشين في السينما المصرية .. أشهر الأفلام

كان فريق العمل الّذي ضمّ ممثلين مجهولين، جرى انتقاؤهم من معارك "كرامب" في باريس وعروض "فوجنج" ومقاطع رقص موجودة على يوتيوب، سعيداً للغاية بالذّهاب مع نوي في هذه الرّحلة، باستثناء الممثّلة الرّئيسية الشّهيرة صوفيا بوتيلا (من أفلامها The Mummy وStar Trek Beyond) الّتي احتاجت لبعض الإقناع.

"كانت صوفيا قلقة بعض الشّيء؛ حيث قالت: أين النّصّ؟ أين العبارات؟' قلتُ، "لا يوجد لا نصّ ولا عبارات". وكانَ تردّدها مفهوماً - فقد جرى إخراج Climax استناداً إلى صفحة واحدة تضمّ رؤوس أقلام ليس إلّا. "أفهم ألّا يرغب الممثّل في أن يكون جزءاً من شيء لا يعرفه"، أخبرها نوي، "لكن فقط كان عليّ أن أقول لها: ثقي بي …'".

صوفيا بوتيلا تعطي أداءً أولياً كصورة للأم

وقد حصل ووثقتْ به. تُقدّم صوفيا أداءً مُلتزماً وبكامل قواها في دور الرّاقصة الاجتماعيّة سيلفا، الّتي تحاول، دون جدوى، مساعدة زملائها، ضحايا الصّدمات النّفسيّة الجنسيّة المختلفة الّتي يعمل مخدر الأسيد كمحفّز لها، قبل أنْ تضيع بالنّهاية في صدمتها الخاصّة.

ومن خلال تصوير مشاهد طويلة على مرّة واحدة والتّخلي عن الكاميرا الثّقيلة ثلاثيّة الأبعاد الّتي استخدمها في Love، جابَ نوي قاعة الرّقص بحرّيّة، متحلّقاً حول الرّاقصين بكاميرا خفيفة الوزن، وأحياناً صوّرهم في وضعيّة مقلوبة. كما جرى تصوير "Climax" مع مراعاة التّسلسل الزّمنيّ، وحذّر المخرج فريق عمله من أنّ فيلمه "الحقيقيّ" سيبدأ في الأسبوع الثّاني من الإنتاج عندما تبدأ المخدّرات في التّأثير على الشّخصيّات. "كنّا نمضي أحياناً ساعة ونصف الساعة، يخرج فيها النّاس تماماً عن شعورهم"، يتذكّر، بولع، إحدى ليالي التّصوير، وكانت "العروض الذّهانيّة" تأتي بشكلٍ عام بعد أن تغيب الشّمس.

اقرأ أيضاً: صورة البطل "البلطجي" في السينما الأمريكية

إنّه أفضل أفلام نوي. فيلم رشيق على نحو مدهش يمتدّ إلى 96 دقيقة، وتعودُ موسيقاه التّصويريّة الحيويّة إلى التّسعينيّات، ويمتلئ بعروض جنونيّة وفاتنة تقوم بها مجموعة الرّاقصين غير محترفي التّمثيل في معظمهم. وهو أيضاً خال من الكليشيهات السّينمائيّة المرتبطة بتعاطي مخدّر الأسيد. فلا وجود هنا لمحتوى بصريّ هذيانيّ ملوّن بألوان قوس قزح، فالرّحلات يتمّ اختبارها على نحو تلصصيّ وليس داخل عقل المُتعاطي. ويشير نوي إلى أنّه جسّد بالفعل حالة الهلوسة في فيلمه الميلودراميّ المرتبط أيضاً بالمخدّرات، (2009) Enter the Void.

ركز نوي على الجوانب الأكثر هلاوسية LSD في فيلمه لعام 2009 "أدخل الفراغ" (Wild Bunch)

السّينما وسياسات الهويّة

لحسن الحظّ، رحّالة نوي غير المقصودين يذهبون عميقاً إلى حدّ أنّ هوسهم الجماعيّ من المستحيل التّوقّف عن مشاهدته. والفضل يعود إلى المخرج في استخراج أداء أصيل من فريق عملٍ لم يكن ميّالاً أو مجرّباً من قبل للمخدّرات.

إنّ "Climax" يُعدّ فيلماً جريئاً، و، بالنّسبة إلى نوي، أوروبيّاً بشكل أساسيّ. "هذا الفيلم لا يمكن أنْ يجسّد في الولايات المتّحدة أبداً"، يقول.

اقرأ أيضاً: المرأة السعودية سعيدة.. والسبب السينما

يشير نوي إلى نظام التّمويل في هوليوود، والعدد الكبير من الوكلاء والموزّعين الّذين يتدخّلون في عمل المخرج، ويشير، أيضاً، إلى زيادة الوعي في الآونة الأخيرة بسياسات الهويّة في الولايات المتّحدة.

"في Climax"، ثمّة أنواع مختلفة من ألوان البشرة، والأنماط الجندريّة، والتّفضيلات الجنسيّة، لكنّي لا آبه، فما فعلته هو أن اخترت الرّاقصين المفضّلين بالنّسبة إليّ، يقول.

ويضيف: "في أمريكا، إذا وضعت شخصاً من مجتمع ما community (على الشّاشة) فإنّه يجب أن يكون لديك رسالة موجّهة لهذا المجتمع أو أنْ تكون جزءاً منه.

ويقول: "في فيلمي.. الشّخصيّات كلّها جيّدة وسيّئة في آن معاً، فلا توجد شخصيّة واحدة أكثر أخلاقيّة من غيرها؛ إنّهم مجرّد حيوانات، في حالة خطر. ما من حديث حول المجتمعات في أفلامي، وهذا ما أحبّه: سيكون هذا الفيلم مستحيلاً في أيّ مكان آخر".


كريستوفر هوتون، الإندبندنت

اقرأ المزيد...

الوسوم: